عمرو الشاعر
08-30-2010, 08:36 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, مراد المحبين والطالبين, وغاية الناظرين الباحثين, وسلام على عباده المرسلين, ثم أما بعد:
حديثنا اليوم بإذن الله وعونه عن سبيل من سبل التقرب إلى الله الحبيب, وهي: "العكوف في بيوته"! تلك العبادة التي أصبحت معروفة بين المسلمين بشكل واحد وباسم واحد, وهو: الاعتكاف!
تلك العبادة التي فُرغت من مضمونها أو كادت! فإذا نظرنا في كيفية تطبيق المسلمين لها في زماننا هذا أصبحنا أنها أصبحت "مجاورة" أو "اعتزال" بدون تحقيق العكوف, أو حتى الاعتكاف بحال!!
وحتى يتبين للقارئ ما نقصد بأن الفعل لم يعد عكوفا, نبين له ما هو مدلول العكوف في اللسان!
فإذا نظرنا في معجم لسان العرب, ألفينا ابن منظور يقول:
"عَكَف على الشيء يَعْكُفُ ويَعْكِفُ عَكْفاً وعُكوفاً: أَقبل عليه مُواظِباً لا يَصْرِفُ عنه وجهه، وقيل: أقام؛ ومنه قوله تعالى: يَعكفون على أَصنام لهم، أَي يُقيمون؛ ومنه قوله تعالى: ظَلْتَ عليه عاكفاً، ........ وعَكفَتِ الخيلُ بقائدها إذا أَقبَلَت عليه، وعَكَفَتِ الطيرُ بالقَتِيل، فهي عُكُوف؛ كذلك أَنشد ثعلب: تَذُبُّ عنه كَفٌّ بها رَمَقٌ طيراً عُكوفاً، كَزُوّرِ العُرُسِ يعني بالطير هنا الذِّبّان فجعلهنَّ طيراً، وشبَّه اجتماعهن للأَكل باجتماع الناس للعُرْس.
وعَكَفَ يَعْكُف ويَعْكِفُ عَكْفاً وعُكوفاً: لزم المكان.
والعُكُوفُ: الإقامةُ في المسجد: قال اللّه تعالى: وأَنتم عاكِفونَ في المَساجد؛ قال المفسرون وغيرهم من أَهل اللغة: عاكِفون مُقيمون في المساجد لا يُخْرُجون منها إلا لحاجة الإنسان يُصلّي فيه ويقرأُ القرآن. ويقال لمن لازَمَ المسجد وأَقام على العِبادة فيه: عاكف ومُعْتَكِفٌ. ......... والاعتِكافُ: الاحْتِباس وعَكَفُوا حولَ الشيء: استداروا. ............. ويقال: إنك لتَعْكِفُني عن حاجتي أَي تَصْرفُني عنها. قال الأَزهري: يقال عَكَفْته عَكْفاً فعكَفَ يعكف عُكوفاً، وهو لازمٌ وواقعٌ كما يقال رَجَعْتُه فرَجَعَ، إلاّ أَن مصدر اللازم العُكوف، ومصدر الواقع العَكْف.
وأَما قوله تعالى: "والهَدْيَ مَعْكوفاً"، فإنَّ مجاهداً وعطاء قالا مَحْبوساً. قال الفراء: يقال عكفته أَعكفه عَكْفاً إذا حبسته.
وقد عَكَّفْت القومَ عن كذا أَي حبستهم.
ويقال: ما عَكَفَكَ عن كذا؟ وعُكِّفَ النظمُ: نُضِّدَ فيه الجوهرُ؛ قال الأَعشى: وكأَنَّ السُّموطَ عَكَّفَها السِّلْـ ـكُ بعِطْفَيْ جَيْداء أُمِّ غَزالِ أَي حَبَسها ولم يَدَعْها تتفرق.
والمُعَكَّف المُعَوَّجُ المُعَطَّفُ." ا.هـ
ويقول ابن فارس في معجم مقاييس اللغة:
"العين والكاف والفاء أصلٌ صحيح يدلُّ على مقابلةٍ وحبس، يقال: عَكَفَ يَعْكُفُ ويَعْكِفُ عُكوفاً، وذلك إقبالك على الشَّيء لا تنصرف عنه. ...." ا.هـ
فكما رأينا فالعكوف هو الإقبال على الشيء وحبس النفس عليه! والكلمة من المستعمل في لغتنا الحديثة, فنقول: فلان عاكف على القراءة وطلب العلم!
فإذا سألنا أي مسلم: ما هو العكوف؟!
فسيستغرب أولا الاسم ثم قد ينتبه إلى أننا نقصد الاعتكاف!! فيقول أنه المكث في المسجد بنية ذكر الله والتقرب إليه! وأنه يكون غالبا في العشر الأواخر من شهر رمضان! ويجوز في غيره!
فإذا نظرنا في كتاب الله العظيم وجدنا أنه قد استعمل اسم الفاعل "عاكف" سبع مرات! واستعمل اسم المفعول "معكوف" مرة واحدة! ومن ثم فيكون فعله ثلاثيا, ومصدره "عكوف" ولست أدري لماذا اشتهر مؤدي هذه الطاعة بهذا الشكل "معتكف" والطاعة باسم "الاعتكاف" وليس بالشكل الأصلي له؟!!
فإذا نظرنا في المواطن التي ورد فيها العكوف في القرآن, وجدنا أن أول ذكر للعكوف كان مع الخليل إبراهيم, فنجد الرب العليم يقول:
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة : 125]
فيؤمر الخليل بتطهير البيت للطائفين والعاكفين والركع السجود! وهم كما قال الإمام الفخر الرازي في تفسيره:
"فالمراد بالطائفين: من يقصد البيت حاجاً أو معتمراً فيطوف به، والمراد بالعاكفين : من يقيم هناك ويجاور، والمراد بالركع السجود: من يصلي هناك. والقول الثاني : وهو قول عطاء : أنه إذا كان طائفاً فهو من الطائفين ، وإذا كان جالساً فهو من العاكفين ، وإذا كان مصلياً فهو من الرجع السجود." ا.هـ
وكما رأينا فالله تعالى يتحدث –هنا وفي الكتاب كله- عن العكوف, بصفته عبادة معروفة, يقوم بها الناس, ولم يأمر بها في الكتاب كله! وإن كان يُفهم من الحديث عنها أنها عبادة مقبولة حسنة وليست بالبدعة أو المستنكرة!
حتى أن الآية التي يستدلون بها على مشروعية الاعتكاف! وهي قوله تعالى:
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة : 187]
نجد فيها أن الله تعالى لم يُشرع للمسلمين الاعتكاف في المساجد! ولا الرسول نفسه –حتى لا يقول قائل أنها مما جاءت به السنة!- وإنما هي مسلك قديم! من –قبل- أيام الخليل إبراهيم عليه السلام! حافظ الناس عليه ولم ينقطع أبدا!
كما نجد أن العكوف قد ورد بصيغة اسمية "عاكف" "معكوف", ووردت الصيغة "عاكف" مرتبطة بحرفي الجر: على/ ل.
قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى [طه : 91]
لن نترك العكوف عليه حتى ...
قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً [طه : 97]
إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ [الأنبياء : 52]
قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ [الشعراء : 71]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج : 25]
فنخرج من هذا أن الإنسان يعكف على الشيء, ويعكف له! فالعكوف على الشيء يفيد الإقبال والانكباب عليه وفعله! بينما العكوف للشيء يعني الانقطاع عن غيره من أجله, بينما قد لا يكون الإنسان يفعله في هذه اللحظات!!
فعندما أقول: أنا عاكف للبحث العلمي! يعني أني متفرغ له! بينما قد لا أكون أقوم به في عين الوقت!! مع ملاحظة أن مواطن ذكر العكوف في القرآن لم تأت إلا مع المقدسات! فلقد وردت مع البيت الحرام والمساجد! والآلهة الباطلة عند غير المسلمين, فلم تستعمل مرة واحدة مع الأمور الدنيوية, فهل يكون في هذا إشارة إلى ارتباط العكوف بالذكر والعبادة؟!!
إلا في موطن واحد فقط, جاءت بصيغة فعلية وهي قوله تعالى:
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف : 138]
ويبدو والله أعلم أن استعمال الصيغة الفعلية هنا للإشارة إلى أن حالهم وديدنهم أنهم كانوا يعبدون الأصنام! ولو استعملت صيغة اسم الفاعل "عاكفين" لكان المعنى أنهم وجدوهم على هذا الوضع عند العبور, وذلك مثل قولي:
أتيت قوماً نائمين بالنهار! وأتيت قوما ينامون بالنهار! ... والله أعلم!!
الحمد لله رب العالمين, مراد المحبين والطالبين, وغاية الناظرين الباحثين, وسلام على عباده المرسلين, ثم أما بعد:
حديثنا اليوم بإذن الله وعونه عن سبيل من سبل التقرب إلى الله الحبيب, وهي: "العكوف في بيوته"! تلك العبادة التي أصبحت معروفة بين المسلمين بشكل واحد وباسم واحد, وهو: الاعتكاف!
تلك العبادة التي فُرغت من مضمونها أو كادت! فإذا نظرنا في كيفية تطبيق المسلمين لها في زماننا هذا أصبحنا أنها أصبحت "مجاورة" أو "اعتزال" بدون تحقيق العكوف, أو حتى الاعتكاف بحال!!
وحتى يتبين للقارئ ما نقصد بأن الفعل لم يعد عكوفا, نبين له ما هو مدلول العكوف في اللسان!
فإذا نظرنا في معجم لسان العرب, ألفينا ابن منظور يقول:
"عَكَف على الشيء يَعْكُفُ ويَعْكِفُ عَكْفاً وعُكوفاً: أَقبل عليه مُواظِباً لا يَصْرِفُ عنه وجهه، وقيل: أقام؛ ومنه قوله تعالى: يَعكفون على أَصنام لهم، أَي يُقيمون؛ ومنه قوله تعالى: ظَلْتَ عليه عاكفاً، ........ وعَكفَتِ الخيلُ بقائدها إذا أَقبَلَت عليه، وعَكَفَتِ الطيرُ بالقَتِيل، فهي عُكُوف؛ كذلك أَنشد ثعلب: تَذُبُّ عنه كَفٌّ بها رَمَقٌ طيراً عُكوفاً، كَزُوّرِ العُرُسِ يعني بالطير هنا الذِّبّان فجعلهنَّ طيراً، وشبَّه اجتماعهن للأَكل باجتماع الناس للعُرْس.
وعَكَفَ يَعْكُف ويَعْكِفُ عَكْفاً وعُكوفاً: لزم المكان.
والعُكُوفُ: الإقامةُ في المسجد: قال اللّه تعالى: وأَنتم عاكِفونَ في المَساجد؛ قال المفسرون وغيرهم من أَهل اللغة: عاكِفون مُقيمون في المساجد لا يُخْرُجون منها إلا لحاجة الإنسان يُصلّي فيه ويقرأُ القرآن. ويقال لمن لازَمَ المسجد وأَقام على العِبادة فيه: عاكف ومُعْتَكِفٌ. ......... والاعتِكافُ: الاحْتِباس وعَكَفُوا حولَ الشيء: استداروا. ............. ويقال: إنك لتَعْكِفُني عن حاجتي أَي تَصْرفُني عنها. قال الأَزهري: يقال عَكَفْته عَكْفاً فعكَفَ يعكف عُكوفاً، وهو لازمٌ وواقعٌ كما يقال رَجَعْتُه فرَجَعَ، إلاّ أَن مصدر اللازم العُكوف، ومصدر الواقع العَكْف.
وأَما قوله تعالى: "والهَدْيَ مَعْكوفاً"، فإنَّ مجاهداً وعطاء قالا مَحْبوساً. قال الفراء: يقال عكفته أَعكفه عَكْفاً إذا حبسته.
وقد عَكَّفْت القومَ عن كذا أَي حبستهم.
ويقال: ما عَكَفَكَ عن كذا؟ وعُكِّفَ النظمُ: نُضِّدَ فيه الجوهرُ؛ قال الأَعشى: وكأَنَّ السُّموطَ عَكَّفَها السِّلْـ ـكُ بعِطْفَيْ جَيْداء أُمِّ غَزالِ أَي حَبَسها ولم يَدَعْها تتفرق.
والمُعَكَّف المُعَوَّجُ المُعَطَّفُ." ا.هـ
ويقول ابن فارس في معجم مقاييس اللغة:
"العين والكاف والفاء أصلٌ صحيح يدلُّ على مقابلةٍ وحبس، يقال: عَكَفَ يَعْكُفُ ويَعْكِفُ عُكوفاً، وذلك إقبالك على الشَّيء لا تنصرف عنه. ...." ا.هـ
فكما رأينا فالعكوف هو الإقبال على الشيء وحبس النفس عليه! والكلمة من المستعمل في لغتنا الحديثة, فنقول: فلان عاكف على القراءة وطلب العلم!
فإذا سألنا أي مسلم: ما هو العكوف؟!
فسيستغرب أولا الاسم ثم قد ينتبه إلى أننا نقصد الاعتكاف!! فيقول أنه المكث في المسجد بنية ذكر الله والتقرب إليه! وأنه يكون غالبا في العشر الأواخر من شهر رمضان! ويجوز في غيره!
فإذا نظرنا في كتاب الله العظيم وجدنا أنه قد استعمل اسم الفاعل "عاكف" سبع مرات! واستعمل اسم المفعول "معكوف" مرة واحدة! ومن ثم فيكون فعله ثلاثيا, ومصدره "عكوف" ولست أدري لماذا اشتهر مؤدي هذه الطاعة بهذا الشكل "معتكف" والطاعة باسم "الاعتكاف" وليس بالشكل الأصلي له؟!!
فإذا نظرنا في المواطن التي ورد فيها العكوف في القرآن, وجدنا أن أول ذكر للعكوف كان مع الخليل إبراهيم, فنجد الرب العليم يقول:
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة : 125]
فيؤمر الخليل بتطهير البيت للطائفين والعاكفين والركع السجود! وهم كما قال الإمام الفخر الرازي في تفسيره:
"فالمراد بالطائفين: من يقصد البيت حاجاً أو معتمراً فيطوف به، والمراد بالعاكفين : من يقيم هناك ويجاور، والمراد بالركع السجود: من يصلي هناك. والقول الثاني : وهو قول عطاء : أنه إذا كان طائفاً فهو من الطائفين ، وإذا كان جالساً فهو من العاكفين ، وإذا كان مصلياً فهو من الرجع السجود." ا.هـ
وكما رأينا فالله تعالى يتحدث –هنا وفي الكتاب كله- عن العكوف, بصفته عبادة معروفة, يقوم بها الناس, ولم يأمر بها في الكتاب كله! وإن كان يُفهم من الحديث عنها أنها عبادة مقبولة حسنة وليست بالبدعة أو المستنكرة!
حتى أن الآية التي يستدلون بها على مشروعية الاعتكاف! وهي قوله تعالى:
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة : 187]
نجد فيها أن الله تعالى لم يُشرع للمسلمين الاعتكاف في المساجد! ولا الرسول نفسه –حتى لا يقول قائل أنها مما جاءت به السنة!- وإنما هي مسلك قديم! من –قبل- أيام الخليل إبراهيم عليه السلام! حافظ الناس عليه ولم ينقطع أبدا!
كما نجد أن العكوف قد ورد بصيغة اسمية "عاكف" "معكوف", ووردت الصيغة "عاكف" مرتبطة بحرفي الجر: على/ ل.
قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى [طه : 91]
لن نترك العكوف عليه حتى ...
قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً [طه : 97]
إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ [الأنبياء : 52]
قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ [الشعراء : 71]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج : 25]
فنخرج من هذا أن الإنسان يعكف على الشيء, ويعكف له! فالعكوف على الشيء يفيد الإقبال والانكباب عليه وفعله! بينما العكوف للشيء يعني الانقطاع عن غيره من أجله, بينما قد لا يكون الإنسان يفعله في هذه اللحظات!!
فعندما أقول: أنا عاكف للبحث العلمي! يعني أني متفرغ له! بينما قد لا أكون أقوم به في عين الوقت!! مع ملاحظة أن مواطن ذكر العكوف في القرآن لم تأت إلا مع المقدسات! فلقد وردت مع البيت الحرام والمساجد! والآلهة الباطلة عند غير المسلمين, فلم تستعمل مرة واحدة مع الأمور الدنيوية, فهل يكون في هذا إشارة إلى ارتباط العكوف بالذكر والعبادة؟!!
إلا في موطن واحد فقط, جاءت بصيغة فعلية وهي قوله تعالى:
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف : 138]
ويبدو والله أعلم أن استعمال الصيغة الفعلية هنا للإشارة إلى أن حالهم وديدنهم أنهم كانوا يعبدون الأصنام! ولو استعملت صيغة اسم الفاعل "عاكفين" لكان المعنى أنهم وجدوهم على هذا الوضع عند العبور, وذلك مثل قولي:
أتيت قوماً نائمين بالنهار! وأتيت قوما ينامون بالنهار! ... والله أعلم!!