عمرو الشاعر
11-09-2011, 02:41 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين الخلاق العليم, وسلام على المبعوث رحمة للعالمين, ثم أما بعد:
نتوقف اليوم بإذن الله وعونه لنعرض لفريضة الحج, تلك الفريضة التي غالباً ما يُرمى الإسلام بالوثنية بسببها, بحجة أنها عبادة لا تختلف عن العبادات الوثنية من حيث أنها طواف حول أحجار ورمي لحجر بأحجار!
لذا نعرض لآيات الحج في القرآن لنبصر كيف هو الحج القرآني, وهل هو أعمال وثنية؟! ولنبين أن المسلمين غفلوا عن التصور القرآني الذي قدمه للحج ومن ثم حاولوا أن يقدموا تبريرات عقلية له من عند أنفسهم ليعللوا الحكمة من هذه العبادات بهذا الشكل.
الناظر في تصور المسلمين للحج يجد أنه قصد بيت الله لأداء بعض الأعمال التعبدية من دوران حول الكعبة وسعي بين الصفا والمروة ووقوف بعرفة ورمي للجمار وذبح للأضاحي ومبيت بمنى, فإذا فعل الإنسان هذا بترتيب محدد فقد أدى الحج بشكل صحيح, ومن ثم أصبحنا نسمع عما يُسمى بالحج السريع, الذي لا يستغرق إلا أياماً معدودات, يحصل بعدها المسلم على لقب: حاج!
فهل هذا هو الحج القرآني؟
إذا نظرنا في سورة الحج وجدنا الرب العليم يقول:
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)
فالناس تأتي الحج أولاً لتشهد منافع لها, وهي منافع دنيوية بالدرجة الأولى, ولقد قال المفسرون أنها منافع دنيوية ودينية!
إلا أنهم عند تفسيرهم لها جعلوها منافع لأهل مكة!!! فقيل:
"فمن المنافع الدنيوية التي يلمسها الناس البيع والشراء، ومكاسب أصحاب الحرف التي تتعلق بالحجاج والحركة المستمرة في وسائل النقل المختلفة، وفائدة الفقراء مما يدفع لهم من صدقات أو يقدم من ذبائح الهدي والضحايا والكفارات عن كل محظور يرتكبه المحرم، وتسويق البضائع والأنعام إلى غير ذلك
مما يلمسه كل مسلم يشارك في الحج" اهـ
ومعنى كلامهم أن الله أتى بالناس من كل فج عميق لينفعوا أهل مكة! ويشهدوا بأعينهم كيف ينفعوا أهل مكة!!! والله تعالى لم يقل هذا, وإنما قال: "ليشهدوا منافع لهم" أي أنها منافع للحاجين أنفسهم بالدرجة الأولى! وهذا التوجيه للمنافع راجع إلى تصورهم الحج على أنه مجموعة أعمال تعبدية حصراً.
أما الذي يظهر لنا من القرآن أن الحج هو قصد بيت الله الحرام بغرض التجارة والعبادة, فالحاج يسافر إلى مكة ليتاجر ويذكر اسم الله في أيام معدودات, ومن الممكن أن يعكف كذلك هناك على عبادة الله: "... وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج : 25]".
(ولقد بيّنا سابقاً في موضوع: كفر أهل الكتاب بالبيت, أن الجزء التعبدي من الحج هو لذكر الله وشكره على أكبر نعمه علينا وهي نعمة: الأنعام)
ولهذا من الممكن أن يعتمر المسلم في أشهر الحج ثم يظل في مكة متمتعا/ منتفعا متاجراً إلى الحج, وفي هذه الحالة فعليه هدي من الأنعام:
".... فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [البقرة : 196]"
فشهور الحج هي موسم تجاري كبير يستمر ثلاثة أشهر, من الممكن أن يتاجر فيها المرء حتى تبدأ الأيام المعدودات المعلومات التي يُذكر فيها اسم الله والتي تبدأ بالذهاب إلى عرفات:
" لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)"
فإذا بدأت هذه الأيام انقطعت التجارة وتفرغ الناس لذكر الله ولشكره على بهيمة الأنعام.
(وحديث القرآنيين عن أنه من الممكن للإنسان أن يؤدي أعمال الحج التعبدية في أي أيام في أشهر الحج هو كلام لا وزن له, فابتغاء الفضل هو المتاح طيلة هذه الشهور, أما الذكر والجانب التعبدي فلا يؤدى إلا في هذه الأيام المعلومة)
ويؤكد هذا قوله سبحانه:
جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المائدة : 97]
فالكعبة قياماً للناس, ولم يجعل الله للناس في القرآن قياماً إلا بالكعبة والأموال:
وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً [النساء : 5]
ويختلف موسم الحج عن غيره من المواسم التجارية أنه موسم صدق, فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج:
"الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)"
فالمعاملات التجارية في هذه الشهور تتميز بالصراحة والشفافية لكونها عند بيت الله تعالى.
ولا يعني قولنا أن النفع للحاجين أن أهل مكة لا ينتفعون, فكون هذه السوق الكبيرة تُعقد على أراضيهم, والناس يأتون إليها من كل مكان ببضائعهم فيها نفع كبير لهم, فهم يشترون منهم ويبيعون لهم, ناهيك عن مزية أن البضائع تأتي إليهم ولا يسافرون هم إليها:
" وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [القصص : 57]"
وهذا تأويل دعاء الخليل إبراهيم في سابق الزمان قد جعله الله حقاً:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [البقرة : 126]
وقد نُهي المسلمون عن استحلال من يقصدون البيت الحرام للتجارة وللذكر:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة : 2]
(لاحظ أن ابتغاء الفضل قبل الرضوان, كما كانت المنافع قبل الذكر)
فعليهم ألا يستبيحوا أو يستحلوا شعائر الله مثل البدن والصفا والمروة والمزدلفة أو الشهر أو الهدي وهي الأنعام التي ستُذبح عند البيت بعد التمتع بالعمرة إلى الحج, وكذلك لا يستحلون القلائد والتي قيل أنها الأنعام المقلدة التي يقلدها أصحابها - أي يضعون في رقبتها قلادة - علامة على نذرها لله; ويطلقونها ترعى حتى تنحر في موعد النذر ومكانه, ومن الممكن أن تكون –والله أعلم- هي الأنعام المعدة للبيع عن البيت الحرام.
وبهذا نفهم كيف يكون إنسان عند بيت الله الحرام ويدعوه طالباً الدنيا فقط:
"... فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠)"
فهذا أتى بالدرجة الأولى طالباً الدنيا للتجارة, وحتى وهو في أيام ذكر الله المعدودات فكل همه الدنيا فيدعو لمزيد من الربح وينسى آخرته!!
الحمد لله رب العالمين الخلاق العليم, وسلام على المبعوث رحمة للعالمين, ثم أما بعد:
نتوقف اليوم بإذن الله وعونه لنعرض لفريضة الحج, تلك الفريضة التي غالباً ما يُرمى الإسلام بالوثنية بسببها, بحجة أنها عبادة لا تختلف عن العبادات الوثنية من حيث أنها طواف حول أحجار ورمي لحجر بأحجار!
لذا نعرض لآيات الحج في القرآن لنبصر كيف هو الحج القرآني, وهل هو أعمال وثنية؟! ولنبين أن المسلمين غفلوا عن التصور القرآني الذي قدمه للحج ومن ثم حاولوا أن يقدموا تبريرات عقلية له من عند أنفسهم ليعللوا الحكمة من هذه العبادات بهذا الشكل.
الناظر في تصور المسلمين للحج يجد أنه قصد بيت الله لأداء بعض الأعمال التعبدية من دوران حول الكعبة وسعي بين الصفا والمروة ووقوف بعرفة ورمي للجمار وذبح للأضاحي ومبيت بمنى, فإذا فعل الإنسان هذا بترتيب محدد فقد أدى الحج بشكل صحيح, ومن ثم أصبحنا نسمع عما يُسمى بالحج السريع, الذي لا يستغرق إلا أياماً معدودات, يحصل بعدها المسلم على لقب: حاج!
فهل هذا هو الحج القرآني؟
إذا نظرنا في سورة الحج وجدنا الرب العليم يقول:
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)
فالناس تأتي الحج أولاً لتشهد منافع لها, وهي منافع دنيوية بالدرجة الأولى, ولقد قال المفسرون أنها منافع دنيوية ودينية!
إلا أنهم عند تفسيرهم لها جعلوها منافع لأهل مكة!!! فقيل:
"فمن المنافع الدنيوية التي يلمسها الناس البيع والشراء، ومكاسب أصحاب الحرف التي تتعلق بالحجاج والحركة المستمرة في وسائل النقل المختلفة، وفائدة الفقراء مما يدفع لهم من صدقات أو يقدم من ذبائح الهدي والضحايا والكفارات عن كل محظور يرتكبه المحرم، وتسويق البضائع والأنعام إلى غير ذلك
مما يلمسه كل مسلم يشارك في الحج" اهـ
ومعنى كلامهم أن الله أتى بالناس من كل فج عميق لينفعوا أهل مكة! ويشهدوا بأعينهم كيف ينفعوا أهل مكة!!! والله تعالى لم يقل هذا, وإنما قال: "ليشهدوا منافع لهم" أي أنها منافع للحاجين أنفسهم بالدرجة الأولى! وهذا التوجيه للمنافع راجع إلى تصورهم الحج على أنه مجموعة أعمال تعبدية حصراً.
أما الذي يظهر لنا من القرآن أن الحج هو قصد بيت الله الحرام بغرض التجارة والعبادة, فالحاج يسافر إلى مكة ليتاجر ويذكر اسم الله في أيام معدودات, ومن الممكن أن يعكف كذلك هناك على عبادة الله: "... وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج : 25]".
(ولقد بيّنا سابقاً في موضوع: كفر أهل الكتاب بالبيت, أن الجزء التعبدي من الحج هو لذكر الله وشكره على أكبر نعمه علينا وهي نعمة: الأنعام)
ولهذا من الممكن أن يعتمر المسلم في أشهر الحج ثم يظل في مكة متمتعا/ منتفعا متاجراً إلى الحج, وفي هذه الحالة فعليه هدي من الأنعام:
".... فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [البقرة : 196]"
فشهور الحج هي موسم تجاري كبير يستمر ثلاثة أشهر, من الممكن أن يتاجر فيها المرء حتى تبدأ الأيام المعدودات المعلومات التي يُذكر فيها اسم الله والتي تبدأ بالذهاب إلى عرفات:
" لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)"
فإذا بدأت هذه الأيام انقطعت التجارة وتفرغ الناس لذكر الله ولشكره على بهيمة الأنعام.
(وحديث القرآنيين عن أنه من الممكن للإنسان أن يؤدي أعمال الحج التعبدية في أي أيام في أشهر الحج هو كلام لا وزن له, فابتغاء الفضل هو المتاح طيلة هذه الشهور, أما الذكر والجانب التعبدي فلا يؤدى إلا في هذه الأيام المعلومة)
ويؤكد هذا قوله سبحانه:
جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المائدة : 97]
فالكعبة قياماً للناس, ولم يجعل الله للناس في القرآن قياماً إلا بالكعبة والأموال:
وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً [النساء : 5]
ويختلف موسم الحج عن غيره من المواسم التجارية أنه موسم صدق, فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج:
"الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)"
فالمعاملات التجارية في هذه الشهور تتميز بالصراحة والشفافية لكونها عند بيت الله تعالى.
ولا يعني قولنا أن النفع للحاجين أن أهل مكة لا ينتفعون, فكون هذه السوق الكبيرة تُعقد على أراضيهم, والناس يأتون إليها من كل مكان ببضائعهم فيها نفع كبير لهم, فهم يشترون منهم ويبيعون لهم, ناهيك عن مزية أن البضائع تأتي إليهم ولا يسافرون هم إليها:
" وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [القصص : 57]"
وهذا تأويل دعاء الخليل إبراهيم في سابق الزمان قد جعله الله حقاً:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [البقرة : 126]
وقد نُهي المسلمون عن استحلال من يقصدون البيت الحرام للتجارة وللذكر:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة : 2]
(لاحظ أن ابتغاء الفضل قبل الرضوان, كما كانت المنافع قبل الذكر)
فعليهم ألا يستبيحوا أو يستحلوا شعائر الله مثل البدن والصفا والمروة والمزدلفة أو الشهر أو الهدي وهي الأنعام التي ستُذبح عند البيت بعد التمتع بالعمرة إلى الحج, وكذلك لا يستحلون القلائد والتي قيل أنها الأنعام المقلدة التي يقلدها أصحابها - أي يضعون في رقبتها قلادة - علامة على نذرها لله; ويطلقونها ترعى حتى تنحر في موعد النذر ومكانه, ومن الممكن أن تكون –والله أعلم- هي الأنعام المعدة للبيع عن البيت الحرام.
وبهذا نفهم كيف يكون إنسان عند بيت الله الحرام ويدعوه طالباً الدنيا فقط:
"... فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠)"
فهذا أتى بالدرجة الأولى طالباً الدنيا للتجارة, وحتى وهو في أيام ذكر الله المعدودات فكل همه الدنيا فيدعو لمزيد من الربح وينسى آخرته!!