عمرو الشاعر
11-01-2008, 05:23 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, وصلاة وسلاما على المبعوث رحمة وهداية ونورا للعالمين, سيد الأولين والآخرين, الحِب المكين, محمد بن عبدالله الأمين, وعلى آله وصحبه الميامين وآل بيته الطيبين, أما بعد:
فحديثنا سيدور حول جانب لطيف من إبداعات الإنسان, وهو الشعر! والشعر تعبير رقيق عما يجيش في نفس الإنسان, يطلقه منسابا محملا بمشاعره! والجانب الذي نود مناقشته في هذا المبحث السريع هو الحكم الفقهي لهذا الأسلوب الأدبي, هل هو مباح أم مكروه أم محرم, ونبدأ وعلى الله التوكل:
الناظر في القرآن يجد أنه لا يوجد نص صريح يحرم الشعر, وإنما وجدت بعض النصوص التي تعطي انطباعا أنها تنفر من الشعر والشعراء, فهل يرفض القرآن الشعر ويدعو إلى تركه؟
أولا: الشعر في أصله مباح ، فهو كلام موزون، والأصل في الكلام الإباحة والجواز، ولكن تجري فيه الأحكام الفقهية الخمسة بحسب موضوعه ومقصوده والغاية منه . ولذلك قال الإمام الشافعي كلمته المشهورة : "الشعر كلام، حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام".
وقال ابن عبد البر في التمهيد: ليس أحد من كبار الصحابة وأهل العلم موضع القدوة إلا وقد قال الشعر وتمثل به، أو سمعه فرضيه وذلك ما كان حكمة أو مباحاً من القول، ولم يكن فيه فحش ولا خنى ولا لمسلم أذى.
لذا ننظر أولا في الآيات المتعلقة بالشعر, لنشاهد ماذا تقول:
الآية التي يكثر الاستدلال بها في ذم الشعر والشعراء هي قوله تعالى: " وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ", فهل هي حقا في التنفير من الشعر والشعراء؟
الناظر في السياق يجد أنها لا تعني بالدرجة الأولى بالتنفير من الشعراء, بقدر ما هي ترمي إلى توضيح الفارق بين الرسول وبين الشاعر, فإذا نحن عرضنا الآيات السابقة والتالية, وجدنا الله تعالى يقول:
"هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ"
وكما رأينا فالآيات تتحدث عن الكهان وعن الشعراء, وكيف أن مسلكهم يختلف تماما عن مسلك الرسول الكريم, لذا فلا تشابه ولا اختلاط. ويعلق الإمام الفخر الرازي على هذه المسألة فيقول:
"ثم إنه سبحانه فرق بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين الكهنة، فذكر ههنا ما يدل على الفرق بينه عليه السلام وبين الشعراء، وذلك هو أن الشعراء يتبعهم الغاوون، أي الضالون، ثم بين تلك الغواية بأمرين: الأول: { أَنَّهُمْ فِى كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ } والمراد منه الطرق المختلفة كقولك أنا في واد وأنت في واد، وذلك لأنهم قد يمدحون الشيء بعد أن ذموه وبالعكس، وقد يعظمونه بعد أن استحقروه وبالعكس، وذلك يدل على أنهم لا يطلبون بشعرهم الحق ولا الصدق بخلاف أمر محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه من أول أمره إلى آخره بقي على طريق واحد وهو الدعوة إلى الله تعالى والترغيب في الآخرة والإعراض عن الدنيا الثاني: { أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ } وذلك أيضاً من علامات الغواة، فإنهم يرغبون في الجود ويرغبون عنه، وينفرون عن البخل ويصرون عليه، ويقدحون في الناس بأدنى شيء صدر عن واحد من أسلافهم، ثم إنهم لا يرتكبون إلا الفواحش، وذلك يدل على الغواية والضلالة. ....... وقيل المراد بهذا الاستثناء عبدالله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك وكعب بن زهير لأنهم كانوا يهجون قريشاً" اهـ
إذا فالمراد هو توضيح الفارق بين القرآن والشعر وبين الرسول والشاعر, وهذا ما نجده في قوله تعالى "وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون"
والقرآن يؤكد ويبرز الفارق الكبير بينه وبين الشعر, بقوله: "وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين", فالله تعالى لم يعلم الرسول الشعر, وما ينبغي له أن يتعلمه وذلك لأن الشعر قائم على المبالغة في الوصف, فيزيد فيه مدحا وهجاءا فلا تخرج منه بصورة حقيقة للواقع, والقرآن ليس كذلك فهو ذكر وقرآن مبين!
نخرج من هذا بأن القرآن يبرز الفارق بينه وبين الشعر, ولكن هذا لا يعني أنه يتقبل الشعر تمام القبول, وإنما يقدم الميزان الشرعي الذي نقيس به الشعر أو الأدب عامة, وهو الصدق والتطابق والنفع! فلقد انتقد على الشعراء أنهم في كل واد يهيمون, فهم يتنقلون بلا هداية من أجل التكسب من الشعر, كما يتنقلون في مواضيعه, فقد يثبتون الشيء وينفونه, وقد يحسنونه ثم يقبحونه! فهم يستغلون مكنتهم اللغوية تبعا لهواهم, فيمدحون فيزيدون الممدوح ولربما نعتوه بما ليس فيه, ويذمون فيبخسون المذموم, ويهجون فيقذعون الهجاء!
والناظر يجد أن الشعر في الغالب مثله مثل الموسيقى, فهو يزيد ما لدى المتلقى, إلا أنه غالبا ما لا يعطيه جديدا, فشعر الرثاء يزيد الإنسان شجنا, وشعر الحب والعشق يزيده حنينا ورقة, ولكن من الصعب أن ينشأ الحالة نفسها في المتلقي, فمن العسير أن يجعل شعر الغزل أو الحب قاسي القلب رقيقه, أو يحزن الفرح! وإنما لا بد من توفر الحالة نفسها عند المتلقي, ومن ثم يلعب الشاعر على أوتارها, فيزيدها ويهيجها.
ونلاحظ أن الله تعالى استثنى, فقال: "إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون"
فاستثنى الله من هؤلاء الشعراء الذين آمنوا وعملوا الصالحات, وذكروا الله كثيرا, ونتوقف مع قوله تعالى: وذكروا الله كثيرا, فلم الحديث هنا عن كثرة ذكر الله تعالى؟
يبدو أن ذلك والله أعلم راجع إلى حال الشعراء النفسي, فالإنسان العادي لا يكتب شعرا, وإنما يكتبه إنسان ذو نفسية مرهفة, ويكتبه إذا جاشت نفسه ببعض المعاني والأحاسيس, ويكون لديه المكنة اللغوية, فيخرج هذه المعاني على هيئة شعر, فالشعر متنفس له, وما هو إلا شعور! قد يكون حقا أو باطلا, لذلك فلا بد من الإكثار من ذكر الله عزوجل, حتى تتطهر نفسه مما قد يعلق في صدره من آثار الشعر.
الحمد لله رب العالمين, وصلاة وسلاما على المبعوث رحمة وهداية ونورا للعالمين, سيد الأولين والآخرين, الحِب المكين, محمد بن عبدالله الأمين, وعلى آله وصحبه الميامين وآل بيته الطيبين, أما بعد:
فحديثنا سيدور حول جانب لطيف من إبداعات الإنسان, وهو الشعر! والشعر تعبير رقيق عما يجيش في نفس الإنسان, يطلقه منسابا محملا بمشاعره! والجانب الذي نود مناقشته في هذا المبحث السريع هو الحكم الفقهي لهذا الأسلوب الأدبي, هل هو مباح أم مكروه أم محرم, ونبدأ وعلى الله التوكل:
الناظر في القرآن يجد أنه لا يوجد نص صريح يحرم الشعر, وإنما وجدت بعض النصوص التي تعطي انطباعا أنها تنفر من الشعر والشعراء, فهل يرفض القرآن الشعر ويدعو إلى تركه؟
أولا: الشعر في أصله مباح ، فهو كلام موزون، والأصل في الكلام الإباحة والجواز، ولكن تجري فيه الأحكام الفقهية الخمسة بحسب موضوعه ومقصوده والغاية منه . ولذلك قال الإمام الشافعي كلمته المشهورة : "الشعر كلام، حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام".
وقال ابن عبد البر في التمهيد: ليس أحد من كبار الصحابة وأهل العلم موضع القدوة إلا وقد قال الشعر وتمثل به، أو سمعه فرضيه وذلك ما كان حكمة أو مباحاً من القول، ولم يكن فيه فحش ولا خنى ولا لمسلم أذى.
لذا ننظر أولا في الآيات المتعلقة بالشعر, لنشاهد ماذا تقول:
الآية التي يكثر الاستدلال بها في ذم الشعر والشعراء هي قوله تعالى: " وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ", فهل هي حقا في التنفير من الشعر والشعراء؟
الناظر في السياق يجد أنها لا تعني بالدرجة الأولى بالتنفير من الشعراء, بقدر ما هي ترمي إلى توضيح الفارق بين الرسول وبين الشاعر, فإذا نحن عرضنا الآيات السابقة والتالية, وجدنا الله تعالى يقول:
"هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ"
وكما رأينا فالآيات تتحدث عن الكهان وعن الشعراء, وكيف أن مسلكهم يختلف تماما عن مسلك الرسول الكريم, لذا فلا تشابه ولا اختلاط. ويعلق الإمام الفخر الرازي على هذه المسألة فيقول:
"ثم إنه سبحانه فرق بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين الكهنة، فذكر ههنا ما يدل على الفرق بينه عليه السلام وبين الشعراء، وذلك هو أن الشعراء يتبعهم الغاوون، أي الضالون، ثم بين تلك الغواية بأمرين: الأول: { أَنَّهُمْ فِى كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ } والمراد منه الطرق المختلفة كقولك أنا في واد وأنت في واد، وذلك لأنهم قد يمدحون الشيء بعد أن ذموه وبالعكس، وقد يعظمونه بعد أن استحقروه وبالعكس، وذلك يدل على أنهم لا يطلبون بشعرهم الحق ولا الصدق بخلاف أمر محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه من أول أمره إلى آخره بقي على طريق واحد وهو الدعوة إلى الله تعالى والترغيب في الآخرة والإعراض عن الدنيا الثاني: { أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ } وذلك أيضاً من علامات الغواة، فإنهم يرغبون في الجود ويرغبون عنه، وينفرون عن البخل ويصرون عليه، ويقدحون في الناس بأدنى شيء صدر عن واحد من أسلافهم، ثم إنهم لا يرتكبون إلا الفواحش، وذلك يدل على الغواية والضلالة. ....... وقيل المراد بهذا الاستثناء عبدالله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك وكعب بن زهير لأنهم كانوا يهجون قريشاً" اهـ
إذا فالمراد هو توضيح الفارق بين القرآن والشعر وبين الرسول والشاعر, وهذا ما نجده في قوله تعالى "وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون"
والقرآن يؤكد ويبرز الفارق الكبير بينه وبين الشعر, بقوله: "وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين", فالله تعالى لم يعلم الرسول الشعر, وما ينبغي له أن يتعلمه وذلك لأن الشعر قائم على المبالغة في الوصف, فيزيد فيه مدحا وهجاءا فلا تخرج منه بصورة حقيقة للواقع, والقرآن ليس كذلك فهو ذكر وقرآن مبين!
نخرج من هذا بأن القرآن يبرز الفارق بينه وبين الشعر, ولكن هذا لا يعني أنه يتقبل الشعر تمام القبول, وإنما يقدم الميزان الشرعي الذي نقيس به الشعر أو الأدب عامة, وهو الصدق والتطابق والنفع! فلقد انتقد على الشعراء أنهم في كل واد يهيمون, فهم يتنقلون بلا هداية من أجل التكسب من الشعر, كما يتنقلون في مواضيعه, فقد يثبتون الشيء وينفونه, وقد يحسنونه ثم يقبحونه! فهم يستغلون مكنتهم اللغوية تبعا لهواهم, فيمدحون فيزيدون الممدوح ولربما نعتوه بما ليس فيه, ويذمون فيبخسون المذموم, ويهجون فيقذعون الهجاء!
والناظر يجد أن الشعر في الغالب مثله مثل الموسيقى, فهو يزيد ما لدى المتلقى, إلا أنه غالبا ما لا يعطيه جديدا, فشعر الرثاء يزيد الإنسان شجنا, وشعر الحب والعشق يزيده حنينا ورقة, ولكن من الصعب أن ينشأ الحالة نفسها في المتلقي, فمن العسير أن يجعل شعر الغزل أو الحب قاسي القلب رقيقه, أو يحزن الفرح! وإنما لا بد من توفر الحالة نفسها عند المتلقي, ومن ثم يلعب الشاعر على أوتارها, فيزيدها ويهيجها.
ونلاحظ أن الله تعالى استثنى, فقال: "إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون"
فاستثنى الله من هؤلاء الشعراء الذين آمنوا وعملوا الصالحات, وذكروا الله كثيرا, ونتوقف مع قوله تعالى: وذكروا الله كثيرا, فلم الحديث هنا عن كثرة ذكر الله تعالى؟
يبدو أن ذلك والله أعلم راجع إلى حال الشعراء النفسي, فالإنسان العادي لا يكتب شعرا, وإنما يكتبه إنسان ذو نفسية مرهفة, ويكتبه إذا جاشت نفسه ببعض المعاني والأحاسيس, ويكون لديه المكنة اللغوية, فيخرج هذه المعاني على هيئة شعر, فالشعر متنفس له, وما هو إلا شعور! قد يكون حقا أو باطلا, لذلك فلا بد من الإكثار من ذكر الله عزوجل, حتى تتطهر نفسه مما قد يعلق في صدره من آثار الشعر.