عمرو الشاعر
11-25-2008, 04:21 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين وصلاة وسلاما على المبعوث رحمة للعالمين, سيدنا محمد وعلى آله وصحبه, وبعد:
فنتناول اليوم بإذن الله وعونه سورة الزلزلة, لنتدبر ما ورد فيها من الذكر الحكيم, ونبدأ بسم الله الرحمن الرحيم:
تذكر بعض الروايات أن هذه السورة مدنية, ولكن أسلوبها ومضمونها يرجحان أنها مكية, وهذا ما ورد في روايات أخرى, وما نرجحه نحن ونميل إليه.
المنظور العام للسورة:
تدور السورة في فلك نقطة واحدة وهي بينة اليوم الآخر؛ وهي رؤية الناس لأعمالهم التي ارتكبوها في الحيوة الدنيا,فإذا كانت البينة في الدنيا كتبا يؤتيها الله عزوجل رسله, يبلغونها للناس, فتقيم عليهم الحجة, ففي ذلك اليوم تكون البينة بكتب أخرى, وهي كتب أعمال الناس, كتب هي شاهد صدق لا يكذب, جمعت ما اقترفه الإنسان وما صدر عنه في الدنيا, ثم تعرضه له في اليوم الآخر, بحيث يراها بعينه!
ونبدأ في تناول السورة لنبين مستندنا في هذا القول:
العلاقة بين السورتين:
انتهت السورة الماضية "البينة" بذكر حال الناس في الدار الآخرة كجزاء عادل لهم على موقفهم من البينة بقوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِجَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِأوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِجَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنتَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْوَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ"
وتبدأ هذه السورة الكريمة بذكر مشهد سابق لهذا المشهد, -والذي يتحقق بعده المشهد السابق- وهو قوله تعالى: "إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا ...", فيكون ما ورد في السورة الماضية متوقفا على ما سيرد في هذه السورة.
تبدأ السورة بقوله تعالى: "إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا", ومن غير المألوف ابتداء الكلام ب "إذا", وهذا لأن أسلوب القرآن غير أسلوب البشر والعرب في السرد, ولأنها وإن كانت أول كلمة في السورة إلا أنها مرتبطة بما قبلها.
ونلحظ مجيء الفعل بعد "إذا" مباشرة, فلم تقل الآية "إذا الأرض زلزلت", كما هو الغالب في مثل هذه الآيات, والتي يأتي فيها الفعل في آخر الآية (لاحظ هذا في آيات المرسلات والتكوير والانفطار والانشقاق), وذلك لأن التركيز في هذه الآية على الحدث وليس على الجرم, أما في الآيات الأخرى مثل قوله تعالى: "إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ [الانشقاق : 1]", فالمراد لفت انتباه السامع إلى السماء وعظمتها وقدرها, وكيف ستنشق على الرغم من كل هذا!
فتبدأ السورة بعرض مشهد عظيم من مشاهد هذا اليوم وهو زلزلة الأرض كلها, فعندما تزلزل الأرض زلزالها, ذلك الزلزال الشامل الذي يزلزل الأرض كلها, وليس كزلازلنا, والتي تقع في جزء دون آخر, ذلك الزلزال المرتبط بالساعة:
"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج : 1]", ذلك الزلزال الذي لا يترك شيئا على حاله وإنما يرفع ويخفض. ونلحظ أن الله تعالى نسب الزلزال إليها, فلم يقل: "إذا زلزلت الأرض زلزالا", وإنما قال "زلزالها", كأن في هذا إشارة إلى أنه مكتوب في برنامجها المقدر أن تُزلزل زلزالا شديدا.
وتستمر السورة في السرد فتعرض مشهدا آخر تابعا, وهو قوله تعالى: "وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا", فمع هذا الزلزال يقع اضطراب عظيم آخر وهو أن تخرج الأرض أثقالها, ونتوقف لنتساءل: ما هي أثقال الأرض؟
اختلف المفسرون في المراد من الأثقال, إلا أن المشتهر في ذلك هو أن المراد من الأثقال إما البشر أنفسهم أو الكنوز, ونورد هنا ما ذكره الإمام الألوسي في تفسيره حول هذه الآية:
"{ وَأَخْرَجَتِ الارض أَثْقَالَهَا } فقد قال ابن عباس أي موتاهاوقال النقاش والزجاج ومنذر بن سعيد أن كنوزها وموتاها وروي عن ابن عباس أيضاً. (.......) واقتصر بعضهم على تفسير الأثقال بالكنوز مع كون المراد بالوقت وقت النفخة الثانية وقال تخرج الأرض كنوزها يوم القيامة ليراها أهل الموقف فيتحسر العصاة إذا نظروا إليها حيث عصوا الله تعالى فيها ثم تركوها لا تغنى عنهم شيئاً (.....) وأياً ما كان فالأثقال جمع ثقل بالتحريك وهو على ما في القاموس متاع المسافر وكل نفيس مصون وتجوز به ههنا على سبيل الاستعارة عن الثاني وجوز أن يكون جمع ثقل بكسر فسكون بمعنى حمل البطن على التشبيه والاستعارة أيضاً كما قال الشريف المرتضى في الدرر وأشار إلى أنه لا يطلق على ما ذكر إلا بطريق الاستعارة ومنهم من فسر الأثقال ههنا بالأسرار وهو مع مخالفته للمأثور بعيد وإظهار الأرض في موقع الاضمار لزيادة التقرير وقيل للإيماء إلى تبديل الأرض غير الأرض أو لأن إخراج الأرض حال بعض أجزائها والظاهر أن اخراجها ذلك مسبب عن الزلزال كما ينفض البساط ليخرج ما فيه من الغار ونحوه " اهـ
الحمدلله رب العالمين وصلاة وسلاما على المبعوث رحمة للعالمين, سيدنا محمد وعلى آله وصحبه, وبعد:
فنتناول اليوم بإذن الله وعونه سورة الزلزلة, لنتدبر ما ورد فيها من الذكر الحكيم, ونبدأ بسم الله الرحمن الرحيم:
تذكر بعض الروايات أن هذه السورة مدنية, ولكن أسلوبها ومضمونها يرجحان أنها مكية, وهذا ما ورد في روايات أخرى, وما نرجحه نحن ونميل إليه.
المنظور العام للسورة:
تدور السورة في فلك نقطة واحدة وهي بينة اليوم الآخر؛ وهي رؤية الناس لأعمالهم التي ارتكبوها في الحيوة الدنيا,فإذا كانت البينة في الدنيا كتبا يؤتيها الله عزوجل رسله, يبلغونها للناس, فتقيم عليهم الحجة, ففي ذلك اليوم تكون البينة بكتب أخرى, وهي كتب أعمال الناس, كتب هي شاهد صدق لا يكذب, جمعت ما اقترفه الإنسان وما صدر عنه في الدنيا, ثم تعرضه له في اليوم الآخر, بحيث يراها بعينه!
ونبدأ في تناول السورة لنبين مستندنا في هذا القول:
العلاقة بين السورتين:
انتهت السورة الماضية "البينة" بذكر حال الناس في الدار الآخرة كجزاء عادل لهم على موقفهم من البينة بقوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِجَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِأوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِجَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنتَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْوَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ"
وتبدأ هذه السورة الكريمة بذكر مشهد سابق لهذا المشهد, -والذي يتحقق بعده المشهد السابق- وهو قوله تعالى: "إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا ...", فيكون ما ورد في السورة الماضية متوقفا على ما سيرد في هذه السورة.
تبدأ السورة بقوله تعالى: "إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا", ومن غير المألوف ابتداء الكلام ب "إذا", وهذا لأن أسلوب القرآن غير أسلوب البشر والعرب في السرد, ولأنها وإن كانت أول كلمة في السورة إلا أنها مرتبطة بما قبلها.
ونلحظ مجيء الفعل بعد "إذا" مباشرة, فلم تقل الآية "إذا الأرض زلزلت", كما هو الغالب في مثل هذه الآيات, والتي يأتي فيها الفعل في آخر الآية (لاحظ هذا في آيات المرسلات والتكوير والانفطار والانشقاق), وذلك لأن التركيز في هذه الآية على الحدث وليس على الجرم, أما في الآيات الأخرى مثل قوله تعالى: "إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ [الانشقاق : 1]", فالمراد لفت انتباه السامع إلى السماء وعظمتها وقدرها, وكيف ستنشق على الرغم من كل هذا!
فتبدأ السورة بعرض مشهد عظيم من مشاهد هذا اليوم وهو زلزلة الأرض كلها, فعندما تزلزل الأرض زلزالها, ذلك الزلزال الشامل الذي يزلزل الأرض كلها, وليس كزلازلنا, والتي تقع في جزء دون آخر, ذلك الزلزال المرتبط بالساعة:
"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج : 1]", ذلك الزلزال الذي لا يترك شيئا على حاله وإنما يرفع ويخفض. ونلحظ أن الله تعالى نسب الزلزال إليها, فلم يقل: "إذا زلزلت الأرض زلزالا", وإنما قال "زلزالها", كأن في هذا إشارة إلى أنه مكتوب في برنامجها المقدر أن تُزلزل زلزالا شديدا.
وتستمر السورة في السرد فتعرض مشهدا آخر تابعا, وهو قوله تعالى: "وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا", فمع هذا الزلزال يقع اضطراب عظيم آخر وهو أن تخرج الأرض أثقالها, ونتوقف لنتساءل: ما هي أثقال الأرض؟
اختلف المفسرون في المراد من الأثقال, إلا أن المشتهر في ذلك هو أن المراد من الأثقال إما البشر أنفسهم أو الكنوز, ونورد هنا ما ذكره الإمام الألوسي في تفسيره حول هذه الآية:
"{ وَأَخْرَجَتِ الارض أَثْقَالَهَا } فقد قال ابن عباس أي موتاهاوقال النقاش والزجاج ومنذر بن سعيد أن كنوزها وموتاها وروي عن ابن عباس أيضاً. (.......) واقتصر بعضهم على تفسير الأثقال بالكنوز مع كون المراد بالوقت وقت النفخة الثانية وقال تخرج الأرض كنوزها يوم القيامة ليراها أهل الموقف فيتحسر العصاة إذا نظروا إليها حيث عصوا الله تعالى فيها ثم تركوها لا تغنى عنهم شيئاً (.....) وأياً ما كان فالأثقال جمع ثقل بالتحريك وهو على ما في القاموس متاع المسافر وكل نفيس مصون وتجوز به ههنا على سبيل الاستعارة عن الثاني وجوز أن يكون جمع ثقل بكسر فسكون بمعنى حمل البطن على التشبيه والاستعارة أيضاً كما قال الشريف المرتضى في الدرر وأشار إلى أنه لا يطلق على ما ذكر إلا بطريق الاستعارة ومنهم من فسر الأثقال ههنا بالأسرار وهو مع مخالفته للمأثور بعيد وإظهار الأرض في موقع الاضمار لزيادة التقرير وقيل للإيماء إلى تبديل الأرض غير الأرض أو لأن إخراج الأرض حال بعض أجزائها والظاهر أن اخراجها ذلك مسبب عن الزلزال كما ينفض البساط ليخرج ما فيه من الغار ونحوه " اهـ