عمرو الشاعر
10-13-2010, 08:38 AM
ببسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, الرحمن الرحيم, وسلام على المرسلين, ثم أما بعد:
بعد أن عرضنا لقضية "القناعات" وكيفية تكونها, نعرض اليوم بإذن الله وعونه لثنائية "المثالي" والواقعي!
ونحن إذ نتحدث عن المثالي فإننا لا نقصد المثالي المقابل للمادي كما تصوره أفلاطون, فقال بوجود عالمين:
" العالم الأول: عالم الحس المشاهد،دائم التغير،عسيرالإدراك، ليس جديرًابـأنيسـمَّى موجودًا،ولايسمَّى إدراكه علمًا،بل هوشبيه بالعلم؛لأنه ظل وخيال للموجودالحقيقي .
العالم الثاني: عالم المجردات،فيه أصول العالم الحسي وهومثاله الذي صـيغت عليـه موجوداته كلها؛ ففي عالمالمثل يوجدلكل شيءمثاله وفي الحقيقةالموجودالكامل لأنه مثال للنوع لاللجزءالمتغيرالناقص؛ ففي عالم المثل إنسانيةالإنسان وحيوانيةالحيوان، وخيريةالخير،وشكليةالشكل ...وهكذا." ا.هـ
وإنما نقصد بالمثالي التصور الأمثل الذي يقدمه البشر أو بعضهم, للشكل الأفضل الذي ينبغي أن يكون عليه الشيء, والذي يجعله على درجة الكمال أو قريبا منه, والذي يستطيع معه الإنسان أن يقول بثقة ويقين: هكذا ينبغي أن يكون الشيء!
فإذا نظرنا في أي مجتمع إنساني وجدنا أن الإنسان يقابل هذه الثنائية منذ صغره, فنجده يُلقن من رجال الدين أو من الفلاسفة أو من الكهنة ... تصورا للقيم والمبادئ وما ينبغي أن يقوم به الإنسان وأن يكون عليه!
فإذا نظر الصغير النامي في الواقع حوله وجد أن الواقع بخلاف ما يُلقن, فيجد أن الناس تخالف هذه المبادئ والمُثل والقيم والتصورات, وقد تصل درجة هذه المخالفة إلى أن يعتقد الإنسان أن القوانين ما وُضعت إلا لتنتهك! وأن المبادئ ما عُلمت إلا ليتصرف الإنسان بخلافها!!
ينظر الإنسان السوي حوله فيرى ظلما وفقرا وبؤسا وشقاء, فيسقط الحكم المباشر بأن هذا راجع إلى مخالفة البشر لهذه المبادئ والقيم, لأنهم لا يأتونها على الوجه الأمثل, وأنهم لو خضعوا لها وطبقوها لاختلف الحال كثيرا!!
ومن ثم يسعى الإنسان لتغييرها بشتى السبل, من أجل تحقيق هذه القيم!
والناظر يجد أن الفصل بين الواقع والمثالي يظهر بأوضح ما يكون في جيل الشباب ويخفت بشكل واضح عند عامة الكبار, وذلك لأن الشباب غالباً ما يكونون في المرحلة التنظرية, والتي يتلقون فيها العلوم والتصورات عن العالم المحيط بهم وكيف ينبغي أن يكون, كما أنهم لم يحتكوا بالواقع بالقدر الكافي ليجزموا بإمكانية أو عدم إمكانية تحقيق النظريات, لذا يتحرك الشباب مدفوعين بحماستهم, وعدم انشغالهم بهموم الواقع من أجل أن يغيروا الواقع ... إلى ما هو أفضل!! فيصطدمون بصخرة الواقع وصعوبة التغيير في المجتمعات البشرية, فمنهم من يلين وينشغل بدنياه, ومنهم من يستمر في محاولاته, ومنهم من يجعل التغيير إلى الأمثل غاية لحياته!
والإنسان ككائن مستخلف في الأرض يشعر في قرارة نفسه أن عليه فعل الأفضل من أجل تحقيق الهدف الذي وُجد من أجله, ومن ثم فإن عامة الناس الذين لا يشغلون أنفسهم بالتصور الأمثل للمجتمع, يجعلون سعيهم للحصول على غاية عليا عظيمة, ظناً منهم أنهم بذلك يحققون الكمال بوصولهم إلى غاية حياتهم!
فإذا وصل الإنسان إليها وأصبحت واقعا ملموسا أمامه, عافها وزهد فيها ولم تعد كما كانت من قبل بالنسبة له, وذلك لسببين رئيسين:
1- أن الله تعالى قد فطر الإنسان على أن الكمال لله وحده, وأن الراحة والسكينة في القرب منه, وأن الدنيا كلها مخلوقة لذلك, فإذا وصل الإنسان بدنياه إلى ربه ارتاح وسكن! وحتى لو تركها ووصل إلى ربه سكن واطمئن, فإن جعل دنياه غاية لنفسه, خاطبته نفسه بأن هذه ليست هي الغاية العظمى, ومن ثم يسعى مجدداً من أجل الوصول إلى ما يريح قلبه!
وهكذا يظل الإنسان يكدح ويسعى في الطريق الخاطئ ولن يرتاح أبداً إلا إذا عدل المسار وجعل الله وجهته, فهنا يستريح قلبه ويسكن فؤاده.
(وهناك من الناس من يجعل المبادئ والقيم والمُثل هي غاية له في حياته, فيسعى لتحقيقها طيلة عمره, فتحقق له هدوءً وسكينة, إلا أنه يشعر مع ذلك بأنه لم يحقق ما يريد, أما إذا أصبح الله الطرف الآخر من المعادلة, فالإنسان في طرف والله في الطرف الآخر, وكل ما في الدنيا أو في عالم القيم طريق إلى الله ... إلى الكمال! يقتنع الإنسان ويقر بأنه قد وصل غايته وحقق مبتغاه!!)
2- أنها انتقلت من التصور المثالي الكمالي الوردي ذي الجانب الواحد والفرد الواحد, إلى الواقع الأرضي الناقص ذي التبعات المختلفة (المسؤولية) والمتقاطع مع غيره من الأمور والأشخاص والذي قد يؤدي إلى إشكالات عدة!
فالحالم بالمنصب مثلاً يرى الجاه والمكانة وينسى المسؤوليات الكبيرة والتهديدات التي قد يتعرض لها, والمنافسات الشديدة التي عليه خوضها, فإذا وصل إلى المنصب فوجئ بهذا كله, فلا تقتنع نفسه بما فيه!
والذي يحلم بالزواج السعيد يتوقع الزوجة المطيعة التي لا تعصي له أمرا, والتي تشع عطرا والتي تغمره بحنانها وحبها, ولا تطلب منه أي شيء!! وإنما هو يعطي ما يشاء متى شاء!! ثم يفاجئ بأن الواقع خلاف ما كان يحلم! فيبدأ بالحلم بشيء جديد وردي لا مسؤولية فيها!
وستظل هذه الإشكالية دوما تحاصر الإنسان وتجعل عالم المُثل والخيال أفضل بالنسبة له, فهناك لا صراع ولا تقصير ولا ضعف وإنما هو من يبني عالمه بنفسه, بينما في الواقع هناك الكثير والكثير من العوامل التي تساهم في تحقيق هذا الحلم!!
إلا أن هذه التصور المثالي هو الدافع الأفضل دوما بالنسبة للإنسان, فإذا فرضنا مثلا أن الرياضي يعزم أنه سيتمرن بشكل مكثف وسيأتي في التمرين بالعجائب!
ثم يذهب إلى التمرين في اليوم الثاني وهو متعب أو متكاسل فلا يأتي بما يتوقع, والمهندس يتخيل صورة لمبنى ما, لا ليس مبنى بل تحفة معمارية تتحدث عنها الأجيال, ثم يكتشف عند محاولة تخطيطها ورسمها أنها من الصعوبة بمكان .... إن لم تكن مستحيلة, ناهيك عن وجود الطرف الآخر الذي سيحقق هذا!!
الحمد لله رب العالمين, الرحمن الرحيم, وسلام على المرسلين, ثم أما بعد:
بعد أن عرضنا لقضية "القناعات" وكيفية تكونها, نعرض اليوم بإذن الله وعونه لثنائية "المثالي" والواقعي!
ونحن إذ نتحدث عن المثالي فإننا لا نقصد المثالي المقابل للمادي كما تصوره أفلاطون, فقال بوجود عالمين:
" العالم الأول: عالم الحس المشاهد،دائم التغير،عسيرالإدراك، ليس جديرًابـأنيسـمَّى موجودًا،ولايسمَّى إدراكه علمًا،بل هوشبيه بالعلم؛لأنه ظل وخيال للموجودالحقيقي .
العالم الثاني: عالم المجردات،فيه أصول العالم الحسي وهومثاله الذي صـيغت عليـه موجوداته كلها؛ ففي عالمالمثل يوجدلكل شيءمثاله وفي الحقيقةالموجودالكامل لأنه مثال للنوع لاللجزءالمتغيرالناقص؛ ففي عالم المثل إنسانيةالإنسان وحيوانيةالحيوان، وخيريةالخير،وشكليةالشكل ...وهكذا." ا.هـ
وإنما نقصد بالمثالي التصور الأمثل الذي يقدمه البشر أو بعضهم, للشكل الأفضل الذي ينبغي أن يكون عليه الشيء, والذي يجعله على درجة الكمال أو قريبا منه, والذي يستطيع معه الإنسان أن يقول بثقة ويقين: هكذا ينبغي أن يكون الشيء!
فإذا نظرنا في أي مجتمع إنساني وجدنا أن الإنسان يقابل هذه الثنائية منذ صغره, فنجده يُلقن من رجال الدين أو من الفلاسفة أو من الكهنة ... تصورا للقيم والمبادئ وما ينبغي أن يقوم به الإنسان وأن يكون عليه!
فإذا نظر الصغير النامي في الواقع حوله وجد أن الواقع بخلاف ما يُلقن, فيجد أن الناس تخالف هذه المبادئ والمُثل والقيم والتصورات, وقد تصل درجة هذه المخالفة إلى أن يعتقد الإنسان أن القوانين ما وُضعت إلا لتنتهك! وأن المبادئ ما عُلمت إلا ليتصرف الإنسان بخلافها!!
ينظر الإنسان السوي حوله فيرى ظلما وفقرا وبؤسا وشقاء, فيسقط الحكم المباشر بأن هذا راجع إلى مخالفة البشر لهذه المبادئ والقيم, لأنهم لا يأتونها على الوجه الأمثل, وأنهم لو خضعوا لها وطبقوها لاختلف الحال كثيرا!!
ومن ثم يسعى الإنسان لتغييرها بشتى السبل, من أجل تحقيق هذه القيم!
والناظر يجد أن الفصل بين الواقع والمثالي يظهر بأوضح ما يكون في جيل الشباب ويخفت بشكل واضح عند عامة الكبار, وذلك لأن الشباب غالباً ما يكونون في المرحلة التنظرية, والتي يتلقون فيها العلوم والتصورات عن العالم المحيط بهم وكيف ينبغي أن يكون, كما أنهم لم يحتكوا بالواقع بالقدر الكافي ليجزموا بإمكانية أو عدم إمكانية تحقيق النظريات, لذا يتحرك الشباب مدفوعين بحماستهم, وعدم انشغالهم بهموم الواقع من أجل أن يغيروا الواقع ... إلى ما هو أفضل!! فيصطدمون بصخرة الواقع وصعوبة التغيير في المجتمعات البشرية, فمنهم من يلين وينشغل بدنياه, ومنهم من يستمر في محاولاته, ومنهم من يجعل التغيير إلى الأمثل غاية لحياته!
والإنسان ككائن مستخلف في الأرض يشعر في قرارة نفسه أن عليه فعل الأفضل من أجل تحقيق الهدف الذي وُجد من أجله, ومن ثم فإن عامة الناس الذين لا يشغلون أنفسهم بالتصور الأمثل للمجتمع, يجعلون سعيهم للحصول على غاية عليا عظيمة, ظناً منهم أنهم بذلك يحققون الكمال بوصولهم إلى غاية حياتهم!
فإذا وصل الإنسان إليها وأصبحت واقعا ملموسا أمامه, عافها وزهد فيها ولم تعد كما كانت من قبل بالنسبة له, وذلك لسببين رئيسين:
1- أن الله تعالى قد فطر الإنسان على أن الكمال لله وحده, وأن الراحة والسكينة في القرب منه, وأن الدنيا كلها مخلوقة لذلك, فإذا وصل الإنسان بدنياه إلى ربه ارتاح وسكن! وحتى لو تركها ووصل إلى ربه سكن واطمئن, فإن جعل دنياه غاية لنفسه, خاطبته نفسه بأن هذه ليست هي الغاية العظمى, ومن ثم يسعى مجدداً من أجل الوصول إلى ما يريح قلبه!
وهكذا يظل الإنسان يكدح ويسعى في الطريق الخاطئ ولن يرتاح أبداً إلا إذا عدل المسار وجعل الله وجهته, فهنا يستريح قلبه ويسكن فؤاده.
(وهناك من الناس من يجعل المبادئ والقيم والمُثل هي غاية له في حياته, فيسعى لتحقيقها طيلة عمره, فتحقق له هدوءً وسكينة, إلا أنه يشعر مع ذلك بأنه لم يحقق ما يريد, أما إذا أصبح الله الطرف الآخر من المعادلة, فالإنسان في طرف والله في الطرف الآخر, وكل ما في الدنيا أو في عالم القيم طريق إلى الله ... إلى الكمال! يقتنع الإنسان ويقر بأنه قد وصل غايته وحقق مبتغاه!!)
2- أنها انتقلت من التصور المثالي الكمالي الوردي ذي الجانب الواحد والفرد الواحد, إلى الواقع الأرضي الناقص ذي التبعات المختلفة (المسؤولية) والمتقاطع مع غيره من الأمور والأشخاص والذي قد يؤدي إلى إشكالات عدة!
فالحالم بالمنصب مثلاً يرى الجاه والمكانة وينسى المسؤوليات الكبيرة والتهديدات التي قد يتعرض لها, والمنافسات الشديدة التي عليه خوضها, فإذا وصل إلى المنصب فوجئ بهذا كله, فلا تقتنع نفسه بما فيه!
والذي يحلم بالزواج السعيد يتوقع الزوجة المطيعة التي لا تعصي له أمرا, والتي تشع عطرا والتي تغمره بحنانها وحبها, ولا تطلب منه أي شيء!! وإنما هو يعطي ما يشاء متى شاء!! ثم يفاجئ بأن الواقع خلاف ما كان يحلم! فيبدأ بالحلم بشيء جديد وردي لا مسؤولية فيها!
وستظل هذه الإشكالية دوما تحاصر الإنسان وتجعل عالم المُثل والخيال أفضل بالنسبة له, فهناك لا صراع ولا تقصير ولا ضعف وإنما هو من يبني عالمه بنفسه, بينما في الواقع هناك الكثير والكثير من العوامل التي تساهم في تحقيق هذا الحلم!!
إلا أن هذه التصور المثالي هو الدافع الأفضل دوما بالنسبة للإنسان, فإذا فرضنا مثلا أن الرياضي يعزم أنه سيتمرن بشكل مكثف وسيأتي في التمرين بالعجائب!
ثم يذهب إلى التمرين في اليوم الثاني وهو متعب أو متكاسل فلا يأتي بما يتوقع, والمهندس يتخيل صورة لمبنى ما, لا ليس مبنى بل تحفة معمارية تتحدث عنها الأجيال, ثم يكتشف عند محاولة تخطيطها ورسمها أنها من الصعوبة بمكان .... إن لم تكن مستحيلة, ناهيك عن وجود الطرف الآخر الذي سيحقق هذا!!