عمرو الشاعر
09-06-2010, 09:16 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا المقال للأستاذ عبد المتعال الصعيدي -رحمه الله-
وقد نشره في مجلة رسالة الإسلام في ثلاثة أعداد متتالية, وقمنا نحن بتجميعه ووضعه في موضوع واحد للقارئ الكريم:
نظرة جَديدَة
في مكي السُور ومدينهَا
لفضيلة الأستاذ الشيخ عبد المتعال الصعيدي
المشهور بين العلماء أن سور القرآن الكريم على ثلاثة أقسام: قسم مكي، وقسم مدني، وقسم بعضه مكي وبعضه مدني. وإني أرى أنها قسمان فقط لا ثلاثة أقسام: مكي خالص، ومدني خالص، وأنها ليس فيها ما بعضه مكي وبعضه مدني، لأن كل سورة من سور القرآن جاءت مناسبة لزمن نزولها، ولكل من القسم المكي والقسم المدني مميزاته، فلا يكون من المناسب لارتباط آيات سوره وضع بعض مما نزل منهما في الآخر، ولا سيما وضع المكي في المدني، لأنه يقتضي أن تبقي آية أو آيتان أو أكثر من ذلك متروكة سنين طويلة من غير أن تلحق بسورة، ثم تستمر متروكة إلى أن تنزل سورة بعد هذه المدة الطويلة فتلحق بها، فإنها لا تلحق بها إلا إذا كانت مناسبة لها، وحينئذ لا يكون هناك حاجه لتقديم نزولها عليها، بل يكون المقبول في بداهة العقل تأخير نزولها إلى نزول السورة التي تلحق بها، وهذا إجمال لا نكتفي به في ذلك، وسيكون له تفصيل تؤخذ فيه كل سورة مكية قيل أن فيها آيات مدنية، وتؤخذ فيه فى كل سورة مايصل إليه رأينا السابق فيه، فإذا أمكن توجيهها عليه كان هو الرأي الراجح، ولم يكن هناك داع إلى إقحام بعض كل من المكي والمدني في الآخر مع اختلاف مميزاتهما على ما سيق.
/ صفحه 357/
وهذا إذا جرينا على أن آيات كل سورة مرتبط بعضها ببعض ارتباطاً يجعلها كأنها جملة واحدة، منسقة المعاني، منتظمة المباني، فإذا جرينا على ما يذهب إليه بعض المفسرين من أنه لا ارتباط بين آيات السور القرآنية، كان الاستبعاد أظهر في القسم الثالث السابق، وهو السور التي بعضها مكي وبعضها مدني، لأنه إذا لم يكن هناك ارتباط بين آيات السور لم تكن هنا سورة مكية ممتنعة على مايوضع من الآيات المكية في السور المدنية، وكذلك الأمر في عكس ذلك، فلا يكون هناك حاجة لوضه أحدهما في الآخر.
ولكن يجب قبل أن نأخذ في التفصيل السابق أن نذكر أولاً خلافهم في حقيقة كل من المكي والمدني من السور، لأن هذا الخلاف يفيدنا كثيراً في التفصيل.
وللعلماء في المكي والمدني من السور اصطلاحات ثلاثة: أشهرها أن المكي مانزل قبل الهجرة من مكة إلى المدينة، والمدني مانزل بعد هذه الهجرة، ولو نزل في مكة بعد فتحها، وعلى هذا يكون مانزل في طريق الهجرة إلى المدينة قبل الوصول إليها من المكي. وثانيها أن المكي مانزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدني مانزل بالمدنية، وثالثها أن المكي ماوقع خطابا لأهل مكة ولو نزل بالمدينة، والمدني ماوقع خطاباً لأهل المدنية ولو نزل بمكة.
ويجب أن نذكر قبل هذا التفضيل ثانيا أنه يرجع في معرفة المكي والمدني من السور إلى حفظ الصحابة والتابعين، لأنه لم يرد عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك قول، لأنه لم يؤمر به، ولم يجعل الله تعالى عليم ذلك من فرائض الأمة، وإن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة الناسخ من المنسوخ، لأن مانزل من ذلك بمكة يكون متقدماً، ومانزل بالمدنية يكون متأخراً، على ماهو الأشهر من الاصطلاحات الثلاثة السابقة، والمتأخر هو الذي ينسخ المتقدم، لأن معرفة هذا قد يكون بغير نص الرسول(صلى الله عليه وسلم)، أي بالأجتهاد في سياق الآيات وحظها من مميزات المكي والمدني، وحينئذ لا يكون النص عليه واجباً.
ويجب أن نذكر قبل هذا التفصيل ثالثاً أن لهم ضوابط في معرفة المكي والمدني من السور، وأنهم مختلفون في هذه الضوابط، وأنها قائمة على اجتهادهم، ولم يرد فيها نص يقطع الخلاف فيها بينهم، فأخرج الحاكم في مستدركه، والبيهقي في الدلائل، والبزار في مسنده عن علقمة عن عبدالله قال: ماكان ((يأيها الذين آمنوا)) أنزل بالمدينة، وماكان ((يأيها الناس)) أنزل بمكة، وقيل: ماكان في القرآن ((يأيها الناس)) أو ((يا بني آدم)) فإنه مكي، وماكان ((يأيها الذين آمنوا)) فإنه مدني، قال ابن عطيه وغيره: هو في ((يأيها الذين آمنوا)) صحيح، وأما ((يأيها الناس)) فقد يأتي في المدني، كما في سورة النساء، فإنها مدنية، وأولها: ((يأيها الناس)) وكذلك البقرة مدنية، وفيها: ((يأيها الناس اعبدوا ربكم))، ((يأيها الناس كلوا مما في الأرض)) وكذلك في كثير من السور المكية ((يأيها الذين آمنوا)) فلا يكون صحيحاً أيضاً.
/ صفحه 358/
وأخرج البيهقي في الدلائل عن هشام بن عروة عن أبيه: كل شىء نزل من القرآن فيه ذكر الأمم والقرون فإنما نزل بمكة، وماكان من الفرائض والسنن فإنما نزل بالمدينة، إلى غير هذا من الضوابط التي لا تطَّرد مثل الضابط الأول، ولا تميز المكي من المدني تمييز قاطعاً.
ولهذا كله كثر اختلافهم فيما هو مكي وماهو مدني من السور، فروي عن ابن عباس أنه قال: سألت أبيَّ بن كعب عما نزل من القرآن بالمدينة فقال: نزل بها سبع وعشرون سورة، وسائرها بمكة، وقال أبو الحسن بن الحصار في كتابه ((الناسخ والمنسوخ)) المدني باتفاق عشرون سورة، والمختلف فيه اثنتا عشرة سورة، وما عدا ذلك مكي باتفاق.
وقد عقد السيوطي في الإتفاق فصلاً في تحرير السور المختلف فيها، فذكرها على الترتيب الآتي:
(1) سورة الفاتحة: قيل نزلت بمكة، وهو قول أكثر العلماء، وقيل: إنها نزلت بالمدينة، وقيل: إنها نزلت مرة بمكة ومرة بالمدينة، وقيل: إن نصفها الأول نزل بمكة، ونصفها الثاني نزل بالمدينة.
(2) سورة النساء: زعم النحاس أنها مكية مستنداً إلى قوله تعالى فيها: ((إن الله يأمركم أن تؤدُّوا الأمانات إلى أهلها، لأنها نزلت بمكة اتفاقاً في شأن مفتاح الكعبة بعد فتحها، وهو مردود بأن هذا يثبت نزولها بعد الهجرة إلى المدنية، فتكون مدنية لا مكية على ما سبق من الأشهر في المكي والمدني، لأن فتح مكة كان بعد الهجرة.
/ صفحه 359/
(3) سورة يونس: المشهور أنها مكية، وعن ابن عباس فيها روايتان.
(4) سورة الرعد: ورد من طريق مجاهد عن ابن عباس وعن علي بن أبي طلحة أنها مكية، وفي بقية الآثار أنها مدنية، وقد سئل سعيد بن جبير عن قوله تعالى فيها: ((ومن عنده علم الكتاب)) أهو عبدالله بن سلام؟ فقال: كيف وهذه السورة مكية؟ والذي يجمع بين الخلاف أنها مكية إلا آيات منها مدنية.
(5) سورة الحج: قيل: إنها مكية، وقيل: إنها مدنية، والجمهور على أنها مختلطة فيها مكي ومدني.
(6) سورة الفرقان: الجمهور على أنها مكية وقيل: إنها مدنية.
(7) سورة يس: المشهور أنها مكية، وقيل: إنها مدنية.
(8) سورة ص: الشمهور أنها مكية، وقيل: إنها مدنية.
(9) سورة محمد: حكى النسفي قولا غريبا أنها مكية.
(10) سورة الحجرات: حكى قول شاذ أنها مكية.
(11) سورة الرحمن: الجمهور على أنها مكية، وقيل إنها مدنية.
(12) سورة الحديد: الجمهور على أنها مدنية، وقيل: إنها مكية، ولا خلاف أن فيها قرآنا مدنيا، لكن يشبه صدرها أن يكون مكيا.
(13) سورة الصف: الجمهور على أنها مدنية، وقيل: إنها مكية.
(14) سورة الجمعة: الصحيح أنها مدنية، وقيل: إنها مكية.
(15) سورة التغابن: قيل مدنيج، وقيل مكية إلا آخرها.
(16) سورة الملك: فيها قول غريب أنها مدنية.
(17) سورة الإنسان: قيل مدنية، وقيل مكية إلا آية واحدة ((ولا تطع منهم آثما أو كفورا)).
(18) سورة المطففين: قيل إنها مكية لذكر دعوى أن القرآن أساطير فيها، وقيل: إنها مدنية، لأن أهل المدينة كانوا أشد الناس فسادا في الكيل، وقيل: نزلت بمكة إلا قصة التطفيف.
/ صفحه 360/
(19) صورة الأعلى: الجمهور على أنها مكية، وقيل: إنها مدنية لذكر صلاة العيد وزكاة الفطر فيها.
(20) سورة الفجر: الجمهور على أنها مكية، وقيل: إنها مدنية.
(21) سورة البلد: حكى فيها قولان، وقوله تعالى فيها ((بهذا البلد)) يؤيد أنها مكية، لأن المراد به مكة.
(22) سورة الليل: الأشهر أنها مكية، وقيل مدنية، وقيل: فيها مكي ومدني.
(23) سورة القدر: الأكثر أنها مكية، وقيل مدنية.
(24) سورة البينة: قيل إنها مدنية، وقيل مكية.
(25) سورة الزلزلة: فيها قولان أيضاً.
(26) سورة العاديات: فيها قولان أيضاً.
(27) سورة التكاثر: الأشهر أنها مكية، وقيل: مدنية وهو المختار.
(28) سورة الماعون: قيل إنها مدنية، وقيل مكية.
(29) سورة الكوثر: الصواب أنها مدنية، وقيل مكية.
(30) سورة الإخلاص: فيها قولان، والراجع أنها مدنية.
(31،32) سورة المعوذتين: فيهما قولان، والمختار أنهما مدنيتان، لأنهما نزلتا في قصة سحر لبيد بن الأعصم، وفيها كلام مشهور.
فعدد السور المختلف فيها على هذا اثنتان وثلاثون سورة، وهذا يخالف القول السابق، أن المدني باتفاق عشرون سورة، والمختلف فيه اثنتا عشرة سورة، وما عدا ذلك مكي باتفاق، ولعل هناك أقوالاً أخرى في ذلك غير هذين القولين، وسبب كثرة هذه الأقوال ماسبق من أنه لا يوجد نص قاطع في ذلك، وإنما يرجع الأمر فيه إلى اجتهاد العلماء، وهم يبنونه على ضوابط مختلفة في التمييز بين المكي والمدني، وقد سبق أن كل ماوضعوه من هذه الضوابط غير مطَّرد، وحينئذ لا يصح التعويل عليها في هذا التمييز.
/ صفحه 361/
ولا شك أن اختلافهم وعدم تعويلهم على نص قاطع، بل على ضوابط غير مطردة يسوغ لنا أن نجتهد بعدهم فيما اختلفوا فيه. وأن نحاول في وسط اختلافهم الوصول إلى مانراه من تقسيم السور إلى قسمين فقط: مكي خالص، ومدني خالص، حتى لا يكون هناك قسم ثالث بعضه مكي، وبعضه مدني، لما سبق من الأسباب التي تدعو إلى عدم قبوله، وأهمها، خارجا على سياقه، غير ملائم لزمنه، وقد يتخذ منه أعداء الإسلام مطعنا في القرآن، فإذا وردت مثلا آية مدنية في سورة مكية كآية الرعد التي قيل إن المراد بقوله تعالى فيها: ((ومن عنده علم الكتاب)) عبدالله بن سلام، قالوا إن هذا خطأ، لأن السورة مكية، وعبدالله لم يسلم إلا بعد الهجرة، فإذا قيل لهم إن هذه الآية مكية كسورتها ((ومن عنده علم الكتاب)) ورقة بن نوفل من أهل مكة أو غيره.
((يتبع))
هذا المقال للأستاذ عبد المتعال الصعيدي -رحمه الله-
وقد نشره في مجلة رسالة الإسلام في ثلاثة أعداد متتالية, وقمنا نحن بتجميعه ووضعه في موضوع واحد للقارئ الكريم:
نظرة جَديدَة
في مكي السُور ومدينهَا
لفضيلة الأستاذ الشيخ عبد المتعال الصعيدي
المشهور بين العلماء أن سور القرآن الكريم على ثلاثة أقسام: قسم مكي، وقسم مدني، وقسم بعضه مكي وبعضه مدني. وإني أرى أنها قسمان فقط لا ثلاثة أقسام: مكي خالص، ومدني خالص، وأنها ليس فيها ما بعضه مكي وبعضه مدني، لأن كل سورة من سور القرآن جاءت مناسبة لزمن نزولها، ولكل من القسم المكي والقسم المدني مميزاته، فلا يكون من المناسب لارتباط آيات سوره وضع بعض مما نزل منهما في الآخر، ولا سيما وضع المكي في المدني، لأنه يقتضي أن تبقي آية أو آيتان أو أكثر من ذلك متروكة سنين طويلة من غير أن تلحق بسورة، ثم تستمر متروكة إلى أن تنزل سورة بعد هذه المدة الطويلة فتلحق بها، فإنها لا تلحق بها إلا إذا كانت مناسبة لها، وحينئذ لا يكون هناك حاجه لتقديم نزولها عليها، بل يكون المقبول في بداهة العقل تأخير نزولها إلى نزول السورة التي تلحق بها، وهذا إجمال لا نكتفي به في ذلك، وسيكون له تفصيل تؤخذ فيه كل سورة مكية قيل أن فيها آيات مدنية، وتؤخذ فيه فى كل سورة مايصل إليه رأينا السابق فيه، فإذا أمكن توجيهها عليه كان هو الرأي الراجح، ولم يكن هناك داع إلى إقحام بعض كل من المكي والمدني في الآخر مع اختلاف مميزاتهما على ما سيق.
/ صفحه 357/
وهذا إذا جرينا على أن آيات كل سورة مرتبط بعضها ببعض ارتباطاً يجعلها كأنها جملة واحدة، منسقة المعاني، منتظمة المباني، فإذا جرينا على ما يذهب إليه بعض المفسرين من أنه لا ارتباط بين آيات السور القرآنية، كان الاستبعاد أظهر في القسم الثالث السابق، وهو السور التي بعضها مكي وبعضها مدني، لأنه إذا لم يكن هناك ارتباط بين آيات السور لم تكن هنا سورة مكية ممتنعة على مايوضع من الآيات المكية في السور المدنية، وكذلك الأمر في عكس ذلك، فلا يكون هناك حاجة لوضه أحدهما في الآخر.
ولكن يجب قبل أن نأخذ في التفصيل السابق أن نذكر أولاً خلافهم في حقيقة كل من المكي والمدني من السور، لأن هذا الخلاف يفيدنا كثيراً في التفصيل.
وللعلماء في المكي والمدني من السور اصطلاحات ثلاثة: أشهرها أن المكي مانزل قبل الهجرة من مكة إلى المدينة، والمدني مانزل بعد هذه الهجرة، ولو نزل في مكة بعد فتحها، وعلى هذا يكون مانزل في طريق الهجرة إلى المدينة قبل الوصول إليها من المكي. وثانيها أن المكي مانزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدني مانزل بالمدنية، وثالثها أن المكي ماوقع خطابا لأهل مكة ولو نزل بالمدينة، والمدني ماوقع خطاباً لأهل المدنية ولو نزل بمكة.
ويجب أن نذكر قبل هذا التفضيل ثانيا أنه يرجع في معرفة المكي والمدني من السور إلى حفظ الصحابة والتابعين، لأنه لم يرد عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك قول، لأنه لم يؤمر به، ولم يجعل الله تعالى عليم ذلك من فرائض الأمة، وإن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة الناسخ من المنسوخ، لأن مانزل من ذلك بمكة يكون متقدماً، ومانزل بالمدنية يكون متأخراً، على ماهو الأشهر من الاصطلاحات الثلاثة السابقة، والمتأخر هو الذي ينسخ المتقدم، لأن معرفة هذا قد يكون بغير نص الرسول(صلى الله عليه وسلم)، أي بالأجتهاد في سياق الآيات وحظها من مميزات المكي والمدني، وحينئذ لا يكون النص عليه واجباً.
ويجب أن نذكر قبل هذا التفصيل ثالثاً أن لهم ضوابط في معرفة المكي والمدني من السور، وأنهم مختلفون في هذه الضوابط، وأنها قائمة على اجتهادهم، ولم يرد فيها نص يقطع الخلاف فيها بينهم، فأخرج الحاكم في مستدركه، والبيهقي في الدلائل، والبزار في مسنده عن علقمة عن عبدالله قال: ماكان ((يأيها الذين آمنوا)) أنزل بالمدينة، وماكان ((يأيها الناس)) أنزل بمكة، وقيل: ماكان في القرآن ((يأيها الناس)) أو ((يا بني آدم)) فإنه مكي، وماكان ((يأيها الذين آمنوا)) فإنه مدني، قال ابن عطيه وغيره: هو في ((يأيها الذين آمنوا)) صحيح، وأما ((يأيها الناس)) فقد يأتي في المدني، كما في سورة النساء، فإنها مدنية، وأولها: ((يأيها الناس)) وكذلك البقرة مدنية، وفيها: ((يأيها الناس اعبدوا ربكم))، ((يأيها الناس كلوا مما في الأرض)) وكذلك في كثير من السور المكية ((يأيها الذين آمنوا)) فلا يكون صحيحاً أيضاً.
/ صفحه 358/
وأخرج البيهقي في الدلائل عن هشام بن عروة عن أبيه: كل شىء نزل من القرآن فيه ذكر الأمم والقرون فإنما نزل بمكة، وماكان من الفرائض والسنن فإنما نزل بالمدينة، إلى غير هذا من الضوابط التي لا تطَّرد مثل الضابط الأول، ولا تميز المكي من المدني تمييز قاطعاً.
ولهذا كله كثر اختلافهم فيما هو مكي وماهو مدني من السور، فروي عن ابن عباس أنه قال: سألت أبيَّ بن كعب عما نزل من القرآن بالمدينة فقال: نزل بها سبع وعشرون سورة، وسائرها بمكة، وقال أبو الحسن بن الحصار في كتابه ((الناسخ والمنسوخ)) المدني باتفاق عشرون سورة، والمختلف فيه اثنتا عشرة سورة، وما عدا ذلك مكي باتفاق.
وقد عقد السيوطي في الإتفاق فصلاً في تحرير السور المختلف فيها، فذكرها على الترتيب الآتي:
(1) سورة الفاتحة: قيل نزلت بمكة، وهو قول أكثر العلماء، وقيل: إنها نزلت بالمدينة، وقيل: إنها نزلت مرة بمكة ومرة بالمدينة، وقيل: إن نصفها الأول نزل بمكة، ونصفها الثاني نزل بالمدينة.
(2) سورة النساء: زعم النحاس أنها مكية مستنداً إلى قوله تعالى فيها: ((إن الله يأمركم أن تؤدُّوا الأمانات إلى أهلها، لأنها نزلت بمكة اتفاقاً في شأن مفتاح الكعبة بعد فتحها، وهو مردود بأن هذا يثبت نزولها بعد الهجرة إلى المدنية، فتكون مدنية لا مكية على ما سبق من الأشهر في المكي والمدني، لأن فتح مكة كان بعد الهجرة.
/ صفحه 359/
(3) سورة يونس: المشهور أنها مكية، وعن ابن عباس فيها روايتان.
(4) سورة الرعد: ورد من طريق مجاهد عن ابن عباس وعن علي بن أبي طلحة أنها مكية، وفي بقية الآثار أنها مدنية، وقد سئل سعيد بن جبير عن قوله تعالى فيها: ((ومن عنده علم الكتاب)) أهو عبدالله بن سلام؟ فقال: كيف وهذه السورة مكية؟ والذي يجمع بين الخلاف أنها مكية إلا آيات منها مدنية.
(5) سورة الحج: قيل: إنها مكية، وقيل: إنها مدنية، والجمهور على أنها مختلطة فيها مكي ومدني.
(6) سورة الفرقان: الجمهور على أنها مكية وقيل: إنها مدنية.
(7) سورة يس: المشهور أنها مكية، وقيل: إنها مدنية.
(8) سورة ص: الشمهور أنها مكية، وقيل: إنها مدنية.
(9) سورة محمد: حكى النسفي قولا غريبا أنها مكية.
(10) سورة الحجرات: حكى قول شاذ أنها مكية.
(11) سورة الرحمن: الجمهور على أنها مكية، وقيل إنها مدنية.
(12) سورة الحديد: الجمهور على أنها مدنية، وقيل: إنها مكية، ولا خلاف أن فيها قرآنا مدنيا، لكن يشبه صدرها أن يكون مكيا.
(13) سورة الصف: الجمهور على أنها مدنية، وقيل: إنها مكية.
(14) سورة الجمعة: الصحيح أنها مدنية، وقيل: إنها مكية.
(15) سورة التغابن: قيل مدنيج، وقيل مكية إلا آخرها.
(16) سورة الملك: فيها قول غريب أنها مدنية.
(17) سورة الإنسان: قيل مدنية، وقيل مكية إلا آية واحدة ((ولا تطع منهم آثما أو كفورا)).
(18) سورة المطففين: قيل إنها مكية لذكر دعوى أن القرآن أساطير فيها، وقيل: إنها مدنية، لأن أهل المدينة كانوا أشد الناس فسادا في الكيل، وقيل: نزلت بمكة إلا قصة التطفيف.
/ صفحه 360/
(19) صورة الأعلى: الجمهور على أنها مكية، وقيل: إنها مدنية لذكر صلاة العيد وزكاة الفطر فيها.
(20) سورة الفجر: الجمهور على أنها مكية، وقيل: إنها مدنية.
(21) سورة البلد: حكى فيها قولان، وقوله تعالى فيها ((بهذا البلد)) يؤيد أنها مكية، لأن المراد به مكة.
(22) سورة الليل: الأشهر أنها مكية، وقيل مدنية، وقيل: فيها مكي ومدني.
(23) سورة القدر: الأكثر أنها مكية، وقيل مدنية.
(24) سورة البينة: قيل إنها مدنية، وقيل مكية.
(25) سورة الزلزلة: فيها قولان أيضاً.
(26) سورة العاديات: فيها قولان أيضاً.
(27) سورة التكاثر: الأشهر أنها مكية، وقيل: مدنية وهو المختار.
(28) سورة الماعون: قيل إنها مدنية، وقيل مكية.
(29) سورة الكوثر: الصواب أنها مدنية، وقيل مكية.
(30) سورة الإخلاص: فيها قولان، والراجع أنها مدنية.
(31،32) سورة المعوذتين: فيهما قولان، والمختار أنهما مدنيتان، لأنهما نزلتا في قصة سحر لبيد بن الأعصم، وفيها كلام مشهور.
فعدد السور المختلف فيها على هذا اثنتان وثلاثون سورة، وهذا يخالف القول السابق، أن المدني باتفاق عشرون سورة، والمختلف فيه اثنتا عشرة سورة، وما عدا ذلك مكي باتفاق، ولعل هناك أقوالاً أخرى في ذلك غير هذين القولين، وسبب كثرة هذه الأقوال ماسبق من أنه لا يوجد نص قاطع في ذلك، وإنما يرجع الأمر فيه إلى اجتهاد العلماء، وهم يبنونه على ضوابط مختلفة في التمييز بين المكي والمدني، وقد سبق أن كل ماوضعوه من هذه الضوابط غير مطَّرد، وحينئذ لا يصح التعويل عليها في هذا التمييز.
/ صفحه 361/
ولا شك أن اختلافهم وعدم تعويلهم على نص قاطع، بل على ضوابط غير مطردة يسوغ لنا أن نجتهد بعدهم فيما اختلفوا فيه. وأن نحاول في وسط اختلافهم الوصول إلى مانراه من تقسيم السور إلى قسمين فقط: مكي خالص، ومدني خالص، حتى لا يكون هناك قسم ثالث بعضه مكي، وبعضه مدني، لما سبق من الأسباب التي تدعو إلى عدم قبوله، وأهمها، خارجا على سياقه، غير ملائم لزمنه، وقد يتخذ منه أعداء الإسلام مطعنا في القرآن، فإذا وردت مثلا آية مدنية في سورة مكية كآية الرعد التي قيل إن المراد بقوله تعالى فيها: ((ومن عنده علم الكتاب)) عبدالله بن سلام، قالوا إن هذا خطأ، لأن السورة مكية، وعبدالله لم يسلم إلا بعد الهجرة، فإذا قيل لهم إن هذه الآية مكية كسورتها ((ومن عنده علم الكتاب)) ورقة بن نوفل من أهل مكة أو غيره.
((يتبع))