عمرو الشاعر
11-23-2008, 03:38 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين وصلاة وسلاما على المبعوث رحمة للعالمين, سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الأخيار, أما بعد:
فسنتناول اليوم بإذن الله وعونه تركيبة من التركيبات القرآنية, نرد بها على تشغيبات القرآنيين, بعدم وجود وحي غير القرآن, ولقد كنا قد أفردنا موضوعا مستقلا لهذا الأمر, ونزيده تثبيتا بهذه التركيبة. والتركيبة التي سنتناولها اليوم هي قوله تعالى "ألم تر", والتي خاطب بها النبي الكريم في مواطن عديدة, ونبدأ بسم الله العلي العظيم:
وردت هذه التركيبة في القرآن 33 مرة, منها: 15مرة "ألم تر إلى", وذلك مثل قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة : 258]"
و13 مرة "ألم تر أن", وذلك مثل قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [الحج : 18]"
وثلاث مرات "ألم تر كيف", وذلك مثل قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ [الفجر : 6]"
ومرتين: "ألم تروا", وهي خطاب للجمع وليس للرسول الأكرم منفردا, وذلك مثل قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ [لقمان : 20]"
أول موطن وردت فيه هذه التركيبة هو قوله تعالى: ""أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ [البقرة : 243]"
ونلحظ أن الله تعالى استعمل حرف الجر "إلى" مع "رأي", وهذا الاستعمال غير مألوف بالنسبة لنا, لأننا نستعمل هذا الفعل متعديا بنفسه, فنقول: "رأيت فلانا", أو نستعمله متعديا ب "في", فنقول: ماذا ترى في كذا وكذا؟ أما مع "إلى" فلا نكاد نستعملها, لذلك وجدنا الإمام الفخر الرازي يعلق على حرف الجر هذا فيقول:
"المسألة الأولى: اعلم أن الرؤية قد تجىء بمعنى رؤية البصيرة والقلب، وذلك راجع إلى العلم، كقوله: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} [ البقرة : 128 ] معناه: علمنا ، وقال : {لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَا أَرَاكَ الله} [ النساء : 105 ] أي علمك، ثم إن هذا اللفظ قد يستعمل فيما تقدم للمخاطب العلم به ، وفيما لا يكون كذلك فقد يقول الرجل لغيره يريد تعريفه ابتداء: ألم تر إلى ما جرى على فلان ، فيكون هذا ابتداء تعريف، فعلى هذا يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف هذه القصة إلا بهذه الآية، ويجوز أن نقول: كان العلم بها سابقاً على نزول هذه الآية، ثم إن الله تعالى أنزل هذه الآية على وفق ذلك العلم.
....... المسألة الثالثة : دخول لفظة { إلى } في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين} يحتمل أن يكون لأجل أن { إلى } عندهم حرف للانتهاء كقولك: من فلان إلى فلان ، فمن علم بتعليم معلم، فكأن ذلك المعلم أوصل ذلك المتعلم إلى ذلك المعلوم وأنهاه إليه، فحسن من هذا الوجه دخول حرف { إلى } فيه، ونظيره قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل } [ الفرقان : 45 ]" " اهـ
ولم يأت هذا الفعل مقرونا ب "إلى" دوما, وإنما أتى مرتبطا ب "أن", كما نألف نحن استعماله, وذلك في مثل قوله تعالى:
"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادِلة: 7]"
وفي كلتا الحالتين, لا بد من تحديد مدلول "رأى", حتى نستطيع أن نقدم تصورا عن الآيات. إذا نحن نظرنا في تفسير الإمام الألوسي لآية المجادِلة وجدناه يقول:
"{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يعلم مَا فِي السماوات وَمَا فِي الارض } استشهاد على شمول شهادته تعالى أي ألم تعلم أنه عز وجل يعلم ما فيهما من الموجودات سواء كان ذلك بالاستقرار فيهما أو بالجزئية منهما." اهـ
ويحق لنا أن نرفض هذا الفهم, فليست الرؤية بمعنى العلم, فنحن نجد أن الله تعالى استعمل العلم في آيات أخر, منها قوله سبحانه:
"أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج : 70]"
وليست آية المجادِلة بداهة مثل آية الحج, لاختلاف الفعلين المستعملين فيهما, لذا نعود إلى اللسان لنحدد مدلول كلا منهما.
إذا نحن نظرنا في مقاييس اللغة لابن فارس وجدناه يقول:
"رأي: الراء والهمزة والياء أصلٌ يدلُّ على نظرٍ وإبصارٍ بعينٍ أو بصيرة" اهـ
الحمدلله رب العالمين وصلاة وسلاما على المبعوث رحمة للعالمين, سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الأخيار, أما بعد:
فسنتناول اليوم بإذن الله وعونه تركيبة من التركيبات القرآنية, نرد بها على تشغيبات القرآنيين, بعدم وجود وحي غير القرآن, ولقد كنا قد أفردنا موضوعا مستقلا لهذا الأمر, ونزيده تثبيتا بهذه التركيبة. والتركيبة التي سنتناولها اليوم هي قوله تعالى "ألم تر", والتي خاطب بها النبي الكريم في مواطن عديدة, ونبدأ بسم الله العلي العظيم:
وردت هذه التركيبة في القرآن 33 مرة, منها: 15مرة "ألم تر إلى", وذلك مثل قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة : 258]"
و13 مرة "ألم تر أن", وذلك مثل قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [الحج : 18]"
وثلاث مرات "ألم تر كيف", وذلك مثل قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ [الفجر : 6]"
ومرتين: "ألم تروا", وهي خطاب للجمع وليس للرسول الأكرم منفردا, وذلك مثل قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ [لقمان : 20]"
أول موطن وردت فيه هذه التركيبة هو قوله تعالى: ""أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ [البقرة : 243]"
ونلحظ أن الله تعالى استعمل حرف الجر "إلى" مع "رأي", وهذا الاستعمال غير مألوف بالنسبة لنا, لأننا نستعمل هذا الفعل متعديا بنفسه, فنقول: "رأيت فلانا", أو نستعمله متعديا ب "في", فنقول: ماذا ترى في كذا وكذا؟ أما مع "إلى" فلا نكاد نستعملها, لذلك وجدنا الإمام الفخر الرازي يعلق على حرف الجر هذا فيقول:
"المسألة الأولى: اعلم أن الرؤية قد تجىء بمعنى رؤية البصيرة والقلب، وذلك راجع إلى العلم، كقوله: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} [ البقرة : 128 ] معناه: علمنا ، وقال : {لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَا أَرَاكَ الله} [ النساء : 105 ] أي علمك، ثم إن هذا اللفظ قد يستعمل فيما تقدم للمخاطب العلم به ، وفيما لا يكون كذلك فقد يقول الرجل لغيره يريد تعريفه ابتداء: ألم تر إلى ما جرى على فلان ، فيكون هذا ابتداء تعريف، فعلى هذا يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف هذه القصة إلا بهذه الآية، ويجوز أن نقول: كان العلم بها سابقاً على نزول هذه الآية، ثم إن الله تعالى أنزل هذه الآية على وفق ذلك العلم.
....... المسألة الثالثة : دخول لفظة { إلى } في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين} يحتمل أن يكون لأجل أن { إلى } عندهم حرف للانتهاء كقولك: من فلان إلى فلان ، فمن علم بتعليم معلم، فكأن ذلك المعلم أوصل ذلك المتعلم إلى ذلك المعلوم وأنهاه إليه، فحسن من هذا الوجه دخول حرف { إلى } فيه، ونظيره قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل } [ الفرقان : 45 ]" " اهـ
ولم يأت هذا الفعل مقرونا ب "إلى" دوما, وإنما أتى مرتبطا ب "أن", كما نألف نحن استعماله, وذلك في مثل قوله تعالى:
"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادِلة: 7]"
وفي كلتا الحالتين, لا بد من تحديد مدلول "رأى", حتى نستطيع أن نقدم تصورا عن الآيات. إذا نحن نظرنا في تفسير الإمام الألوسي لآية المجادِلة وجدناه يقول:
"{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يعلم مَا فِي السماوات وَمَا فِي الارض } استشهاد على شمول شهادته تعالى أي ألم تعلم أنه عز وجل يعلم ما فيهما من الموجودات سواء كان ذلك بالاستقرار فيهما أو بالجزئية منهما." اهـ
ويحق لنا أن نرفض هذا الفهم, فليست الرؤية بمعنى العلم, فنحن نجد أن الله تعالى استعمل العلم في آيات أخر, منها قوله سبحانه:
"أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج : 70]"
وليست آية المجادِلة بداهة مثل آية الحج, لاختلاف الفعلين المستعملين فيهما, لذا نعود إلى اللسان لنحدد مدلول كلا منهما.
إذا نحن نظرنا في مقاييس اللغة لابن فارس وجدناه يقول:
"رأي: الراء والهمزة والياء أصلٌ يدلُّ على نظرٍ وإبصارٍ بعينٍ أو بصيرة" اهـ