المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حصريا: نظرة جديدة في مكي السور ومدنيها!


عمرو الشاعر
09-06-2010, 09:16 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا المقال للأستاذ عبد المتعال الصعيدي -رحمه الله-
وقد نشره في مجلة رسالة الإسلام في ثلاثة أعداد متتالية, وقمنا نحن بتجميعه ووضعه في موضوع واحد للقارئ الكريم:


نظرة جَديدَة
في مكي السُور ومدينهَا
لفضيلة الأستاذ الشيخ عبد المتعال الصعيدي
المشهور بين العلماء أن سور القرآن الكريم على ثلاثة أقسام: قسم مكي، وقسم مدني، وقسم بعضه مكي وبعضه مدني. وإني أرى أنها قسمان فقط لا ثلاثة أقسام: مكي خالص، ومدني خالص، وأنها ليس فيها ما بعضه مكي وبعضه مدني، لأن كل سورة من سور القرآن جاءت مناسبة لزمن نزولها، ولكل من القسم المكي والقسم المدني مميزاته، فلا يكون من المناسب لارتباط آيات سوره وضع بعض مما نزل منهما في الآخر، ولا سيما وضع المكي في المدني، لأنه يقتضي أن تبقي آية أو آيتان أو أكثر من ذلك متروكة سنين طويلة من غير أن تلحق بسورة، ثم تستمر متروكة إلى أن تنزل سورة بعد هذه المدة الطويلة فتلحق بها، فإنها لا تلحق بها إلا إذا كانت مناسبة لها، وحينئذ لا يكون هناك حاجه لتقديم نزولها عليها، بل يكون المقبول في بداهة العقل تأخير نزولها إلى نزول السورة التي تلحق بها، وهذا إجمال لا نكتفي به في ذلك، وسيكون له تفصيل تؤخذ فيه كل سورة مكية قيل أن فيها آيات مدنية، وتؤخذ فيه فى كل سورة مايصل إليه رأينا السابق فيه، فإذا أمكن توجيهها عليه كان هو الرأي الراجح، ولم يكن هناك داع إلى إقحام بعض كل من المكي والمدني في الآخر مع اختلاف مميزاتهما على ما سيق.

/ صفحه 357/
وهذا إذا جرينا على أن آيات كل سورة مرتبط بعضها ببعض ارتباطاً يجعلها كأنها جملة واحدة، منسقة المعاني، منتظمة المباني، فإذا جرينا على ما يذهب إليه بعض المفسرين من أنه لا ارتباط بين آيات السور القرآنية، كان الاستبعاد أظهر في القسم الثالث السابق، وهو السور التي بعضها مكي وبعضها مدني، لأنه إذا لم يكن هناك ارتباط بين آيات السور لم تكن هنا سورة مكية ممتنعة على مايوضع من الآيات المكية في السور المدنية، وكذلك الأمر في عكس ذلك، فلا يكون هناك حاجة لوضه أحدهما في الآخر.
ولكن يجب قبل أن نأخذ في التفصيل السابق أن نذكر أولاً خلافهم في حقيقة كل من المكي والمدني من السور، لأن هذا الخلاف يفيدنا كثيراً في التفصيل.
وللعلماء في المكي والمدني من السور اصطلاحات ثلاثة: أشهرها أن المكي مانزل قبل الهجرة من مكة إلى المدينة، والمدني مانزل بعد هذه الهجرة، ولو نزل في مكة بعد فتحها، وعلى هذا يكون مانزل في طريق الهجرة إلى المدينة قبل الوصول إليها من المكي. وثانيها أن المكي مانزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدني مانزل بالمدنية، وثالثها أن المكي ماوقع خطابا لأهل مكة ولو نزل بالمدينة، والمدني ماوقع خطاباً لأهل المدنية ولو نزل بمكة.
ويجب أن نذكر قبل هذا التفضيل ثانيا أنه يرجع في معرفة المكي والمدني من السور إلى حفظ الصحابة والتابعين، لأنه لم يرد عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك قول، لأنه لم يؤمر به، ولم يجعل الله تعالى عليم ذلك من فرائض الأمة، وإن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة الناسخ من المنسوخ، لأن مانزل من ذلك بمكة يكون متقدماً، ومانزل بالمدنية يكون متأخراً، على ماهو الأشهر من الاصطلاحات الثلاثة السابقة، والمتأخر هو الذي ينسخ المتقدم، لأن معرفة هذا قد يكون بغير نص الرسول(صلى الله عليه وسلم)، أي بالأجتهاد في سياق الآيات وحظها من مميزات المكي والمدني، وحينئذ لا يكون النص عليه واجباً.
ويجب أن نذكر قبل هذا التفصيل ثالثاً أن لهم ضوابط في معرفة المكي والمدني من السور، وأنهم مختلفون في هذه الضوابط، وأنها قائمة على اجتهادهم، ولم يرد فيها نص يقطع الخلاف فيها بينهم، فأخرج الحاكم في مستدركه، والبيهقي في الدلائل، والبزار في مسنده عن علقمة عن عبدالله قال: ماكان ((يأيها الذين آمنوا)) أنزل بالمدينة، وماكان ((يأيها الناس)) أنزل بمكة، وقيل: ماكان في القرآن ((يأيها الناس)) أو ((يا بني آدم)) فإنه مكي، وماكان ((يأيها الذين آمنوا)) فإنه مدني، قال ابن عطيه وغيره: هو في ((يأيها الذين آمنوا)) صحيح، وأما ((يأيها الناس)) فقد يأتي في المدني، كما في سورة النساء، فإنها مدنية، وأولها: ((يأيها الناس)) وكذلك البقرة مدنية، وفيها: ((يأيها الناس اعبدوا ربكم))، ((يأيها الناس كلوا مما في الأرض)) وكذلك في كثير من السور المكية ((يأيها الذين آمنوا)) فلا يكون صحيحاً أيضاً.

/ صفحه 358/
وأخرج البيهقي في الدلائل عن هشام بن عروة عن أبيه: كل شىء نزل من القرآن فيه ذكر الأمم والقرون فإنما نزل بمكة، وماكان من الفرائض والسنن فإنما نزل بالمدينة، إلى غير هذا من الضوابط التي لا تطَّرد مثل الضابط الأول، ولا تميز المكي من المدني تمييز قاطعاً.
ولهذا كله كثر اختلافهم فيما هو مكي وماهو مدني من السور، فروي عن ابن عباس أنه قال: سألت أبيَّ بن كعب عما نزل من القرآن بالمدينة فقال: نزل بها سبع وعشرون سورة، وسائرها بمكة، وقال أبو الحسن بن الحصار في كتابه ((الناسخ والمنسوخ)) المدني باتفاق عشرون سورة، والمختلف فيه اثنتا عشرة سورة، وما عدا ذلك مكي باتفاق.
وقد عقد السيوطي في الإتفاق فصلاً في تحرير السور المختلف فيها، فذكرها على الترتيب الآتي:
(1) سورة الفاتحة: قيل نزلت بمكة، وهو قول أكثر العلماء، وقيل: إنها نزلت بالمدينة، وقيل: إنها نزلت مرة بمكة ومرة بالمدينة، وقيل: إن نصفها الأول نزل بمكة، ونصفها الثاني نزل بالمدينة.
(2) سورة النساء: زعم النحاس أنها مكية مستنداً إلى قوله تعالى فيها: ((إن الله يأمركم أن تؤدُّوا الأمانات إلى أهلها، لأنها نزلت بمكة اتفاقاً في شأن مفتاح الكعبة بعد فتحها، وهو مردود بأن هذا يثبت نزولها بعد الهجرة إلى المدنية، فتكون مدنية لا مكية على ما سبق من الأشهر في المكي والمدني، لأن فتح مكة كان بعد الهجرة.

/ صفحه 359/
(3) سورة يونس: المشهور أنها مكية، وعن ابن عباس فيها روايتان.
(4) سورة الرعد: ورد من طريق مجاهد عن ابن عباس وعن علي بن أبي طلحة أنها مكية، وفي بقية الآثار أنها مدنية، وقد سئل سعيد بن جبير عن قوله تعالى فيها: ((ومن عنده علم الكتاب)) أهو عبدالله بن سلام؟ فقال: كيف وهذه السورة مكية؟ والذي يجمع بين الخلاف أنها مكية إلا آيات منها مدنية.
(5) سورة الحج: قيل: إنها مكية، وقيل: إنها مدنية، والجمهور على أنها مختلطة فيها مكي ومدني.
(6) سورة الفرقان: الجمهور على أنها مكية وقيل: إنها مدنية.
(7) سورة يس: المشهور أنها مكية، وقيل: إنها مدنية.
(8) سورة ص: الشمهور أنها مكية، وقيل: إنها مدنية.
(9) سورة محمد: حكى النسفي قولا غريبا أنها مكية.
(10) سورة الحجرات: حكى قول شاذ أنها مكية.
(11) سورة الرحمن: الجمهور على أنها مكية، وقيل إنها مدنية.
(12) سورة الحديد: الجمهور على أنها مدنية، وقيل: إنها مكية، ولا خلاف أن فيها قرآنا مدنيا، لكن يشبه صدرها أن يكون مكيا.
(13) سورة الصف: الجمهور على أنها مدنية، وقيل: إنها مكية.
(14) سورة الجمعة: الصحيح أنها مدنية، وقيل: إنها مكية.
(15) سورة التغابن: قيل مدنيج، وقيل مكية إلا آخرها.
(16) سورة الملك: فيها قول غريب أنها مدنية.
(17) سورة الإنسان: قيل مدنية، وقيل مكية إلا آية واحدة ((ولا تطع منهم آثما أو كفورا)).
(18) سورة المطففين: قيل إنها مكية لذكر دعوى أن القرآن أساطير فيها، وقيل: إنها مدنية، لأن أهل المدينة كانوا أشد الناس فسادا في الكيل، وقيل: نزلت بمكة إلا قصة التطفيف.

/ صفحه 360/
(19) صورة الأعلى: الجمهور على أنها مكية، وقيل: إنها مدنية لذكر صلاة العيد وزكاة الفطر فيها.
(20) سورة الفجر: الجمهور على أنها مكية، وقيل: إنها مدنية.
(21) سورة البلد: حكى فيها قولان، وقوله تعالى فيها ((بهذا البلد)) يؤيد أنها مكية، لأن المراد به مكة.
(22) سورة الليل: الأشهر أنها مكية، وقيل مدنية، وقيل: فيها مكي ومدني.
(23) سورة القدر: الأكثر أنها مكية، وقيل مدنية.
(24) سورة البينة: قيل إنها مدنية، وقيل مكية.
(25) سورة الزلزلة: فيها قولان أيضاً.
(26) سورة العاديات: فيها قولان أيضاً.
(27) سورة التكاثر: الأشهر أنها مكية، وقيل: مدنية وهو المختار.
(28) سورة الماعون: قيل إنها مدنية، وقيل مكية.
(29) سورة الكوثر: الصواب أنها مدنية، وقيل مكية.
(30) سورة الإخلاص: فيها قولان، والراجع أنها مدنية.
(31،32) سورة المعوذتين: فيهما قولان، والمختار أنهما مدنيتان، لأنهما نزلتا في قصة سحر لبيد بن الأعصم، وفيها كلام مشهور.
فعدد السور المختلف فيها على هذا اثنتان وثلاثون سورة، وهذا يخالف القول السابق، أن المدني باتفاق عشرون سورة، والمختلف فيه اثنتا عشرة سورة، وما عدا ذلك مكي باتفاق، ولعل هناك أقوالاً أخرى في ذلك غير هذين القولين، وسبب كثرة هذه الأقوال ماسبق من أنه لا يوجد نص قاطع في ذلك، وإنما يرجع الأمر فيه إلى اجتهاد العلماء، وهم يبنونه على ضوابط مختلفة في التمييز بين المكي والمدني، وقد سبق أن كل ماوضعوه من هذه الضوابط غير مطَّرد، وحينئذ لا يصح التعويل عليها في هذا التمييز.

/ صفحه 361/
ولا شك أن اختلافهم وعدم تعويلهم على نص قاطع، بل على ضوابط غير مطردة يسوغ لنا أن نجتهد بعدهم فيما اختلفوا فيه. وأن نحاول في وسط اختلافهم الوصول إلى مانراه من تقسيم السور إلى قسمين فقط: مكي خالص، ومدني خالص، حتى لا يكون هناك قسم ثالث بعضه مكي، وبعضه مدني، لما سبق من الأسباب التي تدعو إلى عدم قبوله، وأهمها، خارجا على سياقه، غير ملائم لزمنه، وقد يتخذ منه أعداء الإسلام مطعنا في القرآن، فإذا وردت مثلا آية مدنية في سورة مكية كآية الرعد التي قيل إن المراد بقوله تعالى فيها: ((ومن عنده علم الكتاب)) عبدالله بن سلام، قالوا إن هذا خطأ، لأن السورة مكية، وعبدالله لم يسلم إلا بعد الهجرة، فإذا قيل لهم إن هذه الآية مكية كسورتها ((ومن عنده علم الكتاب)) ورقة بن نوفل من أهل مكة أو غيره.
((يتبع))

عمرو الشاعر
09-06-2010, 09:19 AM
ـ 2 ـ
لم يبق بعد تمهيد ما سبق إلا أن نأخذ في تفصيل ما أجملناه، ونظر في كل سورة قيل إنها تجمع بين المكي والمدني، ولا نريد أن نشعب القول في ذلك تشعيبا، ولا أن نستقصي كل ما قاله فيه المفسرون، لئلا يؤدي بنا هذا إلى أن نطول فيه تطويلا مملا، وقد آثرنا لهذا أن نقتصر على ما ورد في أول كل سورة في المصحف من الاشارة إلى ما ورد من الآيات المكية فيما هو مدني، ومن الآيات المدنية فيما هو مكي، وقد نجاوز هذا قليلا إذا اقتضى المقام منا ان نجاوزه، وسنرتب الكلام في هذا على ترتيب تلك السور في المصحف، لنأخذها في هذا الترتيب سورة بعد سورة:
1 ـ سورة الفاتحة: هذه السورة أنسب السور لوضعها من القرآن موضع المقدمة له، كما أنها أنسب السور للقراءة في الصلاة، فهي إما ان تكون نزلت بمكة مع تشريع الصلاة لكونها ركناً من أركانها، وإما أن تكون نزلت بالمدينة عند قرب تكامل القرآن لتكون مقدمة له، ولا معنى للقول بأنها نزلت مرتين بمكة والمدينة جمعاً بين القولين (1) لأن الجمع بين القولين ليس بواجب، ولا يصح منا أن نقبله على حساب التاريخ، لأنه يكون حينئذ غير صحيح.
2 ـ سورة البقرة: قيل إنها مدنية إلا الآية ـ 281 ـ " واتقوا يوماً ترجعون

*(هوامش)*
(1) يشبه أن يكون القول بأن نصفها الأول نزل بمكة، والثاني بالمدينة، جمعاً بين القولين أيضا.


/ صفحه 186/
فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون " فنزلت بمنى في حجة الوداع، فإذا رجعنا إلى ما سبق لم نجد مثل هذا قيل في سورة البقرة كما قيل في غيرها، وحينئذ لا يكون هذا الاستثنا محل اتفاق بينهم، وليس في الآية ما يدل على مكان نزولها، ولو سلم أنها نزلت بمنى في حجة الوداع فإنها تكون مدنية أيضا، على ما هو الاشهر في المكي والمدني كما سبق.
3 ـ سورة النساء: هي مدنية إلا الآية ـ 58 ـ " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى اهلها " فإنها نزلت بمكة عام الفتح في مفتاح الكعبة، وهي في هذا كالآية السابقة في البقرة سواء بسواء، لأنها نزلت بعد الهجرة مثلها، فلا يؤثر نزولها بمكة في كونها مدنية (1).
4 ـ سورة المائدة: هي مدنية إلا الآية ـ 3 ـ " حرمت عليكم الميتة والدم " فنزلت بعرفات في حجة الوداع، وشأنها في هذا مثل شأن آية البقرة أيضا، وهذا إلى أنه ليس في الآية ما يعين زمن نزولها.
5 ـ سورة الأنعام: هي مكية إلا الآيات ـ 20، 23، 91، 93، 114، 141، 151، 152، 153 ـ فمدنية، فأما الآية ـ 20 ـ فهي: " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم " ولا سبب لجعلها مدنية عند من ذهب إليه إلا حمل ما فيها على مسلمي أهل الكتاب بعد الهجرة، مثل عبد الله بن سلام وغيره ممن أسلم من يهود المدينة، وحملها عليهم غير متعين، لأنه يمكن حملها على ورقة بن نوفل وغيره ممن كان عندهم علم بالكتاب من اهل مكة، وهذا إلى أن المشهور في سورة الأنعام أنها نزلت جملة واحدة بمكة، وهذا ظاهر في أن جميع آياتها مكية، وهذا يقال في الآيات الآتية أيضا.
وأما الآية ـ 23 ـ " ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين " فهي مصتلة بما قبلها وما بعدها اتصالا يبعد معه تأخر نزولها عنهما.
وأما الآية ـ 91 ـ " وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر

*(هوامش)*
(1) وهذا إلى أن الأمانات فيها مطلقة غير مقيدة بمفتاح الكعبة وغيره.


/ صفحه 187/
من شئ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً وعلمتهم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون " فسبب جعلها مدنية دعوى بعضهم أن المحاورة فيها مع بعض يهود المدينة، ويبعده قوله: " ما أنزل الله على بشر من شئ " لأن هذا لا يصح أن يقوله اليهود المعترفون بنبوة موسى وغيره من رسلهم ولو على سبيل العناد، لأن العناد في مثله لا يصح أن يقع منهم، وإنما يصح أن يقع من مشركي قريش ونحوهم، وعلى هذا يكون قوله بعده: " قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى " إلزاماً لهم، لأنه كان من المشاهير الذائعة عندهم على أنه كان خاصا باليهود، ولهذا كانوا يقولون: لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم، والخطاب في قوله بعده: " تجعلونه قراطيس " للمشركين أيضا، وإن كان جعلها قراطيس من اليهود لا منهم، لأن اعترافهم بالتوراة على ما سبق يسوغ إضافة هذا إليهم، فقد جاء فيها البشارة بالنبي (صلى الله عليه وسلم)، واعترافهم بها يوجب عليهم الإيمان به، فإذا لم يؤمنوا به فقد جعلوها قراطيس أيضا، ومما يؤيد أن الخطاب في هذا لمشركي قريش قوله بعده: " وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم " لأن الخطاب فيه لهم قطعا.
وأما الآية ـ 93 ـ " ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إلى ولم يوح إليه شئ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " فليس فيها مثل ما في الآية السابقة مما يصح الاعتماد عليه في جعلها مدنية، فلا يكون هناك وجه لجعلها مدنية لا مكية مثل باقي الآيات السورة.
وأما الآية ـ 114 ـ " أفغير الله أبتغى حكما وهو الذي أنزل اليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك الحق " فالمراد بالذين آتاهم الكتاب فيها ورقة بن نوفل ونحوه من اهل مكة، لا عبد الله بن سلام ونحوه من أهل المدينة، وبهذا تكون مكية لا مدنية.
وأما الآية ـ 141 ـ " وهو الذي أنشأن جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين " فمن جعلها

/ صفحه 188/
مدنية استند إلى قوله فيها " وآتوا حقه يوم حصاده " لأنه حق الزكاة، وقد وجبت الزكاة في المدينة لا في مكة، وكان الحصاد أيضا في المدينة لا في مكة، لأنها في واد غير ذي زرع، وقد أجاب من ذهب إلى أنها مكية عن هذا بأن وجوب الزكاة في المدينة لا يمنع وجوبها في مكة أيضا، ولعل الذي حصل في المدينة تفصيل أحكامها، وبيان أنصبتها، وبأنه يجوز أن يكون ما في الآية غير حق الزكاة، وقد قال مجاهد: إذا حصدت فحضرت المساكين فاطرح لهم منه، وإذا دسته وذريته فاطرح لهم منه، وإذا كربلته فاطرح لهم منه، وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته، وقيل إن هذا كان قبل وجوب الزكاة، فلما وجبت نسخ بها، وكان لبعض أهل مكة زرع في الطائف والأودية المجاورة لهم.
وأما الآيات ـ 151 ـ 153 ـ " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم " الآيات فلعل السبب في جعلها مدنية ما سبق في سورة المطففين من السور المختلف في أنها مكية أو مدنية، وأن من ذهب إلى انها مدنية اعتمد على أن أهل المدينة كانوا يطففون الكيل والميزان فنزلت فيهم، والاعتماد على هذا ضعيف، لأن التطفيف عيب منتشر في كل القرى والمدن لغلبة الطمع على النفوس، ولا يختص بأهل المدينة وحدهم.
6 ـ سورة الاعراف: مكية إلا من آية ـ 163 ـ إلى غاية آية ـ 170 ـ فمدنية، وهي تبتدئ بقوله تعالى: " واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر " والآيات بعدها في قصة هذه القرية، وعقاب الله لها على اعتدائها في السبت، وهي من قصص بني إسرائيل المذكورة في هذه السورة قبل هذه الآيات، وهي خاتمة قصصها فيها، فيجب أن تكون مكية مثلها، ولهذا لم تذكر سورة الأعراف فيما سبق من السور المختلف في أنها مكية أو مدنية.
7 ـ سورة الأنفال: مدنية إلا الآيات ـ 30: 36 ـ فمكية، وتبتدئ بقوله تعالى: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك " الآيات،

/ صفحه 189 /
وهي معطوفة على قوله قبلها: " واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض " فيذكرهم بعد انتصارهم على المشركين في بدر بأحوالهم معهم في مكة قبل هجرتهم منها، ليعرفوا فضله عليهم في هذا النصر بعد ما كان من قتلهم واستضعافهم وتآمر المشركين وتعنتهم عليهم في مكة، وبهذا تكون الآيات مدنية متمشية مع سياق السورة، ولا معنى لجعلها مكية بعد قوله في بدئها: " واذ يمكر " لأنه صريح في نزولها في المدينة لأنه معمول لا ذكر مقدرة.
8 ـ سورة التوبة: مدنية إلا الآيتين الأخيرتين فمكيتان، وهما قوله تعالى: " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " الآيتين، وهما بعد كلام كثير مع المنافقين من أهل المدينة، وكانوا عربا مثل مشركي مكة، فيصح أن يكون الخطاب لأولئك المنافقين أو للعرب جميعاً، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم منهم أيضا، ومما يؤيد هذا ما ذهب إليه ابي بن كعب والحسن وسعيد بن جبير أن الايتين آخر ما نزل من القرآن.
9 ـ سورة يونس: مكية إلا الآيات ـ 40، 94، 95، 96 ـ فمدنية، فأما الآية ـ 40 ـ " ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين " فهي جارية على سياق ما قبلها وما بعدها من الآيات. ولا شئ فيها يمنع كونها مكية مثلها، لما سبق أن الأمر في هذا مرجعه إلى الاجتهاد، وأما الآيات ـ 94: 96 ـ فتبتدئ بقوله تعالى: " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك " ومن ذهب إلى أنها مدنية فهم أن المراد بمن يقرؤون الكتاب من قبله عبد الله بن سلام ونحوه ممن أسلم من يهود المدينة، وهذا غير متعين فيها، بل الأولى حمله على ورقة بن نوفل ونحوه من أهل مكة، وحينئذ تكون الآيات الثلاث مكية لا مدنية مثل باقي السورة.

عمرو الشاعر
09-06-2010, 09:21 AM
ـ 3 ـ
وصلت فيما سبق إلى إثبات رأيي فيما قبل سورة هود أن السور إما مكية خالصة، وإما مدنية خالصة، وسأمضي هنا في إثباته في سورة هود وما بعدها:
10 ـ سورة هود: مكية إلا الآيات ـ 12، 17، 114 ـ فمدنية، فأما الآية ـ 12 ـ " فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لو لا أنزل عليه كنز " الآية، فهي في مشركي مكة، ولا وجه لجعلها مدنية.
وأما الآية ـ 17 ـ " أفمن كان على بينه من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به " الآية، فمن جعلها مدنية حمل قوله: " أفمن كان على بينة من ربه " على عبد الله بن سلام ونحوه ممن أسلم من يهود المدينة، وقد سبق في مثله أنه يمكن حمله على ورقة بن نوفل ونحوه من أهل مكة، وبهذا تكون الآية مكية مثل ما قبلها وما بعدها من الآيات.
وأما الآية ـ 114 ـ " وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل " فشأنها شأن الآية ـ 12 ـ سواء بسواء.
11 ـ يوسف: مكية إلا الآيات ـ 1، 2، 3، 7 ـ فمدنية، فأما الآيات ـ 1: 3 ـ " الر، تلك آيات الكتاب المبين " الآيات، فلا وجه لجعلها مدنية، لأن طابعها مكي لا مدني، وكذلك الآية ـ 7 ـ " لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين " لأنها متمشية مع سياقها، ولا معنى لجعلها مدنية في وسطه، وقد قيل إن السائل فيها حبر من أحبار اليهود بالمدينة بعد الهجرة، وهو ضعيف، لأن المعنى لمن يريد أن يسأل من مشركي مكة.

/ صفحه 323/
12 ـ سورة الرعد: قال الأصم: مدنية بالإجماع سوى قوله تعالى " ولو أن قرآناً سيرت به الجبال " ودعواه الإجماع غير صحيحة، لأنه قيل إنها مكية سوى قوله تعالى: " ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة " وقوله: " ومن عنده علم الكتاب " وهو الراجح عندي بلا استثناء، فأما الآية الأولى ـ 31ـ " ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم " فسبب جعلها مدنية عند بعضهم حمله القارعة على ما كان يصيبهم من سرايا المسلمين بعد هجرتهم، والأولى حملها على ما كان يصيبهم من البلايا والحروب بسبب تفرقهم وانقسامهم إلى قبائل متعادية متخاصمة، ولا منجاة لهم من هذا إلا بدين يجمعهم، ومثل هذه الآية في هذه السورة الآية ـ 41 ـ " أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها " فقد قيل إن المراد بها أرض مكة ينقصها المسملون من أطرافها بعد هجرتهم منها، والحق عندي أن المراد بها أرض العرب، ينقصها دولتا فارس والروم من أطرافها، وهو تحذير لمشركي قريش وغيرهم من مشركي العرب من استمرارهم على تفرقهم، لأنه هو الذي يمكن للدولتين منهم، ولا ينقذهم من هذا إلا دين يجمع كلمتهم.
وأما الآية الثانية ـ 43 ـ " قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب " فلا يتعين فيها أن يكون من عنده علم الكتاب عبد الله بن سلام على ما سبق في نظيره.
13 ـ سورة ابراهيم: مكية إلا آيتي ـ 28،29 ـ فمدنيتان، والآيتان هما قوله تعالى: " ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا " الايتين، وهم أهل مكة أسكنهم الله تعالى حرمه الآمن، وجعل عيشهم في السعة، فكفروا به وجعلوا له شركاء من أصنامهم، وهذا الظاهر في أنهما مكيتان لا مدنيتان.
14 ـ سورة الحجر: مكية إلا آية ـ 87 ـ فمدنية، وهي قوله تعالى: " ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم " ومن ذهب إلى أنها مدنية حمل السبع المثاني على السبع الطوال، وفيها سور مدنية كما سبق، فتكون الآية مدنية أيضا، ولكن أرجح الأقوال في السبع المثاني أنها سورة الفاتحة، لأنها سبع آيات، وقيل: إنها القرآن كله، وعلى هذا تكون الآية مكية مثل باقي آيات السورة.

/ صفحه 324/
15 ـ سورة النحل: قيل إنها مكية غير ثلاث آيات في آخرها، وحكى الأصم عن بعضهم أنها كلها مدنية، وقال آخرون: من أولها إلى قوله: " كن فيكون " مدني، وما سواه فمكى، وعن قتادة بالعكس، ولا وجه لهذا الاضطراب عندي، وإني أرى أن طابعها مكي من أولها إلى آخرها، وسأثبت في الآيات التي يظن فيها خلاف هذا أنها مكية.
وأولها: قوله تعالى في الآية ـ 41 ـ " والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا " الآية، فحمل من ذهب إلى أنها مدنية الهجرة فيها إلى هجرة المدينة، ويجب عندي حملها على هجرة الحشبة، لتكون الآية مكية على سياق السورة.
وثانيها: الآيات ـ 91: 96 ـ " وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم " الآيات، فحمل العهد فيها من ظن أنها مدنية على عهد الهدنة بين المسلمين وغيرهم بعد شرع القتال في المدينة، والحق عندي أن هذا العهد لا يتعين في عهد الهدنة، لأن هناك عهوداً كثيرة في جميع المعاملات يجب الوفاء بها، وحينئذ تكون هذه الآيات مكية أيضا.
وثالثها: قوله تعالى في الآية ـ 110 ـ " ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا " الآية، وقد سبق أن الهجرة هنا هجرة الحبشة لا هجرة المدينة، وكذلك الجهاد في الآية هو الجهاد بالمال وبالصبر على أذى المشركين في مكة، ولا يتعين أن يكون الجهاد بالقتال الذي شرع بعد الهجرة إلى المدينة.
ورابعها: الآيات ـ 126 ـ 128 ـ " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " الآيات، قيل إنها نزلت في غزوة أحد حينما مثل المشركون بحمزة، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " والله لأمثلن بسبعين منهم " والحق عندي أن العقاب في الآية عام يشمل الضرب والشتم ونحوهما مما كان قبل شرع القتال في المدينة، فالمقصود من الآية نهي المظلوم عن استيفاء الزيادة من الظالم، كما قال ابن سيرين: إن أخذ منك رجل شيئا فخذ منه مثله، وحينئذ تكون الآيات مكية لا مدنية.
16 ـ سورة الاسراء: مكية إلا الآيات ـ 26، 32، 33، 57 ـ والايات 73: 80 ـ فمدنية، وسأثبت أن هذه الآيات مكية أيضا مثل باقي آيات السورة:

/ صفحه 325 /
فأما الآيات ـ 26، 32، 33 ـ فقد وردت في جملة وصايا ابتدأت بالاية ـ 23 ـ " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا " وانتهت بالاية ـ 39 ـ " ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة " وسياق هذه الوصايا واحد، فلا وجه لجعل بعضها مدنيا وبعضها مكيا.
وأما الآيات ـ 73: 80 ـ فتبتدئ بقوله تعالى: " وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره " إلى أن يقول: " وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها " والخطاب في هذا كله لمشركي قريش وما كان من شأنهم بعد إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم بقصة الاسراء، ومن اشتدادهم عليه بسببها لشدة إنكارهم لها، وحينئذ يكون سياقها مكيا أيضا، وهو ما ذهب إليه كثير من المفسرين.
17 ـ سورة الكهف: مكية إلا الآية ـ 28 ـ والايات ـ 83: 101 ـ فمدنية، وعن قتادة أنها مكية من غير استثناء، وهذا هو الأرجح عندي.
فأما الآية ـ 28 ـ " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه " الآية، فإنها نزلت في شأن قريش حين قال أكابرهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن أردت أن نؤمن بك فاطرد من عندك هؤلاء الفقراء الذين آمنوا بك. وحينئذ تكون هذه الآية مكية لا مدنية.
وأما الآيات ـ 83: 101 ـ " ويسألونك عن ذي القرنين " الآيات، فهي في قصة ذي القرنين، والسائلون فيها هم مشركو قريش، كما هو مشهور، وحينئذ تكون هذه الآيات مكية أيضا.
18 ـ سورة مريم: مكية إلا الايتين ـ 58 ـ 71، فمدنيتان، فأما الآية ـ 58 ـ " أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين " الآية، فهي واردة بعد قصص أنبياء سابقين عليها، فتكون هذه الآية مكية مثل الآيات السابقة عليها في هؤلاء الأنبياء.
وأما الآية ـ 71 ـ " وإن منكم إلا واردها " الآية، فالضمير في " واردها " يعود على النار في الآيات قبلها، وحينئذ تكون متصلة بها كل الاتصال، ولا يكون فيها شئ يشعر بأنها مدنية.

/ صفحه 326/
19 ـ سورة طه: مكية إلا الايتين ـ 130، 131 ـ فمدنيتان، وهما قوله تعالى: " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم " الايتين، والضمير في " منهم " عائد إلى المذكورين في قوله قبله: " فاصبر على ما يقولون " وهم مشركو قريش، فتكون هذه الآية مكية أيضا وفاقاً لسياقها.
20 ـ سورة الحج: مدنية، واستثنى بعضهم الآيات ـ 52: 54 ـ لأنها نزلت بين مكة والمدينة، وقد سبق أن المكان لا شأن له في تمييز المكي من المدني، وإنما الشأن في هذا لما نزل قبل الهجرة إلى المدينة وبعدها. وقيل إنها مدنية إلا الآيات ـ 19: 24 ـ وهي: " هذا خصمان اختصموا في ربهم " الآيات، والاشارة فيه " هذان " إلى أهل الأديان الستة في قوله قبله: " إن الذين آمنوا والذين هادوا " الآية، فتكون هذه الآيات مكية مثله، ولهذا لم تستثن في القول الأول مع ما استثنى فيه.
21 ـ سورة الفرقان: مكية إلا الآيات ـ 68: 70 ـ فمدنية، وهذه الآيات تبتدئ بقوله تعالى: " والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر " الآيات، وهي معطوفة على قوله في الآية ـ 63 ـ " وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا " الآية، وكلها سياق واحد مكي، ولا معنى لجعل بعضه مكيا وبعضه مدنيا.
22 ـ سورة الشعراء: مكية إلا الآية ـ 197 ـ والايات ـ 224: 227 ـ فمدنية، فأما الآية ـ 197 ـ " أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل " فمن ذهب إلى أنها مدنية حمل " علماء بني إسرائيل " على من آمن به منهم بعد الهجرة مثل عبد الله بن سلام، ولكن الآية ليس فيها إيمانهم به، وإنما فيها علمهم ما جاء فيه، أي من التوحيد ونحوه، وبطلان عبادة الأصنام، وحينئذ لا يكون في الآية ما يجعلها مدنية لا مكية، لأن الاحتجاج بعلمهم بهذا يصح مع كونها مكية لا مدنية.
وأما الآيات ـ 224: 227 ـ " والشعراء يتبعهم الغاوون " إلى أن قال: " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " فمن جعلها مدنية حمل الذين استثنوا من الشعراء على عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت. وكعب بن زهير، وكان إسلامهم بعد الهجرة، ولا يتعين عندي حمل هذا عليهم، لأن هذه الآيات وردت رداً على قول

/ صفحه 327/
مشركي قريش: لم لا يجوز أن يكون القرآن من تنزيل الشياطين على محمد كتنزيلهم الشعر على الشعراء؟ فأجيب بالفرق بين ما يدعو إليه في القرآن، وما يدعون إليه في الشعر، ولابد أن هذا الجواب نزل بمكة عقب قولهم، لأنه لا يصح تركه هذه المدة الطويلة من غير جواب، وهذا الاستثناء لابد منه، ولو لم يؤمن بعضهم بالفعل، لأنه لا يصح ذم الشعر والشعراء على الإطلاق في مقام التشريع، لأن من الشعر ما يقال في الحكم ونحوها، وهو شعر صالح يجب استثناؤه من ذلك الذم، وحينئذ تكون هذه الآيات مكية أيضا.
23 ـ سورة القصص: مكية إلا الآيات ـ 52، 53، 54، 55، 85 ـ فمدنية، فأما الآيات ـ 52: 55 ـ فتبتدئ بقوله تعالى: " الذين أتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون " الآيات، فمن جعلها مدنية حملها على عبد الله بن سلام ونحوه من يهود المدينة، وقد سبق أن هذا ليس بمتعين، لأنها يجوز حملها على ورقة بن نوفل ونحوه من أهل مكة، وأزيد هنا إن مشركي قريش كانوا يبعثون قبل الهجرة إلى هؤلاء اليهود يستفتونهم في محمد، فكان بعضهم يفتيهم بأنه يجد نعته في توراتهم، فيمكن حمل هذه الآية وما سبق من نظائرها عليهم.
وأما الآية ـ 85 ـ " إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد " الآية، فليس فيها ما يدل على أنها مدنية إلا حمل المعاد على مكة، أي لرادك إليها بعد هجرتك منها بفتحها، وهذا ليس بمتعين في الآية، لأن كثيراً من المفسرين ذهب إلى أن المراد بالمعاد القيامة، وهو المناسب لسياق ما قبله وما بعده، فيكون مكيا مثله.
24 ـ سورة العنكبوت: مكية، وقيل مدنية، وقيل: نزلت من أولها إلى رأس عشر آيات بمكة، وباقيها بالمدينة، وقيل بعكس هذا، وهذا اضطراب كثير سببه أن في السورة طابعا من المدني، وطابعا من المكي، وسبب جمعها بين الطابعين أنها نزلت بعد أن هاجر بعض المسلمين إلى المدينة، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يزال بمكة، فكان يحث من لم يهاجر على الهجرة وما يكون بعدها من جهاد في سبيل الله، وقد استجاب له المسلمون إلا قليلا منهم صعبت عليه الهجرة والجهاد،

/ صفحه 328/
وهم المنافقون الذين ورد ذكرهم في أول السورة، وهم منافقو مكة لا منافقو المدينة، ولهذا أختار ما ذهب إليه بعضهم من أن السورة كلها مكية.
فأما الآيات الأولى منها فتبتدئ بقوله تعالى: " الم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون " أي يختبرون بالهجرة والجهاد، ثم مضى الكلام في هذا وفيمن صعب عليه من أولئك المنافقين، وفي بيان أن هذا كان سبيل من قبلهم من أتباع الرسل، وكان هذا سببا في الانتقال منه إلى ذكر قصص بعضهم تفصيلا بعد الاشارة إليه إجمالا.
ثم جاء بعد هذا في الآية ـ 46 ـ " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن " الآية، وهذا طابع مدني، لأن الإسلام كان قد انتشر بالمدينة، وفيها يهود قبل أن يهاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليها، فهي توصية لمن أسلم من أهل المدينة ومن هاجر قبله.
ثم عاد إلى الترغيب في الهجرة بقوله في الآية ـ 56 ـ " يا عبادي الذين آمنوا إن أرضى واسعة فإياي فاعبدون " ومضى الكلام فيه إلى آخر السورة.
25 ـ سورة الروم: مكية إلا الآية ـ 17 ـ فمدنية، وهذه الآية هي قوله تعالى: " فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون " وليس فيها شئ يقتضي جعلها مدنية دون ما قبلها وما بعدها من الآيات، وحينئذ تكون مكية ايضا.
26 ـ سورة لقمان: مكية إلا الآيات ـ 27: 29 ـ فمدنية، وقيل: إنها مكية إلا الآية ـ 4 ـ " الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة " الآية، لأن الصلاة والزكاة نزلتا بالمدينة، ولا شك أن هذا غير صحيح في الصلاة لأنها نزلت بمكة، وأما الزكاة فقد سبق أنها كانت واجبة فيها أيضا أو مندوبة على الأقل، فيكون الذي نزل بالمدينة فرضها، أو تفصيل أحكامها.