عبدالكريم عبدالرحمن
08-31-2010, 09:32 PM
أولاً وآخراً هنا فإن القرآن الكريم مبدع في اللغة التي يخاطب بها الإنسان، هذا الإبداع يكمن في استخدام البسيط السهل الواضح من الكلم لاعطاء الراقي والرائع من اللغة، إلا أن جـُل المسلمين يعتقد أن القرآن الكريم معجز في بلاغة قوله، وأنه لا يمكن أن يُأتى بتعابير عربية أفضل منه، لكن العقل يقول أن لغة القرآن بسيطة واضحة لا تلكف فيها، فما الذي يـُعجز بشراً من أن يقول كقوله تعالى مثلاً : " نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ "، وأظن أن الكثير من المسلمين يطرد تساؤل عقله وربما يعزو السؤال لوسوسة الشيطان، إن تساءل العقل حول بساطة الخطاب القرآني ووضوح معناه، مقارنة بمقالات أو أشعار أو أدب يكتبُه بشر.
يقرأ المسلم القرآن الكريم ويقرأ أيضاً في الشعر والأدب وغيرها، والقرآن الكريم يؤكد أنه ميسر وواضح، فهو كلغة يتميز باستخدام السهل والبين البسيط من الكلمات، قال تعالى: " ... وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ "، و"مبين" أي واضح وبيّن، فأن تقرأ القرآن الكريم أسهل من قراءة شعر للمتنبي أو غيره، بل أن التصريح القرآني " كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ " يؤكد عدم التكلف القرآني في استخدام اللغة انطلاقاً من الهدف المـُعلن المتمثل في هداية البشر، ومنطقياً وعقلياً فإن البشر يتوقعون من ربهم تنزيل الكتاب العزيز في قالب من الوضوح، ولهذا لا عذر في الاحتجاج بصعوبة اللغة القرآنية بدليل : " أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الْأَوَّلِينَ "
ما المقصود بالتحدي في هذه الآيات الكريمة ؟؟؟ ... هل التحدي اللغوي ؟؟؟ ... ما يلي محاوله لإيجاد تفسير لهذا التحدي ،،، والعلم عند الله تعالى ،،،
قوله تعالى :
(1) " وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْماً وَزُوراً "
(2) " قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً "
(3) " أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ "
(4) " وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ "
المقصد هو تحدي أن يجدوا نسخاً من القرآن مطابقة قيلت من قبل، فالكفرة قالوا :" وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ... " فكانت التكملة للآية الكريمة : " وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ "، واتهموا النبي الكريم بأنه يتلقى القرآن من غيره وجدت سابقاً بدليل أنهم قالوا : " وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً "، لاحظ أنهم يتهموا النبي الكريم بالنقل من السابقين ويتبين هذا من قولهم "أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ"، والله تعالى بين أنه لو كان الرسول عليه السلام يكتب هذا القرآن من قبل فإنه سيرتاب المبطلون، قال عزوجل : " وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ "، ورداً على اتهامهم بأن القرآن منقول من سابقين، فقد أتت آيات قرآنية تتحدى الكفرة بأن يثبتوا زعمهم هذا بأن يأتوا بآيات قرآنية مطابقة قيلت قبل محمد، فإن وجدوا فقد اثبتوا صحة زعمهم، ولهذا يتحداهُم الرب أن يأتوا بآية من القرآن قد قيلت من قبل.
ما يلي نقاط حول الآيات القرآنية التي ورد فيها التحدي بأن يأتوا بمثله وأخرى لها علاقة بالأمر، قاصداً الآيات المرقمة (1 - 4 ) أعلاه:
( أ ) لا توجد قرينة في الآيات القرآنية تشير إلى أن القرآن يتحدى الإنسان في البلاغة اللغوية، فضلا ً على أن القرآن صرح أنه ميسر، وهذا ما يستبعد التحدي اللغوي، بل تجاوز ذلك إلى التحذير من التعذر بصعوبة اللغة القرآنية : " أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الْأَوَّلِينَ ".
( ب ) لاحظ الارتباط بين الآية التي بدأت بـ ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) وتخللها التحدي بعشر سور من القرآن الكريم، والآية الكريمة " وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْماً وَزُوراً "، تجد أن وصف الكفار للقرآن باللإفك المفترى في الآية الأخير ذكراً هنا، في حين أن التحدي بجلب عشر سور من القرآن الكريم بدأت بـ(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ)، وهذا يؤكد أن التحدي في اثبات خطأ قول الكفرة بإفتراء محمد القرآن وأنه قد أعانه عليه قوم آخرون، فأتى التحدي بأن يأتوا بسور قيلت من قبل تثبت زعمهم، ولا مكان للتحدي اللغوي هنا.
( ج ) قال "بمثله" ولم يقل "بخير منه"، والمثل أي نفسه بدليل ((نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) أي نفسها، وهذا يستبعد التحدي اللغوي، ويؤكد أن المعنى اجلبوا ما يثبت أن القرآن قد قيل قبل محمد من خلال احضار نسح قرآنية كتبت قبله عليه السلام.
( د ) الرب عزوجل يقول " من مثله" أي من نفسه، لاحظ جيداً حرف الجر "من"، وهذا يؤكد أن يتحداهُم أن يجدوا نسخاً من القرآن الكريم قيلت من قبل تثبت زعمهم بأنه أساطير الأولين، ولا يمكن أن نقول أنه يتحداهُم لغوياً، فكيف يتحداهم بأن يأتوا من القرآن نفسه؟؟؟.
( هـ ) "بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ" كلمة "مفتريات" دليل على أن التحدي ليس في ما يخص البلاغة اللغوية، فكيف يصفها بالمفتريات إن كان يقصد التحدي اللغوي معهم، بل المعنى الأقرب هو أنه يتحداهم أن يثبتوا زعمهم أن محمداً قال عن غيره، فأتوا ما يثبت زعمكم من خلال احضار عشر سور افتراها محمد بنقلها من غيره كدليل على ادعائكم ان القرآن أساطير الأولين اكتتبها محمد وتـُملى عليه.
( و ) "فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم" شهداءكم يشهدون أن ما تأتون به من سورة قد قيلت من قبل، وإن كان يقصد التحدي اللغوي فلماذا لم يطلب من المسلمين شهداء؟، في حين أنه جـُمع الناس مؤمنهم وكافرهم يوم لقاء الحبيب موسى عليه السلام مع سحرة فرعون.
( ر ) "إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" دليل على أن الأمر يتعلق بإحضار شئ والتزام الصدق بشأن مصدره، في حين أنه إن كان يقصد التحدي اللغوي لقيل ربما مثل إن كنتم فاعلين أو قادرين.
( ز ) لم يقل "قولوا"، وإنما قال "فأتوا" أي اجلبوا، ولهذا فالمقصد الإتيان بنسخ قيلت من قبل.
( ي ) عقليا ً لا يمكن تقبل فكرة أن يتحداهُم الرب لغوياً لعدم وجود طرف ثالث ٍ محايد أو حتى لعدم وجود معيار ٍ للمفاضلة، في حين أن التحدي مع سحرة فرعون كان معيار الانتصار واضحاً تمثل في أن تلقف حية الحبيب موسى عليه السلام حبال فرعون.
من يقول أن "افترى" أي اختلق كلاماً من عنده، وبالتالي لا يمكن أن نفهم الآيات القرآنية السابقة بمعنى اتيان آيات قرآنية قيلت من قبل، فإننا نرد كالتالي:
(1) الافتراء هو كلام يُنسب لآخر كذباً، أما الكذب فهو الإتيان بما هو غير صحيح، في حين أن الاختلاق هو اتيان الكذب من الذات، ولهذا فكل افتراء كذب، ولكن ليس كل كذب افتراء، والافتراء يكمن في نسب الشئ لشخص آخر لم يقله أو لم يفعله، وبالتالي فإن الافتراء يحدث في حالة وقوع "الانتساب"، وليس مهماً من أين مصدر الكذب، فمثلا ً لو قال (س) كلاماً كذبا ثم نسبه لـ (ص) فإن (س) افترى على (ص)، ولا يهم من أين أتى (س) بهذا الكلام، أي أن الافتراء يظل موجوداً سواء أقاله (س) بنفسه أم أتى به من أناس آخرين، ولهذا نقول أن اتهام الكفار بالرسول أنه أتى بكلام سابق ونسبه إلى الله تعالى يظل في بوتقة " اتهامهم له بالافتراء"، ولا يمنع كون اتهامهم له بجلب الأمر من كلام سابق، لا يمنع أن يُوصف بالإفتراء.
(2) لو كان الإفتراء بمعنى اختلاق الأمر ذاتياً من نفس المفتري، فلماذا يقول الرب عزوجل "بعشر سور مفتريات"، فهل يُعقل أن يتحداهم بجلب عشر سور مختلقات ؟؟؟؟؟؟؟؟، وبالتالي فيمكننا القول أن الإفتراء يعني أن يُنسب أمر لآخر بغض النظر عن مصدره، فمن يأتي بكلام الأولين ثم ينسبه إلى الرب، فلا يوجد ما يمنع أن نعتبر هذا الفعل افتراءاً.
وأخيراً كانت تلك محاولة لتفسير معنى التحدي بالإتيان بمثله، فإن لم تكن هذه المحاولة صحيحة ولم ندرك تماماً نوع التحدي القرآني الكريم، فبالرغم من ذلك يُستبعد أن يكن التحدي لغوياً، ببساطة لأن القرآن الكريم ميسر للذكر والتدبر، كما أن القرآن الكريم يصف نفسه بالمبين أي الواضح. والعلم عند الله تعالى يخبرنا يوم القيامة ما كنا فيه مختلفون.
صدق الله العظيم
وصدق كل رسول كريم
وأنا على ذلكم من الشاهدين والشاكرين
فالحمد لله رب العالمين
يقرأ المسلم القرآن الكريم ويقرأ أيضاً في الشعر والأدب وغيرها، والقرآن الكريم يؤكد أنه ميسر وواضح، فهو كلغة يتميز باستخدام السهل والبين البسيط من الكلمات، قال تعالى: " ... وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ "، و"مبين" أي واضح وبيّن، فأن تقرأ القرآن الكريم أسهل من قراءة شعر للمتنبي أو غيره، بل أن التصريح القرآني " كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ " يؤكد عدم التكلف القرآني في استخدام اللغة انطلاقاً من الهدف المـُعلن المتمثل في هداية البشر، ومنطقياً وعقلياً فإن البشر يتوقعون من ربهم تنزيل الكتاب العزيز في قالب من الوضوح، ولهذا لا عذر في الاحتجاج بصعوبة اللغة القرآنية بدليل : " أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الْأَوَّلِينَ "
ما المقصود بالتحدي في هذه الآيات الكريمة ؟؟؟ ... هل التحدي اللغوي ؟؟؟ ... ما يلي محاوله لإيجاد تفسير لهذا التحدي ،،، والعلم عند الله تعالى ،،،
قوله تعالى :
(1) " وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْماً وَزُوراً "
(2) " قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً "
(3) " أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ "
(4) " وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ "
المقصد هو تحدي أن يجدوا نسخاً من القرآن مطابقة قيلت من قبل، فالكفرة قالوا :" وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ... " فكانت التكملة للآية الكريمة : " وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ "، واتهموا النبي الكريم بأنه يتلقى القرآن من غيره وجدت سابقاً بدليل أنهم قالوا : " وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً "، لاحظ أنهم يتهموا النبي الكريم بالنقل من السابقين ويتبين هذا من قولهم "أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ"، والله تعالى بين أنه لو كان الرسول عليه السلام يكتب هذا القرآن من قبل فإنه سيرتاب المبطلون، قال عزوجل : " وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ "، ورداً على اتهامهم بأن القرآن منقول من سابقين، فقد أتت آيات قرآنية تتحدى الكفرة بأن يثبتوا زعمهم هذا بأن يأتوا بآيات قرآنية مطابقة قيلت قبل محمد، فإن وجدوا فقد اثبتوا صحة زعمهم، ولهذا يتحداهُم الرب أن يأتوا بآية من القرآن قد قيلت من قبل.
ما يلي نقاط حول الآيات القرآنية التي ورد فيها التحدي بأن يأتوا بمثله وأخرى لها علاقة بالأمر، قاصداً الآيات المرقمة (1 - 4 ) أعلاه:
( أ ) لا توجد قرينة في الآيات القرآنية تشير إلى أن القرآن يتحدى الإنسان في البلاغة اللغوية، فضلا ً على أن القرآن صرح أنه ميسر، وهذا ما يستبعد التحدي اللغوي، بل تجاوز ذلك إلى التحذير من التعذر بصعوبة اللغة القرآنية : " أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الْأَوَّلِينَ ".
( ب ) لاحظ الارتباط بين الآية التي بدأت بـ ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) وتخللها التحدي بعشر سور من القرآن الكريم، والآية الكريمة " وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْماً وَزُوراً "، تجد أن وصف الكفار للقرآن باللإفك المفترى في الآية الأخير ذكراً هنا، في حين أن التحدي بجلب عشر سور من القرآن الكريم بدأت بـ(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ)، وهذا يؤكد أن التحدي في اثبات خطأ قول الكفرة بإفتراء محمد القرآن وأنه قد أعانه عليه قوم آخرون، فأتى التحدي بأن يأتوا بسور قيلت من قبل تثبت زعمهم، ولا مكان للتحدي اللغوي هنا.
( ج ) قال "بمثله" ولم يقل "بخير منه"، والمثل أي نفسه بدليل ((نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) أي نفسها، وهذا يستبعد التحدي اللغوي، ويؤكد أن المعنى اجلبوا ما يثبت أن القرآن قد قيل قبل محمد من خلال احضار نسح قرآنية كتبت قبله عليه السلام.
( د ) الرب عزوجل يقول " من مثله" أي من نفسه، لاحظ جيداً حرف الجر "من"، وهذا يؤكد أن يتحداهُم أن يجدوا نسخاً من القرآن الكريم قيلت من قبل تثبت زعمهم بأنه أساطير الأولين، ولا يمكن أن نقول أنه يتحداهُم لغوياً، فكيف يتحداهم بأن يأتوا من القرآن نفسه؟؟؟.
( هـ ) "بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ" كلمة "مفتريات" دليل على أن التحدي ليس في ما يخص البلاغة اللغوية، فكيف يصفها بالمفتريات إن كان يقصد التحدي اللغوي معهم، بل المعنى الأقرب هو أنه يتحداهم أن يثبتوا زعمهم أن محمداً قال عن غيره، فأتوا ما يثبت زعمكم من خلال احضار عشر سور افتراها محمد بنقلها من غيره كدليل على ادعائكم ان القرآن أساطير الأولين اكتتبها محمد وتـُملى عليه.
( و ) "فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم" شهداءكم يشهدون أن ما تأتون به من سورة قد قيلت من قبل، وإن كان يقصد التحدي اللغوي فلماذا لم يطلب من المسلمين شهداء؟، في حين أنه جـُمع الناس مؤمنهم وكافرهم يوم لقاء الحبيب موسى عليه السلام مع سحرة فرعون.
( ر ) "إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" دليل على أن الأمر يتعلق بإحضار شئ والتزام الصدق بشأن مصدره، في حين أنه إن كان يقصد التحدي اللغوي لقيل ربما مثل إن كنتم فاعلين أو قادرين.
( ز ) لم يقل "قولوا"، وإنما قال "فأتوا" أي اجلبوا، ولهذا فالمقصد الإتيان بنسخ قيلت من قبل.
( ي ) عقليا ً لا يمكن تقبل فكرة أن يتحداهُم الرب لغوياً لعدم وجود طرف ثالث ٍ محايد أو حتى لعدم وجود معيار ٍ للمفاضلة، في حين أن التحدي مع سحرة فرعون كان معيار الانتصار واضحاً تمثل في أن تلقف حية الحبيب موسى عليه السلام حبال فرعون.
من يقول أن "افترى" أي اختلق كلاماً من عنده، وبالتالي لا يمكن أن نفهم الآيات القرآنية السابقة بمعنى اتيان آيات قرآنية قيلت من قبل، فإننا نرد كالتالي:
(1) الافتراء هو كلام يُنسب لآخر كذباً، أما الكذب فهو الإتيان بما هو غير صحيح، في حين أن الاختلاق هو اتيان الكذب من الذات، ولهذا فكل افتراء كذب، ولكن ليس كل كذب افتراء، والافتراء يكمن في نسب الشئ لشخص آخر لم يقله أو لم يفعله، وبالتالي فإن الافتراء يحدث في حالة وقوع "الانتساب"، وليس مهماً من أين مصدر الكذب، فمثلا ً لو قال (س) كلاماً كذبا ثم نسبه لـ (ص) فإن (س) افترى على (ص)، ولا يهم من أين أتى (س) بهذا الكلام، أي أن الافتراء يظل موجوداً سواء أقاله (س) بنفسه أم أتى به من أناس آخرين، ولهذا نقول أن اتهام الكفار بالرسول أنه أتى بكلام سابق ونسبه إلى الله تعالى يظل في بوتقة " اتهامهم له بالافتراء"، ولا يمنع كون اتهامهم له بجلب الأمر من كلام سابق، لا يمنع أن يُوصف بالإفتراء.
(2) لو كان الإفتراء بمعنى اختلاق الأمر ذاتياً من نفس المفتري، فلماذا يقول الرب عزوجل "بعشر سور مفتريات"، فهل يُعقل أن يتحداهم بجلب عشر سور مختلقات ؟؟؟؟؟؟؟؟، وبالتالي فيمكننا القول أن الإفتراء يعني أن يُنسب أمر لآخر بغض النظر عن مصدره، فمن يأتي بكلام الأولين ثم ينسبه إلى الرب، فلا يوجد ما يمنع أن نعتبر هذا الفعل افتراءاً.
وأخيراً كانت تلك محاولة لتفسير معنى التحدي بالإتيان بمثله، فإن لم تكن هذه المحاولة صحيحة ولم ندرك تماماً نوع التحدي القرآني الكريم، فبالرغم من ذلك يُستبعد أن يكن التحدي لغوياً، ببساطة لأن القرآن الكريم ميسر للذكر والتدبر، كما أن القرآن الكريم يصف نفسه بالمبين أي الواضح. والعلم عند الله تعالى يخبرنا يوم القيامة ما كنا فيه مختلفون.
صدق الله العظيم
وصدق كل رسول كريم
وأنا على ذلكم من الشاهدين والشاكرين
فالحمد لله رب العالمين