المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السحر خداع وتمويه وتلبيس فقط!


عمرو الشاعر
05-14-2008, 08:49 AM
السحـــــر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين وصلاة وسلاما على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الكرام:
سأل الآخ أمجاد سؤالا عن السحر وماذا نقول لمن ابتلي بالسحر؟ فنقول له:
إن القرآن من أوله إلى آخره ينفي حدوث أي تأثير للسحر بمعنى تغير طبائع الأشياء وتحويلها من شكل إلى آخر, أما إذا كان بمعنى اللبس والخداع فهو موجود مشاهد. وهذا الرأي مخالف للمألوف المتعارف عليه لذا نقدم للقارئ هذا المقال حول السحر:

السحر كلمة عجيبة براقة رنانة لها تصور مبهم عند البشر , فلكل تصوره عن هذه الكلمة , وللكلمة وقع عجيب في نفوس البشر يتأرجح بين الخوف والرهبة والغموض والجمال فلها وقع السحر !! , و لكن لما كانت معظم مشاكل العالم بسبب عدم تحديد المفاهيم, نبدأ كعادتنا في تحديد المفاهيم حتى لا تؤدي إلى الاختلاط والاضطراب و نبدأ بتعريف السحر في اللغة , فنقول السحر كما جاء في المقاييس :
" ( سحر) السين والحاء والراء أصولٌ ثلاثة متباينة : أحدها عضْوٌ من الأعضاء، والآخر خَدْعٌ وشِبههُ ، والثالث وقتٌ من الأوقات.
فالعُضْو السَّحْر، وهو ما لَصِقَ بالحُلقوم والمَرِيء من أعلى البطن. ويقال بل هي الرِّئة. ويقال منه للجبان: انتفَخَ سَحْرُه. ويقال له السُّحْر والسَّحْر والسَّحَر.
وأمّا الثّاني فالسِّحْر، قال قوم: هو إخراج الباطل في صورة الحقِّ، ويقال هو الخديعة. واحتجُّوا بقول القائل:
فإِنْ تسألِينا فيمَ نحنُ فإننا *** عصافيرُ من هذا الأنام المسحَّرِ
كأنَّه أراد المخدوع، الذي خدعَتْه الدُّنيا وغرَّتْه. ويقال المُسَحَّر الذي جُعِلَ لـه سَحْر، ومن كان ذا سَحْر لم يجد بُدَّاً من مَطعَم ومشرب.
وأمَّا الوقت فالسَّحَر، والسُّحْرة، وهو قَبْل الصُّبْح , وجمع السَّحَر أسحار. ويقولون: أتيتُك سَحَرَ، إذا كان ليومٍ بعينه. فإن أراد بكرةً وسَحَراً من الأسحار قال: أتيتك سَحَراً. " اهـ
و المشكلة أن المدلول الشائع الآن عند الناس ليس المدلول اللغوي بل المدلول العقيدي الذي أخذوه من كتب الفقهاء و المفسرين , فلقد قيل لهم أن السحر- أي القدرة على التأثير وتغيير طبائع الأشياء - يدخل في عقيدة أهل السنة والجماعة ولم ينكر ذلك إلا المبتدعة والمعتزلة !! , و من أنكر حقيقة السحر وقال أنه خداع وتخييل فقط ففي عقيدته شيء ويُخشى عليه , ونعرض للقارىء جزء من كتاب في العقيدة عن هذا الموضوع , حيث قال المؤلف ما نصه :
" ومن أُصول عقيدة السلف الصَّالح ، أَهل السنة والجماعة : التصديق بكرامات الأَولياء : وهي ما قد يُجريه الله تعالى على أَيدي بعض الصالحين من خوارق العادات إِكراما لهم ؛ كما دلَّ على ذلك الكتاب والسنة ، قال الله تبارك وتعالى :
{ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ }{ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ }{ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } !!!
وقال النَبِي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : « إِن اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ مَنْ عَادَى لِي وَلِيَاَّ فَقَدْ آذَنْتهُ بِالحَرْبِ[1] (http://www.amrallah.com/ar/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn1) » .
ولكن لأَهل السُّنَة والجماعة ضوابط شرعية في تصديق الكرامات ، وليس كل أَمرٍ خارق للعادة يكون كرامة ؛ بل قد يكون استدراجا أَو يدخل فيها ما ليس منها من الشعوذة وأَعمال السحرة والشياطين والدجالين ، والفرق واضح بين الكرامة والشعوذة :
فالكرامة : من الله وسببها الطاعة ، وهي مختصة بأهل الاستقامة : قال الله تبارك وتعالى : { وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ } * والشعوذة : من الشيطان وسببها الأَعمال الكفرية والمعاصي ، وهي مختصة بأهل الضلال : قال الله تعالى : { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ }
وأَهل السُّنة والجماعة : يصدقون بأن في الدنيا سحرا وسحرة , قال الله تعالى : { فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ } وقال : { وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } , وقال : { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } إلا أنهم لا يضرون أحدا إلا بإذن الله، قال تعالى : { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ } , ومن اعتقد بأن السحر يضر ، أَو ينفع بغير إذن الله ؛ فقد كفر . ومن اعتقد إِباحته وجب قتله ؛ لأَنَّ المسلمين أَجمعوا على تحريمه ، والساحر يستتاب ؛ فإِن تاب وإلّا ضُربت عنقه !! ." اهـ[2] (http://www.amrallah.com/ar/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn2)
إذا فالسادة العلماء يريدون أن يجعلوا الاعتقاد بقدرة الساحر على تغيير طبائع الأشياء بإذن الله من عقيدة المسلم , إن هذا لشيء عجاب , و إذا أنكرت هذا , هل أعد كافرا أم ماذا ؟
وكما قلنا مرارا : العقيدة لا يوجد فيها ضلال , بل هي واحد من اثنين إما كفر و إما إيمان , فهل منكر قدرة السحر أو الساحر على تغيير طبائع الأشياء يعد كافرا ؟ وعلى الرغم من أن الإجابة معروفة وواضحة وهي أن لا , و لكن طبعا عند العلماء هناك درجات أقل من الكفر , فهناك الفسق والزندقة و ما شابه , و لست أدري من أين جاؤا بهذه التقسيمات , و على الرغم من أنه لا يوجد أي دليل على كون الإيمان السحر من عقيدة المؤمن , سنناقش هؤلاء السادة لنر ما هي الأدلة التي يستدلون بها على قدرة الساحر :
عمدة هؤلاء العلماء في الاستدلال هو قوله تعالى " وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [البقرة : 102] " .
حيث يستدلون بهذه الآية على إثبات السحر , وبما أن الآية تتحدث عن السحر فكان لا بد أن يختلق لها الروايات اختلاقا , أو تؤخذ لها التفسيرات من العلماء أهل الكتاب !! , وهذا ما حدث فعلا , فلقد جاء في تفسير هذه الآية من الروايات الكثير المنقول نصا من كتب أهل الكتاب , وملخص هذه الروايات أنه :
لما كثر الفساد من بني آدم وذلك في زمن إدريس عليه السلام عيرتهم الملائكة بذلك , فقال لهم الله عزوجل : أما أنكم لو كنتم مكانهم وركبت فيكم ما ركبت فيهم لعملتم مثل أعمالهم , فقالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا ذلك , قال: فاختاروا ملكين من خياركم ! فاختاروا هاروت وماروت فأنزلهما إلى الأرض وركب فيهما الشهوة , فما مر بهما شهر – وفي روايات أقل – حتى فتنا بامرأة اسمها بالنبطية بيدخت وبالعربية الزهرة , اختصمت إليهما وراودها عن نفسها , فأبت إلا أن يدخلا في دينها ويشربا الخمر ويقتلا النفس التي حرم الله , فأجاباها وشربا الخمر ووقعا بها فرآهما رجل فقتلاه وسألتهما عن الاسم الذي يصعدان به إلى السماء فعلماها إياه فتكلمت به فعرجت في السماء فمسخت كوكبا !!![3] (http://www.amrallah.com/ar/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn3) , وروي أن هاروت وماروت كانا يعلمان السحر في بابل وكانا يقولان لمن جاءهما " إنما نحن فتنة فلا تكفر " فإن أبى أن يرجع قالا له : ائت هذا الرماد فبل فيه , فإذا بال فيه خرج منه نور يسطع إلى السماء وهو الإيمان ثم يخرج منه دخان أسود يدخل في أذنه وهو الكفر فإذا أخبرهما بما رأه من ذلك علماه ما يفرق به بين المرء و زوجه , ولما دنا أجل هاروت وماروت خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا , فهما يعذبان في بابل في سرب في الأرض .
يتبع ...............

[1] (http://www.amrallah.com/ar/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref1) هذا الحديث رواه البخاري وهو ضعيف سندا و مردود متنا و على الرغم من ذلك يتمحك العلماء لقبوله متنا وسندا , والتقليد عاقبته ال !!

[2] (http://www.amrallah.com/ar/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref2) الوجيز في عقيدة السلف الصالح و أهل السنة والجماعة .


[3] (http://www.amrallah.com/ar/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref3) تصور عزيزي القارىء كوكبا بأكمله ولكن من الممكن أن الكواكب في الأزمنة الغابرة كانت صغيرة ونمت هذه الأيام فقط وصارت بهذا الحجم !!! .

عمرو الشاعر
05-14-2008, 08:50 AM
هذا مختصر العديد من الروايات المختلقة المختلفة المتعارضة في كثير من الأحيان التي وردت في تفسير الآية ويحق لنا الآن أن ننظر نظرة ماحصة فاحصة لهذه الروايات لنرى هل تتفق مع ما ورد في النص المذكور أم تتعارض معه :
فنقول وبالله التوفيق : بادىء ذي بدء لا بد من الإشارة والتنبيه أن هذه الروايات منقولة بالحرف من التلمود وهو الكتاب الذي ألفه أحبار اليهود وقدموه على التوراة في اتباع الأوامر , وعلى الرغم من ذلك لن نكتفي بذلك في ردها, فلا بد من تفنيد هذه القصة من أساسها من خلال النص القرآني .
ولن نقول أن الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم أو أنهم معصومون ولكن سنقدم نظرة من خلال النص تبين تهافت هذه الروايات :
بين الله عزوجل قبل هذه الآية أن اليهود لما جاءهم رسول من عند الله مصدقا لما معهم , نبذ فريق منهم التوراة وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون بقدوم هذا الرسول على الرغم من النبؤات الواضحة في التوراة واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وهذا هو بداية آيتنا وسنتتبع الآية كلمة كلمة حتى نظهر للقارىء خطأ من يستدل بهذه الآية , فالآية غاية في الوضوح و متفقة مع الفهم المألوف للإنسان العادي , و لكن لما خيل العلماء للعوام صعوبة القرآن صعبوا القرآن عليهم , و لنر كم هي الآية سهلة :
( واتبعوا ) أي واتبع اليهود , ( ما ) اسم موصول عام بمعنى الذي, (تتلوا) أى تقرأ أمام آخرين, سواء كان من نص مكتوب أو من الذاكرة المهم أنه قرآة لشيء سواء كان من الذاكرة أو من صحيفة , (الشياطين) كلمة تطلق على الجنة والناس , يقول تعالى " شياطين الإنس والجن " " وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم " أى خلوا إلى علمائهم , فما المرجح هنا ؟
نقول الراجح في هذه الآية هو شياطين الإنس بدليل قوله تعالى " تتلوا " فالشياطين لن تأتي للإنسان وتقرأ عليه بعض مؤلفاتها أو بعضا من كتاب الجن السحري !!! ولكن التلاوة تكون من الإنسان على الإنسان, إذا ف "الشياطين" في الآية هم شياطين الإنس ويرجح أن يكون المراد منهم علماء بني إسرائيل لأنهم ألفوا لأقوامهم كتبا شغلوهم بها عن التوراة مثل التلمود وخلافه وحرفوا في كتاب الله ذاته من حذف وإضافة .
(وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر) " ما " هنا نافية بلا خلاف , أي أن سليمان عليه السلام لم يكفر ولكن أحبار اليهود أو من فعل ذلك كانوا أحبارا أو غيرهم هم الذين كفروا بتعليمهم الناس السحر. ونلاحظ أن الله تعالى وصف فعلهم بالفعل المضارع "يعلمون" فهذا التعليم مستمر ولم ينقطع!
وحتى الآن لا إثبات للسحر بالمعنى الذي يقولون به أو نفي, ف "السحر" من الكلمات التي اختلف ويختلف العلماء اختلافا شنيعا في معناها فيمكن ان نفهمها كما جاء في المقاييس " هو إخراج الباطل في صورة الحقِّ، ويقال هو الخديعة أو كما جاء في القاموس المحيط " والسِّحرُ كلُّ ما لَطُفَ مأخَذُهُ ودَقَّ، و تذكر عزيزي القارىء المعاني المذكورة لها بأعلى .
و إذا نظرنا إلى الأصل " س ح ر " عند ابن فارس نجد أنه يدور في ثلاثة محاور يمكن ضمها كلها في محور واحد , فالسحرفي أصله المتعلق بنا هو إخراج الباطل في صورة الحق أو الخديعة وعلى كل وحتى في المعنى العام فالمراد به " التلبيس والخلط " - وتتبعها حتى في الأصلين الآخرين عند ابن فارس تجد أن السحر في الجسم مكان مختلط ومرتبط بأماكن أخرى وفي الوقت هو الوقت بين الليل وقبيل الصبح – إذا فأي تلبيس يطلق عليه " سحر " , إذا فالخديعة والدسيسة سحر وخفة اليد سحر , أما أن يقال أن لفظة " السحر " أصل في المعنى المراد من تغيير طبائع الأشياء فلا أساس له في اللغة .
ولكن لماذا كفر الشياطين بتعليم الناس السحر إذا كان بمعنى الخدع و التلبيس ؟
نقول اليهود هنا لم يعلموا الناس الخدع أو المكر ولكنهم ألفوا كتبا في السحر ونسبوها إلى سليمان عليه السلام وادعوا أن من يطبق هذه الوصفات السحرية يصل إلى ما يريد ويستطيع تغيير طبائع الأشياء وفي هذا إفتراء على الله , فالله ما أنزل بهذا الكلام من سلطان ولكن عندما يصدر هذا الكلام من أحبار وينسب إلى نبي فيكون ذا مصداقية كبيرة ويسبب فتنة للناس في دينهم ولا يجد الناس مانعا من تصديقهم والإيمان بما يقولون , وبسبب هذا يكون الشياطين كفروا بتعليم الناس السحر .
و نتابع مواصلة استقراء الآية كلمة كلمة :
( وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ) الملكين : قرأت بفتح اللام وقرأت بكسرها فعلى قراءة فتح اللام إما أن يكون المعنى هو ذلك الكائن النوراني المعروف , وعلى القراءة بكسر اللام فيكون المعنى الملكين أي الحاكمين المتملكين لبلد أو ما شابه .
و "ما" في هذا الجزء من الآية هو الحاسم في فهم هذه الآية. ويكاد يجمع المفسرون أن "ما " هنا موصولة بمعنى " الذي" , ويكون المراد من الآية : واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان والذي أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت , وتكون جملة ( وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ) جملة اعتراضية .
ولنا هنا وقفة فإذا قلنا أن " ما " هنا موصولة كما يقول السادة المفسرون فعلاما عطفت ؟ هل عطقت على " ما تتلوا " ؟ إذا كيف لم تعطف على "ما " السابقة في "وما كفر سليمان "؟ سيقال هذه جملة اعتراضية, فنقول الجملة الاعتراضية هي التي إذا حذفت لاتؤثر في المعنى فهل يمكن حذف " وما كفر سليمان" هنا؟
إذا قلنا ذلك فالآية لم تذكر الغرض الأساسي وهو نفي السحر والكفر عن سليمان , إذا فما المانع من جعل "ما" هنا نافية ؟
فيكون المعنى كما روي عن ابن عباس لم ينزل الله السحر وكما روي عن الربيع ابن أنس ما أنزل الله عليهما السحر .

وإذا قلنا بهذا القول , أي أن " ما " في قوله تعالى " وما أنزل على الملكين " نافية وليست موصولة , وجدنا هناك انسجاما وتناسقا في الآية , فبهذا القول أنا أعطف " ما " على سابقتها ونجد أن لاحقتها في قوله " وما يعلمان من أحد " على التأويلين نافية أيضا و " ما " التي بعدها أيضا نافية في قوله تعالى " وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله " , فمن الأولى أن نسير الآية كلها على نسق واحد , و ليس المهم أننا نجعل الآية تسيرعلى نسق واحد ولكن المهم هو تناسق المعنى وانتظامه ولنرى ماذا يكون المعنى إذا قلنا أن " ما " هنا نافية؟
يكون المعنى كالتالي : وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت شيء , وعلى هذا الفهم يستقيم باقى القول , فالله تعالى ينفي عنهم التعليم أبدأ فيقول: " وما يعلمان من أحد" ولم يقل " وما علما من أحد" فعلى فهمنا يستقيم المعنى أي أنه ما أنزل عليهم شيء وما يعلمان من أحد حتى يقولا "إنما نحن فتنة" أما على قولهم: فهو أنزل عليهم وهما لا يزالان يعلمان الناس السحر حتى الآن وكلما يعلمان أحدا السحر يقولان له : "إنما نحن فتنة فلا تكفر" وهذا يخالف الروايات التي أوردوها, ولا نفهم ما حكمة الله تعالى من إنزال ملكين في بابل بالتحديد لكي يعلما الناس السحر! وأين هما لنذهب إليهما, فإذا لم يكن معلوم مكانهما فلا فائدة من إنزالهما ! وبما أن شيء من ذلك لم يحدث فكيف يتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه , ثم تعود الآية فتقول " وما هم " هم هنا إما : المتعلمون أو الشياطين الذين يعلمون الناس السحر , بضارين به من أحد إلا بإذن الله أي لا بد لكي يحدث أي شيء في هذا الوجود لا بد أن يأذن به الله أما إذا لم يأذن واتخذ الإنسان من الحيل ما اتخذ فلن يجدي أوينفع .
يتبع ..............................

عمرو الشاعر
05-14-2008, 08:51 AM
قد يقول قائل إن هذا التأويل الذي ذكرته للآية بعيد و يظهر فيه التعسف .
فأقول : لا تعسف في التأويل بل هو أسلوب مستخدم في اللغة حتى الآن و نستعمله في كلامنا فهو أسلوب معروف و غير معقد , ولكن لما شرحت في التأويل ربما ظهر ذلك وسأضرب لك مثالا من اللغة لترى أن هذا التأويل هو الأقرب إلى الصواب :
عندما أقول لك : ما أمارس الرياضة حتى أقول أني قوي البدن فتطلب مني حمل الوزن .
فهذا مثال واضح لما ذكر في الآية فنفي الأول مترتب عليه نفي ما بعد ذلك , فعندما أقول أني ما أمارس الرياضة فلا يحق لي أن أقول أني قوي البدن فكيف تطلب مني الحمل , فكذلك في الآية: لم ينزل عليهما شيء ليقولا إنما نحن فتنة وبالتالي فكيف يتعلمون منهم ما يفرقون به بين المرء وزوجه ؟
إذا على هذا الفهم لا وجه للاستدلال بالآية في إثبات السحر بل الآية نزلت كما رأينا من أجل نفي كفر سليمان و نفي السحر وإبطال أن يكون له قواعد أو أصول تعلم بحيث تؤثر في طبائع الأشياء أما إذا كان السحر بمعنى الخدع والحيل والمكايد فهو موجود منذ وجود الإنسان ولا إشكال فيه. والعجيب أن الآية أعلمتنا وجود ملكين ببابل يسميان هاروت وماروت, ويبدو أن اليهود كانوا قد ادعوا أنهم تعلموا السحر على يديهما فنفت الآية ذلك وقالت " وما أنزل على الملكين ببابل" أي أنه لم ينزل عليهما شيء والعجيب أن الروايات جاءت فقالت أن الملكين نفسهما أنزلا في بابل!

و إذا قال قائل : أنا لا أتفق مع هذا التأويل وأرفض أن تكون " ما " في (وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ) نافية وأرى أنها مصدرية أو موصولة وبذلك تكون الآية دالة على إثبات السحر .
أقول : نزولا على عادة القوم في افتراض أشياء غير متناسبة مع الأولى , نقول حتى على فرض القول بأن " ما " ليست نافية وهي موصولة أو مصدرية فلا وجه في الكلمة للاستدلال بها على إثبات السحر ولنرى كيف نفهم الآية على هذا الوجه:
لا خلاف في فهم الآية من أولها إلى قوله تعالى " يعلمان الناس السحر" ويبدأ الخلاف مع قوله مع قوله " وما أنزل على الملكين " , فنقول على فرض أن " ما " هنا كما قالوا فهل تكون الآية نص في إثبات السحر كما يدعون ؟ الآية تقول على فهمهم: " والذي أنزل على الملكين ببابل أي أنهما كانا في ببابل وأنزل عليهما شيء لا أنهما هما اللذان أنزلا في بابل! إذن فالله تعالى أنزل عليهما شيء وهما علماه الناس! فما هو هذا الشيء الذي كانا يقولان فيه ومن أجله "إنما نحن فتنة فلا تكفر"؟
لا يوجد في الآية ما يثبت السحر بالمعنى المألوف بل إننا يمكننا أن نفهم الآية فهما منطقيا يتفق مع وجود الملكين فنقول :
يمكن القول أن هذين الملكين كانا ملكين أو نبيين- لأن الأنبياء يكونوا ملوكا في الغالب " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ ......َ [البقرة : 258] " , فإبراهيم كان الملك وليس الآخر كما يدعون , وآل إبراهيم أوتوا الملك العظيم , وداود كان ملكا وسليمان وموسى ويوسف و محمد عليهم السلام كانوا ملوكا جميعا , -وكل هذا طبعا على القرآة الثانية بكسر اللام - , المهم أنهما كانا موجودين في زمن الأسر البابلي حيث كان الإسرائيليون يذوقون من الذل كؤوسا مترعة , فأرسل الله هذين الملكين ليعلما الناس السحر - بمعنى المكايد والخدع - ليكيدوا بها البابلين الذين أذاقوهم الويلات , وبذلك عندما نقول أن الناس أتبعوا ما أنزل على الملكين ببابل يكون شيئا منطقيا أن يكون ما عند الملكين خيرا حتى ولو كان سحرا فهو لمصلحة الناس وهو رفع الأذى عن اليهود .
( وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ) (لاحظ أننا نتنازل ونفهم الآية على غير منطوقها فالآية تتحدث عن المضارع وهم يجعلونها في الماضي !) : أيهما أكثر منطقية أن يكون الملكين أو النبيين يعلمان اليهود السحر لمصلحتهم وعندما يعلمان أحد يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر بعدم اتباعنا , أم يقال : لا تكفر باتباعنا وتعلم السحر ؟
فقولهم هذا مثل من يدخل رجل على امرأة منفردة في غرفة ويقول له لا تزن, فلم يدخله إذا ؟ فالأكثر منطقية أن يعلموهم شيئا ويحذروهم من الكفر بعدم اتباعهم. ( فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ) فيتعلم اليهود منهما المكايد والخدع التي يستطيعون بها أن يفرقوا بين المرء وزوجه سواءا كانوا رجلا وزوجه أو خليلا وخليله ونلاحظ قول الله " بين المرء وزوجه " حيث يريد الإشارة أنه بهذه المكائد يستطيعون التفرقة بين أي اثنين متلازمين متفقين, وهذا ما لا نزال نجده عند اليهود حتى الآن فهم أساتذة في الدسائس والخدع , فهل تكون هذه المهارات موروثة مما تعلمه الآباء من هذين الملكين ؟!! الله أعلم .
ويكون ملخص فهمنا للآية على هذا الوجه أن الملكين أو النبيين كانوا يعلمان اليهود المكايد والدسائس ليكيدوا بها البابليين الظالمين وليخففوا من الظلم الواقع بهم وكانوا يأمرون الناس بعدم الكفر بهم عند تعليمهم وبالفعل تعلم اليهود منهم ما يستطيعون به إثارة الدسائس والتفرقة بين أي متلازمين ولكن نجاح ووقوع هذه الخدع مرتبط بإذن الله فإذا لم يأذن الله فلن يجدي هذا المكر " ويمكرون ويمكر الله " , والله أعلم .

يتبع ............................

عمرو الشاعر
05-14-2008, 08:52 AM
إذا على الـفهمين لكلمة " ما " في قوله " واتبعوا ما تتلوا الشياطين " لا وجه لإثبات السحر بمعنى تغيير الطبائع ولا وجه للقول بهذه الخرافة عن الملائكة فالآية لم تذكر أي شيء من هذه الخرافات ولا دخل لها في الآية ولا علاقة لها بالسياق, ولاحظ أن النموذج الذي ذكرته الآية هو قوله تعالى " فيتعلمون به ما يفرقون به بين المرء وزوجه" أي أنه خداع ومكائد وليس تحويل الأرنب فرسا ! فحتى على قولهم فالقرآن يتحدث عن المكائد ويعدها سحرا!
والملاحظ أن السياق يتكلم عن إنكار اليهود للرسول وتركهم ما هو موجود في كتبهم واتباع أقوال أحبارهم, وتنفي ما تقوله الشياطين من اليهود على سليمان عليه السلام ونزول الملكين على الوجه الأول في التأويل, أو إنزال أي شيء عليهما, و على الوجه الثاني تقول أن اليهود اتبعوا أقوال الأحبار وخدع الملكين ولا يزالون يستعملون المكر والدسائس والتزوير مع أن هذه الخدع كانت لغرض وزمن معين ولا خير فيها الآن , والأولى أن يتبعوا الرسول. .., فبالله عليكم ما العلاقة بين قصة الملكين وبين السابق واللاحق من الآيات التي تتكلم عن اليهود ؟
لا وجه للعلاقة أو التشابه ولكن متى كان المفسرون يراعون هذه الأمور ؟! , كان أهم شيء هو الروايات التي تريح من التدبر في القرآن الذي قد يودي إلى الذلل وأخذ أجر واحد ولكن مع الرواية ترفع العهدة ويكون المفسر في أمان وينال الأجرين , ولا حول ولا قوة إلا بالله .
إذا فالآية لا تثبت السحر بالمعنى الذي يقولون به , أما باقي الآيات التي يستدلون بها على السحر فلا دليل فيها , إذ أنه لا ينكر أحد أن يكون هناك سحر بمعنى التخييل أو الخداع والتمويه , و هذا ما يفعله السحرة حتى أيامنا هذه , و من أجل هذا الخداع والتمويه يسمون " سحرة " , و هذا الصنف هو فقط ما نجده في القرآن , فالله عزوجل عندما تكلم عن سحرة موسى قال " قَالَ أَلْقُوْاْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف : 116] " , وقال " قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى [طه : 66] "
فهم أخرجوا الباطل في صورة الحقيقة فخيل للناس أنها تسعى , و هذا هو السحر , فهم لم يحولوا العصى والحبال إلى أفاعي كعصا موسى التي تحولت إلى أفعى حقيقية, و لقد نفى القرآن فلاح الساحر فقال " قَالَ مُوسَى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هَـذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ [يونس : 77] " , وقال "و َأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه : 69] "
فإذا كان الساحر يستطيع تغيير طبائع الأشياء فكيف لا يكون فالحا , وهل هناك فلاح بعد ذلك؟! فهذا هو ما تحلم به كل البشرية , القدرة على تغيير طبائع الأشياء , فلم لا يحول أعدائه إلى حيوانات أو يحول التراب إلى ذهب و يغتني و يترك التكسب من هذه المهنة؟ و معاذ الله أن يستطيع أحد فعل هذا , فهذا بيد الله الغفار وليس عند السحرة الأشرار . إن كذب الساحر مكشوف واضح وعلى الرغم من ذلك فالناس في عماء!
فبالله عليكم لو كنت أستطيع أن أحول طبائع الأشياء وأووذي هذا وأضر ذاك فلم أكتسب من هذه المهنة, لم لا أغني نفسي عن طلب جنيهات أو دراهم معدودات من هذا أو من ذاك , فلم لا أجعل نفسي غنيا وأتحكم في الناس بمالي؟!
إذا لا دليل في القرآن على أن للسحر حقيقة, وأما آية " ومن شر النفاثات في العقد" فقد ناقشناها عند التعرض لسورة الفلق وأثبتنا عدم وجود علاقة بينها وبين ما يقولون ومن أراد الاستزادة فليرجع إليها على موقعنا .

سيقولون : الدليل في السنة فلقد سُحر النبي (ص) و هذا ثابت في البخاري وأحاديث أخرى تتحدث عن السحر .
أقول : ما أثار حنقي في الجدال الدائر حول حديث سحر النبي (ص) الذي رواه البخاري , والذي يقول :
" 5321- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ يُقَالُ لَهُ لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَهُوَ عِنْدِي لَكِنَّهُ دَعَا وَدَعَا ثُمَّ قَالَ يَا عَائِشَةُ أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ أَتَانِي رَجُلَانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ مَا وَجَعُ الرَّجُلِ فَقَالَ مَطْبُوبٌ قَالَ مَنْ طَبَّهُ قَالَ لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ قَالَ فِي أَيِّ شَيْءٍ قَالَ فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ وَجُفِّ طَلْعِ نَخْلَةٍ ذَكَرٍ قَالَ وَأَيْنَ هُوَ قَالَ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَجَاءَ فَقَالَ يَا عَائِشَةُ كَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ أَوْ كَأَنَّ رُءُوسَ نَخْلِهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا اسْتَخْرَجْتَهُ قَالَ قَدْ عَافَانِي اللَّهُ فَكَرِهْتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ شَرًّا فَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ " اهـ
هو أن العلماء المثبتين للحديث يطعنون في الذين يردونه, مع أن كلا الفريقين يعملون في جانب واحد , فالذي يرد الحديث يرى أنه ينقص من قدر النبي (ص) ويتعارض مع آيات في القرآن ويطعن في ثبوت الرسالة وكمالها , و الذي يثبته يرد هذا الكلام من بابه , فلم الطعن في أصحاب هذا القول , ما دامت النية سليمة والهدف مقبول ؟
و الذي جعلني أكاد أموت كمدا أن أحد العلماء الأفاضل قال أن هذا الحديث من الأحاديث التي تعلي من شأن النبي (ص) !! , و أخذ يستخرج من الحديث الدلائل على علو قدرالنبي (ص) وعدالته مثل قوله أن الدليل على فعل الفاعل كان وحيا وهو ليس دليلا ماديا فلا يتخذ حجة للاقتصاص به, حتى لا يقال أن محمدا يقتل المخالفين بدون دليل! فتعجبت وضربت كفا بكف, وأتساءل: هل نسى هذا الكاتب ما المستند الذي اعتمده الرسول الكريم لغزو بني النضير وإخراجهم, كما جاء في الروايات؟! أم أن الوحي يصلح مع البلدان ولا يصلح مع الأفراد؟!!
ونحن نقول أن هذا الحديث يحيط به الشكوك من جميع النواحي , فهو من ناحية السند مطعون فيه , فهناك من يرى أن هشام ابن عمار لم يسمع من أبيه , فلقد مات أبوه وهو صغير , فكان هشام يرسل عن أبيه, ومن ناحية أخرى هو معارض للقرآن, فالله يقول " والله يعصمك من الناس " , فلم لم يعصمه الله في هذا الأمر الذي قد يؤثر على تبليغ الرسالة ؟
و القول بسحر النبي ص يثبت أقوال المشركين " نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً [الإسراء : 47] " , فكيف يكون سحر النبي (ص) علوا لقدره ؟
ومن ناحية أخرى قيل أن سبب نزول المعوذتين كان هذه الواقعة مع أن كتب أسباب النزول تقول أن هاتين السورتين مكيتان , فهل نزلت السورتان أكثر من مرة كما يرى بعض العلماء الأفاضل ؟
ومن ناحية أخرى : نسأل : كيف سُحر النبي (ص) في هذا اليوم ؟ ألم يكن قد قرأ الأذكار , والروايات تقول أن من قال الأذكار لم يؤثر فيه سحر , فكيف أثر السحر في النبي ؟
ومن ناحية أخرى : لم لم يستغل المشركون واليهود هذه الواقعة للطعن في النبي (ص) والطعن في الرسالة الخاتمة ؟
ثم أين كان الصحابة رضوان الله عليهم بعد وقوع الحادثة ؟ فلم لم ينقل أنهم أتوا لعيادة النبي (ص) مادامت الحادثة قد عرفت ؟
ثم لم لم يتحرك عمر كعادته ويذهب ليضرب عنق هذا الرجل ؟ فلقد كان رضي الله عنه يغضب للنبي (ص) من أقل شيء, أفما كان هذا الموقف يستحق أن يتحرك عمر له ؟
لم جاءت الروايات في هذا الشأن قليلة جدا , وتكاد تدور على هشام بن عمار ؟ لم لم تشتهر حادثة كهذه ؟
هذه بعض الشكوك التي تحوم حول هذه الواقعة , فمن رأى بعد ذلك أن من ينكرها فهو من الزنادقة – كما قال بعض العلماء – فهو .... , ولكن عليه أن يعلم أن هذا الأمر كله متعلق بيقين واحد ثبت عنده ولا يريد أن يتزحزح عنه , وهو أن كل ما في البخاري صحيح , و لو لم يكن عنده هذا اليقين لقال بما قلنا به , و لكنهم لا يريدوا أن يقروا بورود الضعف في البخاري لأنهم لو أقروا بوجود حديث ضعيف واحد في البخاري فسيقرون غدا بغيره وهكذا حتى تزول هذه الهيبة التي أسقطوها على البخاري[1] (http://www.amrallah.com/ar/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=275#_ftn1) .
وليسأل نفسه : ما الضرر الذي سيعود على المسلم في دينه إذا رد هذا الحديث ؟
أنا أرى أنه لا ضرر على الإطلاق , و إذا كان هو يرى في ذلك ضررا , فلينصح لأخيه المسلم لا أن يسبه ويتهمه بالزندقة.
إذا نخرج من هذا كله أن القرآن لم يثبت السحر بمعنى تغيير الطبائع والصفات أو القدرة على التأثير في الآخرين , ولم يأت في السنة الصحيحة ما يخالف القرآن و لا يمكن أن يأتي ما يخالفه , وما جاء مخالفا فهو واجب الرد لعدم صحته, والله أعلم .
غفر الله لنا الزلل والخلل.


[1] (http://www.amrallah.com/ar/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=275#_ftnref1)من أراد الاستزادة حول الأحاديث الضعيفة في البخاري فعليه ب " صحيح صحيح البخاري وضعيف صحيح البخاري " لجواد عفانة " , و من أراد قراءة نقد تحليلي لمتون أحاديث بالبخاري فعليه ب " www.alhiwar.org/ar/ (http://www.alhiwar.org/ar/)
و هي صفحة أكثر من رائعة للأستاذ الدكتور محمد عمراني , حيث يقوم بمناقشة وتحليل المتون , بعد تفنيد السند طبعا , مناقشة علمية أكثر من دقيقة , فلا يدع أي إحتمال لثبوت الحديث متنا أو سندا إلا وقضى عليه .
وللدكتور عمراني تأصيل جديد لعلم مصطلح الحديث والتأصيل أكثر من رائع , وهو يقضي به على كثير من العلل التي دخلت هذا العلم عن طريق التساهل في الشروط التي وضعها المحدثون , و أنا أنصح دارسي الحديث بدراسة هذا التأصيل وهو موجود مجانا على الصفحة لمن يريد تحميله .