عمرو الشاعر
06-19-2008, 07:51 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
ما نقدمه للقارئ الكريم هنا هو بحث قد قدمناه في كتابنا "عقائد الإسلاميين بين وحدة المنهج وتباين الأحكام" مع بعض الإضافات التي زدناها لاحقا وتتمثل هذه الإضافات في بعض الروايات التي تؤيد ما ذكرناه في هذا المبحث:
العقيدة التاريخية الباطلة: عدم جمع القرآن في عهد النبي (ص)!
من المسلمات عند عوام وعلماء أهل السنة أن النبي المعصوم كان في مجتمع ندرت فيه القراءة والكتابة وكان هو مثل الأغلبية الساحقة[1] (http://www.amrallah.com/ar/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn1) لا يستطيع القراءة والكتابة –أمي!- وبسبب ذلك كان له الكثير من كتبة الوحي الذين كتبوا القرآن, وكان هذا القرآن مفرقا بين اللخاف والعظام والجلد ... إلخ من العناصر البدائية. ولحرص النبي المعصوم على عدم ضياع القرآن ولقلة الكتبة اهتم بأن يحفظ القرآن الكثير والكثير من الصحابة ولكنه لم يجمعه بل تركه مفرقا في هذه المواد البدائية ولكنه كان مجموعا في صدور الصحابة ثم حدثت عملية الجمع في مصحف واحد بعد النبي المعصوم , واخُتلف في عملية الجمع هذه, فمنهم من قال :إن الجمع كان في عصر النبي (صلى الله عليه وآله). 2 - إنه جمع في عهد أبي بكر، بمعنى أنه جمع من الصحف المتفرقة، أو جمع من صدور الرجال بشهادة شهود. 3 - إنه جمع في عصر عمر بن الخطاب. 4 - إن ابتداء جمعه كان في عصر أبي بكر، وتمامه كان في عصر عمر. 5 - إنه جمع في عهد عثمان.
والمشهور عند عوام وعلماء أهل السنة هو الرأي الثاني أي أنه جمع في عهد أبي بكر رضي الله عنه , ولكن هل هذا صحيح؟
لما كان منطلقنا في هذه العقيدة التاريخية منطلقا قرآنيا فنحن نرفض هذا التصور تماما وننطلق من منظور آخر يتم معه إعمال آيات القرآن في تخليد و توصيف هذا الواقع التاريخي الذي ينبغي أن يكون معلوما لكل مسلم, لذا فنحن نرى: أن النبي المعصوم هو من كتب القرآن بيده الشريفة بهذا الخط الإعجازي منقوطا وليس أحدا سواه وأن دور كتبة الوحي كان منحصرا في نقل ما كتبه النبي لا أكثر وأن النبي ما انتقل إلى رفقة الرب العلي إلا بعد أن كان القرآن مجموعا في مصحف واحد ولم يكن هذا المصحف هو المصحف الوحيد الموجود بل كان هناك العديد من المصاحف الموجودة والتي تتراوح بين أربعة مصاحف إلى تسعة عشر مصحف أو أكثر.
قد يبدو هذا التصور جد غريب على آذان القراء ولكنا سنوضح للقارئ ببعض التوضيحات السريعة الموجزة أن ما تصوره عن حالة العرب ووضع الرسول تصور غير صحيح تماما.
أولا: التصور الشائع أن الكتبة في مكة كانوا قلة جدا حتى أن هناك من أحصاهم بسبعة عشر رجلا تصور خاطئ فاستنادا إلى روايات أخرى جاوز عددهم الخمسين رجلا , ونحن نرى أن القراءة والكتابة كانت أمرا مألوفا في مكة والمدن العربية يقبل عليها نسبة معقولة من الرجال الأحرار فقراء كانوا أو أغنياء وليس كما تصور الروايات من ندرة للقراء, ونضرب مثالين فقط على ما نقول نوضح بهما الخطأ التام لهذا التصور: المثال الأول نجده في سيرة ابن هشام حيث يروي – بالإضافة إلى أن عبد المطلب كان كاتبا- :
" وكان عبد المطلب بن هشام قد نذر حين لقي من قريش ما لقي عند حفر زمزم، لئن ولد له عشرة نفر، ثم بلغوا معه حتى يمنعوه، لينحرنَّ أحدهم عند الكعبة، فلما توافى بنوه عشرة. وعرف أنهم سيمنعونه، جمعهم ثم أخبرهم بنذره، ودعاهم إلى الوفاء للّه بذلك، فأطاعوه وقالوا : كيف تصنع ؟ قال : ليأخذ كل واحد منكم قدحاً ثم يكتب فيه اسمه، ثم ائتوني، ففعلوا .... وفي طبقات ابن سعد : فقال : "ليكتب كل واحد منكم اسمه في قدحه، ففعلوا ..." , فها نحن ذا نرى عشرة من الأخوة كتبة في بيت واحد! من مكة.
المثال الثاني: الحادثة الشهيرة التي نعرفها كلنا وهي أنه لما كان بعض فقراء أسرى بدر من المشركين لا يستطيعون أن يدفعوا الفداء أمرهم النبي المعصوم أن يعلم كل واحد منهم عشرة من صبيان المدينة القراءة والكتابة ويكون ذلك فداءا عنه. فنلاحظ من هذا المثال أن هناك من فقراء قريش من يعرف القراءة والكتابة فليس الأمر محصورا على السادة والعظماء, ثم نرى أن النبي المعصوم يأمر بتعليم القراءة للصبيان وليس للكبار, فلو كان القراء في المدينة فقط إحدى عشر رجلا فقط كما تدعي الروايات لكان من الأولى تعليم الرجال الذين يباشرون العقود والعهود ويحتاجون إلى الكتابة في تعاملهم بدلا من تعليم الأطفال.
وبالإضافة إلى المثالين السابقين نجد أن المسلمين كانوا يتبادلون الرسائل بشكل مألوف ولم يكن الأمر نادرا , فينقل الواحدي في سبب نزول الآية : { الم أَحَسِبَ النَّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُون ... } قال : قال الشعبي : نزلت في أناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام. فكتب إليهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة أنه لا يقبل منكم إقرار ولا إسلام حتى تهاجروا. فخرجوا عامدين إلى المدينة فاتبعهم المشركون، فآذوهم فنزلت فيهم هذه الآية، وكتبوا إليهم أن قد نزلت فيكم آية كذا وكذا، فقالوا : نخرج فإن اتبعنا أحد قاتلناه فخرجوا ...". لذلك يقول يوسف خليف في " دراسات في الشعر الجاهلي" : " القضية التي يبدو أنها أصبحت لا تقبل جدلاً حولها، ولا شكّاً فيها، هي أن العرب في العصر الجاهلي كانوا يعرفون الكتابة. وهي قضية ثابتة بشهادة الواقع التاريخي من ناحية. وشهادة النصوص الأدبية من ناحية أخرى، فلم تكن الجزيرة العربية في هذا العصر متخلفةً حضاريّاً بالصورة التي كان الباحثون القدماء يتصورونها، ولم تكن بمعزل عن الحضارات الأجنبية التي كانت تحيط بها من كل جانب، وإنما كانت على صلة بها عن طريق الجوار والاحتكاك المباشر. وأيضاً عن طريق تسرب عناصر منها مع القوافل التجارية النشطة التي كانت تجوب أرجاءها شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، ثم عن طريق محاولات التغلغل السياسي والديني والتي كانت تأتي من ناحية الفرس في الشرق، والروم في الشمال، والأحباش في الجنوب "
وكذلك هناك الكثير من الآيات التي تدل على معرفة العرب بالكتابة وعدم ندرتها عندهم فنجد قول الله تعالى : " وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ [الإسراء :92- 93] فالمشركون يطلبون من الرسول كتابا من السماء ليقرأوه, ولم يقولوا ليقرأه كبراؤنا بل ليقرأوه وهذا يدل على انتشار معرفة القراءة والكتابة. وكذلك يقول الله تعالى " َكِتَابٍ مَّسْطُورٍ ِفي رَقٍّ مَّنشُورٍ [الطور 2: 3] فهذه الآية توضح المادة التي كان يكتب عليها القرآن فهو كان يكتب في "رق" وكما هو واضح من الاسم فهو شيء رقيق, والرق جلد رقيق يكتب عليه أو الصحيفة البيضاء.
بالإضافة لذلك يمكننا أن نتذكر قصة إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكيف قرأ الرق الذي كان يقرأ منه خباب بن الأرت – خباب الفقير المستضعف أيضا يعرف القراءة- , فهذا دليل على كتابة القرآن في مواد خام خفيفة بسيطة رقيقة.
ويقول الدكتور عبدالرحمن عمر محمد في " كتابة القرآن في العهد المكي : " نجد النبي صلى الله عليه وسلم في أحلك الظروف وأخطر اللحظات من حياته التي تمثل نقطة الانعطاف في مسيرة الدعوة الإسلامية، ألا وهي لحظة الخروج من بيته مهاجراً إلي المدينة. وقد أحاط المشركون ببيته لينالوا منه، واستمرت مطاردتهم له، وأعلنوا عن مكافأة كبيرة لكل من يأتي به صلى الله عليه وسلم حياً أو ميتاً، مع كل هذه المخاطر نجده صلى الله عليه وسلم يحمل معه ضمن الأشياء القليلة التي حملها معه إلى المدينة كامل أدوات الكتابة، ونجد أن بعض كتاب الوحي بقوا ملازمين له وملتفين حوله لتسجيل كل آية توحى إليه، فنجد أن كلا صاحبيه صلى الله عليه وسلم في الهجرة أبو بكر الصديق وعامر بن فهيرة كانا من الكتبة المعروفين. ويدل على ذلك قصة كتاب الأمان لسراقة بن مالك بن جعشم. فقد روى البخاري في كتاب بدء الوحي، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة على لسان سراقة : ... فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم. ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن اللّه سيظهر أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، فقلت له : إن قومك قد جعلوا فيك الديَّة. وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يَرزَآني، ولم يسألاني إلا أن قال : اخف عنّا. فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم، ثم مضى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ."
[1] (http://www.amrallah.com/ar/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref1) جاء في بعض الروايات أن الإسلام عندما جاء كان في قريش سبعة عشر رجلا فقط يكتبون وفي المدينة حوالي إحدى عشر رجلا! وهذه الروايات مرجوحة ومغلوطة, فمن ذكرها تكلم بما عرف وأحاط به علما لا أنه كان يتكلم باسم الهيئة العامة للإحصاء بمكة والمدينة وهذا ما سنراه حالا.
ما نقدمه للقارئ الكريم هنا هو بحث قد قدمناه في كتابنا "عقائد الإسلاميين بين وحدة المنهج وتباين الأحكام" مع بعض الإضافات التي زدناها لاحقا وتتمثل هذه الإضافات في بعض الروايات التي تؤيد ما ذكرناه في هذا المبحث:
العقيدة التاريخية الباطلة: عدم جمع القرآن في عهد النبي (ص)!
من المسلمات عند عوام وعلماء أهل السنة أن النبي المعصوم كان في مجتمع ندرت فيه القراءة والكتابة وكان هو مثل الأغلبية الساحقة[1] (http://www.amrallah.com/ar/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftn1) لا يستطيع القراءة والكتابة –أمي!- وبسبب ذلك كان له الكثير من كتبة الوحي الذين كتبوا القرآن, وكان هذا القرآن مفرقا بين اللخاف والعظام والجلد ... إلخ من العناصر البدائية. ولحرص النبي المعصوم على عدم ضياع القرآن ولقلة الكتبة اهتم بأن يحفظ القرآن الكثير والكثير من الصحابة ولكنه لم يجمعه بل تركه مفرقا في هذه المواد البدائية ولكنه كان مجموعا في صدور الصحابة ثم حدثت عملية الجمع في مصحف واحد بعد النبي المعصوم , واخُتلف في عملية الجمع هذه, فمنهم من قال :إن الجمع كان في عصر النبي (صلى الله عليه وآله). 2 - إنه جمع في عهد أبي بكر، بمعنى أنه جمع من الصحف المتفرقة، أو جمع من صدور الرجال بشهادة شهود. 3 - إنه جمع في عصر عمر بن الخطاب. 4 - إن ابتداء جمعه كان في عصر أبي بكر، وتمامه كان في عصر عمر. 5 - إنه جمع في عهد عثمان.
والمشهور عند عوام وعلماء أهل السنة هو الرأي الثاني أي أنه جمع في عهد أبي بكر رضي الله عنه , ولكن هل هذا صحيح؟
لما كان منطلقنا في هذه العقيدة التاريخية منطلقا قرآنيا فنحن نرفض هذا التصور تماما وننطلق من منظور آخر يتم معه إعمال آيات القرآن في تخليد و توصيف هذا الواقع التاريخي الذي ينبغي أن يكون معلوما لكل مسلم, لذا فنحن نرى: أن النبي المعصوم هو من كتب القرآن بيده الشريفة بهذا الخط الإعجازي منقوطا وليس أحدا سواه وأن دور كتبة الوحي كان منحصرا في نقل ما كتبه النبي لا أكثر وأن النبي ما انتقل إلى رفقة الرب العلي إلا بعد أن كان القرآن مجموعا في مصحف واحد ولم يكن هذا المصحف هو المصحف الوحيد الموجود بل كان هناك العديد من المصاحف الموجودة والتي تتراوح بين أربعة مصاحف إلى تسعة عشر مصحف أو أكثر.
قد يبدو هذا التصور جد غريب على آذان القراء ولكنا سنوضح للقارئ ببعض التوضيحات السريعة الموجزة أن ما تصوره عن حالة العرب ووضع الرسول تصور غير صحيح تماما.
أولا: التصور الشائع أن الكتبة في مكة كانوا قلة جدا حتى أن هناك من أحصاهم بسبعة عشر رجلا تصور خاطئ فاستنادا إلى روايات أخرى جاوز عددهم الخمسين رجلا , ونحن نرى أن القراءة والكتابة كانت أمرا مألوفا في مكة والمدن العربية يقبل عليها نسبة معقولة من الرجال الأحرار فقراء كانوا أو أغنياء وليس كما تصور الروايات من ندرة للقراء, ونضرب مثالين فقط على ما نقول نوضح بهما الخطأ التام لهذا التصور: المثال الأول نجده في سيرة ابن هشام حيث يروي – بالإضافة إلى أن عبد المطلب كان كاتبا- :
" وكان عبد المطلب بن هشام قد نذر حين لقي من قريش ما لقي عند حفر زمزم، لئن ولد له عشرة نفر، ثم بلغوا معه حتى يمنعوه، لينحرنَّ أحدهم عند الكعبة، فلما توافى بنوه عشرة. وعرف أنهم سيمنعونه، جمعهم ثم أخبرهم بنذره، ودعاهم إلى الوفاء للّه بذلك، فأطاعوه وقالوا : كيف تصنع ؟ قال : ليأخذ كل واحد منكم قدحاً ثم يكتب فيه اسمه، ثم ائتوني، ففعلوا .... وفي طبقات ابن سعد : فقال : "ليكتب كل واحد منكم اسمه في قدحه، ففعلوا ..." , فها نحن ذا نرى عشرة من الأخوة كتبة في بيت واحد! من مكة.
المثال الثاني: الحادثة الشهيرة التي نعرفها كلنا وهي أنه لما كان بعض فقراء أسرى بدر من المشركين لا يستطيعون أن يدفعوا الفداء أمرهم النبي المعصوم أن يعلم كل واحد منهم عشرة من صبيان المدينة القراءة والكتابة ويكون ذلك فداءا عنه. فنلاحظ من هذا المثال أن هناك من فقراء قريش من يعرف القراءة والكتابة فليس الأمر محصورا على السادة والعظماء, ثم نرى أن النبي المعصوم يأمر بتعليم القراءة للصبيان وليس للكبار, فلو كان القراء في المدينة فقط إحدى عشر رجلا فقط كما تدعي الروايات لكان من الأولى تعليم الرجال الذين يباشرون العقود والعهود ويحتاجون إلى الكتابة في تعاملهم بدلا من تعليم الأطفال.
وبالإضافة إلى المثالين السابقين نجد أن المسلمين كانوا يتبادلون الرسائل بشكل مألوف ولم يكن الأمر نادرا , فينقل الواحدي في سبب نزول الآية : { الم أَحَسِبَ النَّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُون ... } قال : قال الشعبي : نزلت في أناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام. فكتب إليهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة أنه لا يقبل منكم إقرار ولا إسلام حتى تهاجروا. فخرجوا عامدين إلى المدينة فاتبعهم المشركون، فآذوهم فنزلت فيهم هذه الآية، وكتبوا إليهم أن قد نزلت فيكم آية كذا وكذا، فقالوا : نخرج فإن اتبعنا أحد قاتلناه فخرجوا ...". لذلك يقول يوسف خليف في " دراسات في الشعر الجاهلي" : " القضية التي يبدو أنها أصبحت لا تقبل جدلاً حولها، ولا شكّاً فيها، هي أن العرب في العصر الجاهلي كانوا يعرفون الكتابة. وهي قضية ثابتة بشهادة الواقع التاريخي من ناحية. وشهادة النصوص الأدبية من ناحية أخرى، فلم تكن الجزيرة العربية في هذا العصر متخلفةً حضاريّاً بالصورة التي كان الباحثون القدماء يتصورونها، ولم تكن بمعزل عن الحضارات الأجنبية التي كانت تحيط بها من كل جانب، وإنما كانت على صلة بها عن طريق الجوار والاحتكاك المباشر. وأيضاً عن طريق تسرب عناصر منها مع القوافل التجارية النشطة التي كانت تجوب أرجاءها شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، ثم عن طريق محاولات التغلغل السياسي والديني والتي كانت تأتي من ناحية الفرس في الشرق، والروم في الشمال، والأحباش في الجنوب "
وكذلك هناك الكثير من الآيات التي تدل على معرفة العرب بالكتابة وعدم ندرتها عندهم فنجد قول الله تعالى : " وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ [الإسراء :92- 93] فالمشركون يطلبون من الرسول كتابا من السماء ليقرأوه, ولم يقولوا ليقرأه كبراؤنا بل ليقرأوه وهذا يدل على انتشار معرفة القراءة والكتابة. وكذلك يقول الله تعالى " َكِتَابٍ مَّسْطُورٍ ِفي رَقٍّ مَّنشُورٍ [الطور 2: 3] فهذه الآية توضح المادة التي كان يكتب عليها القرآن فهو كان يكتب في "رق" وكما هو واضح من الاسم فهو شيء رقيق, والرق جلد رقيق يكتب عليه أو الصحيفة البيضاء.
بالإضافة لذلك يمكننا أن نتذكر قصة إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكيف قرأ الرق الذي كان يقرأ منه خباب بن الأرت – خباب الفقير المستضعف أيضا يعرف القراءة- , فهذا دليل على كتابة القرآن في مواد خام خفيفة بسيطة رقيقة.
ويقول الدكتور عبدالرحمن عمر محمد في " كتابة القرآن في العهد المكي : " نجد النبي صلى الله عليه وسلم في أحلك الظروف وأخطر اللحظات من حياته التي تمثل نقطة الانعطاف في مسيرة الدعوة الإسلامية، ألا وهي لحظة الخروج من بيته مهاجراً إلي المدينة. وقد أحاط المشركون ببيته لينالوا منه، واستمرت مطاردتهم له، وأعلنوا عن مكافأة كبيرة لكل من يأتي به صلى الله عليه وسلم حياً أو ميتاً، مع كل هذه المخاطر نجده صلى الله عليه وسلم يحمل معه ضمن الأشياء القليلة التي حملها معه إلى المدينة كامل أدوات الكتابة، ونجد أن بعض كتاب الوحي بقوا ملازمين له وملتفين حوله لتسجيل كل آية توحى إليه، فنجد أن كلا صاحبيه صلى الله عليه وسلم في الهجرة أبو بكر الصديق وعامر بن فهيرة كانا من الكتبة المعروفين. ويدل على ذلك قصة كتاب الأمان لسراقة بن مالك بن جعشم. فقد روى البخاري في كتاب بدء الوحي، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة على لسان سراقة : ... فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم. ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن اللّه سيظهر أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، فقلت له : إن قومك قد جعلوا فيك الديَّة. وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يَرزَآني، ولم يسألاني إلا أن قال : اخف عنّا. فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم، ثم مضى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ."
[1] (http://www.amrallah.com/ar/newthread.php?do=newthread&f=2#_ftnref1) جاء في بعض الروايات أن الإسلام عندما جاء كان في قريش سبعة عشر رجلا فقط يكتبون وفي المدينة حوالي إحدى عشر رجلا! وهذه الروايات مرجوحة ومغلوطة, فمن ذكرها تكلم بما عرف وأحاط به علما لا أنه كان يتكلم باسم الهيئة العامة للإحصاء بمكة والمدينة وهذا ما سنراه حالا.