عمرو الشاعر
10-29-2011, 09:35 AM
الحجّ الإبراهيمي والحجّ الجاهلي
لآلِ رَسُولِ الله بِالخَيْفِ مِنْ مِني *** وَبِالرُّكْنِ وَالتَّعْريفِ وَالْجَمَراتِ
دِيارُ عليّ والحُسَيْنِ وَ جَعْفَر *** وَحَمْزَةَ وَالسَّجاد ذِي الثّفناتِ
وَسِبْطَيْ رَسُولِ اللهِ وَابْنَي وَصِيّهِ *** وَوَارِثِ عِلْمِ اللهِ وَالْحَسَناتِ
دعبل بن علي الخزاعي
المقدمة :
إنّ أُصول الحج الإبراهيمي : هي تلك التي شرّعها الدين المبين ، ومن الصعب الوصول عبر النصوص والوثائق الباقية باستثناء القرآن الكريم إلى شيء يمكنه رسم حقيقة تلك الأصول . ولكن في ضوء تعدد التفاسير، التي تقدمها المذاهب الاسلامية حول أداء الحجّ وفق نهج إبراهيم الخليل(عليه السلام)، وكما يدعو إليه الدين المبين ، وبالتحديد ما يتعلّق بالنواحي السياسية والاجتماعية والتولّي والتبرّي ، نجد من المناسب البحث فيما وصل إلينا عن شعائر الحج الابراهيمي ومناسكه ، خصوصاً وأنّ هذه التفاسير لم تكن بمنأى عن التأثر بتقادم الأزمنة وهيمنة الأمويين والعباسيين ، والأجواء السياسية والاجتماعية التي ترتبت على سلطة كلّ منهما، علاوة على انحياز بعض العلماء والفقهاء الذين عدوّا أنفسهم مرتبطين بجهاز الحكم إبّان العهدين الاموي والعباسي.
إنّ ما يمكنه تفصيل الحجّ الابراهيمي ، ونفخ الروح والمحتوى فيه ، هو المضامين والمناسك ، التي يجب دائماً التمسك بها واللجوء إليها، وبالحضور الديني بالحج تحقيق صدور رؤية إبراهيم الخليل(عليه السلام) ومحمّد الحبيب(صلى الله عليه وآله) . وإلاّ فانّ التمسك الظاهري في إقامة المراسم والمواسم يذكّر بالحجّ السهل الذي ادّاه أبوسفيان أيضاً. لأنّ الحجّ بالمعنى العامّ لا يختصّ به الاسلام ، إنّ ما أمر به الاسلام وأصرّ عليه ، هو الحجّ الابراهيمي من بين الحجّ الجاهلي والحجّ الحنيفي والحجّ الصابئي.
حجّ إبراهيم(عليه السلام) :
آ«والشائع في الأخبار والروايات والعربية القديمة أنّ الحجّ ، على زمن إبراهيم(عليه السلام)، كان يعنى قَصْد كعبة مكّة والطَّواف بالبيت والتلبية وقضاء بقية المناسك ، ثم جاءت الوثنية بأصنامها وبيوتها وعباداتها فصار الحجُّ يشملها أيضاً1.
(وَإذْ بَوّأْنَا لإبْرَاهيِمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَ تُشْرِكْ بي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتي لِلْطَّآئِفينَ وَالْقائِمينَ والرُّكَّعِ السُجُودِ * وَأَذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَ عَلى كُلِّ ضَامِر يأْتيِنَ مِنْ كُلِّ فَجّ عَميق)2
آ«أنّ إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام) هما اللّذان بنيا الكعبة بيت عبادة لله، وأنّ حرمة الكعبة ومنطقة مكّة وتقاليد الحجّ وطقوسه المتنوعة في هذه المنطقة من سنن إبراهيمآ»3.
وقد أخذ الاقوام الآخرون ـ الذين عاشوا بألف سنة قبل ميلاد المسيح(عليه السلام) ـ بهذه السُّنة ; فكانوا يراعون حرمة مكة والحرم.
يخمّن خبراء الكتاب المقدّس (العهد القديم والجديد) والمتخصّصون في الأديان ، أنّ إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام) عاشا نحو ألفي عام قبل الميلاد ، وبذلك يكون قد مضى نحو40 قرناً على الظهور الحديث للكعبة بالبناء الإبراهيمي.
وعندما تحدّث ديو دورس سيسيلي Diodorus Of Sicily الذي عاش في القرن الأول قبل الميلاد ، عن الأنْبَاط ، أشار إلى الكعبة بقوله : آ«إنّه مكان مقدّس له حرمة وشهرة بين جميع العرب ، هو مكّةآ»4.
يعتقد بعض الباحثين ، أنّ مفردة آ«مَكُورابا(Macoraba)آ» والتي تلفظ في اليونانية آ«مقوروباآ» والتي أراد بها اليونانيون اسم مدينة ، وتعني مكان التقرّب لله ، تعني مكة . معلوم أنّ كلمة آ«مَكْرُبآ» هي مفردة دينية قديمة استعملت قبل ألف عام من تأسيس حكومة السبأ.
وقد أشار بَطْلَميوس (ptolemy) الفلكي والجغرافي الذي عاش في القرن الثاني للميلاد إلى هذه المفردة5.
على هذا الأساس يمكن القول : إنّ مفردة آ«مكةآ» تمثّل صفةً ونعتاً لبيت الله ولا تعني اسماً خاصاً. لكنّها أثر الاستعمال والشهرة حلّت مكان الاسم ، مثل القدس إذ حلّت الصفة محلّ اسم العلم . وكلمة آ«بكّةآ» تعادل آ«مكّةآ» ، فحسب رأي الدكتور جواد علي أنّ الكلمتين تملثان تسميةً واحدةً ، ففي لهجات القبائل تأتي الباء بدل الميم بالقلب والابدال ، وبخاصّة في لهجات جنوب الجزيرة العربية6.
يرى بعض المحققين أنّ مفردة آ«بكّةآ» تعني الوادي.
(إنّ أوّل بيت وضع للناس للذي ببكّة مباركاً وهُدًى للعالمين ).
جاء في القاموس : آ«بكّةُآ» تقال لمكّة ، أو لما بين جبليها ; نرى أنّ مفردة آ«بَكْآ» سامية قديمة ، وكلمة آ«بُقعاهآ» عبرية، وتعني الوادي، وقد أُطلقت على الوادي الواقع بين لبنان الساحلي ولبنان الشرقي، والذي أسماه الروم سورية المنخفضة.
آ«وإنّ مدينة بعلبك مشهورة ، وهي من الكلمات المركبة تركيباً مزجياً من آ«بعلآ»]إله قديم [و آ«بكآ» ]الوادي[ ومعنى بعلبك إله الواديآ»7: وهو نفس الاسم الذي أُطلق على هذه المدينة تيمّناً بـآلهة الساميين المعروفة، ويُطلق اليوم على هذا الوادي اسم البقاع ، والذي يمرّ نهر الليطاني عبره.
أطلق القرآن الكريم على مكّة اسم آ« اُمّ القرى آ» 8 وآ«قرية آ» 9، قارنها بالطائف : (وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظيم )10
وقد ذكر أغلب المفسرين أنّ المراد من القريتين هما مكّة والطائف11.
وقال المسعودي في مروج الذهب : آ« وقد كان إبراهيم قدم إلى مكّة ولإسماعيل ثلاثون سنة حين أمره ببناء البيت آ»12.
إنّ ما يسترعي الاهتمام من الناحية التاريخية ، هو ما نقله مينغانا (Mingana)عن راهب سرياني يدعى نَرْسَيْ (Narsai)بشأن نزاع أولاد هاجر في (بيت عربايه) في الحدود الشاميه ، وهذا الخبر يمثل أوّل نقل عن شخص من أهل الكتاب ( تُوفّي في سنة 485 للميلاد) أفاد فيه بوجود قريش في شمال الجزيرة ، وهو يتطابق مع ما أورده النّسابون واْلأَخباريون العرب ، في إرجاع نسب قريش إلى إسماعيل(عليه السلام)13.
جاء في الآيات (150 ـ 140) من سورة البقرة المباركة والتي استنكرت دسائس اليهود بين المسلمين بشأن تغيير القبلة من القدس إلى الكعبة ، قوله تعالى : (وإنّ الذين أُتوا الكتاب ليعلمون أنّه الحقّ من ربّهم وما الله بغافل عمّا يعملون )14
وفيه إشارة قبل كلّ شيء إلى علم اليهود بأفضلية الكعبة وأقدميتها، كقبلة ، ممّا يعني أنّهم كانوا يقرون قبل ظهور الاسلام بفضائلها وسوابقها واتصالها بابراهيم(عليه السلام) وقد حدّثوا العرب بذلك.
لم يسجّل التاريخ ما يقود إلى اليقين في الحجّ الابراهيمي الصحيح غير ما علّمه القرآن الكريم.
والحجّ الحنيفي الذي يدّعي محاكاة حجّ ابراهيم(عليه السلام) فعلاوة على أنّه جُعل ليقابل حجّ المشركين وعُمل به في أجواء الشرك الجاهلي ، فهو غير واضح ، كما أنّ شبهة الشرك تكتنفه في بعض الحالات.
في عقيدتنا أنّ الحجّ الابراهيمي هو حجّ الاسلام ، إلاّ أنّ قيمة هذا الحجّ ومكانته تُدرَك عندما نتعرّف على الحجّ الجاهلي وحجّ المشركين ، ونجري مقارنة بينهما، كي لا تتحرك ـ والعياذ بالله ـ تلك الرواسب الباقية في أذهان المسلمين ، وتطرح مقابل الحجّ الابراهيمي الذي أمر به القائد الكبير للثورة ومؤسّس الجمهورية الاسلامية في إيران سماحة الامام الخميني قدّسنا الله بسره العزيز وأُقيم للمرة اْلأوُلى في هذا العصر.
لم يتّفق المؤرّخون السابقون على رأي واحد بشأن دخول الشرك وانتشاره في الجزيرة العربية ، فبعضهم مثل هشام الكلبي رأى في كتاب آ«الأصنام آ» :
آ« أنّ إسماعيل بن إبراهيم (صلّى اللهُ عليهما) لما سكن مكة وولد له بها أولاد كثيرةٌ حتى ملأوا مكة ونفوا من كان بها من العماليق ، ضاقت عليهم مكة ووقعت بينهم الحروب والعداوات وأخرج بعضهُم بعضاً، فتفسَّحوا في البلاد لالتماس المعاش.
وكان الذي سَلَخ بهم إلى عبادة الأوثان والحجارة أنّه كان لا يظعنُ من مكة ظاعنٌ إلاّ احتمل معه حَجَراً من حجارة الحرم ، تعظيماً للحرم وصبابةً لمكّة آ»15.
وقد أدّى هذا العمل على المدى الطويل إلى نشوء صناعة الأصنام ، وعبادتها وبالتالي ساد الشرك الجزيرة.
وكانوا في ديار الغربة يدورون حول هذه الأصنام ، ويطوفون حولها كما يطوفون حول الكعبة . إلاّ أنّ هشام يضيف قائلاً : آ«وهم بعدُ يعظمون الكعبة ومكّة ، ويحجّون ويعتمرون ، على إرث إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام)آ»16.
وفي الأسباب الكامنة وراء الميل نحو الشرك وتغلّبه على دين إبراهيم ، رأى هشام أنّها تتمثّل في توغّلهم واهتمامهم الشديد بالأصنام ، موضّحاً أنّه رغم كلّ ذلك كانت ثمّة بقايا مناسك من عهد إبراهيم و إسماعيل(عليهما السلام) قام أهل الجاهلية بأدائها بعد أن مزجوها بتقاليد الشرك ، فبدأ الحجّ الجاهلي بمعناه الدقيق من ذلك الحين :
آ«وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام) يتنسّكون بها : من تعظيم البيت ، والطواف به ، والحجّ ، والعمرة ، والوقوف على عرفة ومزدلفة ، وإهداء البُدن ، والإهلال بالحجّ والعمرة ، مع إدخالهم فيه ما ليس منه آ»17.
لآلِ رَسُولِ الله بِالخَيْفِ مِنْ مِني *** وَبِالرُّكْنِ وَالتَّعْريفِ وَالْجَمَراتِ
دِيارُ عليّ والحُسَيْنِ وَ جَعْفَر *** وَحَمْزَةَ وَالسَّجاد ذِي الثّفناتِ
وَسِبْطَيْ رَسُولِ اللهِ وَابْنَي وَصِيّهِ *** وَوَارِثِ عِلْمِ اللهِ وَالْحَسَناتِ
دعبل بن علي الخزاعي
المقدمة :
إنّ أُصول الحج الإبراهيمي : هي تلك التي شرّعها الدين المبين ، ومن الصعب الوصول عبر النصوص والوثائق الباقية باستثناء القرآن الكريم إلى شيء يمكنه رسم حقيقة تلك الأصول . ولكن في ضوء تعدد التفاسير، التي تقدمها المذاهب الاسلامية حول أداء الحجّ وفق نهج إبراهيم الخليل(عليه السلام)، وكما يدعو إليه الدين المبين ، وبالتحديد ما يتعلّق بالنواحي السياسية والاجتماعية والتولّي والتبرّي ، نجد من المناسب البحث فيما وصل إلينا عن شعائر الحج الابراهيمي ومناسكه ، خصوصاً وأنّ هذه التفاسير لم تكن بمنأى عن التأثر بتقادم الأزمنة وهيمنة الأمويين والعباسيين ، والأجواء السياسية والاجتماعية التي ترتبت على سلطة كلّ منهما، علاوة على انحياز بعض العلماء والفقهاء الذين عدوّا أنفسهم مرتبطين بجهاز الحكم إبّان العهدين الاموي والعباسي.
إنّ ما يمكنه تفصيل الحجّ الابراهيمي ، ونفخ الروح والمحتوى فيه ، هو المضامين والمناسك ، التي يجب دائماً التمسك بها واللجوء إليها، وبالحضور الديني بالحج تحقيق صدور رؤية إبراهيم الخليل(عليه السلام) ومحمّد الحبيب(صلى الله عليه وآله) . وإلاّ فانّ التمسك الظاهري في إقامة المراسم والمواسم يذكّر بالحجّ السهل الذي ادّاه أبوسفيان أيضاً. لأنّ الحجّ بالمعنى العامّ لا يختصّ به الاسلام ، إنّ ما أمر به الاسلام وأصرّ عليه ، هو الحجّ الابراهيمي من بين الحجّ الجاهلي والحجّ الحنيفي والحجّ الصابئي.
حجّ إبراهيم(عليه السلام) :
آ«والشائع في الأخبار والروايات والعربية القديمة أنّ الحجّ ، على زمن إبراهيم(عليه السلام)، كان يعنى قَصْد كعبة مكّة والطَّواف بالبيت والتلبية وقضاء بقية المناسك ، ثم جاءت الوثنية بأصنامها وبيوتها وعباداتها فصار الحجُّ يشملها أيضاً1.
(وَإذْ بَوّأْنَا لإبْرَاهيِمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَ تُشْرِكْ بي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتي لِلْطَّآئِفينَ وَالْقائِمينَ والرُّكَّعِ السُجُودِ * وَأَذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَ عَلى كُلِّ ضَامِر يأْتيِنَ مِنْ كُلِّ فَجّ عَميق)2
آ«أنّ إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام) هما اللّذان بنيا الكعبة بيت عبادة لله، وأنّ حرمة الكعبة ومنطقة مكّة وتقاليد الحجّ وطقوسه المتنوعة في هذه المنطقة من سنن إبراهيمآ»3.
وقد أخذ الاقوام الآخرون ـ الذين عاشوا بألف سنة قبل ميلاد المسيح(عليه السلام) ـ بهذه السُّنة ; فكانوا يراعون حرمة مكة والحرم.
يخمّن خبراء الكتاب المقدّس (العهد القديم والجديد) والمتخصّصون في الأديان ، أنّ إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام) عاشا نحو ألفي عام قبل الميلاد ، وبذلك يكون قد مضى نحو40 قرناً على الظهور الحديث للكعبة بالبناء الإبراهيمي.
وعندما تحدّث ديو دورس سيسيلي Diodorus Of Sicily الذي عاش في القرن الأول قبل الميلاد ، عن الأنْبَاط ، أشار إلى الكعبة بقوله : آ«إنّه مكان مقدّس له حرمة وشهرة بين جميع العرب ، هو مكّةآ»4.
يعتقد بعض الباحثين ، أنّ مفردة آ«مَكُورابا(Macoraba)آ» والتي تلفظ في اليونانية آ«مقوروباآ» والتي أراد بها اليونانيون اسم مدينة ، وتعني مكان التقرّب لله ، تعني مكة . معلوم أنّ كلمة آ«مَكْرُبآ» هي مفردة دينية قديمة استعملت قبل ألف عام من تأسيس حكومة السبأ.
وقد أشار بَطْلَميوس (ptolemy) الفلكي والجغرافي الذي عاش في القرن الثاني للميلاد إلى هذه المفردة5.
على هذا الأساس يمكن القول : إنّ مفردة آ«مكةآ» تمثّل صفةً ونعتاً لبيت الله ولا تعني اسماً خاصاً. لكنّها أثر الاستعمال والشهرة حلّت مكان الاسم ، مثل القدس إذ حلّت الصفة محلّ اسم العلم . وكلمة آ«بكّةآ» تعادل آ«مكّةآ» ، فحسب رأي الدكتور جواد علي أنّ الكلمتين تملثان تسميةً واحدةً ، ففي لهجات القبائل تأتي الباء بدل الميم بالقلب والابدال ، وبخاصّة في لهجات جنوب الجزيرة العربية6.
يرى بعض المحققين أنّ مفردة آ«بكّةآ» تعني الوادي.
(إنّ أوّل بيت وضع للناس للذي ببكّة مباركاً وهُدًى للعالمين ).
جاء في القاموس : آ«بكّةُآ» تقال لمكّة ، أو لما بين جبليها ; نرى أنّ مفردة آ«بَكْآ» سامية قديمة ، وكلمة آ«بُقعاهآ» عبرية، وتعني الوادي، وقد أُطلقت على الوادي الواقع بين لبنان الساحلي ولبنان الشرقي، والذي أسماه الروم سورية المنخفضة.
آ«وإنّ مدينة بعلبك مشهورة ، وهي من الكلمات المركبة تركيباً مزجياً من آ«بعلآ»]إله قديم [و آ«بكآ» ]الوادي[ ومعنى بعلبك إله الواديآ»7: وهو نفس الاسم الذي أُطلق على هذه المدينة تيمّناً بـآلهة الساميين المعروفة، ويُطلق اليوم على هذا الوادي اسم البقاع ، والذي يمرّ نهر الليطاني عبره.
أطلق القرآن الكريم على مكّة اسم آ« اُمّ القرى آ» 8 وآ«قرية آ» 9، قارنها بالطائف : (وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظيم )10
وقد ذكر أغلب المفسرين أنّ المراد من القريتين هما مكّة والطائف11.
وقال المسعودي في مروج الذهب : آ« وقد كان إبراهيم قدم إلى مكّة ولإسماعيل ثلاثون سنة حين أمره ببناء البيت آ»12.
إنّ ما يسترعي الاهتمام من الناحية التاريخية ، هو ما نقله مينغانا (Mingana)عن راهب سرياني يدعى نَرْسَيْ (Narsai)بشأن نزاع أولاد هاجر في (بيت عربايه) في الحدود الشاميه ، وهذا الخبر يمثل أوّل نقل عن شخص من أهل الكتاب ( تُوفّي في سنة 485 للميلاد) أفاد فيه بوجود قريش في شمال الجزيرة ، وهو يتطابق مع ما أورده النّسابون واْلأَخباريون العرب ، في إرجاع نسب قريش إلى إسماعيل(عليه السلام)13.
جاء في الآيات (150 ـ 140) من سورة البقرة المباركة والتي استنكرت دسائس اليهود بين المسلمين بشأن تغيير القبلة من القدس إلى الكعبة ، قوله تعالى : (وإنّ الذين أُتوا الكتاب ليعلمون أنّه الحقّ من ربّهم وما الله بغافل عمّا يعملون )14
وفيه إشارة قبل كلّ شيء إلى علم اليهود بأفضلية الكعبة وأقدميتها، كقبلة ، ممّا يعني أنّهم كانوا يقرون قبل ظهور الاسلام بفضائلها وسوابقها واتصالها بابراهيم(عليه السلام) وقد حدّثوا العرب بذلك.
لم يسجّل التاريخ ما يقود إلى اليقين في الحجّ الابراهيمي الصحيح غير ما علّمه القرآن الكريم.
والحجّ الحنيفي الذي يدّعي محاكاة حجّ ابراهيم(عليه السلام) فعلاوة على أنّه جُعل ليقابل حجّ المشركين وعُمل به في أجواء الشرك الجاهلي ، فهو غير واضح ، كما أنّ شبهة الشرك تكتنفه في بعض الحالات.
في عقيدتنا أنّ الحجّ الابراهيمي هو حجّ الاسلام ، إلاّ أنّ قيمة هذا الحجّ ومكانته تُدرَك عندما نتعرّف على الحجّ الجاهلي وحجّ المشركين ، ونجري مقارنة بينهما، كي لا تتحرك ـ والعياذ بالله ـ تلك الرواسب الباقية في أذهان المسلمين ، وتطرح مقابل الحجّ الابراهيمي الذي أمر به القائد الكبير للثورة ومؤسّس الجمهورية الاسلامية في إيران سماحة الامام الخميني قدّسنا الله بسره العزيز وأُقيم للمرة اْلأوُلى في هذا العصر.
لم يتّفق المؤرّخون السابقون على رأي واحد بشأن دخول الشرك وانتشاره في الجزيرة العربية ، فبعضهم مثل هشام الكلبي رأى في كتاب آ«الأصنام آ» :
آ« أنّ إسماعيل بن إبراهيم (صلّى اللهُ عليهما) لما سكن مكة وولد له بها أولاد كثيرةٌ حتى ملأوا مكة ونفوا من كان بها من العماليق ، ضاقت عليهم مكة ووقعت بينهم الحروب والعداوات وأخرج بعضهُم بعضاً، فتفسَّحوا في البلاد لالتماس المعاش.
وكان الذي سَلَخ بهم إلى عبادة الأوثان والحجارة أنّه كان لا يظعنُ من مكة ظاعنٌ إلاّ احتمل معه حَجَراً من حجارة الحرم ، تعظيماً للحرم وصبابةً لمكّة آ»15.
وقد أدّى هذا العمل على المدى الطويل إلى نشوء صناعة الأصنام ، وعبادتها وبالتالي ساد الشرك الجزيرة.
وكانوا في ديار الغربة يدورون حول هذه الأصنام ، ويطوفون حولها كما يطوفون حول الكعبة . إلاّ أنّ هشام يضيف قائلاً : آ«وهم بعدُ يعظمون الكعبة ومكّة ، ويحجّون ويعتمرون ، على إرث إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام)آ»16.
وفي الأسباب الكامنة وراء الميل نحو الشرك وتغلّبه على دين إبراهيم ، رأى هشام أنّها تتمثّل في توغّلهم واهتمامهم الشديد بالأصنام ، موضّحاً أنّه رغم كلّ ذلك كانت ثمّة بقايا مناسك من عهد إبراهيم و إسماعيل(عليهما السلام) قام أهل الجاهلية بأدائها بعد أن مزجوها بتقاليد الشرك ، فبدأ الحجّ الجاهلي بمعناه الدقيق من ذلك الحين :
آ«وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام) يتنسّكون بها : من تعظيم البيت ، والطواف به ، والحجّ ، والعمرة ، والوقوف على عرفة ومزدلفة ، وإهداء البُدن ، والإهلال بالحجّ والعمرة ، مع إدخالهم فيه ما ليس منه آ»17.