المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفرح المفقود! قصة قصيرة


عمرو الشاعر
09-05-2008, 04:05 PM
بقلم العبد الفقير : عمرو الشاعر


" كفي يا أحمد لنجلس قليلا لنلتقط أنفاسنا"
"معك حق يا محمد لقد رقصنا بما فيه الكفاية, لنجلس قليلا نجفف عرقنا ونشرب شيئا, ولكن أين نجلس لقد امتلئت القاعة بالمدعوين كما ترى, ولا أعتقد أننا سنجد مكانا غير مشغول!
"اطمئن يا أحمد, صديقنا أيمن يجلس على الطاولة هناك, ولقد حجز لنا باقي المقاعد فلم يُجلس معه أحد"
اتجهنا أنا وأحمد إلى الطاولة ونحن نجفف عرقنا الذي أغرقنا وتبادلنا بعض المزحات في الطريق, وحاولنا أن ننظم أنفاسنا حتى لا يبدو علينا أثر الإعياء الشديد بعد "وصلة" الرقص التي قدمناها. وما أن وصلنا إلى الطاولة حتى ألقينا أجسادنا على كرسين مجاورين لأيمن, في اتجاهين متقابلين ونحن نلهث!
"إرحما أنفسكما قليلا! لم يدفع لكما سمير شيئا مقابل كل هذا الرقص!"
" يا أخ أيمن لا تُحبّك الأمور هكذا, اليوم زفاف صديقنا سمير ولا بد أن نجامله, أليس كذلك يا أحمد؟"
" نعم يا محمد, معك حق, اليوم "فرح" ولا بد من وجود هذا "الجو" حتى يصير الفرح فرحا! ولو أتى كل المدعوين وجلسوا هكذا كما تجلس يا أيمن لما شاع جو الفرح والسرور في المكان, لا بد من التفاعل والانسجام .... رقص, غناء, تصفيق, هكذا يكون الفرح!
لم يبد الاقتناع على وجه أيمن واكتفى بأن مط شفتيه قليلا وأخذ يجول ناظريه في القاعة, وأخذ يتأمل بعض الشباب الذين كنا نرقص معهم, وارتسمت على وجهه ابتسامة, لم أستطع أن أحدد أي معنى تحمل, هل هي ابتسامة سخرية أم شفقة؟ أم أنها مجرد ابتسامة لطرافة المشهد, حيث كان الفتيان يتبارون في تقليد رقص الفتيات.
لم يستمر هذا المشهد طويلا, حيث توقفت الموسيقى الصاخبة وانسابت موسيقى هادئة مؤذنة ببداية فترة الراحة ...... ونزول الطعام!
وهنا التفت أيمن وقال: لست أدري كيف تنسجمون مع هذه الموسيقى الصاخبة, أنا لا أفهم ولا أتقبل إلا الموسيقى الهادئة أما هذه فأعدها صداع رأس!"
قلت وأنا ابتسم: "يا أيمن أنت تختلف عنا كثيرا في نقاط عدة, ولكل ذوقه, أنت تستمع وتستمتع بالموسيقى الكلاسيكية, ونحن نسمعها أحيانا ولكنا نسمع ونستمتع بهذه أيضا!
في هذه اللحظة وصلنا النادل وبدأ بتقديم حظنا من الطعام, فالتفتُ إلى أحمد وقلت له:
ليكن في معلومك أننا لن نقبل بطعام النوادي الهزيل هذا في "فرحك", لا بد من وليمة مستقلة لنا قبل "الفرح"!
ابتسم أحمد وقال: بالتأكيد, هناك وليمة خاصة لكل الأصدقاء وخاصة لك يا محمد, وإلا فإني أخشى أن تخطأ وتأكلني أنا شخصيا!
استغرقنا كلنا في الضحك, وأخذنا في تبادل بعض المزحات, إلى أن التفت أيمن إلى أحمد وقال له: مبارك لك يا أحمد, العقبى لك في "فرحك", حقا ألف ألف مبروك, وإن شاء الله نفرح لك في يوم زفافك!
فوجئت بأحمد يضع الشوكة جانبا ويوقف تناول الطعام ويشرد قليلا, ثم قال:
هل تصدقني يا أيمن إذا قلت لك أنني لست فرحا بفرحي, لا أعني أو أقصد أني لا أريد الزيجة, لا فأنا من اختار العروس عن حب, ولكني كنت في بادئ الأمر أسعى من أجل الزواج وخطبت من أحببتها بالفعل, ولكن ...... هاأناذا مقبل على الزواج, ولكني لا أشعر بالفرح لذلك ولا أشعر بالاهتمام, وأصبح الأمر سيان بالنسبة لي.
هز أيمن رأسه موافقا وقال: أصدقك يا أحمد, وأتفهم مشاعرك تماما!
فوجئت بأحمد يطرق ويقول: هل تصدقانني إذا قلت لكما أنني لست سعيدا في حياتي بشكل عام, إنني أشعر بالملل والاكتئاب ولا أجد في حياتي أي معنى!"
هز أيمن رأسه موافقا قائلا: أصدقك ولست أدري إذا كنت ستصدقني أنت إذا قلت لك أني أعلم هذا!
نظرت إلى أيمن دهشا وتساءلت: تعلم أنه غير سعيد في حياته, كيف هذا؟!
هززت رأسي والتفت إلى أحمد وسألته بعجب شديد:
أنت يا أحمد غير سعيد! كيف هذا؟! كما أعتقد لقد توفرت لديك كل مقومات السعادة والسرور والبهجة والحبور, فأنت لا ينقصك المال, فالوالد –بارك الله فيه- يتكفل لك بكل ما تحتاج, الوسامة تمتلك منها حظا وفيرا, حظ يلفت لك الأنظار حيثما حللت أو نزلت, الأناقة من سماتك المميزة والتي لا تتنازل عنها مطلقا في أي موقف كنا, الفتيات تعرف منهن بعدد شعر رأسك, لا .. لا , أنت تعرف منهن بأكثر من عدد شعر رأسك, حتى أني أعتقد أنك تشير بذراعك فتدخل الفتيات –صدفة- في ُكمك! تمتلك مستوى فكري وثقافي جيد, تخرجت في كلية من كليات القمة, ما الذي ينقصك لكي تشعر بالسعادة؟!

رفع رأسه إلي وأخذ يعبث بالشوكة في الطعام الموضوع أمامه ثم قال: لا تخدعنك المظاهر يا محمد, نعم أنا ثري ووسيم, تنجذب إلي الفتيات كما ينجذب النمل إلى السكر, أتهرب منهن في أحايين كثيرة, ولكني لا أشعر بالسعادة!
لا تغرنك تلك اللحظات التي تراني فيها أمرح أو أمزح أو ألهو أو أرقص بينما تعلو شفتاي الضحكات, هذه لحظات سريعا ما تنقضي, فإذا خلوت بنفسي أو وضعت جانبي على فراشي الوثير ظهرت لي الحقيقة المرة: إنني لم أجد السعادة في كل ما فعلت وأفعل ولست أدري أين أجدها وماذا أفعل من أجل أن أصل إليها؟
لقد أصبح كل حدث في حياتي باهتا, لم يعد يؤثر فيّ كما كان فيما مضى, أصبحت أقنع نفسي أني سأجد السعادة في هذا الجديد, ثم اكتشف أنه مثل القديم المألوف ولا فارق! وبهذا أصبحت الحياة ملل في ملل, ملل لا أجد منه مخرجا!

عمرو الشاعر
09-05-2008, 04:08 PM
قلت له وأنا أجد صعوبة في ابتلاع الطعام: كم هي خداعة المظاهر, لقد كنت أظن أنك من أكثرنا إن لم تكن أكثرنا سعادة وحظاً في الحياة! ولكن ها أنت تثبت لي أنك لا تختلف عنا في شيء, يبدو أني سأشفق عليك بدلا من أن أحسدك!
ظهرت على وجهي ابتسامة خفيفة سرعان ما تلاشت! فالتفتُ إلى أيمن وسألته: وكيف عرفت يا صديقنا المبجل أن أحمد غير سعيد؟ أنت –نعم- أكثرنا ثقافة والتزاما ولكنك لا تطلع على الغيب, أليس كذلك؟
قال أيمن: ليست المسألة مسالة اطلاع على الغيب ولكنها مقدمات صريحة لا بد أن تخلص منها إلى نتيجة واحدة, ولأني إنسان مؤمن مصدق فأنا أجزم بأن كل من ليسوا على شاكلتي حتما غير سعداء, بل ويمكنني القول أنهم تعساء!
نظرت إليه مندهشا وقلت له: مهلا قليلا يا أيمن فلست أنت سيدنا أيمن البدوي أو الشعراوي, ولا تقنعني أنك تختلف عنا كثيرا, فأنا أراك تنفعل وتغضب وتحزن وتتضايق, فكيف تكون ذلك السعيد الذي تدعي أن من ليس على شاكلته هو حتما من التعساء!
وضع أيمن الشوكة والملعقة جانبا ومسح فاه وحمد الله ثم التفت إلي وقال:
من الطبيعي أن تنظر إلى الأمور من هذا المنظور, ولست أدري من وضع في ذهنك أن الإنسان السعيد هو إنسان لا يحزن ولا يغضب ولا ينفعل, وهو مجرد إنسان أبله يبتسم طيلة عمره, الإنسان سيظل طيلة حياته إنسان, وستبقى معه انفعالاته, وإذا نُزعت منه تحول إلى جماد, أو بتعبير آخر يتحول إلى "جلف", يتعامل مع الأمور كلها بآلية مذمومة غير مرجوة!
قال له أحمد وقد بدا على وجهه علامات الفضول: بغض النظر, ما هو الذي تختلف فيه عني حتى جعلك سعيدا, وجعلك تجزم في نفس الوقت بعدم سعادتي على الرغم من كونك لم تر مني ما يشير إلى ذلك, بل ما رأيت إلا ما يشير إلا عكس ذلك؟
قال أيمن وهو يبتسم: الفارق أني مؤمن!
نظر إليه أحمد لحظات ببلاهة ثم قال بسخرية: ونحن الكفرة عباد الأصنام, الذين يذهبون كل يوم إلى هبل العظيم ليمنحنا البركة!
استغرقت أنا وأيمن في الضحك, ثم قال أيمن وهو يجفف دموع الضحك: لا, ليست المسألة كذلك, أنا أعلم أنك ممن يصلون يا أحمد, ولكن ليست المسألة مسألة صلاة فقط والتزام في بعض المناسبات, وإنما المسألة مسألة إيمان!

علت الحيرة وجه أحمد وسأل أيمن: ماذا تقصد بالإيمان؟
هز أيمن كتفيه ونظر نظرة إلى الراقصين في القاعة تبعتها ابتسامة ساخرة ثم التفت إلينا نحن الاثنين وقال:
عندما أقول أني إنسان مؤمن أو أن الإيمان هو الفارق, فهذه كلمة تختزل كلمات ومقدمات كثيرة, يفترض في السامع أن يستحضرها!
قلت له بعصبية: ليس لنا طويل باع بالفلسفة يا أيمن, قل بوضوح ماذا تريد أن تقول!
قال أيمن: باختصار: الإيمان أن تصدق بشيء ما حقا, فقد تقرأ شيئا ما فتعرضه على عقلك فتقتنع به, فتقبل عليه فتجد مزيدا من الاقتناع, ومع ازدياد الاقتناع يتحول هذا الشيء إلى منهج وطريقة لك في الحياة تسير على هداها وأحيانا من أجلها, هذا ببساطة هو الفارق ..... وأوضح لك حتى لا تتهمني بالغموض:
كلنا مسلمون مؤمنون, ولكن هناك طائفة سمعت أو قرأت ثم أعرضت عن الدين واتبعت ما رأته هي حسنا أو أوهمها الآخرون أنه حسن, وأخذت تبرر لنفسها أنها من المتبعين, وأن هذه التقصيرات ما هي إلا جوانب بسيطة لا تؤثر في الحياة طالما أن الإنسان "مؤمن" بالقضية الأصلية, فهؤلاء أتبعوا أنفسهم وعقولهم ويريدون أن يوهموا أنفسهم أنهم اتبعوا الدين وأنهم مؤمنون! وبداهة هم ليسوا كذلك.
أما الطائفة الأخرى فسمعت وأقتنعت واتبعت, ومن أجل ذلك سارت على الدرب ومن أجله خالفت بعض ما يمليه عليها هواها وأهلها ومجتمعها, واتبعت المنهج بيقين أنه سيقودها حتما إلى الخير والفلاح, وبذلك كانوا من "المسلّمين" الذين جعلوا قائدهم واحدا حكيما, فعرفوا أنه يقودهم إلى الخير لا محالة, وإذا حدث ونسوا أو أخطأوا أو ضلوا –وهذا وارد- فهم يعودون مرة أخرى إلى ما كانوا عليه نادمين على ما اقترفوه.

نظرت إلى أحمد فوجدته يسمع بانتباه كبير ولم أجد أن لديه أي رغبة أو مقدرة على الرد, فقلت أنا بعصبية:
أنت تتكلم كما يتكلم المشائخ وتريد أن تقنعنا أن السعادة هي في الدين وفي الالتزام وأن الابتعاد عن الدين معناه الشقاء والتعاسة, مع أننا نجد العكس –معذرة- فنحن نجد المتدينين متزمتين عابسين عصبيين, محرمين لكل بهجة في الحياة, ولا نجد عليهم آثار السعادة تلك التي تتحدث عنها, والحق يقال: لقد جربت الالتزام فلم أجد فيه السعادة التي كنت ولا أزال أجدها فيما أفعله. أنا اتفق معك في أن جزءا كبيرا مما أقوم به يقع في نطاق الحرام, ولكني أشعر فيه باللذة وأجد معه سعادة, فكيف يكون ما تقوله صحيحا؟!
نظر أيمن إلى من حوله ثم التفت إلي وقال بكل هدوء: اهدأ يا أخي وستجد بإذن الله لدي الجواب الكافي الشافي.
أولا: قل لي يا محمد: هل أنت سعيد بنفسك أو بشكلك حاليا؟
قلت في حيرة: ماذا تقصد تحديدا؟
قال: أنت كنت نحيفا جدا فيما مضى, مثل كثير من شباب هذا الجيل, فاتجهت إلى رياضة بناء الأجسام, ولعبت وثابرت واجتهدت لسنوات طوال, إلى أن أصبحت كتلة منحوتة من العضلات المتحركة, كتلة جميلة متناسقة لا أنكر ذلك , ولكن هل نلت السعادة بذلك, هل أصبحت سعيدا في ملاحقة أعين الناس لك حيثما مشيت وذهبت؟
قلت وقد علا صوتي نبرة ضيق: في الواقع لم أعد أسر بهذه النظرات, ولم أجد فيها ما كنت أنتظر, في الماضي كان حلما أن أصبح محط الأنظار, أما الآن فلا أجده شيئا جيدا أن يُنظر إلى دوما على أني شيء مختلف, وأصبحت أتمنى ألا ألفت انتباه الناس بجسدي وإنما بأفعالي أو بكلامي!

عمرو الشاعر
09-05-2008, 04:09 PM
قال أيمن: جيد, وهذه هي النقطة التي سأدخل إليك منها, وهي أن الإنسان قد يظن السعادة في شيء ما ويتحرك له ثم يكتشف أن السعادة لا تكمن فيه ولا يجد فيه ما يصبو إليه من السعادة, وقد يضيع في هذا البحث والحركة كل عمره أو بعضه. وهذا هو مربط الفرس: أين أجد أو نجد السعادة؟
أنت قلت لي أنك تجد السعادة واللذة أحيانا في فعل ما يدخل تحت الحرام, وأنا أقول لك: قد تجد فعلا متعة أو لذة في الحراو ولكن أنا أجزم لك أنك لا تجد فيه السعادة أبدا, بدليل أنك لا ترضى أن تستمر فيه أبدا ولا تستطيع ذلك, لأن أهم عناصر السعادة لا تتوفر في هذا الفعل, مثل الرضا والسكون والقيمة!
فأنت لا ترضى لنفسك هذا الفعل ولو قلت أنك ترضاه لنفسك فهذا يعني أنك ترضاه لغيرك ولكل الناس لأنك تجد فيه شيئا طيبا, فإذا رضيت لنفسك مثلا أن تؤذي الآخرين لقوتك فهذا يعني أنك ترضى للآخرين أن يؤذوا من هم أضعف منهم, وهكذا نتحول إلى وحوش في غابة, وبداهة هذا لا ترضاه أنت! وكما أعتقد فأنت لا ترضى أن تصاحب أختك الفتيان كما تفعل أنت, فأنت تقبله لنفسك ولكنك في الواقع غير راض عنه لعلمك أنه غير صحيح. كما أنك لا تجد في أي فعل من الأفعال التي ترتكبها وهي من الحرام السكون أو الهدوي والطمأنينة, ولو كانت كذلك لما حرمها الله عزوجل وإنما تجد فيها دوما التوتر وتشعر في كل مرة أنه لو اختلفت القادمة ستجد ما تصبو إليه. وأخيرا تأتي مسألة القيمة, فكل إنسان يرتكب حراما يعرف أنه يضيع نفسه ووقته وعمره فيما لا قيمة له ولو سئل عن القيمة في الشيء الذي يفعله لاعترف أنه لا قيمة فيه, ولكن على الرغم من ذلك سيجد لنفسه ألف مبرر ومبرر لقيامه بهذا الفعل, فهو من باب التسلية أو إضاعة الوقت! تصور إنسان لم يقم بشيء نافع طيلة حياته ويبحث عما يضيع فيه وقته بدلا من أن ينتفع به! هذا بالإضافة إلى جوانب أخرى لا يسمح المكان أو الزمان بذكرها, لذا فإني أجزم لك أنك أنت أو غيرك لن تجد السعادة في الحرام أبدا!

لم أجد ما أرد به عليه, ولكني وجدت أحمد يرفع رأسه فجأة ويقول: إذا فالأمر يكمن في التشتت الذي يقع فيه الإنسان نتيجة لمخالفته ما يراه صوابا, فهل لي أن أفهم من كلامك أن الغربيين الذين لا يعرفون للحرام معنى ويعتقدون أن ما يفعلونه صوابا هم سعداء لعدم وجود عنصر التشتت؟
ارتشف أيمن رشفة من العصير الموضوع أمامه, وأخذ يقلب نظره فيمن حوله ثم قال بكل هدوء: بداهة ليس الغربيون سعداء بحال, بل هم أتعس منكم بمراحل, وذلك لأسباب عدة لن نناقشها الآن, ولكن يكفي أن أقول لك: على الرغم من عدم تشتت الغربي فإنه غير سعيد وذلك لأنه لم يحقق التوافق بين البرنامج الذي غرسه الله عزوجل فيه –وفي كل إنسان- والذي نسميه نحن الفطرة, فعلى الرغم من مسيره في طريق واحد مقتنع به تمام الاقتناع, إلا أن هذا الطريق تبعا لمقتضيات البرنامج المغروس هو طريق مظلم, لذا لا يجد فيه السعادة وإنما بعضا أو كثيرا من اللذة, وشتان ما بين الإثنين! فالغربي يعاني معانة كبرى, وهذه المعاناة تكمن في مسألة الغاية من الحياة, فهو يسأل نفسه: لماذا وجد على هذا الكوكب, ولماذا يحيا وماذا عليه أن يفعل في دنياه هذه؟ فلا يجد في الفلسفات الغربية ما يريحه, لذلك هو في تعاسة وشقاء على الرغم من الثراء المادي. ومن هذه النقطة أعود إلى مربط الفرس في مسألة السعادة والتي يحققها الإنسان المؤمن!

شعرت أن حلقي بدأ يجف فأخذت ارتشف رشفات من العصير ووجدت أن أحمد أخذ يرتشف هو الآخر, كأنه تذكر العصير لما رأني, فابتسمت وقلت لأيمن:
وضح بالله عليك يا أيمن قدر المستطاع في هذه النقطة!
قال أيمن: المسألة وبكل بساطة أن الإنسان المؤمن يعرف طريقه جيدا في الحياة ويعرف من أجل ماذا يتحرك ولماذا يتحرك, وهو في تحركه هذا يتحرك عن قناعة وإيمان تامين بما يفعل, لذا فهو في مأمن من أهم عنصر من عناصر هدم السعادة وهو الحيرة, والتي تقابل كل من يتبع عقله وهواه, والذي لا يهدأ له بال أبدا! أما المؤمن فواثق عارف, أضف إلى ذلك أنه قد حقق التوافق مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها, لذلك فهو هانئ البال منشرح الصدر, فلقد تحقق لديه أهم عناصر السعادة التي حدثتكما عنها: فهو راض بما يفعل ويرضى بل ويريد أن يفعل كل الناس مثلما يفعل, ونفسه وجدت السكون والهدوء والطمأنينة فيه, ناهيك عن شعوره بقيمة وعظمة ما يفعله, لكون فعله ذا قيمة ولكونه يفعله في نفس الوقت من أجل الله, والعنصر الثاني يعطي أي فعل قيمة كبيرة جدا لا تتوفر في أي عمل آخر مهما كبر, طالما أنه ليس لله عزوجل! لهذا كله فإن الإنسان المؤمن سعيد في حياته ولا يمنع هذا من أن ينفعل ويغضب ويحزن, ولكنه لا يفعل هذا مثل الآخرين, وأنت تعلم أنني –على سبيل المثال- لا أنفعل أبدا مثلكم, فأنا أهدأكم و .... لا أريد أن أمدح نفسي, فأنت تعلم كيف أنا!

تمتمتُ قائلا: معك حق, فأنت أقلنا غضبا وانفعالا وأكثرنا هدوءا ونادرا ما نراك حزينا أو مغتاظا!
رد أيمن وقد علت وجهه ابتسامة ظفر: ذلك لأني إنسان مؤمن مسلم, سلّمت لما أمر الله به وأطعت, فوجدت السعادة, ولأني قارئ للقرآن فإني أعلم أن الحياة لن تخلو من المنغصات, ولكن هذا هو الابتلاء الذي من أجله وُجدنا, لذا فأنا سعيد بكل ابتلاء أتجاوزه وأحزن على كل ابتلاء أخفق فيه, لا أني أحزن بسبب الابتلاء نفسه, كما يفعل عامة الناس الذين يبحثون عن حياة لا منغصات فيها –وهذا ما لم ولن يكون- فإذا صادفهم الابتلاء أصابهم الهم والغم والحزن, وكل ذلك لأنهم لم يرضوا بقضاء الله وفعله ولم يفهموا معنى حياتهم.
أما هؤلاء المتدينون الذين ذكرتهم فهم ممن غيروا ظاهرهم فقط ولكنهم لم يؤمنوا حق الإيمان ولم يسلموا لربهم ولا يزالون مسلّمين أنفسهم لأنفسهم, فلا تقدم هؤلاء كميزان للمؤمن و ...... وأعتقد أن فيما قلته الكفاية, وأنا مضطر إلى أن انصرف الآن!
نظرنا أنا وأحمد بتلقائية إلى الميقاتية في أيدينا وقال أحمد: ولكن الوقت لا يزال مبكرا!
قال أيمن: أنت تعرف أني لا أحبذ جو الأفراح هذا ولكني آتي من أجل التهنئة, ولقد أتيت وسلمت وباركت وهنئت وأعتقد أن هذا كاف, كما أنني يجب أن أنصرف الآن حتى أجد متسعا من الوقت أنام فيه حتى أستطيع أن أقوم لصلاة الفجر, من أجل هذا كله فأنا مضطر للانصراف! أضف إلى هذا كله أن زوجي تنتظرني في الدار وأنتما تعلمان كيف هو عقاب الزوج المتأخر!
ابتسمتُ وقلت له: أعرف, لذا فمعك العذر في الانصراف, ونلتقي قريبا بإذن الله تعالى وسنكمل الحديث حول هذا الموضوع!
ابتسم والتفت إلى أحمد وقال له: أرجو أن أكون قد قدمت لك النفع وجوابا شافيا لما كنت تريد!
قال أحمد بوجه لم أستطع أن استشف منه أي تعبير يحمل: نعم, لقد وجدت ذلك إلى حد كبير, شكرا على هذه المحاضرة, في هذه الليلة, لم أكن أتوقع أن أتلقى مثلها في هذه البيئة!
ابتسم أيمن وقال: معذرة, ولكنك تعلم أني لا يمنعني عن الحديث أي مانع, وقبل أن أنصرف أخبرك بآية واحدة منها عرفت –لأني مؤمن- أنك غير سعيد, وهي قوله تعالى: "ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا" فالأمر لا يحتاج إلى عبقرية أو اطلاع على الغيب, و..... ليلة سعيدة والسلام عليكم ورحمة الله.
رددنا السلام وشيعناه بناظرنا وهو يغادر القاعة بكل هدوء وثقة وأخذت أسأل نفسي: هل من الممكن أن أكون "فرحا" مثله في يوم من الأيام؟
لم أستطع أن أجد جوابا لهذا السؤال فاكتفيت بالجلوس ومشاهدة باقي أحداث "الفرح"!!!!!!!!!!!!!!!
تمت بحمد الله