مشاهدة النسخة كاملة : القتال في القرآن!
عمرو الشاعر
06-30-2008, 08:46 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين وصلاة وسلاما على المبعوث رحمة للعالمين, سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الأخيار الأبرار, أما بعد:
فمن أهم وأخطر الاتهامات التي يُرمى بها الإسلام زورا وبهتانا وعدوانا وتضليلا مسألة انتشار الإسلام بحد السيف, لأن الإسلام دين لا مكان فيه للآخر, ولا يسمح بالحرية الدينية وإنما على الناس أن يدخلوا في الإسلام أو يدفعوا الجزية أو يُقتلوا! ويعجب المرء من مدعي هذه الدعوى الكاذبة, والذين يملأون الدنيا صراخا ولطيما وعويلا على ذلك الدين الظالم المفسد الذي يدعو إلى القتل ولا يفسح أي مجال للسلم وللفكر! وأعجب من مستند هؤلاء, فهل يستندون في دعاويهم الباطلة هذه إلى أصل الدين وهو القرآن أم يستندون إلى روايات أم يستندون إلى أفعال المسلمين؟ والعجب كل العجب أنهم يدعون أنهم يستندون في دعواهم هذه إلى القرآن! وعندما قلت لأحد الملاحدة في حوار: إن القرآن لا يوجد فيه آية واحدة تدعو إلى القتل بدون مبرر! قال لي ساخرا: يبدو أن عندك قرآن غير الذي عندي! فقلت: أين هذه الآيات؟ قال: إقرأ سورة التوبة! ولكن إذا كان هذا الملحد لم يقرأ أو قرأ ولم يفهم, فماذا نفعل حيال أولئكم المقتطعين, الذين يقتطعون الآيات من سياقها قطعا ويبترونها بترا حتى يأخذون المعنى الذي يريدون أن يقولوا به, ولقد قرأت مقالا لأحد المسيحين –أتباع دين الحب والمسامحة!- على الشبكة المعلوماتية أصابني بالغثيان من كم الاقتطاع والبتر الذين أجراهما هذا الأفاك على الآيات. وعلى الرغم من أنه ليس من عادتي أن أصف أحدا وصفا يضايقه, ولكن هذا الوصف هو أقل ما يوصف به هذا الأشر! فلقد جمع كما هائلا من الآيات وقطعها كلها كما يحلو له ولشيطانه, فإذا نحن أحسنا الظن به وقلنا أنه أخطأ الفهم في آيات معينة, يحتاج الأمر فيها فعلا إلى مراعاة السياق وربطها بآيات أخرى, فإن المرء لا يجد له عذرا في آيات كثيرة, يعلم ذلك الأفاك علم اليقين أنه ببترها وحذف باقي الآيات فإنه يغير المعنى جذريا, وعلى الرغم من ذلك أقدم على هذا بكل وقاحة!
لذا نقدم لك عزيزي القارئ في هذه الصفحات تناولا لآيات القتال في القرآن[1] (http://www.amrallah.com/ar/newthread.php?do=newthread&f=3#_ftn1), نعرضها لك عزيزي القارئ لكي ترى بعينيك إلى ما يدعو القرآن, ولماذا دعى الدين إلى القتال, وكيف أنه ضرورة حتمية.
يدعى كثير من الملاحدة ومن المسيحين أن الدين ينبغي أن يكون حبا وتسامحا ولا مكان للعنف فيه. ودعواهم هذه قولة حق أريد بها باطل, فالدين فعلا حب وتسامح وحجة, ولكنه يحتاج بجوار ذلك إلى سيف يدافع عنه ويريد كيد الظالمين! المشكلة أن هؤلاء الواهمين يريدون دينا ضعيفا لا حامي له, فيغيرونه كما يحلو لهم أو حتى يقضون عليه في مهده, ثم يدعون بكل تبجح أن الله لم ينجح في إيصال رسالته إلى خلقه! أو يدعون أن الله لا بد أن ينصر دينه ورسوله, وهم بذلك يريدون آيات مثلهم مثل أجدادهم من المعاندين. أما الإنسان المحايد فيعلم علم المشاهدة أن أي دعوى جديدة, دعوى حق أو باطل تواجه بالمعارضين, وتشتد المعارضة كلما كانت الدعوى دعوى حق, ويتحرك أهل الباطل للقضاء عليها لمبررات عدة, أهمها الحفاظ على استقرار المجتمع, لأن أصحاب هؤلاء الدعاوى يفسدون المجتمع ويغيرون الناس الصالحين, وهذه الدعوى الفاجرة أطلقها ملأ قوم فرعون, فقالوا:
"وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ [الأعراف : 127]
فهؤلاء الفجرة يدعون أن موسى ومن معه هم الذين سيفسدون في الأرض! لذلك دعوا إلى القضاء عليهم! ونفس الدعاوى يطلقها ويطبقها الملاحدة, لذلك كان على من يقوم بالدين أن يكون ذا قوة ليدافع عن الدين ويحميه ضد هجوم هؤلاء المفسدين الذين يريدون الحفاظ على باطلهم, لذلك قال الله تعالى:
"وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ [الأنفال : 60]"
فالدين يدعونا إلى أن نكون ذوي قوة, نستطيع أن ندافع بها عن أنفسنا ونرهب بها عدونا, فلا يتجرأ ويقدم على الهجوم والاعتداء علينا, لذلك نجد أن الله تعالى يقول في الآية التالية:
"وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنفال : 61]"
وعلى الرغم من أن الأعداء قد يتظاهرون بالسلم من أجل خداع المسلمين, إلا أنه على المسلم أن يقبل دعوى هؤلاء ويسالمهم –إلا أن يظهر له ما يجعله أكيدا من خداعهم له- لذلك قال الله تعالى في الآية التالية:
"وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ [الأنفال : 62]"
كم أن على الإنسان الذي يدعي تلك الدعاوى أن يقدم لنا السبب الذي من أجله يقاتل الإسلام الآخرين؟ سيقولون من أجل إجبار الناس على الدخول في الدين. فنرد عليهم بآيات قاطعات تفند دعواهم وفيها يقول الله تعالى:
"لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة : 256]"
فكيف نكره الناس والقرآن ينفي ذلك؟!
والقرآن يعلنها صراحة أن للإنسان الحرية في الكفر, وأن العقاب على ذلك في الآخرة وليس في الدنيا, فيقول:
وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً [الكهف : 29]
ويوضح لنا أن الرسول كان يود أن يدخل الناس كلهم في الدين, فيقول الله تعالى له, موضحا أن هذا لن يكون:
وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ [يونس : 99]
فليس للرسول الحق في إكراه الناس, وكيف يكره الرسول الناس وهو الذي يحبهم حبا شديدا ويتمنى لهم كل خير, ولهذا قال له الله تعالى:
فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف : 6]
فهل هذا الإنسان الذي يكاد يهلك نفسه من الأسف على عدم الإيمان, صاحب القلب الرحيم الذي يحب الناس, هو الذي يدعو إلى قتالهم؟!
قد يقول المعاند: لقد جعل الإسلام ذلك حجة من أجل المكاسب المادية عن طريق الجزية التي يفرضها على غير المسلمين.
نقول له: حتما أنت لم تقرأ القرآن, فلتلق نظرات على السطور القادمة.
[1] (http://www.amrallah.com/ar/newthread.php?do=newthread&f=3#_ftnref1) لن نتناول الفرية التي تدعي انتشار الإسلام بحد السيف, فعلى الرغم من أن التاريخ يكذبها وهذا واضح لكل ذي عينين, وعلى الرغم من أن المسيحية هي التي فرضت على القبائل الوثنية في أوروبا بحد السيف, ثم يرموننا بهذه التهمة, فإن فعل المسلمين ليس ملزما للكتاب وللدين وإنما الكتاب حجة على الفاعلين.
عمرو الشاعر
06-30-2008, 09:54 AM
وبعد هذه المقدمة التي عرضنا فيها سريعا لنظرة الإسلام إلى القتال ومبرراته نبدأ بتناول الآيات التي ذكر فيها القتال, لنر كيف عرضها القرآن:
أول نقطة يلحظها القارئ للقرآن أنه يسلم ويعترف ويقر أن القتال مكروه على النفس وأن الناس يودون ألا يقاتلوا, لذلك كرر القرآن الأمر بالقتال مرات عديدة حتى يشعرهم بأهمية الأمر فلا يتهاونون فيه, كما عرض لهم ما يحمسهم للقتال المكروه من النفس, ولكن قد يكون هذا القتال حتميا من أجل أسباب عدة, وقد يكون كذلك فيه خير للناس, وفي هذا يقول الله تعالى:
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة : 216]
فالقتال كما هو واضح من الآية مستكره من النفس, ولكن قد تكره النفس شيئا ويكون فيه خيرا كثيرا.
وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً [الأحزاب : 25]
وهنا يمن الله على المؤمنين بأنه كفاهم شر القتال, فكفاهم شر القتل. فهم لا يحبون ذلك ولا ينبغي لهم, وإنما عليهم أن يعلموا أن القتال لضرورة, ولكن لما كان في القتال في سبيل الله قمة التضحية والفداء والبذل, ويقابله من الله تعالى الثواب العظيم على هذه التضحية الكبرى, تحمس بعض المسلمين للقضاء على الظالمين بالسيف وللثأر من الأعداء الذين آذوهم وأخرجوهم وطردوهم, وتمنى القتال لكي ينال هذا الثواب, فقال لهم الرسول الكريم:
" لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموه فاثبتوا، وأكثروا ذكر الله، ....."
أي أنه على المسلم أن يسأل الله العافية, فهي أفضل من ذلك, فإذا حدث وكان اللقاء (في الحرب) فعليه أن يثبت.
إذا فالقرآن يقر أن القتال مستكره من النفس ولكنه ضرورة وقد يكون فيه خير, ولكي نعرف هذه الضرورات, لنتتبع الآيات التي ورد فيها ذكر الأمر بالقتال صراحة بصيغة "قاتل" لنخرج بصورة عامة عن هذه المسألة:
أول آية تقابلنا في كتاب الله تعالى في شأن القتال هي الآية الجامعة المانعة التي ينبغي رد كل الآيات إليها, وفيها يقول الله تعالى:
وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة : 190]
أول ما نلاحظه في هذه الآية أن الأمر فيها جاء بصيغة "فاعل" والتي تعني المشاركة من الطرفين, فلو كان المقصود من ذلك هو الهجوم, لقال الله تعالى:
" واهجموا على الكافرين" أو " و لوا الكافرين" –أتوقع أن القارئ لا يعرف هذا الفعل المذكور في الجملة! ولكنا سنعود إليه في حديثنا عن آية في سورة التوبة- ولكنه قال: "وقاتلوا .... الذين يقاتلونكم" إذا فالأمر بالقتال يكون ضد من يقاتلنا, بشرط عدم الاعتداء, فليس القتال عندنا في الإسلام قتالا همجيا كما كان ولا يزال في العالم كله –وما نراه في العراق وفي غيره من الدول دليل على أن دعاوى التحضر دعاوى كاذبة, وأنه أمام الكثير من الغربيين وللأسف من المسلمين كذلك دهرا طويلا حتى يتأنسنوا, وهذا ما سنعرض له في كتابنا القادم السوبرمان بين نيتشه والقرآن, حيث نبرهن فيه على أن عامة البشر لم يرتقوا عن مرتبة الحيوان, لذا فهم لا يستحقون أكثر من المعاملة كحيوانات!, وقليل هم من في مرتبة الإنسان, أما السوبرمان فأعداد يبحث عنها بالمنظار, على الرغم من أن القرآن قدم المنهج الواضح لذلك- وإنما القتال لغايات عظمى ولأهداف كبرى لا وجه للمصلحة المادية "المالية" فيها ولا للمصالح الشخصية ولا للانتقام ولا للإفساد, لأنه لا عدوان في قتالنا, وأشكال العدوان كثيرة, أهمها أن أبدأ المسالم بالقتال! أو أن أعتدي على من لم يشترك في قتالنا والاعتداء علينا من المدنيين المسالمين. إذا فنحن نقاتل من يقاتلنا ولا نعتدي, لأن الله لا يحب المعتدين. فإذا نحن نظرنا للآية التالية, وهي قوله تعالى :
" َاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {191,192}"
وفهمناها تبعا لهذه الآية الحاكمة, عرفنا أن المسلم يقتل الذين يقاتلونه حينما يظفر بهم في القتال, –وإلا سيدخل في دائرة الاعتداء المنهي عنه!- وهذا هو معنى الثقف, وكما جاء في المقاييس: "ويقال ثقِفْتُ به إذا ظَفِرْت به. قال:
فإمَّا تَثْقَفُوني فاقتُلوني وإنْ أُثْقَفْ فسوف تَرَوْنَ بَالي " اهـ
إذا فالمسلم يقتل الكافر متى ظفر به ويخرجه من حيث أخرجه –لاحظ أن الكافر هو الذي بدأ المسلم بالإخراج والطرد من الديار- وكيف أنهم كان يعذبون المسلمين حتى يردوهم عن دينهم "والفتنة أشد من القتل" والفتنة في هذا السياق–كما هو معلوم- تعني تعذيب الكافرين للمسلمين حتى يتركوا الإسلام. ولكن المسلم يحافظ على حرمة المسجد الحرام فلا يقاتل عنده, فإن حدث وقاتل الكافرون عنده, فهنا على المسلم أن يرد هذا العدوان ويقتل الكافرين, جزاءا له على عدم مراعاة حرمة المسجد الحرام والقتال فيه! لذلك يقول الله تعالى في الآية التالية:
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ [البقرة : 193]
أي أن المسلمين يقاتلون الكفار حتى لا تكون فتنة من هؤلاء الكفار الذين يمنعون الناس عن الدخول في الإسلام, فهؤلاء الكافرون يمنعون الحريات الدينية ويبدأون بالعدوان لذا فعلى المسلمين أن يقاتلوهم ويقتلونهم, أم هل يرى أصحاب القلوب الضعيفة من المسيحين والملاحدة أن يظل المسلمون هكذا بلا دفاع عن أنفسهم ويسلمون أنفسهم للكافرين لكي يعذبونهم؟ أم من الأفضل أن يرتدوا؟!
إذا وكما رأينا فالقتال في هذه الآيات أمر منطقي حتمي, يوجبه بدأ الكافرين بالعدوان وممارستهم للفتنة والصد عن سبيل الله تعالى.
فإذا نحن انتقلنا إلى آية أخرى وهي قوله تعالى:
وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة : 244]
فهنا أمر مطلق ولكن لا بد من حمله على الآية السابقة وهي قوله تعالى "ولا تعتدوا" أي أننا نقاتل ولا نعتدي, ونعود فنذكر بصيغة المفاعلة "قاتل", فلم تقل الآية: اهجموا أو اعتدوا وإنما قالت: قاتلوا, وهذه الصيغة تلزم الاشتراك من الطرفين!
عمرو الشاعر
06-30-2008, 10:03 AM
فإذا انتقلنا إلى آية أخرى قد يرى فيها بعض المخالفين دليلا لهم فيما يقولون, ويدعون أن الإسلام يقاتل من أجل نشر هيمنته ومن أجل القضاء على الأديان الأخرى! وهذه الآية هي قوله تعالى:
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الأنفال : 39]
وصاحب هذه الدعوى لا يفقه العربية ولا يعرفها, فالآية تبدأ بالأمر بالقتال حتى لا تكون فتنة! أي أن الكافرين يعتدون على المسلمين ويعذبونهم ويضطهدونهم حتى يتركون الإسلام, ويستخدمون في ذلك الوسائل المختلفة من ترغيب وترهيب! وبداهة يلغي فعلهم هذا الحرية عند الإنسان, لذلك أمر الله تعالى المسلمين بقتالهم حتى تُلغى الفتنة وحتى يكون الدين لله, فلا يُجبر أحد أحدا على الدخول في دين أو تركه, فالله أعطى الحرية للبشر, " لا إكراه في الدين, لكم دينكم ولي دين, ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا , فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ...." ويجب أن تظل هذه الحرية ومن أجل هذا يقاتل المسلمون! وحتى لا أُتهم بتغيير معنى الآية نقدم للقارئ الكريم السياق الذي وردت فيه الآية:
"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَوَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ"
فالكفار يعتدون إون انتهوا يغفر الله تعالى لهم, فهل هناك رحمة أكثر من هذا؟ وننتقل إلى آية أخرى وهي قوله تعالى:
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [التوبة : 36]
فالله ينهانا عن ظلم أنفسنا بالقتال في هذه الشهور, ولكن إذا حدث واعتدى المشركون فيها فعلى المسلمين أن يقاتلونهم كافة كما يفعل المشركون, ثم تُختم الآية بقوله تعالى "واعلموا أن الله مع المتقين" فالعبرة بالالتزام بالعهود والوفاء بالعهود وليست بالقوة ولا بانتهاز الفرص!
فإذا انتقلنا إلى آية أخرى وهي قوله تعالى:
فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً [النساء : 74]
فالآية توضح أن القتال ينبغي أن يكون ممن يشرون الحياة بالآخرة, وكما قلنا من قبل يُشترط في القتال أن يكون بلا اعتداء! ثم توضح لنا الآية التالية صراحة سبب هذا القتال فتقول:
وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً [النساء : 75]
فسبب القتال كما هو واضح لكل ذي عينين هو أن هناك مستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حالة, فيقاتل المسلمون من أجل نصرتهم! ثم تشجع الآية التالية المسلمين –والذين قد يتكاسلون لأن الأمر غير متعلق بهم, بل هو نصرة لآخرين, وفي أمثال هذه المواطن يكسل الإنسان!- فتعرفهم أن كيد الشيطان كان ضعيفا فقاتلوا ولا تخشوا شيئا!
الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً [النساء : 76]
فإذا نحن انتقلنا إلى آية تبعد بضع آيات فقط عن هذه الآية وجدنا أنها تصرح كذلك بعلة القتال, فتقول الآية الكريمة:
فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً [النساء : 84]
أي أن القتال قد يكون سببا لأن يكف الله تعالى أذى الكافرين! وهذه الآية من أكبر الأدلة على أن القتال في الإسلام قتال دفاعي من أجل صد كيد المعتدين! وبهذا الدفاع ينهزم الكافرون ويُرد كيدهم عليهم وينزل النكال بهم هم! والآيات التاليات أدلة واضحات على هذا المعنى, فإذا نحن نظرنا إلى الآية القادمة بعد أربع آيات من هذه الآية وجدنا أن الله تعالى يقول:
َفمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً [النساء : 88]
أي ما لكم أيها المؤمنون تنقسمون في شأن المنافقين إلى فئتين, فالأمر أوضح مما يكون فهم منافقون موالون للكفار مرتدون على أدبارهم, فكيف تريدون لهم الهداية؟! فهم لم يكفروا فقط وإنما التحقوا كذلك بالأعداء وأخذوا في قتالكم –واختلق المفسرون في هؤلاء المنافقين, ولكن هذا لا يعينينا, فالذي يهمنا هو المعنى الواضح الظاهر من الآيات-, لذلك لا تجادلوا في شأنهم إلا إذا أقلعوا وهاجروا في سبيل الله, فإن لم يفعلوا فهم مقيمون على غيهم فاقتلوهم ردا على اعتدائهم, وفي هذا يقول الله تعالى:
وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً [النساء : 89]
قد يقول قائل: من أين جئت بأنهم اعتدوا على المسلمين, فالآية لم تذكر هذا؟ نقول: نعم, الآية لم تذكر هذا, ولكن الآية التالية ذكرته, ففيها يقول الله تعالى:
إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً [النساء : 90]
أي ليس لكم أي المسلمون أي حجة أو عذر في قتال هؤلاء المسالمين المعتزلين, لأنهم لا يقاتلونكم, أما إذا حدث واعتدوا عليكم فلكم كل الحق في قتالهم وقتلهم –وأعتقد أن هذا الرد سيجرح مشاعر أصحاب القلوب الرقيقة الذين يقبلون أن نُقتّل تقتيلا ونُذبح كالنعاج ولا حرج في ذلك, أما أن نرد على المعتدين فكبيرة, فنحن يجب علينا أن نقوم بدور الضحية دوما!-
فهؤلاء مستثنون من الآخرين, فإذا كان هؤلاء المستثنون حصرت صدورهم أن يقاتلوا المسلمين -فليس للمسلمين عليهم سلطان-, فبداهة لم تحصر صدور الجماعة الأكبر وقاتلوا المسلمين واعتدوا عليهم, وهذا الذي يُفهم من الاستثناء, والذي يؤكد هذا الفهم هو الآية التالية, وفيها يقول الله تعالى:
"سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً."
فهؤلاء القوم لم يعتزلوا المسلمين وإنما تعرضوا لهم, واعتدوا عليهم ولم يكفوا أيديهم, فكان للمسلمين الحق كله في الرد, وليمت المكيدون بغيظهم!
عمرو الشاعر
06-30-2008, 10:41 AM
فإذا انتقلنا إلى آية أخرى في سورة التوبة, وجدنا أن علة القتال مذكورة صراحة في الآية, وفيها يقول الله تعالى:
وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ [التوبة : 12]
فهؤلاء القوم كان بينهم وبين المسلمين عهود فنكثوا أيمانهم وعهودهم, ولم يكتفوا بذلك وإنما أخذوا كذلك في الطعن في دين الإسلام وإذاعة الأكاذيب, فبالله عليكم ما الذي ينبغي أن يكنه رد فعل المسلمين؟ بداهة يجب أن يكون قتال هؤلاء الغادرين, لذلك يستحث الله المسلمين ويحرضهم على القتال فيقول لهم في الآيتين التاليتين:
أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ [التوبة : 14,13]
إن هذا هو الفعل المنطقي ضد من نكث العهد وهم بإخراج الرسول, وهم من بدؤوا المسلمين بذلك, فيأمرهم بالقتال ويعدهم بالنصر فالله سيعذبهم على أيدي المؤمنين. إذا فكما أعتقد ليس في هذه الآية أي مستند للمخالفين.
ونصل إلى آية من أهم الآيات التي يستند إليها القائلون بعدم وجود حرية دينية في الإسلام وأن الإسلام يقاتل الآخرين من أجل أديانهم ومن أجل المكاسب الدنيوية المادية, وهذه الآية هي قوله تعالى:
قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة : 29]
والعجيب أن الآية أوضح ما تكون –مثل القرآن كله- ولكن الباحث المتصيد يأخذ منها ما يحلو لها, ويترك الباقي!
أول ما نلاحظه في هذه الآية أنها لا تعلن الحرب على كل "أهل الكتاب" وإنما تعلنه فقط على طائفة من "الذين أوتوا الكتاب", وهذا الصنف أخص من "أهل الكتاب". إذا فالقرآن يأمر المسلمين بقتال طائفة من الذين أوتوا الكتاب وهم الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق! –ونعود فنذكر بصيغة "قاتل" والتي تعني دوما المشاركة من الطرفين وعدم استعمال صيغة الهجوم, ونذكر بأن الاعتداء على الغير ممنوع- إذا فالآية تأمر بقتال –وليس قتل أو الهجوم على- طائفة من الذين أوتوا الكتاب, هذه الطائفة تدعي أنها مؤمنة ولكنها في الواقع ملحدة, فهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر, كما أنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله فهم يستبيحون المحرمات, ويأتون الكثير من المنكرات, وأهمها نقض العهد وخيانة الوعد, -وهذه النقطة يتجاوزها المغرضون كأنهم لا يرونها, بالله عليك كيف تتصور قوم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله, هل تعتقد أنهم قوم من الأخيار الضعفاء المساكين أم أنهم قوم يأتون الفواحش ويقطعون الطريق ويقتلون ويغشون في معاملاتهم التجارية ويغدرون؟! وعلى الرغم من كل هذا فهم لا يرون هذا مبرر لقتالهم!- ويؤكد هذا قوله تعالى "ولا يدينون دين الحق" فهم أصحاب كتاب بالاسم فقط, ولكنهم في الواقع لا يخضعون إلا لهواهم ومصالحهم, فهم عون للكافرين ويفضلونهم ويساندونهم ضد المسلمين, فهؤلاء يقاتلون حتى تكسر شوكتهم ولا يكونون عونا للمشركين على المسلمين, وحتى يعطوا الجزية عن استطاعة ومقدرة "عن يد", فلا تؤخذ من الفقراء والمساكين منهم, وهم خاضعون للمسلمين فلا يعودون لأفعالهم المشينة ولا للتمرد مرة أخرى ولا للتكبر ولا للطعن في الدين, ويؤيد هذا القول سياق الآيات وفيها يقول الله تعالى:
" قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ." اهـ
فإذا نحن نظرنا إلى الآيات التالية لهذه الآية وجدنا أن الله تعالى يذكر اليهود والنصارى –ككل وليس مجرد طائفة من طائفة كما في الآية السابقة-, ويعلق على أقوالهم الكفرية وكيف أنها مماثلة لأقوال الذين كفروا من قبل, ثم يأتي الحكم عليهم من الله عزوجل: قاتلهم الله, أي لعنهم الله ومنعهم من البركة, كيف يُصرفون عن الحق, ويوضح أن الله متم نوره, وكيف أنه أرسل رسوله بالهدى ودين الحق, وليس بالسيف والقتال. ولأن هؤلاء يقولون فقط, ففي مقابل القول يكون القول والحجة والبرهان في القرآن, وللإنسان الحرية وعليه العذاب في الآخرة, أما من يعتدي ويغدر ولا يحرم المحرمات فهذا جزاءه القتال حتى يعود السلم إلى الأرض مرة أخرى وحتى ترد الحقوق إلى أصحابها.
إذا وكما رأينا فهذه الآية آية ذات حكم خاص في طائفة خاصة لا تستحق إلا هذه المعاملة, ولكن الملاحدة يرون أنه من الأفضل أن يتركهم المسلمون يعيثون في الأرض فسادا, فالإنسان عند الملاحدة له حرية الإفساد وهي من أهم حقوق إنسانهم!
ونصل إلى آخر آية في هذا التصنيف وهي قوله تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [التوبة : 123]
ويشغب المشغبون بهذه الآية ويقولون أنها قول صريح في مهاجمة المجاورين للمسلمين, ويقولون: لا تخصيص ولا مبرر إلا مجرد المجاورة!
والرد على هؤلاء القوم جد يسير, فهم لا يعرفون اللغة ولا خبروها, ومما يأسف له المرء أن كثيرا من المفسرين –إن لم يكن كلهم- قد زلوا في التعامل مع هذا الفعل وفهموه على غير محمله, حتى أنا وجدنا الإمام الرازي يقول:
"اعلم أنه نقل عن الحسن أنه قال : هذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال المشركين كافة ، ثم إنها صارت منسوخة بقوله : { قَاتَلُواْ المشركين كَافَّةً } [ التوبة : 36 ] وأما المحققون فإنهم أنكروا هذا النسخ وقالوا : إنه تعالى لما أمر بقتال المشركين كافة أرشدهم في ذلك الباب إلى الطريق الأصوب الأصلح ، وهو أن يبتدؤا من الأقرب فالأقرب ، منتقلاً إلى الأبعد فالأبعد ." اهـ
عمرو الشاعر
06-30-2008, 10:42 AM
ونطلب إلى القارئ أن يتذكر الفعل الغريب الذي ذكرناه في أول المقال وهو قولنا "لوا" فهنا سنناقشه:
الفعل المذكور في هذه الآية هو "ولي" وهو يأتي بمعان عدة تدور كلها في فلك القرب, لذلك قال المفسرون مثل ما قاله الإمام الفخر! ولكن لا بد أن نلاحظ ملاحظة هامة وهي أن الله تعالى استعمل فعلا ولم يستعمل اسما ك "بجوار, بجانب" كما أنه أسند الفعل إلى الكافرين وليس إلى المسلمين, مع أن في هذا السياق كان يُفترض أن يُقال: قاتلوا الذين تلونهم من الكفار! لأن المسلمين يُفترض أنهم هم الذين سيهجمون عليهم! فيكون هنا القرب بالمسلمين ويكون المسلمين هم الذي يلون!
وبغض النظر عن هذا كله فالولي في هذه الآية بمعنى الهجوم في القتال, والمأزق الذي يسقط فيه الكثيرون هو عدم تمكنهم من فهم الألفاظ القرآنية تبعا لمعانيها في زمانها! فيفهمونها فهما عاما غير مراد. فمن الألفاظ القرآنية التي قد لا يلاحظها الكثيرون لفظة "اللقاء" , فهذه اللفظة تطلق ويراد منها لقاء العدو في الحرب, وتأمل قول سعد بن عبادة للرسول "انا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء ", واستعمل القرآن هذه اللفظة على هذا الشكل فقال:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ [الأنفال : 45]" فهل المقصود هنا مجرد مقابلة المسلمين لفئة من الكافرين أم أن المقصود من ذلك اللقاء في الحرب؟ وكذلك قوله تعالى في سورة محمد:
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد : 4]
فهنا استعمل اللقاء بمعنى اللقاء في الحرب!
وفي هذه الآية استعمل "الولي" بمعنى الهجوم على الآخرين, وتأمل معي قول شاعر الرسول حسان بن ثابت مفاخرا بفعل المسلمين في غزوة ذي قرد:
كُنّا ثَمَانِيَةً وَكَانُوا جَحْفَلًا ... لِجَبَا فَشُكّوا بِالرّمَاحِ بَدَادِ
كُنّا مِنْ الْقَوْمِ الّذِينَ يَلُونَهُمْ ... وَيُقَدّمُونَ عِنَانَ كُلّ جَوَادٍ
فهو يفخر أنهم كانوا من القوم الذين يتتبعون هؤلاء الفارين ويهجمون عليهم بعد أخذهم ما سرقوه وفروا به, فتتبعهم ثمانية من المسلمين ليردوا ما سرقه هؤلاء المعتدون! فهنا استعمل حسان الفعل بالمعنى المشتهر لاستعماله في القتال وهو الهجوم على الطرف الآخر, ويؤيد هذا المعنى كذلك ما ورد في شعر عمرو بن كلثوم:
وَقَد هَرَّت كِلابُ الحَيِّ مِنّا وَشذَّبنا قَتادَةَ مَن يَلينا
مَتى نَنقُل إِلى قَومٍ رَحانا يَكونوا في اللِقاءِ لَها طَحينا
فهو يفخر بأنهم قلموا أظفار –بمصطلحاتنا المعاصرة- الذين يعتدون عليهم ويهاجمونهم!
إذا فمصطلح "اللقاء أو الولي" مصطلح خاصة وعند استعماله في مواطن اللقاء لا يراد منه مجرد المقابلة أو القرب وإنما يراد منه كذلك القتال والهجوم, وهذا هو المعنى المراد في الآية الكريمة, فالله تعالى يأمر المسلمين بقتال الذين يهاجمونهم من الكفار! وأعتقد أن هذا أمرا منطقيا –إلا عند الملاحدة, فمن الواجب عندهم أن يرحب المسلمون بالمهاجمين المعتدين ويعطوهم رقابهم ليقطعوها!- لذلك كان من المنطقي أيضا أن يردف الله تعالى بقوله "وليجدوا فيكم غلظة" وهذا هو المنطقي, أن أغلظ في الرد على من يعتدي علي –اعتداءا جماعيا- حتى لا يفكر في تكرار فعله.
وبهذه الآية نكون قد أنهينا الآيات التي ذكر فيها الأمر بالقتال صراحة "قاتل" ورأينا أنها كلها لصد العدوان ولدفع أذى الكافرين, وننتقل إلى آيات أخرى تتحدث عن القتال بغير صيغة "الأمر" لنر ماذا تقول:
أول آية تقابلنا في هذا الصنف هي قوله تعالى:
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة : 217]
فالآية تعرض لحال المشركين مع المسلمين وأنهم يفتنونهم عن دينهم ويعذبونهم حتى يرتدوا, وأنهم مستمرون في قتال المسلمين حتى يردوهم عن دينهم, أليس من حق المسلمين إذا الرد عليهم؟!
الآية الثانية هي قوله تعالى:
إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة : 111]
فالله يعلم أن الشر واتباعه لن يرضوا بالقعود وسيحاربون الدين لذلك كان على أتباع الأديان أن يعدوا العدة لصد اعتداء الغازين الغاشمين ويدافعون عن بيضة الدين.
فإذا انتقلنا إلى آية أخرى وجدنا أن الله تعالى يقول:
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج : 39]
أي أن الله أذن للمسلمين الذين يقاتلون ويعتدى عليهم أن يردوا على المعتدين, ثم يوضح في الآيات التاليات الحكمة من السماح بالقتال –لكي يرد على أولئك المثاليين الذين يظنون أن الدين يمكن أن يدافع عن نفسه بالحب, ولست أدري أي مذهب أو دين أو حزب أو حتى فريق كرة قدم يدافع عن نفسه بالحب, الكل يتسلح بما يدافع به عن نفسه- فيقول:
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ
أي أن القتال هو للرد على من أخرج المسلمين بغير حق, فهو البادئ بالاعتداء, ويوضح الله عزوجل أنه لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض, أي لولا أن الله يجعل بعض الناس سببا لدفع أذى وضرر الآخرين, لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد, أي لو انفرد فريق لأضاع حريات الآخرين الدينية, ونلاحظ في هذه الآية أن المساجد أُخرت وذكرت في آخر أماكن العبادة, وذكر في أول الأمر أماكن عبادة أصحاب الأديان الأخرى! وفي هذا دليل صريح على أن المسلمين يدافعون عن حرية الدين كائنا من كان أصحابها, فلو حدث اعتداء على المسيحين أو اليهود في بلد ما واضطهدوا من أجل دينهم فعلى المسلمين أن يهبوا للدفاع عنهم ونصرتهم على أعدائهم. ثم يتركونهم بعد ذلك يعبدون ربهم كما يفعلون. فهذا هو الإسلام المدافع عن الآخرين.
عمرو الشاعر
06-30-2008, 10:43 AM
فإذا انتقلنا إلى آية أخرى وهي قوله تعالى للرسول الكريم:
قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً [الفتح : 16]
واعتقد أن الآية لا تحتاج إلى تعليق, فالمخلفون من الأعراب سيدعون إلى قتال قوم أولي بأس شديد ليقاتلونهم, جزاءا لهم على عدوانهم أو يسلم هؤلاء القوم فلا يكون هناك حاجة للقتال –ونرجو من القارئ أن يقرأ تناولنا لسورة الفتح على الموقع فسيرى فيها تناولا جديدا-
وننتقل إلى آية أخرى توضح الحكمة من القتال في الإسلام ودوافعه وهي قوله تعالى:
وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات : 9]
فإذا حدث قتال بين طائفتين من المسلمين يُصلح بينهما, فإن حدث بغي من أحد الطرفين يُقتال حتى يُرد عن بغيه! وأعتقد أن هذا يوضح علة القتال في الإسلام وهو رد البغي ورفع الظلم عن الإنسان كائنا من كان.
ثم تأتي آية ترد على دعاوى المخالفين وهي قوله تعالى:
َلا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة : 8]
فالله لا ينهانا عن البر والقسط إلى من لا يقاتلونا, فبالله عليك هل من البر والقسط أن نبدأ بالهجوم على المخالفين لنا في الدين لمجرد المخالفة؟! وتأتي الآية التالية فلا تترك مقالا لمخالف, وفيها يقول الله تعالى:
ِإنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الممتحنة : 9]
فهؤلاء قاتلوا المسلمين من أجل دينهم, فهم الذين يمنعون الحريات الدينية, وأخرجوا المسلمين من ديارهم وظاهروا المحاربين للمسلمين, وأعتقد أن هذه الأسباب كافية لعدم موالاتهم ومبررات كافية لقتالهم!
وننتقل إلى آية أخرى يبتترها أتباع دين المحبة وهي قوله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ [الصف : 4]
فيذكرونها هكذا:
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ!
فيصورون دينا كدين محب للقتال, مع أن الآية تتكلم عن محبة الله للمقاتلين في سبيله –بلا اعتداء ولا ظلم- مصفوفين في نظام فلا يتخلفون عن مقابلة عدوهم الجارم المعتدي! وأعتقد أن هذا موطن فخر ومدح! أم أنهم يريدوننا أن نعطي أقفيتنا لمن ضربنا على رؤوسنا؟!
وكما رأينا فهذه هي الآيات التي تتحدث عن القتال, وكما رأينا فهي كلها تدور في فلك صد العدوان, وننتقل إلى الآيات التي يأمر فيها القرآن الكريم بالقتل, ومن أجل ذلك يصفون الدين بالعدوانية!
أول آية تصادفنا في هذا الأمر هي قوله تعالى:
َودُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً [النساء : 89]
ولقد ناقشنا هذه الآية بأعلى فلا حاجة إلى تكرار الكلام فيها. وننتقل إلى أهم آية يستند إليها الطاعنون وهي الآية الخامسة في سورة التوبة –والمسماة زورا وبهتانا بآية السيف, مع أن المفسرين اختلفوا في تحديد آية السيف هذ0!- وننظر فيها لنر هل لهم فيها مستند أم لا مستند لهم فيها؟
يقول الله تعالى في هذه الآية:
فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [التوبة : 5]
فيقولون أن الله تعالى أمر المسلمين بقتل المشركين حيث وجدوهم! أي أن الإسلام لن يسمح بوجود مشركين لمجرد شركهم وعليهم أن يدخلوا في الدين! فهل هذا ما تقوله الآية فعلا؟ لكي نخرج بتصور سليم لهذه الآية لا بد من قرآتها في سياقها, لذا نقدم لك عزيزي القارئ السورة من أولها:
بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ" اهـ
عمرو الشاعر
06-30-2008, 10:44 AM
ونبدأ في التعليق على هذه الآيات فنقول:
كما هو واضح للقارئ فالسورة تبدأ بإعلان براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدهم المسلمون! أي أنه كان هناك عهد بين المسلمين والمشركين, يلتزم بموجبه بعدم الاعتداء على الطرف الآخر, ولكن المشركين لم يلتزموا بهذا العهد وأخذوا في الهجوم على المسلمين والاعتداء عليهم, لذلك تبرأ الله والرسول منهم! – وأعطاهم فرصة للسياحة في الأرض أربعة أشهر وأعلمهم أنهم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين. ثم يعلن الله للناس في يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله, ثم يختم الآية بتبشير الذين كفروا بعذاب أليم. ونلاحظ تحول الآيات في السورة من خطاب المشركين إلى وعيد الكافرين –وهم الذين عرفوا الحق وكفروه, وارجع إلى تناولنا لسورة الكافرون ففيه تفصيل لمصطلح الكفر-. وتوضح الآية التالية أن هذا الحكم مرتبط بالناكصين الناكثين فتقول: أن الذين عاهدهم المسلمون ثم لم يغدروا بهم ولم يساندوا غيرهم في الاعتداء على المسلمين, فهؤلاء يتم إليهم عهدهم إلى المدة التي عاهدوا فيها ولا يعتدي المسلمون عليهم ولا يبدأوهم بالهجوم. فإذا انسلخ الأشهر الحرم فيقتل المشركون الغادرون المعتدون –يُستثنى منهم كما قلنا من أوفى بالعهد- حيث يلاقيهم المسلمون, وأعتقد أن هذا الأمر لا حرج فيه وإنما هو رد طبيعي على من يكرر الاعتداء عليك ثم يدعي أنه ملتزم بالمعاهدة, فلا بد من تأديب هذا الغادر حتى لا يعود إلى فعله وعقابا له على ما اقترفت يداه! فإن تابوا –وهنا لن تقبل مجرد الإعلان باللسان أنهم لن يكرروا فعلهم, لأنهم قالوها قبل ذلك مرارا وكرروا فعلهم, وإنما عليهم الدخول في دولة الإسلام والإقرار بها والخضوع لها.- وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فيخلي المسلمين سبيلهم, لأن الله غفور رحيم يغفر لهم عدوانهم السابق! وإن حدث واستجار واحد من المشركين –أي طلب الحماية والجوار- فيجيره المسلم حتى يسمع كلام الله ثم يبلغه المسلم مكانا يأمن فيه, ويعلل الله عزوجل ذلك بأنهم قوم لا يعلمون! فكثير ممن حارب الإسلام وعادوهم لم يكونوا يعرفون ما أتى به الإسلام وإلى ما يدعو! ثم تذكر الآية الثانية أنه لا ينبغي أن يكون للمشركين عهد عند الله وعند الرسول إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام, وما داموا مستقيمين ولم يغدروا يستقيم المسلمون لهم, فلا يغدرون بهم ولا يعتدوا عليهم لأن الله يحب المتقين. ثم توضح الآية التالية أن سبب هذا الحكم القاسي ضد عامة المشركين أنهم غدارون يعتدون على المسلمين, وإذا حدث ووجدا فرصة فلن يتركوا المسلمين "كيف وإن يظهروا عليكم ......." وإنما سيبيدونهم, وكل ما يقولونه هو إرضاء باللسان أما القلب ففيه ما فيه! وهم يلعبون ويلهون بآيات الله تعالى فبئس ما يفعلون! وهم لا يراعون في قتلهم للمسلمين أي قرابة أوعهد وإنما يقتلونهم تقتيلا! وعلى الرغم من ذلك فإن أظهروا الطاعة للرسول وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فهم إخواننا في الدين. وإن حدث ونكسوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في الدين فيُقاتلون لأنهم لا أيمان لهم. –والعجيب أن أحد المتفاصحين المسيحين فهم هذه الآية على أن المراد منها: وإن نكس هؤلاء القوم إيمانهم! فظن أن الأيمان والتي هي جمع يمين بمعنى الإيمان, ولست أدري هل هو سوء فهم أم خبث نية وتلاعب؟!- ثم يعدد القرآن أسباب قتالهم كما ذكرنا من قبل.
إذا وكما رأينا عزيزي القارئ فإن السورة كلها من أولها رد على أفعال الكافرين الذي ينقضون العهود ويعتدون على المسلمين ويقتلونهم ويكررون أفعالهم هذه, لهذا كانت البراءة من الله ورسوله من هؤلاء القوم وإعلان الحرب عليهم, -ولكن الملاحدة يريدون للمسلمين أن يظلوا يُقتّلوا ويُحاربوا بدون ردة فعل حتى يُبادوا ولا حرج عندهم فنحن مباحون-
إذا فلا حرج في أن يأمر الدين بالقتل إذا كان هذا القتل موجها لمن قتل وغدر واعتدى وكرر عدوانه, ففي هذا رد على الاعتداء بالجزاء العادل.
فإذا انتقلنا إلى آية أخرى وجدنا الله تعالى يقول:
وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً [الأحزاب : 26]
وهذه الآية نزلت بعد غزوة الأحزاب في حق بني قريظة, وأعتقد أن ما حدث لهم كان جزاءا منطقيا على مساندتهم للغازين للمدينة والذين لو نجحوا في مخططهم لأبادوا المسلمين, ولم يتركوا لهم بقية. وكذلك لنقضهم لعهودهم مع الرسول الكريم, فهؤلاء ساندوا الكفار الذين غزوا المدينة, وهذا الفعل بمصطلحاتنا المعاصرة هو خيانة عظمى يُحاكم مرتكبها بالإعدام. وهذا ما فعله الرسول والمسلمون!
ونصل إلى آخر آية وهي قوله تعالى:
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد : 4]
وهذه الآية سنتحدث عنها بالتفصيل بإذن الله تعالى في نقاشنا لأحكام الأسرى, ولكن نعلق عليها تعليقا سريعا فنقول:
مما يعجب له المرء أن ينتقد الملاحدة والمسيحيون قول الله تعالى "فضرب الرقاب" ويرونه جارحا للمشاعر المرهفة, ويعجبون كيف يأمر الله تعالى الرحيم بضرب الرقاب!
ونعجب نحن ونسأل: ما الذي ينبغي أن يفعله الإنسان إذا قامت أي حرب, بغض النظر عن أسبابها, هل يدعو أعدائه إلى شرب القهوة أم يقتلهم؟ بداهة لا بد من قتلهم والتنكيل بهم, وهذا ما أمر الله تعالى بفعله تجاه هؤلاء الصادين عن سبيل الله –كما جاء في أول السورة-, إذا فلا حرج من الأمر بقتل الأعداء في حروب المسلمين القائمة على صد العدوان ومنع الظلم والاعتداء.
إذا وكما رأينا فليس ثمت آية واحدة تدعو إلى الاعتداء على الآخرين ومقاتلتهم من أجل مخالفتهم لديننا وإنما كل آيات القتال هي رد على اعتداءات الآخرين ودفاع عن مظلومين مستضعفين, وفي نهاية هذا الموضوع نوجز فنذكر أسباب القتال في الإسلام فنقول:
شرع القتال في الإسلام لسبب واحد وهو رفع المظلمة والتمكين للحريات ولانتشار الدين والفكر السليم, ولذلك قد يأخذ القتال في الإسلام أشكالا عدة, هي:
1- قتال من يبدأ المسلمين بالقتال.
2- قتال من يضطهد المسلمين أو غير المسلمين ويخرجونهم من ديارهم بغير حق.
3- قتال من يمنع حرية الاعتقاد.
4- قتال المسلمين الباغين على غيرهم.
إذا وكما رأيت عزيزي القارئ فالإسلام ثورة على الظلم والظالمين وإعلان للعصيان على الاضطهاد, والذي يقوم بثورة لا بد من أن يتسلح جيدا لإنجاح ثورته, لذلك فهو يخوض الحروب من أجل المبادئ والقيم ومن أجل أن يظل الإنسان إنسانا ذا كرامة وحرية وعقل, أما إذا عاش الناس في سلام ونسوا الظلم والاضطهاد وتركوا المسلمين ينشرون دعوتهم بلا مضايقات ولا تشويه كاذب متعمد للدين فلا مكان ولا مبرر للحروب في الإسلام.
ونرجو أن نكون قد قدمنا للقارئ الكريم بهذا المقال تصورا جامعا لآيات القتال في كتاب الله تعالى بلا تعسف ولا جور وإنما من خلال عرض الآيات في سياقها ومناسبتها, ونترك للقارئ الحكم على الرأي الوارد فيه.وأختم مقالي بالسلام من أحد أتباع دين السلام .... الإسلام. السلام عليكم ورحمة الله.
عمرو الشاعر
06-30-2008, 10:46 AM
قد يقول قائل: ربما معك حق فيما تقول, ولكن ماذا تقول في الحديث الذي جاء عن النبي محمد والذي يقول فيه:
( أمرت أن أقاتل الناس ، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام ، وحسابهم على الله تعالى ) والذي رواه البخاري و مسلم, وهو حديث صريح في الغاية من القتال وينسف ما تقول, أم أنك سترده؟
نقول: لا, الحديث صحيح ونحن نقر به, وأنا أعجب صراحة ممن يردون هذا الحديث ويرون أنه مخالف للقرآن! على الرغم من أن الحديث تابع للقرآن فيما يقول, تابع له في الصياغة, مؤول للوارد في أحكام الكتاب. ولكن الحديث يثبت ما قلناه عند تناولنا لسورة التوبة ولا نرى فيه على الإطلاق أي إشكال لنا. وحتى لا يعتقد المدعي أن له حق فيما يقول, نناقش هذا الحديث ليعلم الرادون له والطاعنون به أنهما كليهما ما أحسنوا صنعا:
يبدأ الحديث بقوله (صلى الله عليه وسلم): "أمرت أن أقاتل الناس." وسبب اللبس في هذا الحديث هو قول المصطفى "الناس" ولن نبدأ حديثنا بالكلام على الناس وإنما سنبدأه بأول كلمة وردت في الحديث, وهي قول النبي الأعظم "أُمرت" والتي يغفل عنها الكثيرون. لذا فمن حقنا أن نسأل: أين أمر الرسول الكريم بقتال الناس؟ بداهة ورد هذا الأمر في القرآن. فإذا نحن فتشنا القرآن بحثا عن هذا الأمر وجدناه مباشرة في سورة التوبة, حيث يقول الله تعالى فيها:
" بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ"
ففي هذه الآيات أمر الله تعالى النبي بالقتال, وأعتقد أنه لا يختلف معي أحد في هذه النقطة, إلا أن يدعي أحدهم أن الأمر جاء في غير القرآن ولا حجة في هذا! إذا فالنبي يقول أنه مأمور من الله تعالى في سورة التوبة بقتال الناس. وهنا نتوقف لنسأل: هل المراد من "الناس" في حديث المصطفى هو عامة الناس أم هم الناس المذكورون في الآيات الكريمات؟
المشاهد والمعروف أن النبي الكريم كان قرآنا يمشي على الأرض وكان يتأول القرآن في كلامه. فإذا نحن نظرنا في هذه الآيات المذكورات وجدنا أنها قالت:
" وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ" فالناس في هذه الآية كما هو معلوم المشركين والكافرين الموجودين في عصر النبي الكريم, نعم قد يدخل باقي الناس تباعا بإعلام المسلمين لهم بما في القرآن, ولكن هذا الخطاب عندما وجه في أول مرة في العام التاسع من الهجرة كان موجها إلى الكفار والمشركين, وهؤلاء هم الناس المقصودون في حديث الرسول.
فالناس المعنيون في الحديث هم كفار ومشركي العرب الذين نقضوا عهدهم وكرروا عدوانهم على المسلمين, أما القول أنه قد تستعمل كلمة "الناس" ولا يراد بها البشرية, وإنما يراد بها أقوام محدودة فليس بغريب, وهو وارد في كتاب الله تعالى, ومن ذلك قوله تعالى: " الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران : 173] فالمؤمنون يخبرهم بعض الجيران أن الكفار جمعوا عدتهم ويخططون للكر مرة أخرى فلم يأبه المسلمون وتوكلوا على الله! فهنا استعمل الناس مرة والمراد بها قريش, ومرة والمراد بها جيران المسلمين. وفي كلتا المرتين لا يمكن أن يكون المراد بها كل الناس. وعندما أراد الله مخاطبة كل الناس قال:
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف : 158]
فلو كان المراد من الناس كل البشرية لما كان هناك حاجة إلى "جميعا" ولكن لما كان الأصل أن يكون الناس قوم ما, فاحتيج إلى تعريف بالشمولية فأُتي ب "جميعا" حتى يعرف عموم وشمولية الرسالة لكل الناس.
إذا فلا حرج من استعمال الناس مشارا بها على قوم مخصوصون, بل هذا هو الأصل, فإذا أريد التعميم وجب استعمال ما يؤكد ذلك كما في سورة الأعراف. إذا فلقد أُمر الرسول بقتال هؤلاء المعتدين ورد عدوانهم, فإن شهدوا أن لا إله إلا الله (تبعا للتعبير القرآني: تابوا) وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة –كما في القرآن والحديث- عصموا دمائهم (تبعا للتعبير القرآني: خلوا سبيلهم) ولنا الظاهر, وحسابهم على الله كما قال المصطفى. إذا فالحديث لم يزد على ما في القرآن قدر أنملة, فلا مبرر لرده ولا مبرر لتوسيعه فيدعى أن المراد منه هو محاربة كل الناس, لأنه بهذا يخالف قول الله تعالى "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا" وبهذا يكون المسلمون قد قاتلوا من لم يقاتلوهم واعتدوا! ومعاذ الله أن يخالف الرسول أمر ربه.
إذا فليس في الحديث أي دلالة لما يريدون جره إليه, وإنما هو تابع للقرآن سائر على هداه. ونكتفي بهذا الحديث فهو عمدتهم فيما يقولون به, أما ما يستدلون به من فعل المسلمين –وعلى الرغم من أنهم يزورون فيه ويدلسون- فليس فعل أي أحد بحجة على الإسلام, وإنما القرآن وما تبعه من السنة هو الدين, وما عدا ذلك فليس يعنينا بشيء.
إذا وكما رأينا فالحديث عون لنا فيما نقول, مؤكد لما أثبتناه سابقا, غفر الله لنا ولكم الزلل والسلام عليكم ورحمة الله.
.............
النسخة الماسية الإصدار vBulletin 3.6.8
nabdh-alm3ani.net bdr130.net