عمرو الشاعر
05-21-2008, 09:14 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين وصلاة وسلاما على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم:
فموضوع اليوم يرتبط بالجهاد وبالمقاطعة في عين الوقت فهو جهاد لإحياء لغتنا العربية الجميلة التي هجرت وأهملت وضيعت حتى صارت نسيا منسيا, ونظرا لأنه من الصعب والمتعسر الدعوة إلى هجر اللهجات العامية في كل بلد والاكتفاء بالحديث بالعربية فإنا ندعو إخواننا في الله إلى تطبيق ذلك مع النشأ الجديد! فإن كان الإنسان يجد الحرج في الحديث بالعربية في الشارع والمتجر والعمل فإنه لن يجد أي حرج في الحديث في بيته مع أهله وأولاده , ونخص بالذكر هنا من الأولاد من هم لا يزالون رضعا أو تجاوزوا هذه المرحلة , ولكنهم لا يزالون في مرحلة اكتساب اللغة! ونتركك عزيزي القارئ مع تجربة الدكتور الدنان في هذا الشأن! والحق يقال أن الأمر كان يجول في خاطري منذ زمن طويل ولكن الدكتور الدنان كان له السبق في التفكير- فهو يكبرني بكثير- وكذلك في التطبيق, ونترككم مع تجربة الدكتور:
"صاحبُ هذه التجربة الرائدة، إكساب الطفل في سنواته الأولى العربية الفصحى بالفطرة،في عدة بلدان عربية كالسعودية والكويت وسوريا والبحرين والأردن ولبنان ودبيوالإمارات العربية المتحدة ومصر هو الدكتور الفلسطيني (صفد 1931) عبد الله مصطفىالدنان، المقيم في سوريا. الأستاذ الدنان مُجاز في الأدب الإنجليزي من جامعة دمشقوحاصل على الماجستير في التربية من جامعة لندن وحائز على شهادة الدكتوراة فياللغويات التطبيقية من جامعة لندن أيضا. مارس رسالة التربية والتعليم في مختلفالمؤسسات التعليمية أكثر من نصف قرن وله بحوث لغوية ونتاج روائي وشعري وقصصي، وتحملسلسلة قصصه للأطفال الاسم “الحيوانات تفكر”. وهو المقتنع بأن الفشل في تعليمالعربية الفصيحة لا ينبع من صعوبتها بل من مناهج تدريسها، واسمه مقرون بالبرنامجالتلفزيوني المعروف “افتح يا سمسم”.
بدأ تطبيق نظريته هذه، نظرية إكساب الطفلالعربية الأدبية بالفطرة والممارسة، على ولديه في البيت وقد ملكا ناصيتها وهمايافعان. تستند رؤية الدنان في تعليم العربية الفصحى للطفل إلى الحقيقة العلميةالقائلة إن للأطفال حتى سنّ السادسة قدرة فطرية ضخمة لاكتساب المهارات اللغوية. كشفعلماء لغة معروفون منذ نصف قرن مثل تشومسكي وإرفن ولينبرغ عن تلك الطاقة الخلاقة فيدماغ الطفل في تعلم اللغات وإماطة اللثام عن المنظومة القواعدية بشكل ذاتي داخليومعقد. دعا نوعم تشومسكي هذه الطاقة الفطرية أو النظام في المخ باسم Language Acquisition Device , LAD، وفي مقدور الطفل إجادة لغتين أو أكثر في آن واحد إذا ماتواجد في ظروف طبيعية لاستعمال هذه اللغات. يقوم الطفل كلغوي صغير باستخدام غيرمتناه لوسائل متناهية كما قال ولهلم هومبولدت. ومن المعروف أن هناك خصائص عديدةمشتركة في كافة اللغات البشرية وهذا ما يدعى بالقواعد العالمية Universal Grammar. ويتمتع الطفل بقدرة خارقة في تمييز أصوات الكلام وفونيمات مختلفة في جميع اللغات. وفي المخ البشري منطقتان خاصّتان بالكلام، منطقة بروكا (P. Broca, 1824-1880) المتحكمة بانتاج الكلام والاستماع والقراءة والكتابة وهي لدى قرابة 95% من الناسموجودة في الفص الأيسر من المخ. والمنطقة الثانية، فيرنيك (C. Wernike, 1848-1904) تعنى بفهم الكلام وتفسيره وتحليله. ومن الممكن لطفل في السادسة من عمره أن يحصل علىثروة لغوية تضمّ خمسة عشر ألف كلمة، بواقع تسع-عشر كلمات يوميا.
وهناك خمسمراحل أساسية في اكتساب اللغة: الهديل في عمر ستة أشهر؛ إصدار أصوات مختلفة في عمرتسعة شهور؛ تفوّهات بكلمة مفردة في عمر سنة؛ كلام برقي، بضع كلمات مفككة، بدونروابط، ابن حوالي عامين؛ كلام عادي في جيل خمس-ست سنوات. ثلاثة أرباع لغات العالمتسير وفق النظام النحوي SVO أي فاعل/مبتدأ ففعل فمفعول به واللغات الباقية منها مايسير وفق SOV، ومنها ما ينهج نهج VSO أو VOS، أما OSV فنادر جدا. وهناك تقسيماتأخرى للغات العالم منها التقسيم الثلاثي: لغات متصرّفة؛ لغات لصقية أو وصلية؛ لغاتغير متصرفة. وكان جيروم برونر قد أضاف على نظرية تشومسكي المذكورة “العامل المساعد” وهو حيثيات اكتساب الطفل للغة Language Acquisition Support System, LASS، ثم بعدذلك أشار مثلا جون ماكنمارا إلى وجود قدرة فطرية لدى الطفل للتعبير عن أوضاعمجتمعية. يمكن تشبيه عملية اكتساب اللغة أي التحدث بها بعملية المشي لا بعمليةالقراءة.
وقد أشار لينبرغ إلى أن هذه القدرة اللغوية الفطرية تأخذ بالضموروالانحسار بعد السن السادسة وتتلاشى قريبا من سنّ البلوغ، حيث تأتي مرحلة منصبّةبمعظمها على اكتساب المعرفة. بعبارة أخرى، بعد عمر الست سنين يحتاج الطفل لبذل جهدملحوظ في عملية تعلم اللغة وغالبا ما تكون عبر برامج دراسية منتظمة وطويلة. ويطلقعادة على اللغة التي اكتسبها الطفل في السنوات الست الأولى بـ”لغة الأم” ويتم هذاالتحصيل العفوي دون لأي أو تعب بعكس ما يحصل بعد هذه السن. وللغة الأولى تأثير سلبيفي مرحلة تعلم اللغات الأخرى نحوا وصرفا. صفوة القول، لغة الأم لدى كل عربي هي لهجةمعينة وما أكثر هذه اللهجات في عالمنا العربي، أما الفصحى فليست لغة أم أي عربيبالمعنى المتعارف عليه لهذا المصطلح. إنّ اللغة أهمُّ ما أبدعه الإنسان حتى الآنوهي نشاط اجتماعي وتنمّ عن نمط سلوكي وهي رموز وأعراف لمعان تكتسب لتغدو مهارة بلوملكة راسخة.
واقع التلميذ العربي على ضوء هذا الأساس العلمي النظري لافت حقاللانتباه والتفكير. يلتحق هذا التلميذ بالصف الأول بعد إتقانه للهجته الخاصة بأهلهوبمكان سكناه إلا أن هذه اللهجة ليست وسيلةً لاكتساب العلم والمعرفة وفق المناهجالتعليمية الرسمية وينبغي عليه تعلم لغة تختلف كثيرا عن لهجته تلك، العربيةالفصيحة. وضعُ هذا التلميد صعب، إنه معاكس لطبيعة الخلق، قدرته الدماغية لتعلماللغات آخذة بالتناقص زد إلى ذلك الحاجة الملحة لاكتساب أصناف مختلفة من المعرفة فيمواضيع كثيرة كالحساب والطبيعة والدين والموسيقى والرسم. بعبارة موجزة على ابنالعرب أن يتعلم المعرفة ووسيلتها، اللغة، في آن واحد في حين أن أطفال الشعوب الآخرىيكرّسون اهتمامهم الرئيس في تحصيل العلم والمعرفة. وقد قيل “إن التلميذ العربي يشبهالصياد الذي ذهب إلى البحر ونسي شبكة الصيد”. وهذا الازدواج اللغوي العميق، اللغةالمكتوبة واللغة المنطوقة يرافق الانسان العربي وينغّص حياته التعليمية فترة طويلةمن عمره وقلما تغدو الفصحى لغة أم، بعد هياض ومياض. اللهجة تستخدم لغة تواصل وشرحللمادة التدريسية ويُلجأ للفصحى عند القراءة والكتابة. يشرح المعلم الموادالتدريسية بالعامية لأنه أولا وفي الغالب الأعمّ لا يتقن اللغة الفصيحة وثانيا بغيةإيصال المعرفة للتلميذ الذي لا يعرف الفصحى أيضا، ويتخبط التلميذ بين محاولة فهمالمادة من جهة والقدرة على التعبير عن ذلك بالفصحى، كما يُطلب منه من جهة أخرى،وكثيرا ما ينتج عن مثل هذه الظروف الضاغطة والمحبطة حفظ المادة عن ظهر قلب (بصم) دون فهم قسم كبير منها.
يتبع ...............
الحمدلله رب العالمين وصلاة وسلاما على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم:
فموضوع اليوم يرتبط بالجهاد وبالمقاطعة في عين الوقت فهو جهاد لإحياء لغتنا العربية الجميلة التي هجرت وأهملت وضيعت حتى صارت نسيا منسيا, ونظرا لأنه من الصعب والمتعسر الدعوة إلى هجر اللهجات العامية في كل بلد والاكتفاء بالحديث بالعربية فإنا ندعو إخواننا في الله إلى تطبيق ذلك مع النشأ الجديد! فإن كان الإنسان يجد الحرج في الحديث بالعربية في الشارع والمتجر والعمل فإنه لن يجد أي حرج في الحديث في بيته مع أهله وأولاده , ونخص بالذكر هنا من الأولاد من هم لا يزالون رضعا أو تجاوزوا هذه المرحلة , ولكنهم لا يزالون في مرحلة اكتساب اللغة! ونتركك عزيزي القارئ مع تجربة الدكتور الدنان في هذا الشأن! والحق يقال أن الأمر كان يجول في خاطري منذ زمن طويل ولكن الدكتور الدنان كان له السبق في التفكير- فهو يكبرني بكثير- وكذلك في التطبيق, ونترككم مع تجربة الدكتور:
"صاحبُ هذه التجربة الرائدة، إكساب الطفل في سنواته الأولى العربية الفصحى بالفطرة،في عدة بلدان عربية كالسعودية والكويت وسوريا والبحرين والأردن ولبنان ودبيوالإمارات العربية المتحدة ومصر هو الدكتور الفلسطيني (صفد 1931) عبد الله مصطفىالدنان، المقيم في سوريا. الأستاذ الدنان مُجاز في الأدب الإنجليزي من جامعة دمشقوحاصل على الماجستير في التربية من جامعة لندن وحائز على شهادة الدكتوراة فياللغويات التطبيقية من جامعة لندن أيضا. مارس رسالة التربية والتعليم في مختلفالمؤسسات التعليمية أكثر من نصف قرن وله بحوث لغوية ونتاج روائي وشعري وقصصي، وتحملسلسلة قصصه للأطفال الاسم “الحيوانات تفكر”. وهو المقتنع بأن الفشل في تعليمالعربية الفصيحة لا ينبع من صعوبتها بل من مناهج تدريسها، واسمه مقرون بالبرنامجالتلفزيوني المعروف “افتح يا سمسم”.
بدأ تطبيق نظريته هذه، نظرية إكساب الطفلالعربية الأدبية بالفطرة والممارسة، على ولديه في البيت وقد ملكا ناصيتها وهمايافعان. تستند رؤية الدنان في تعليم العربية الفصحى للطفل إلى الحقيقة العلميةالقائلة إن للأطفال حتى سنّ السادسة قدرة فطرية ضخمة لاكتساب المهارات اللغوية. كشفعلماء لغة معروفون منذ نصف قرن مثل تشومسكي وإرفن ولينبرغ عن تلك الطاقة الخلاقة فيدماغ الطفل في تعلم اللغات وإماطة اللثام عن المنظومة القواعدية بشكل ذاتي داخليومعقد. دعا نوعم تشومسكي هذه الطاقة الفطرية أو النظام في المخ باسم Language Acquisition Device , LAD، وفي مقدور الطفل إجادة لغتين أو أكثر في آن واحد إذا ماتواجد في ظروف طبيعية لاستعمال هذه اللغات. يقوم الطفل كلغوي صغير باستخدام غيرمتناه لوسائل متناهية كما قال ولهلم هومبولدت. ومن المعروف أن هناك خصائص عديدةمشتركة في كافة اللغات البشرية وهذا ما يدعى بالقواعد العالمية Universal Grammar. ويتمتع الطفل بقدرة خارقة في تمييز أصوات الكلام وفونيمات مختلفة في جميع اللغات. وفي المخ البشري منطقتان خاصّتان بالكلام، منطقة بروكا (P. Broca, 1824-1880) المتحكمة بانتاج الكلام والاستماع والقراءة والكتابة وهي لدى قرابة 95% من الناسموجودة في الفص الأيسر من المخ. والمنطقة الثانية، فيرنيك (C. Wernike, 1848-1904) تعنى بفهم الكلام وتفسيره وتحليله. ومن الممكن لطفل في السادسة من عمره أن يحصل علىثروة لغوية تضمّ خمسة عشر ألف كلمة، بواقع تسع-عشر كلمات يوميا.
وهناك خمسمراحل أساسية في اكتساب اللغة: الهديل في عمر ستة أشهر؛ إصدار أصوات مختلفة في عمرتسعة شهور؛ تفوّهات بكلمة مفردة في عمر سنة؛ كلام برقي، بضع كلمات مفككة، بدونروابط، ابن حوالي عامين؛ كلام عادي في جيل خمس-ست سنوات. ثلاثة أرباع لغات العالمتسير وفق النظام النحوي SVO أي فاعل/مبتدأ ففعل فمفعول به واللغات الباقية منها مايسير وفق SOV، ومنها ما ينهج نهج VSO أو VOS، أما OSV فنادر جدا. وهناك تقسيماتأخرى للغات العالم منها التقسيم الثلاثي: لغات متصرّفة؛ لغات لصقية أو وصلية؛ لغاتغير متصرفة. وكان جيروم برونر قد أضاف على نظرية تشومسكي المذكورة “العامل المساعد” وهو حيثيات اكتساب الطفل للغة Language Acquisition Support System, LASS، ثم بعدذلك أشار مثلا جون ماكنمارا إلى وجود قدرة فطرية لدى الطفل للتعبير عن أوضاعمجتمعية. يمكن تشبيه عملية اكتساب اللغة أي التحدث بها بعملية المشي لا بعمليةالقراءة.
وقد أشار لينبرغ إلى أن هذه القدرة اللغوية الفطرية تأخذ بالضموروالانحسار بعد السن السادسة وتتلاشى قريبا من سنّ البلوغ، حيث تأتي مرحلة منصبّةبمعظمها على اكتساب المعرفة. بعبارة أخرى، بعد عمر الست سنين يحتاج الطفل لبذل جهدملحوظ في عملية تعلم اللغة وغالبا ما تكون عبر برامج دراسية منتظمة وطويلة. ويطلقعادة على اللغة التي اكتسبها الطفل في السنوات الست الأولى بـ”لغة الأم” ويتم هذاالتحصيل العفوي دون لأي أو تعب بعكس ما يحصل بعد هذه السن. وللغة الأولى تأثير سلبيفي مرحلة تعلم اللغات الأخرى نحوا وصرفا. صفوة القول، لغة الأم لدى كل عربي هي لهجةمعينة وما أكثر هذه اللهجات في عالمنا العربي، أما الفصحى فليست لغة أم أي عربيبالمعنى المتعارف عليه لهذا المصطلح. إنّ اللغة أهمُّ ما أبدعه الإنسان حتى الآنوهي نشاط اجتماعي وتنمّ عن نمط سلوكي وهي رموز وأعراف لمعان تكتسب لتغدو مهارة بلوملكة راسخة.
واقع التلميذ العربي على ضوء هذا الأساس العلمي النظري لافت حقاللانتباه والتفكير. يلتحق هذا التلميذ بالصف الأول بعد إتقانه للهجته الخاصة بأهلهوبمكان سكناه إلا أن هذه اللهجة ليست وسيلةً لاكتساب العلم والمعرفة وفق المناهجالتعليمية الرسمية وينبغي عليه تعلم لغة تختلف كثيرا عن لهجته تلك، العربيةالفصيحة. وضعُ هذا التلميد صعب، إنه معاكس لطبيعة الخلق، قدرته الدماغية لتعلماللغات آخذة بالتناقص زد إلى ذلك الحاجة الملحة لاكتساب أصناف مختلفة من المعرفة فيمواضيع كثيرة كالحساب والطبيعة والدين والموسيقى والرسم. بعبارة موجزة على ابنالعرب أن يتعلم المعرفة ووسيلتها، اللغة، في آن واحد في حين أن أطفال الشعوب الآخرىيكرّسون اهتمامهم الرئيس في تحصيل العلم والمعرفة. وقد قيل “إن التلميذ العربي يشبهالصياد الذي ذهب إلى البحر ونسي شبكة الصيد”. وهذا الازدواج اللغوي العميق، اللغةالمكتوبة واللغة المنطوقة يرافق الانسان العربي وينغّص حياته التعليمية فترة طويلةمن عمره وقلما تغدو الفصحى لغة أم، بعد هياض ومياض. اللهجة تستخدم لغة تواصل وشرحللمادة التدريسية ويُلجأ للفصحى عند القراءة والكتابة. يشرح المعلم الموادالتدريسية بالعامية لأنه أولا وفي الغالب الأعمّ لا يتقن اللغة الفصيحة وثانيا بغيةإيصال المعرفة للتلميذ الذي لا يعرف الفصحى أيضا، ويتخبط التلميذ بين محاولة فهمالمادة من جهة والقدرة على التعبير عن ذلك بالفصحى، كما يُطلب منه من جهة أخرى،وكثيرا ما ينتج عن مثل هذه الظروف الضاغطة والمحبطة حفظ المادة عن ظهر قلب (بصم) دون فهم قسم كبير منها.
يتبع ...............