عمرو الشاعر
05-08-2008, 03:10 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين وصلاة وسلاما على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وسلم:
فنتناول اليوم بعون الله وفضله سورة من قصار السور وهي سورة الانشقاق, وعلى الرغم من أن السادة المفسرين نجحوا في إعطاء تصور عام للسورة ونجحوا كذلك في تعاملهم الجزئي مع مفردات السورة إلا أنهم كلهم تقريبا لم يقدموا لنا المنظور الكامل والتصور الشامل لهذه السورة وذلك لاتباعهم المنهج التقطيعي الفصلي في فهم سور القرآن الكريم, فلم يوضحوا لنا ما العلاقة الحتمية بين الآيات الواردة في أول السورة وبين باقيها. لذا نبدأ في تناول هذه السورة لنوضح كيف أن القرآن كله كتاب كامل لا محذوف فيه ولا ترك, ولنعرض الاستدلالات القرآنية العبقرية والنبؤات الربانية المتحققة:
تبدأ السورة بقوله تعالى: "إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5)" وقبل أن نتناول هذه الآيات آية آية نتوقف لنقول:
نلاحظ أول ما نلاحظ ورود خمس آيات متصلات, تبدأ منهما إثنتان ب "إذا", فكيف فهم السادة المفسرون "إذا" الواردة في هاتين الآيتين؟ الناظر في كتب التفسير قاطبة يجد أنها تجمع على أن "إذا" في هاتين الآيتين هي إذا الشرطية, وبما أنها شرطية فلا بد لها من جواب. والناظر في السورة لا يجد أن هناك أي جواب لها. ولقد احتار المفسرون في إيجاد هذا الجواب, ونعرض للقارئ أقوالهم في مسألة جواب "إذا" من خلال تفسير الفخر الرازي, حيث يقول:
"اعلم أن قوله تعالى : { إِذَا السماء انشقت } [ الإنشقاق : 1 ] إلى قوله : { يا أيها الإنسان } شرط ولا بد له من جزاء واختلفوا فيه على وجوه أحدها : قال صاحب الكشاف : حذف جواب إذاً ليذهب الوهم إلى كل شيء فيكون أدخل في التهويل وثانيها : قال الفراء : إنما ترك الجواب لأن هذا المعنى معروف قد تردد في القرآن معناه فعرف ، ونظيره قوله : { إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةِ القدر } [ القدر : 1 ] ترك ذكر القرآن لأن التصريح به قد تقدم في سائر المواضع وثالثها : قال بعض المحققين : الجواب هو قوله : { فملاقيه } وقوله : { يأَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبّكَ كَدْحاً } [ الإنشقاق : 6 ] معترض ، وهو كقول القائل إذا كان كذا وكذا يا أيها الإنسان ترى عند ذلك ما عملت من خير أو شر ، فكذا ههنا . والتقدير إذا كان يوم القيامة لقي الإنسان عمله ورابعها : أن المعنى محمول على التقديم والتأخير فكأنه قيل : يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه إذا السماء انشقت وقامت القيامة وخامسها : قال الكسائي : إن الجواب في قوله : { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كتابه } [ الإنشقاق : 7 ] واعترض في الكلام قوله : { يأَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ } والمعنى إذا السماء انشقت ، وكان كذا وكذا من أوتي كتابه بيمينه فهو كذا ومن أوتي كتابه وراء ظهره فهو كذا ، ونظيره قوله تعالى : { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } [ البقرة : 38 ] ، وسادسها : قال القاضي : إن الجواب ما دل عليه قوله : { إِنَّكَ كَادِحٌ } كأنه تعالى قال : يا أيها الإنسان ترى ما عملت فاكدح لذلك اليوم أيها الإنسان لتفوز بالنعيم" اهـ
فكما ترى عزيزي القارئ فهم متحيرون في تحديد جواب الشرط, وقال بعضهم أنه " فأما" ولكن هذا جد بعيد! فهذه الآية مرتبطة بالآية السابقة لها وليس لها أي علاقة بأول السورة! ولضعف هذا الاحتمال وجدنا عامة المفسرين قالوا أن جواب الشرط محذوف متروك للقارئ لوضوحه! والقول بالحذف في القرآن مرفوض مردود بداهة وفيه تقول على الله عزوجل بلا علم ولا مستند إلا الخرص. فإذا نحن رفضنا القول بحذف الجواب ونظرنا في السورة فلن نجد أي جواب مناسب بأي حال, فأين جواب "إذا" إذن؟
المشكلة أن السادة المفسرين فصلوا هذه السورة عن السورة السابقة لها على الرغم من أنها تكملها وتدور في فلكها, وسيرى القارئ هذا من خلال تناولنا للسورة وربطنا لها بسابقتها.
أما نحن فلا نقول أن "إذا" هذه شرطية بل هي مرتبطة بالآيات الأخيرات الواردات في سورة المطففين, فالله تعالى يقول:
"إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)" ثم تبدأ السورة التالية بقوله تعالى " إذا السماء انشقت ...." فنلاحظ أن الله تعالى قال في آخر سورة المطففين "فاليوم الذين ..... هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون " هذا اليوم مفهوم بداهة أنه اليوم الآخر, ولكن حتى لا يترك القرآن أي لبس للقارئ أكمل الصورة بقوله: "هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون إذا السماء انشقت ..... " أي هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون إذا حدث كذا وكذا وكذا؟ وبداهة تأتي الإجابة من الإنسان الذي يعرف كيف يكون حال الكفار في هذا اليوم. إذن ف "إذا" هنا مرتبطة بقوله تعالى " هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون" فلا نبحث لها عن جواب الشرط في السورة لأنه لا يوجد ببساطة.
وبعد أن عرفنا ما هو متعلق "إذا" الواردتين في أول السورة نبدأ في تناول السورة, فنقول:
بدأت السورة بقوله تعالى" إذا السماء انشقت" وانشقاق السماء ورد في القرآن في موضعين إثنين وهما قوله تعالى "َفإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ [الرحمن : 37]" وقوله "وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ [الحاقة : 16]" أما ما ورد في سورة الفرقان وهو قوله "وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلاً [الفرقان : 25]" فليس هو ما قالته الآية لأن الانشقاق غير التشقق. فهذا فعل واحد وشق واحد أما التشقق ففعل مكرر وشقوق كثيرة.
" وأذنت لربها وحقت" المشتهر في تفسير هذه الآيات أن المراد من ذلك هو الاستماع والطاعة لأمر الله تعالى, وهذا هو الوارد في أقوال المفسرين كما أورد الإمام الفخر الرازي:
"أما قوله : { وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا } ومعنى أذن له استمع ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : « ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن » وأنشد أبو عبيدة والمبرد والزجاج قول قعنب :
صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به ... وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا
والمعنى أنه لم يوجد في جرم السماء ما يمنع من تأثير قدرة الله تعالى في شقها وتفريق أجزائها ، فكانت في قبول ذلك التأثير كالعبد الطائع الذي إذا ورد عليه الأمر من جهة المالك أنصت له وأذعن ، ولم يمتنع فقوله : { قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [ فصلت : 11 ] يدل على نفاذ القدرة في الإيجاد والإبداع من غير ممانعة أصلاً ، وقوله ههنا : { وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا } يدل على نفوذ القدرة في التفريق والإعدام والإفناء من غير ممانعة أصلاً ، وأما قوله : { وَحُقَّتْ } فهو من قولك هو محقوق بكذا ، وحقيق به . يعني وهي حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع وذلك لأنه جسم ، وكل جسم فهو ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فإن الوجود والعدم بالنسبة إليه على السوية ، وكل ما كان كذلك ، كان ترجيح وجوده على عدمه أو ترجيح عدمه على وجوده ، لا بد وأن يكون بتأثير واجب الوجود وترجيحه فيكون تأثير قدرته في إيجاده ، وإعدامه ، نافذاً سارياً من غير ممانعة أصلاً ، وأما الممكن فليس له إلا القبول والاستعداد ، ومثل هذا الشيء حقيق به أن يكون قابلاً للوجود تارة ، وللعدم أخرى من واجب الوجود " اهـ
يتبع................
الحمدلله رب العالمين وصلاة وسلاما على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وسلم:
فنتناول اليوم بعون الله وفضله سورة من قصار السور وهي سورة الانشقاق, وعلى الرغم من أن السادة المفسرين نجحوا في إعطاء تصور عام للسورة ونجحوا كذلك في تعاملهم الجزئي مع مفردات السورة إلا أنهم كلهم تقريبا لم يقدموا لنا المنظور الكامل والتصور الشامل لهذه السورة وذلك لاتباعهم المنهج التقطيعي الفصلي في فهم سور القرآن الكريم, فلم يوضحوا لنا ما العلاقة الحتمية بين الآيات الواردة في أول السورة وبين باقيها. لذا نبدأ في تناول هذه السورة لنوضح كيف أن القرآن كله كتاب كامل لا محذوف فيه ولا ترك, ولنعرض الاستدلالات القرآنية العبقرية والنبؤات الربانية المتحققة:
تبدأ السورة بقوله تعالى: "إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5)" وقبل أن نتناول هذه الآيات آية آية نتوقف لنقول:
نلاحظ أول ما نلاحظ ورود خمس آيات متصلات, تبدأ منهما إثنتان ب "إذا", فكيف فهم السادة المفسرون "إذا" الواردة في هاتين الآيتين؟ الناظر في كتب التفسير قاطبة يجد أنها تجمع على أن "إذا" في هاتين الآيتين هي إذا الشرطية, وبما أنها شرطية فلا بد لها من جواب. والناظر في السورة لا يجد أن هناك أي جواب لها. ولقد احتار المفسرون في إيجاد هذا الجواب, ونعرض للقارئ أقوالهم في مسألة جواب "إذا" من خلال تفسير الفخر الرازي, حيث يقول:
"اعلم أن قوله تعالى : { إِذَا السماء انشقت } [ الإنشقاق : 1 ] إلى قوله : { يا أيها الإنسان } شرط ولا بد له من جزاء واختلفوا فيه على وجوه أحدها : قال صاحب الكشاف : حذف جواب إذاً ليذهب الوهم إلى كل شيء فيكون أدخل في التهويل وثانيها : قال الفراء : إنما ترك الجواب لأن هذا المعنى معروف قد تردد في القرآن معناه فعرف ، ونظيره قوله : { إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةِ القدر } [ القدر : 1 ] ترك ذكر القرآن لأن التصريح به قد تقدم في سائر المواضع وثالثها : قال بعض المحققين : الجواب هو قوله : { فملاقيه } وقوله : { يأَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبّكَ كَدْحاً } [ الإنشقاق : 6 ] معترض ، وهو كقول القائل إذا كان كذا وكذا يا أيها الإنسان ترى عند ذلك ما عملت من خير أو شر ، فكذا ههنا . والتقدير إذا كان يوم القيامة لقي الإنسان عمله ورابعها : أن المعنى محمول على التقديم والتأخير فكأنه قيل : يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه إذا السماء انشقت وقامت القيامة وخامسها : قال الكسائي : إن الجواب في قوله : { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كتابه } [ الإنشقاق : 7 ] واعترض في الكلام قوله : { يأَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ } والمعنى إذا السماء انشقت ، وكان كذا وكذا من أوتي كتابه بيمينه فهو كذا ومن أوتي كتابه وراء ظهره فهو كذا ، ونظيره قوله تعالى : { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } [ البقرة : 38 ] ، وسادسها : قال القاضي : إن الجواب ما دل عليه قوله : { إِنَّكَ كَادِحٌ } كأنه تعالى قال : يا أيها الإنسان ترى ما عملت فاكدح لذلك اليوم أيها الإنسان لتفوز بالنعيم" اهـ
فكما ترى عزيزي القارئ فهم متحيرون في تحديد جواب الشرط, وقال بعضهم أنه " فأما" ولكن هذا جد بعيد! فهذه الآية مرتبطة بالآية السابقة لها وليس لها أي علاقة بأول السورة! ولضعف هذا الاحتمال وجدنا عامة المفسرين قالوا أن جواب الشرط محذوف متروك للقارئ لوضوحه! والقول بالحذف في القرآن مرفوض مردود بداهة وفيه تقول على الله عزوجل بلا علم ولا مستند إلا الخرص. فإذا نحن رفضنا القول بحذف الجواب ونظرنا في السورة فلن نجد أي جواب مناسب بأي حال, فأين جواب "إذا" إذن؟
المشكلة أن السادة المفسرين فصلوا هذه السورة عن السورة السابقة لها على الرغم من أنها تكملها وتدور في فلكها, وسيرى القارئ هذا من خلال تناولنا للسورة وربطنا لها بسابقتها.
أما نحن فلا نقول أن "إذا" هذه شرطية بل هي مرتبطة بالآيات الأخيرات الواردات في سورة المطففين, فالله تعالى يقول:
"إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)" ثم تبدأ السورة التالية بقوله تعالى " إذا السماء انشقت ...." فنلاحظ أن الله تعالى قال في آخر سورة المطففين "فاليوم الذين ..... هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون " هذا اليوم مفهوم بداهة أنه اليوم الآخر, ولكن حتى لا يترك القرآن أي لبس للقارئ أكمل الصورة بقوله: "هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون إذا السماء انشقت ..... " أي هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون إذا حدث كذا وكذا وكذا؟ وبداهة تأتي الإجابة من الإنسان الذي يعرف كيف يكون حال الكفار في هذا اليوم. إذن ف "إذا" هنا مرتبطة بقوله تعالى " هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون" فلا نبحث لها عن جواب الشرط في السورة لأنه لا يوجد ببساطة.
وبعد أن عرفنا ما هو متعلق "إذا" الواردتين في أول السورة نبدأ في تناول السورة, فنقول:
بدأت السورة بقوله تعالى" إذا السماء انشقت" وانشقاق السماء ورد في القرآن في موضعين إثنين وهما قوله تعالى "َفإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ [الرحمن : 37]" وقوله "وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ [الحاقة : 16]" أما ما ورد في سورة الفرقان وهو قوله "وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلاً [الفرقان : 25]" فليس هو ما قالته الآية لأن الانشقاق غير التشقق. فهذا فعل واحد وشق واحد أما التشقق ففعل مكرر وشقوق كثيرة.
" وأذنت لربها وحقت" المشتهر في تفسير هذه الآيات أن المراد من ذلك هو الاستماع والطاعة لأمر الله تعالى, وهذا هو الوارد في أقوال المفسرين كما أورد الإمام الفخر الرازي:
"أما قوله : { وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا } ومعنى أذن له استمع ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : « ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن » وأنشد أبو عبيدة والمبرد والزجاج قول قعنب :
صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به ... وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا
والمعنى أنه لم يوجد في جرم السماء ما يمنع من تأثير قدرة الله تعالى في شقها وتفريق أجزائها ، فكانت في قبول ذلك التأثير كالعبد الطائع الذي إذا ورد عليه الأمر من جهة المالك أنصت له وأذعن ، ولم يمتنع فقوله : { قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [ فصلت : 11 ] يدل على نفاذ القدرة في الإيجاد والإبداع من غير ممانعة أصلاً ، وقوله ههنا : { وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا } يدل على نفوذ القدرة في التفريق والإعدام والإفناء من غير ممانعة أصلاً ، وأما قوله : { وَحُقَّتْ } فهو من قولك هو محقوق بكذا ، وحقيق به . يعني وهي حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع وذلك لأنه جسم ، وكل جسم فهو ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فإن الوجود والعدم بالنسبة إليه على السوية ، وكل ما كان كذلك ، كان ترجيح وجوده على عدمه أو ترجيح عدمه على وجوده ، لا بد وأن يكون بتأثير واجب الوجود وترجيحه فيكون تأثير قدرته في إيجاده ، وإعدامه ، نافذاً سارياً من غير ممانعة أصلاً ، وأما الممكن فليس له إلا القبول والاستعداد ، ومثل هذا الشيء حقيق به أن يكون قابلاً للوجود تارة ، وللعدم أخرى من واجب الوجود " اهـ
يتبع................