عمرو الشاعر
10-03-2008, 11:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين وصلاة وسلاما على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وسلم:
فحديثنا اليوم بإذن الله وعونه عن الأوامر الثلاثة التي ذكرها الله عزوجل في آية واحدة وجمعت الدين كله, فإذا أقامها الإنسان فقد أقام الدين كله, وإذا أضاعها أو أضاع أحدها فقد هدم ركنا ركين من أركان الدين! وفي هذا تبيان لما في هذه الأركان من عظم قدر عند الله عزوجل.
هذه الآية هي قوله تعالى: "قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف : 29]"
فنجد أن الله تعالى ذكر في هذه الآية صراحة أنها أمر ب: القسط, إقامة الوجوه عند كل مسجد, وأن ندعوه مخلصين له الدين!
ونلاحظ أن الله تعالى عندما ذكر "القسط" لم يقل: قل أمركم ربي بالقسط! وإنما قال: قل أمر ربي بالقسط! وذلك لأن الله تعالى أمر بالقسط في كل شيء, فهو الميزان الذي ينبغي أن تقوم عليه الحياة والكون كله!
واشتهر استعمال القسط بالمعنى وضده, لذلك نجد ابن فارس يقول في المقاييس:
"القاف والسين والطاء أصلٌ صحيح يدلُّ على معنَيَين متضادَّين والبناءُ واحد. فالقِسط: العَدل. ويقال منه أقْسَطَ يُقْسِط. قال الله تعالى:إنَّ اللهَ يُحبُّ المُقْسِطِين [المائدة 42، الحجرات 9، الممتحنة8.] بفتح القاف: الجَور.
والقُسوط: العُدول عن الحق. يقال قَسَطَ، إذا جار، يَقْسِطُ قَسْطاً.
والقَسَط اعوجاجٌ في الرِّجلين، وهو خلاف الفَحَج. ومن الباب الأوّل القِسْط: النَّصيب، وتَقَسَّطْنا الشَّيءَ بيننا.
والقِسْطَاس المِيزان. قال الله سبحانه: وَزِنُوا بالقِسْطاسِ المُستَقِيم [الإسراء 35، الشعراء 182].ومما ليس من هذا القُسْط: شيءٌ يُتَبَخَّرُ به، عربيٌّ." اهـ
وكما رأينا فابن فارس يرى أنه من المتضادات والتي تأتي بالمعنى وضده, فإذا نحن نظرنا في اللسان وجدنا ابن منظور يقول:
"القِسْطُ: المِيزانُ، سمي به من القِسْطِ العَدْلِ، أَراد أَن اللّه يَخفِضُ ويَرْفَعُ مِيزانَ أَعمالِ العِبادِ المرتفعةِ إِليه وأَرزاقَهم النازلةَ من عنده كما يرفع الوزَّانُ يده ويَخْفِضُها عند الوَزْن، وهو تمثيل لما يُقَدِّرُه اللّه ويُنْزِلُه، وقيل: أَراد بالقِسْط القِسْمَ من الرِّزقِ الذي هو نَصِيبُ كل مخلوق، وخَفْضُه تقليلُه، ورفْعُه تكثيره.والقِسْطُ الحِصَّةُ والنَّصِيبُ. يقال: أَخذ كل واحد من الشركاء قِسْطَه أَي حِصَّتَه. وكلُّ مِقدار فهو قِسْطٌ في الماء وغيره. وتقَسَّطُوا الشيءَ بينهم: تقسَّمُوه على العَدْل والسَّواء. والقِسْط، بالكسر: العَدْلُ، وهو من المصادر الموصوف بها كعَدْل، يقال: مِيزانٌ قِسْط، ومِيزانانِ قسط، ومَوازِينُ قِسْطٌ. وقوله تعالى: ونضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ؛ أَي ذواتِ القِسْط." اهـ
والذي نراه أن المعنى الذي ذكره ابن منظور هو الأكثر دقة, فليست "قسط" مما يأتي بالمعنى وضده, وإنما هي بمعنى واحد, وهي وضع الشيء في مقابل ما يساويه ويستحقه, وأبرز ما يظهر فيه هذا التصور هو الميزان, ففيه نضع الشيء ونضع أمامه قيمة ما, ويظهر الميزان تساويهما من عدمه!
فإذا فهمنا "قسط" تبعا لهذا التصور عرفنا لماذا كان ال "قاسط" مذنب مذموم, و ال "مقسط" محق محمود! فالإنسان القاسط عرف قيمة الشيء ولكنه لم يقم به ولم يتبعه, أما المقسط فهو الذي يتبع القسط ويوصله إلى مستحقه! وتبعا لتصورنا هذا سنعرف لم استعملت هذه الكلمة بالهيئات التي وردت بها في القرآن:
"شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران : 18]"
فالله تعالى قائم بالقسط, ففعله كل قائم على وضع الشيء مقابل ما يستحقه فلا يظلم أحدا.
"إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [آل عمران : 21]"
َ"وأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً [النساء : 127]"
فقيامة الأوصياء على مال اليتيم لا بد أن تكون معتمدة على توصيل كل نصيب إلى مستحقه, وبذلك يكون قد وضع الشيء مقابل ما يساويه!
"َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً [النساء : 135]"
فلا يعني القرب أو الهوى ألا نقوم بالقسط, فنزيد أو ننقص تبعا لمصلحتنا, وإنما علينا أن نؤدي القدر المساوي بلا ظلم أو جور! ويظهر هذا المعنى في الآيات القادمة:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة : 8]
وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [المائدة : 42]
َوأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأنعام : 152]"
الحمدلله رب العالمين وصلاة وسلاما على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وسلم:
فحديثنا اليوم بإذن الله وعونه عن الأوامر الثلاثة التي ذكرها الله عزوجل في آية واحدة وجمعت الدين كله, فإذا أقامها الإنسان فقد أقام الدين كله, وإذا أضاعها أو أضاع أحدها فقد هدم ركنا ركين من أركان الدين! وفي هذا تبيان لما في هذه الأركان من عظم قدر عند الله عزوجل.
هذه الآية هي قوله تعالى: "قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف : 29]"
فنجد أن الله تعالى ذكر في هذه الآية صراحة أنها أمر ب: القسط, إقامة الوجوه عند كل مسجد, وأن ندعوه مخلصين له الدين!
ونلاحظ أن الله تعالى عندما ذكر "القسط" لم يقل: قل أمركم ربي بالقسط! وإنما قال: قل أمر ربي بالقسط! وذلك لأن الله تعالى أمر بالقسط في كل شيء, فهو الميزان الذي ينبغي أن تقوم عليه الحياة والكون كله!
واشتهر استعمال القسط بالمعنى وضده, لذلك نجد ابن فارس يقول في المقاييس:
"القاف والسين والطاء أصلٌ صحيح يدلُّ على معنَيَين متضادَّين والبناءُ واحد. فالقِسط: العَدل. ويقال منه أقْسَطَ يُقْسِط. قال الله تعالى:إنَّ اللهَ يُحبُّ المُقْسِطِين [المائدة 42، الحجرات 9، الممتحنة8.] بفتح القاف: الجَور.
والقُسوط: العُدول عن الحق. يقال قَسَطَ، إذا جار، يَقْسِطُ قَسْطاً.
والقَسَط اعوجاجٌ في الرِّجلين، وهو خلاف الفَحَج. ومن الباب الأوّل القِسْط: النَّصيب، وتَقَسَّطْنا الشَّيءَ بيننا.
والقِسْطَاس المِيزان. قال الله سبحانه: وَزِنُوا بالقِسْطاسِ المُستَقِيم [الإسراء 35، الشعراء 182].ومما ليس من هذا القُسْط: شيءٌ يُتَبَخَّرُ به، عربيٌّ." اهـ
وكما رأينا فابن فارس يرى أنه من المتضادات والتي تأتي بالمعنى وضده, فإذا نحن نظرنا في اللسان وجدنا ابن منظور يقول:
"القِسْطُ: المِيزانُ، سمي به من القِسْطِ العَدْلِ، أَراد أَن اللّه يَخفِضُ ويَرْفَعُ مِيزانَ أَعمالِ العِبادِ المرتفعةِ إِليه وأَرزاقَهم النازلةَ من عنده كما يرفع الوزَّانُ يده ويَخْفِضُها عند الوَزْن، وهو تمثيل لما يُقَدِّرُه اللّه ويُنْزِلُه، وقيل: أَراد بالقِسْط القِسْمَ من الرِّزقِ الذي هو نَصِيبُ كل مخلوق، وخَفْضُه تقليلُه، ورفْعُه تكثيره.والقِسْطُ الحِصَّةُ والنَّصِيبُ. يقال: أَخذ كل واحد من الشركاء قِسْطَه أَي حِصَّتَه. وكلُّ مِقدار فهو قِسْطٌ في الماء وغيره. وتقَسَّطُوا الشيءَ بينهم: تقسَّمُوه على العَدْل والسَّواء. والقِسْط، بالكسر: العَدْلُ، وهو من المصادر الموصوف بها كعَدْل، يقال: مِيزانٌ قِسْط، ومِيزانانِ قسط، ومَوازِينُ قِسْطٌ. وقوله تعالى: ونضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ؛ أَي ذواتِ القِسْط." اهـ
والذي نراه أن المعنى الذي ذكره ابن منظور هو الأكثر دقة, فليست "قسط" مما يأتي بالمعنى وضده, وإنما هي بمعنى واحد, وهي وضع الشيء في مقابل ما يساويه ويستحقه, وأبرز ما يظهر فيه هذا التصور هو الميزان, ففيه نضع الشيء ونضع أمامه قيمة ما, ويظهر الميزان تساويهما من عدمه!
فإذا فهمنا "قسط" تبعا لهذا التصور عرفنا لماذا كان ال "قاسط" مذنب مذموم, و ال "مقسط" محق محمود! فالإنسان القاسط عرف قيمة الشيء ولكنه لم يقم به ولم يتبعه, أما المقسط فهو الذي يتبع القسط ويوصله إلى مستحقه! وتبعا لتصورنا هذا سنعرف لم استعملت هذه الكلمة بالهيئات التي وردت بها في القرآن:
"شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران : 18]"
فالله تعالى قائم بالقسط, ففعله كل قائم على وضع الشيء مقابل ما يستحقه فلا يظلم أحدا.
"إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [آل عمران : 21]"
َ"وأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً [النساء : 127]"
فقيامة الأوصياء على مال اليتيم لا بد أن تكون معتمدة على توصيل كل نصيب إلى مستحقه, وبذلك يكون قد وضع الشيء مقابل ما يساويه!
"َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً [النساء : 135]"
فلا يعني القرب أو الهوى ألا نقوم بالقسط, فنزيد أو ننقص تبعا لمصلحتنا, وإنما علينا أن نؤدي القدر المساوي بلا ظلم أو جور! ويظهر هذا المعنى في الآيات القادمة:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة : 8]
وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [المائدة : 42]
َوأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأنعام : 152]"