عمرو الشاعر
05-11-2008, 11:11 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين وصلاة وسلاما على المبعوث رحمة للعالمين الهدي البشير سيدنا محمد وعلى آله وسلم:
سأل الأخ أمجاد عن الفرق بين الذكر والكتاب والفرقان, فنقول في عجالة:
الناظر في كتاب الله تعالى يجد توصيفات مختلفة لكتب الله تعالى التي أنزلها على رسله, توصيفات لها كلها أو بعضها. فنجد من بين هذه التوصيفات الكتاب والذكر والفرقان, وانفرد كتاب الله الأخير بالتوصيف "قرآن" . لذا نتوقف لنوضح ما هو مدلول هذه المفردات في اللغة وكيف استعمل الله عزوجل كل واحد من هذه المسميات ومن خلال تتبع هذا الاستعمال نكتشف الفارق بإذن الله تعالى:
كتاب : مشتقة من "كتب" فإذا نحن نظرنا في المقاييس وجدنا ابن فارس يقول:
"الكاف والتاء والباء أصلٌ صحيح واحد يدلُّ على جمع شيءٍ إلى شيءٍ. من ذلك الكِتَابُ والكتابة. يقال: كتبت الكتابَ أكْتبه كَتْباً. ....... ومن الباب الكِتَابُ وهو الفَرْضُ. قال الله تعالى: كُتِبَ علَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة 183]، ويقال للحُكْم: الكتاب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمَا لأَقْضِيَنَّ بينكما بكتاب الله تعالى"، أراد بحُكْمِه. وقال تعالى: يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً. فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ [البينة2، 3]، أي أحكامٌ مستقيمة. " اهـ
الذكر كما جاء في المقاييس : "الذال والكاف والراء أصلان، عنهما يتفرَّع كَلِمُ الباب ........ والأصل الآخر: ذَكَرْتُ الشيء، خلافُ نسِيتُه. ثم حمل عليه الذِّكْر باللِّسان. ويقولون: اجعلْه منك على ذُكْرٍ، بضم الذال، أي لا تَنْسَه." اهـ
الفرقان مشتقة من الفرق وهو كما جاء في المقاييس:
" الفاء والراء والقاف أُصَيلٌ صحيحٌ يدلُّ على تمييز وتزييلٍ بين شيئين. من ذلك الفَرْق: فرق الشعر. يقال: فرَقْتُه فَرَقاً.
والفِرْق القطيع من الغَنَم. والفِرق الفِلْق من الشَّيء إذا انفَلَقَ، قال الله تعالى: فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطّودِ العَظِيم [الشعراء 63] ....... والفُرْقان الصُّبح، سمِّي بذلك لأنه به يُفْرق بين اللَّيل والنَّهار، ويقال لأنَّ الظُّلْمة تتفرَّق عنه." اهـ
فإذا نحن نظرنا في كتاب الله تعالى وجدنا أن الكتاب يأتي لتوصيفات مختلفة, مثل:
جماع ما أنزل على الرسول الكريم, الكتب التي أنزلها الله تعالى على السابقين من الرسل, ما أوتيه سيدنا موسى عليه السلام, وكذلك يأتي بمعنى الكتاب المشتمل على الأحكام الشرعية من حل وحرمة بخلاف النبوة التي تحتوي علوما وعقائد والحكمة التي تحتوي الحكمة! ويأتي كذلك كوصف لكتاب الأعمال التي يوضع يوم القيامة!
وعندما يستعمل الله عزوجل لفظة الكتاب ولا يستعمل الذكر فهو يريد الإشارة إلى المعنى المحتوى في لفظة "كتب" والتي لا تعبر عنها بحال لفظة " ذكر" فهو يريد الإشارة إلى أن هذا الموصوف مكتوب "مجموع" محكم ملزم.
وعندما يستعمل " الذكر" فهو يريد الإشارة إلى الصيغة الكلامية التذكيرية لهذا الكتاب, فهو كتاب يُذكر وهو يُذكّر الناس بما غرسه الله في قلوبهم من الفطرة ويذكرهم بما أوتوه من قبل .
إذا نخرج من هذا أن الإثنين يستعملان مع جميع الكتاب والآيات التي أنزلت على الرسول الكريم والتي وعاها المصحف, ولكن الكتاب يختص بأنه قد يراد منه جانب الأحكام الشرعية فقط.
أما الفرقان فليس المراد منه كل الكتاب بل هو بعض الكتاب, وهو الجزء الذي يفرق به بين الحق والباطل فهو البينات والأدلة الدامغة على صدق الكتاب كله. فهو نور من الله عزوجل يهدي به الناس ويبدد به ظلمة الباطل. وهذا الجزء كما أرى والله أعلم هو الجزء المخصوص بالجانب الطبيعي والعلمي والتاريخي في القرآن لأن هذا هو الخاضع للفحص والكشف والتصديق , أما الأحكام الشرعية (والواردة في الكتاب) فهي لا يتخضع لتصديق أو تكذيب ولا تفرق بين الحق والباطل لأنها كلها إنشائية فهي أمر بفعل أو ترك. والإنسان إما أن يفعل أو يترك, أما الآيات الأخرى (العلمية الطبيعية التاريخية) فهي نفسها فارقة مبينة. كما أن الفرقان قد يكون خارج الكتاب, فيأتي في وحي مستقل (بعض السنة)
إذا فيكون الفرق هو أن الكتاب: هو مجموع ما أنزل وكُتب وحكم به وقد يطلق أحيانا على جزء الأحكام فقط وهو مصوغ صيغة كلامية من عند الله (ذكر).
أما الذكر فهو الصياغة اللفظية للكتاب والدور التذكيري له بما غرسه الله وذكره في الكتب السابقة.
وأما الفرقان فهو بعض الكتاب وهو الجزء التصديقي للكتاب والذي يخضع للفحص والكشف ويزيد ظهور بيناته كلما تقدم الزمن وازداد تطور الإنسان. وقد يكون خارج الكتاب.
وحتى لا نترك القارئ في حيرة نوضح له من خلال آيات القرآن من أين أتينا بهذا التقسيم:
ونبدأ أولا بتتبع الآيات التي ورد فيها ذكر "الذكر":
"ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [آل عمران : 58]"
بعد أن عرض الله تعالى للنبي الكريم قصة مريم وزكريا وعيسى والحواريين يأتي قوله تعالى في الآية السابقة فهو تذكير بما حدث وتخليد له في الكتاب لما فيه من الحكمة, وبذلك يُذكر إلى أبد الدهر.
فإذا نحن نظرنا في المجموعة القادمة من الآيات:
َ"وقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الحجر : 6]
وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ [القلم : 51]
أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ [ص: 8]"
فالذين كفروا يسخرون من هذا الذي أتى ليذكرهم ويصفونه بالجنون لكي لا يقبل منه الدور التذكيري, فهل يُقبل التذكير من المجانين, فلو كان عاقلا لاتبعناه. أي أن الأمر ليس مسألة نقص أدلة أو اعتراض ولكنه تبرير لعدم اتباع الذكر! لذا نجد أنه ومن العجب أن الجنون ارتبط بالصياغة الكلامية, فنجدهم يصفون الرسول بقولهم: "وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ" فهو شاعر يصوغ الكلام صياغة حسنة ولكنه مجنون!!! (كيف يجتمع الضدان, الله أعلم!) لذا فيأمر الله تعالى النبي بقوله: "فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ [الطور:29]
وعندما أراد الله تعالى التنبيه على حفظه تعالى للصياغة اللفظية لكل الكتاب استعمل الذكر ليوضح أن القرآن "حرفيا" سيظل ويبقى لأن الله تعهد بالحفاظ عليه: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر : 9]"
يتبع ........................
الحمدلله رب العالمين وصلاة وسلاما على المبعوث رحمة للعالمين الهدي البشير سيدنا محمد وعلى آله وسلم:
سأل الأخ أمجاد عن الفرق بين الذكر والكتاب والفرقان, فنقول في عجالة:
الناظر في كتاب الله تعالى يجد توصيفات مختلفة لكتب الله تعالى التي أنزلها على رسله, توصيفات لها كلها أو بعضها. فنجد من بين هذه التوصيفات الكتاب والذكر والفرقان, وانفرد كتاب الله الأخير بالتوصيف "قرآن" . لذا نتوقف لنوضح ما هو مدلول هذه المفردات في اللغة وكيف استعمل الله عزوجل كل واحد من هذه المسميات ومن خلال تتبع هذا الاستعمال نكتشف الفارق بإذن الله تعالى:
كتاب : مشتقة من "كتب" فإذا نحن نظرنا في المقاييس وجدنا ابن فارس يقول:
"الكاف والتاء والباء أصلٌ صحيح واحد يدلُّ على جمع شيءٍ إلى شيءٍ. من ذلك الكِتَابُ والكتابة. يقال: كتبت الكتابَ أكْتبه كَتْباً. ....... ومن الباب الكِتَابُ وهو الفَرْضُ. قال الله تعالى: كُتِبَ علَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة 183]، ويقال للحُكْم: الكتاب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمَا لأَقْضِيَنَّ بينكما بكتاب الله تعالى"، أراد بحُكْمِه. وقال تعالى: يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً. فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ [البينة2، 3]، أي أحكامٌ مستقيمة. " اهـ
الذكر كما جاء في المقاييس : "الذال والكاف والراء أصلان، عنهما يتفرَّع كَلِمُ الباب ........ والأصل الآخر: ذَكَرْتُ الشيء، خلافُ نسِيتُه. ثم حمل عليه الذِّكْر باللِّسان. ويقولون: اجعلْه منك على ذُكْرٍ، بضم الذال، أي لا تَنْسَه." اهـ
الفرقان مشتقة من الفرق وهو كما جاء في المقاييس:
" الفاء والراء والقاف أُصَيلٌ صحيحٌ يدلُّ على تمييز وتزييلٍ بين شيئين. من ذلك الفَرْق: فرق الشعر. يقال: فرَقْتُه فَرَقاً.
والفِرْق القطيع من الغَنَم. والفِرق الفِلْق من الشَّيء إذا انفَلَقَ، قال الله تعالى: فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطّودِ العَظِيم [الشعراء 63] ....... والفُرْقان الصُّبح، سمِّي بذلك لأنه به يُفْرق بين اللَّيل والنَّهار، ويقال لأنَّ الظُّلْمة تتفرَّق عنه." اهـ
فإذا نحن نظرنا في كتاب الله تعالى وجدنا أن الكتاب يأتي لتوصيفات مختلفة, مثل:
جماع ما أنزل على الرسول الكريم, الكتب التي أنزلها الله تعالى على السابقين من الرسل, ما أوتيه سيدنا موسى عليه السلام, وكذلك يأتي بمعنى الكتاب المشتمل على الأحكام الشرعية من حل وحرمة بخلاف النبوة التي تحتوي علوما وعقائد والحكمة التي تحتوي الحكمة! ويأتي كذلك كوصف لكتاب الأعمال التي يوضع يوم القيامة!
وعندما يستعمل الله عزوجل لفظة الكتاب ولا يستعمل الذكر فهو يريد الإشارة إلى المعنى المحتوى في لفظة "كتب" والتي لا تعبر عنها بحال لفظة " ذكر" فهو يريد الإشارة إلى أن هذا الموصوف مكتوب "مجموع" محكم ملزم.
وعندما يستعمل " الذكر" فهو يريد الإشارة إلى الصيغة الكلامية التذكيرية لهذا الكتاب, فهو كتاب يُذكر وهو يُذكّر الناس بما غرسه الله في قلوبهم من الفطرة ويذكرهم بما أوتوه من قبل .
إذا نخرج من هذا أن الإثنين يستعملان مع جميع الكتاب والآيات التي أنزلت على الرسول الكريم والتي وعاها المصحف, ولكن الكتاب يختص بأنه قد يراد منه جانب الأحكام الشرعية فقط.
أما الفرقان فليس المراد منه كل الكتاب بل هو بعض الكتاب, وهو الجزء الذي يفرق به بين الحق والباطل فهو البينات والأدلة الدامغة على صدق الكتاب كله. فهو نور من الله عزوجل يهدي به الناس ويبدد به ظلمة الباطل. وهذا الجزء كما أرى والله أعلم هو الجزء المخصوص بالجانب الطبيعي والعلمي والتاريخي في القرآن لأن هذا هو الخاضع للفحص والكشف والتصديق , أما الأحكام الشرعية (والواردة في الكتاب) فهي لا يتخضع لتصديق أو تكذيب ولا تفرق بين الحق والباطل لأنها كلها إنشائية فهي أمر بفعل أو ترك. والإنسان إما أن يفعل أو يترك, أما الآيات الأخرى (العلمية الطبيعية التاريخية) فهي نفسها فارقة مبينة. كما أن الفرقان قد يكون خارج الكتاب, فيأتي في وحي مستقل (بعض السنة)
إذا فيكون الفرق هو أن الكتاب: هو مجموع ما أنزل وكُتب وحكم به وقد يطلق أحيانا على جزء الأحكام فقط وهو مصوغ صيغة كلامية من عند الله (ذكر).
أما الذكر فهو الصياغة اللفظية للكتاب والدور التذكيري له بما غرسه الله وذكره في الكتب السابقة.
وأما الفرقان فهو بعض الكتاب وهو الجزء التصديقي للكتاب والذي يخضع للفحص والكشف ويزيد ظهور بيناته كلما تقدم الزمن وازداد تطور الإنسان. وقد يكون خارج الكتاب.
وحتى لا نترك القارئ في حيرة نوضح له من خلال آيات القرآن من أين أتينا بهذا التقسيم:
ونبدأ أولا بتتبع الآيات التي ورد فيها ذكر "الذكر":
"ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [آل عمران : 58]"
بعد أن عرض الله تعالى للنبي الكريم قصة مريم وزكريا وعيسى والحواريين يأتي قوله تعالى في الآية السابقة فهو تذكير بما حدث وتخليد له في الكتاب لما فيه من الحكمة, وبذلك يُذكر إلى أبد الدهر.
فإذا نحن نظرنا في المجموعة القادمة من الآيات:
َ"وقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الحجر : 6]
وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ [القلم : 51]
أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ [ص: 8]"
فالذين كفروا يسخرون من هذا الذي أتى ليذكرهم ويصفونه بالجنون لكي لا يقبل منه الدور التذكيري, فهل يُقبل التذكير من المجانين, فلو كان عاقلا لاتبعناه. أي أن الأمر ليس مسألة نقص أدلة أو اعتراض ولكنه تبرير لعدم اتباع الذكر! لذا نجد أنه ومن العجب أن الجنون ارتبط بالصياغة الكلامية, فنجدهم يصفون الرسول بقولهم: "وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ" فهو شاعر يصوغ الكلام صياغة حسنة ولكنه مجنون!!! (كيف يجتمع الضدان, الله أعلم!) لذا فيأمر الله تعالى النبي بقوله: "فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ [الطور:29]
وعندما أراد الله تعالى التنبيه على حفظه تعالى للصياغة اللفظية لكل الكتاب استعمل الذكر ليوضح أن القرآن "حرفيا" سيظل ويبقى لأن الله تعهد بالحفاظ عليه: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر : 9]"
يتبع ........................