المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : "ألم تر" .... تبطل دعاوى القرآنيين!


عمرو الشاعر
11-23-2008, 03:38 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين وصلاة وسلاما على المبعوث رحمة للعالمين, سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الأخيار, أما بعد:
فسنتناول اليوم بإذن الله وعونه تركيبة من التركيبات القرآنية, نرد بها على تشغيبات القرآنيين, بعدم وجود وحي غير القرآن, ولقد كنا قد أفردنا موضوعا مستقلا لهذا الأمر, ونزيده تثبيتا بهذه التركيبة. والتركيبة التي سنتناولها اليوم هي قوله تعالى "ألم تر", والتي خاطب بها النبي الكريم في مواطن عديدة, ونبدأ بسم الله العلي العظيم:
وردت هذه التركيبة في القرآن 33 مرة, منها: 15مرة "ألم تر إلى", وذلك مثل قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة : 258]"
و13 مرة "ألم تر أن", وذلك مثل قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [الحج : 18]"
وثلاث مرات "ألم تر كيف", وذلك مثل قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ [الفجر : 6]"
ومرتين: "ألم تروا", وهي خطاب للجمع وليس للرسول الأكرم منفردا, وذلك مثل قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ [لقمان : 20]"

أول موطن وردت فيه هذه التركيبة هو قوله تعالى: ""أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ [البقرة : 243]"
ونلحظ أن الله تعالى استعمل حرف الجر "إلى" مع "رأي", وهذا الاستعمال غير مألوف بالنسبة لنا, لأننا نستعمل هذا الفعل متعديا بنفسه, فنقول: "رأيت فلانا", أو نستعمله متعديا ب "في", فنقول: ماذا ترى في كذا وكذا؟ أما مع "إلى" فلا نكاد نستعملها, لذلك وجدنا الإمام الفخر الرازي يعلق على حرف الجر هذا فيقول:
"المسألة الأولى: اعلم أن الرؤية قد تجىء بمعنى رؤية البصيرة والقلب، وذلك راجع إلى العلم، كقوله: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} [ البقرة : 128 ] معناه: علمنا ، وقال : {لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَا أَرَاكَ الله} [ النساء : 105 ] أي علمك، ثم إن هذا اللفظ قد يستعمل فيما تقدم للمخاطب العلم به ، وفيما لا يكون كذلك فقد يقول الرجل لغيره يريد تعريفه ابتداء: ألم تر إلى ما جرى على فلان ، فيكون هذا ابتداء تعريف، فعلى هذا يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف هذه القصة إلا بهذه الآية، ويجوز أن نقول: كان العلم بها سابقاً على نزول هذه الآية، ثم إن الله تعالى أنزل هذه الآية على وفق ذلك العلم.
....... المسألة الثالثة : دخول لفظة { إلى } في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين} يحتمل أن يكون لأجل أن { إلى } عندهم حرف للانتهاء كقولك: من فلان إلى فلان ، فمن علم بتعليم معلم، فكأن ذلك المعلم أوصل ذلك المتعلم إلى ذلك المعلوم وأنهاه إليه، فحسن من هذا الوجه دخول حرف { إلى } فيه، ونظيره قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل } [ الفرقان : 45 ]" " اهـ
ولم يأت هذا الفعل مقرونا ب "إلى" دوما, وإنما أتى مرتبطا ب "أن", كما نألف نحن استعماله, وذلك في مثل قوله تعالى:
"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادِلة: 7]"
وفي كلتا الحالتين, لا بد من تحديد مدلول "رأى", حتى نستطيع أن نقدم تصورا عن الآيات. إذا نحن نظرنا في تفسير الإمام الألوسي لآية المجادِلة وجدناه يقول:
"{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يعلم مَا فِي السماوات وَمَا فِي الارض } استشهاد على شمول شهادته تعالى أي ألم تعلم أنه عز وجل يعلم ما فيهما من الموجودات سواء كان ذلك بالاستقرار فيهما أو بالجزئية منهما." اهـ
ويحق لنا أن نرفض هذا الفهم, فليست الرؤية بمعنى العلم, فنحن نجد أن الله تعالى استعمل العلم في آيات أخر, منها قوله سبحانه:
"أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج : 70]"
وليست آية المجادِلة بداهة مثل آية الحج, لاختلاف الفعلين المستعملين فيهما, لذا نعود إلى اللسان لنحدد مدلول كلا منهما.
إذا نحن نظرنا في مقاييس اللغة لابن فارس وجدناه يقول:
"رأي: الراء والهمزة والياء أصلٌ يدلُّ على نظرٍ وإبصارٍ بعينٍ أو بصيرة" اهـ

عمرو الشاعر
11-23-2008, 03:41 PM
وكنا قد ناقشنا هذا التعريف في موضوعنا "أعمال القلب في القرآن", وقدمنا تعريفا آخرا للرؤية قلنا فيه:
"رأي : الراء والهمزة والياء أصل يدل على إجلاء الشيء وإظهاره للنفس أو لطرف آخر, سواءا كان ماديا أو معنويا."
وفرقنا بينه وبين النظر, ولم نضعهما في موضع واحد كما فعل ابن فارس, وقلنا أن النظر هو:
نظر: النون والظاء والراء أصل واحد يدل على توجه حاسة التبصر (العين أو القلب ) إلى بعيد متأخر.
ومن أراد الاستزادة حول هذا التحديد فليرجع إلى الموضوع في منتدى "العقل في الإسلام"
إذا فالرؤية معتمدة على النظر, فالإنسان بادئ ذي بدء يوجه نظره ثم ترتد إليه حاسة النظر حاملة المنظور فتتم الرؤيا. ويمكننا أن نزيد المسألة توضيحا, فنقول إن عملية الرؤية مشابهة لعملية التقاط الصور الضوئية, حيث تُجمع عناصر المشاهَد ثم ترتد إلى الرأس. والناظر يجد أن الأصل" راء وهمزة وما يثلثهما, يدل في الأعم الغالب على التجميع والضم والإحاطة, ومن ذلك:
(رأس) الراء والهمزة والسين أصلٌ يدل على تجمُّعٍ وارتفاع.
(رأم) الراء والهمزة والميم أصلٌ يدل على مُضامَّةٍ وقُرْب وعَطْفٍ.
(رأب) الراء والهمزة والباء أصلٌ واحد يدلُّ على ضمٍّ وجَمع. تقول: رأبت الأمورَ المتفرِّقة؛ إذا أنت جمعتَها برِفْقِك، كما يرأبَ الشَّعَّابُ صَدْعَ الجَفْنة.
أما العلم فهو مسألة مختلفة تماما, فإذا نظرنا في المقاييس ألفينا ابن فارس يقول:
"العين واللام والميم أصلٌ صحيح واحد، يدلُّ على أثَرٍ بالشيء يتميَّزُ به عن غيره. .... " اهـ
والعلم ينشأ لزاما عن الرؤية والتبصر, ولكن لا يكون العلم بمعنى الرؤية, فالمرأي قد يكون غير مفهوم أو مبصر. أما العلم فعملية طويلة وليست نتاج مرة, ولا يكون إلا بفهم وبصر, يؤدي إلى رسوخ الأمر في نفس الإنسان, حتى أنه يترك فيه أثرا, لذلك نجد أن الله تعالى عندما يتكلم عن التعلم لم يذكر أبدأ "أعلمنا" وإنما قال "علّم", والتي تفيد التكرار:
"الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [العلق : 4]", "وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف : 68]"
ولا يكون العلم إلا حقا وبدليل, أما الرأي فقد يكون باطلا, ولا دليل عليه, فالله تعالى يحكي قول قوم نوح:
"فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ [هود:27]"
فنجد أن الآية استعملت الفعل ثلاث مرات, الأولى والثانية بمعنى الرؤية العينية والثالثة هي الرؤية القلبية, ولكن هذه الرؤية غير سليمة ولا برهان عليها, لذا قال: وما نرى, وليس: وما نعلم.
لذا فيحق لنا أن نخالف الإمام الفخر الرازي حيث قال: "اعلم أن الرؤية قد تجىء بمعنى رؤية البصيرة والقلب، وذلك راجع إلى العلم،" فليست الرؤية راجعة إلى العلم, وإنما هي راجعة إلى التصور والتخيل, وإلا لما كانت هناك رؤى باطلة! ونتأمل الآيتين القادمتين, اللتين ستحددان لنا مدلول الرؤية:
"قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً [الكهف : 63]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ [القصص : 71]"
فغلام سيدنا موسى يطلب إليه أن يستحضر مشهد إيوائهما إلى الصخرة, فلقد نسى الحوت فيه. فالرؤية هنا مقصود منها التصور, أي استحضار المشهد في الذهن كما كان مرأيا بالعين, فيتذكر الإنسان تفاصيله.
وفي الآية الثانية نجد أن الرؤية افتراضية, فالله يأمر الرسول أن يقول للبشر: تخيلوا أو أوجدوا صورة في أذهانكم, كيف يكون الحال إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة, كيف يكون حالكم ومن يأتيكم بالضياء؟
إذا فعندما يقال: ألم تر, فهي لا تعني: ألم تعلم, وإنما تعني وجود صورة في ذهن الإنسان, نابعة مما شاهده الإنسان. أما العلم فقد يكون بأدلة دون مشاهدة.

فإذا فهمنا أن الرؤية بمعنى الإجلاء والكشف بإيجاد صورة في الذهن, إما بانعكاس لما هو مشاهَد أو مترتبة عليه, فبدهي أن نسأل: كيف تتعدى ب "إلى"؟
الطبيعي في الرؤية أن تتعدى بنفسها, لأنها هي نفسها كاشفة, فيقال: رأيت الشيء! أما أن تتعدى ب "إلى", فهذا يعني أن هذه الرؤية غير طبيعية! فرؤية الإنسان تتوقف عند حدود معينة, ولكن حدث فتح مخصوص في هذه الحالة, أدى إلى وصول الإنسان إلى رؤية هذا الشيء.
قديما قال السادة المفسرون: ليس المقصود من رأي الرؤية!!! وإنما أشياء أخرى, فقال الإمام الألوسي عند تناوله لآية البقرة:
"وفائدة التجوز الحث على الاعتبار لأن النظر اختياري دون الإدراك الذي بعده وإما بمعنى الإدراك القلبي متضمناً معنى الوصول والانتهاء ولهذا تعدت بإلى في قوله تعالى : { إِلَى الذين } كما قاله غير واحد، وقال الراغب: إن الفعل مما يتعدى بنفسه لكن لما استعير لمعنى لم تنظر عدى تعديته بإلى وفائدة استفادته أن النظر قد يتعدى عن الرؤية فإذا أريد الحث على نظر ناتج لا محالة لها استعيرت له وقلما استعمل ذلك في غير التقرير فلا يقال رأيت إلى كذا انتهى." اهـ
ونحن نرفض أن تستعمل الكلمة بغير معناها, فالرؤية والتي هي ناتجة عن النظر لا يمكن أن تكون بمعنى النظر! فالرؤية لا تكون إلا رؤية! وفي هذه الآية –آية البقرة 243- حديث عن رؤيا مخصوصة أراها الله عزوجل للنبي الأكرم, كوقائع عين, شاهد حدوثها النبي الأكرم, ثم أتى الوحي فصاغ هذه الرؤى في شكل آيات متلوة.

عمرو الشاعر
11-23-2008, 03:43 PM
ونميل إلى أن هذه الرؤى المخصوصة كان في حالة يقظة النبي الكريم, فأراه الله هذه الرؤى وغيرها.
ونعجب كثيرا ممن يرفضون أن يكون للنبي الكريم, أو للأنبياء عامة مخاطبات غير ما جاء في الكتاب, وهم عندنا تلك الطائفة المسماة القرآنيون, فالقرآن يثبت هذه المخاطبات, في غير هذه الآية التي تناولناها, فإذا نحن نظرنا في الكتاب وجدنا الله تعالى يقول حاكيا قول سيدنا نوح:
" أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [الأعراف : 62]"
فمن أين لسيدنا نوح هذا العلم, والذي هو غير رسالات الله؟
ويقول حاكيا قول سيدنا يعقوب: "قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [يوسف : 86]
فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [يوسف : 96]
فمن أين لسيدنا يعقوب هذا العلم, إن لم يكن بمخاطبات مخصوصة غير الرسالة؟
ونفس الأمر نجده مع سيدنا موسى, فالله تعالى يقول:
"فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي [طه : 86]"
ومن المعلوم أن سيدنا موسى قال لقومه هذا القول بعد أن عاد من الجبل بعد سماع كلام الله وتلقي الألواح, ويفترض وجود وعد وعهد قبل الألواح والذهاب إلى الجبل, فمن أين وكيف كان هذا الوعد؟
ويتكرر نفس الأمر مع الرسول الكريم, فالله تعالى يقول:
"وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ [الأنفال : 7]"
فأين نجد هذا الوعد في القرآن؟ لا ذكر له, فإما أن يقول القرآنيون بنقصان هذه الآية, أو يقولوا بمجيء هذا الوعد في وحي مستقل.
وفي آية أخرى يقول الله تعالى:"وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً [الإسراء : 60]"
وعندما رأى الرسول الكريم أنه وأصحابه داخلين مكة وأخبرهم, علّق الله على صدق الرؤيا فقال:
"لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح : 27]"

إذا فيمكننا القول عن طريق هذه الآيات وغيرها, أنه كان للرسول الكريم رؤى صادقة غير الوحي القرآني. فإذا قلنا بذلك, وسلّم لنا القرآنيون, -ولزاما سيسلمون- فلنا أن نتوقف مع آيات مثل قوله تعالى:
"أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ [الفجر : 6], ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [الفيل : 1], أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [البقرة : 246]"
ونتساءل, بغض النظر عن فهمنا ل "ألم تر إلى":
الرؤية قلبية وعينية, وعندما تستحيل –عقلا- أن تكون الرؤية العينية, ينتقل فهم اللفظ إلى الرؤية القلبية. ولكن هذا الخطاب إلى النبي الكريم, والذي أراه الله رؤىً غير ما في القرآن, فما الذي يمنع أن يكون السؤال هنا على حقيقته, أي أن الله قد أراه هذه الوقائع ثم تحدث عنها, فأراه في المنام أو في اليقظة كيف فعل بعاد وكيف فعل بأصحاب الفيل, وأراه الملأ من بني إسرائيل وهم يسألون نبيهم, وأراه الألوف وهي خارجة حذر الموت؟!
أجزم أنه لا مانع عقلا ولا دليل على نفي هذا القول, بل ونرى رجحانه, لأنه اتباع للفظ بدون انحراف عنه!
وبهذا التأصيل يكون لا حرج ولا شرك في اتباع السنة وفي أخذ ما ورد فيها, وإن لم يكن له ذكر مباشر أو صريح في القرآن, فالله تعالى أرى النبي, وقص النبي الكريم على الصحابة, ثم نقل الصحابة قول النبي ورواه من بعدهم وهكذا إلى أن وصل إلينا!
فإذا نحن أخذنا هذه الأقوال الموافقة للقرآن والتابعة له والغير معارضة أو مناقضة, من الثقات المتصلين فلا حرج ولا شرك ولا ابتداع, وإنما نتبع وحيا صادقا أراه الله عزوجل للنبي الكريم, والله أعلى وأعلم.