عمرو الشاعر
12-09-2008, 08:28 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين وصلاة وسلاما على المبعوث رحمة للعالمين, وعلى آله الطيبين وصحبه المكرمين, ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين, ثم أما بعد:
فحديثنا اليوم بإذن الله وعونه هو حول "المؤلفة قلوبهم", لنرد على الطاعنين في هذا الصنف وفي هذا التشريع, لأنهم يعدون هذا الأمر نوعا من التحفيز على اعتناق مبادئ عن طريق المال, ويقولون: كيف تنتقدون تصرفات وأفعال المنظمات التبشيرية وأنتم لديكم في دينكم تشريعات مماثلة! فعندكم مصرف كامل من مصارف الصدقات لهذا الباب, -يقصدون بذلك قوله تعالى:
إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة : 60]-
وقبل أن نرد على هذه الدعوى لا بد لنا من وقفة مع هذا الصنف, لنحدد أولا ما المراد منه, ثم بعد ذلك نعرض الحكمة في هذا التشريع, والتي ستبين إذا كان لدعواهم مستند, أما أنها منزوعة الأصل.
إذا نحن نظرنا في المقاييس, وجدنا ابن فارس يقول:
"الهمزة واللام والفاء أصل واحد، يدلُّ على انضمام الشيء إلى الشيء، والأشياء الكثيرة أيضاً. قال الخليل:الأَلْفُ معروفٌ، والجمع الآلاف. ........و كلُّ شيءٍ ضممتَ بعضَه إلى بعضٍ فقد ألّفته تأليفاً. الأصمعيّ: يقال ألِفْتُ الشيءآلَفُه إلْفاًوأنا آلِفٌ، وآلَفْتُه وأنامُؤْلفٌ.قال ذو الرمّة:من المؤْلِفَات الرَّمْلِ أدْماءُ حُرَّةٌ شُعاعُ الضُّحَى في لَوْنها يتوضَّحُ ... " اهـ
إلا أنا نزيد المعنى تحديدا فنقول: هو انضمام الشيء إلى الشيء مع تناسب وتوافق, فلو ضمت الأضداد إلى بعضها ما سمي ذلك تأليفا!
إذا فالمؤلفة قلوبهم –تبعا لمدلول كلمة التأليف- هم قوم ضُمت قلوبهم إلى شيء ما, -لاحظ استعمال صيغة المبني لما لم يُسم فاعله- وهنا لا بد لنا من وقفة,فهذه التسمية تعني أن قلوبهم مؤلفة من قبل أن يُعطوا المال, فليس المال هو الذي ألف قلوبهم, وإنما هم مؤلفة قلوبهم, ولذلك استحقوا أن يأخذوا هذا المال, كما أن الفقير ليس فقيرا بسبب المال المعطى له, وإنما لكونه فقيرا قبل أن يُعطى المال, استحق أن يأخذ من هذا المال, ولو كان المراد من ذلك التأليف لقال: وفي التأليف, كما قال في الصنف التالي: وفي الرقاب أو الغارمين! لأن المال ينفق من أجل فك الرقاب ورفع الغرامة, أما هؤلاء فمؤلفة أصلا, ثم صُرف لهم المال لذلك!
ولا بد أن نتذكر دوما أن الله يعرفنا أنه هو الذي يؤلف بين القلوب, فيقول:
"وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران : 103]"
فلما ألف بين القلوب زالت العداوات وانقلب الحال, فصار الأعداء إخوانا!
كما يعرفنا الله عزوجل أن المال لا يجدي ولا ينفع في مسألة التأليف بين القلوب, فيقول تعالى:
"وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال : 62-63]"
فالله تعالى يقول في الآية للنبي الكريم أنه لو أنفق ما في الأرض جميعا ما ألف بين قلوب المؤمنين الذين صاروا بنعمة الله إخوانا.
وتبعا لهذا الفهم, فسيختلف تصور المؤلفة قلوبهم كثيرا, فإذا نحن نظرنا إلى تصوراتهم عند السادة الفقهاء, وجدنا تصورات لا علاقة لها بالمدلول المباشر للكلمة, ونورد هنا ما ذكره الإمام الشوكاني في نيل الأوطار, حيث يقول:
"قد اُختلف في المراد بالمؤلفة الذين هم أحد المستحقين للزكاة فقيل كفار يعطون ترغيبا في الإسلام. وقيل مسلمون لهم أتباع كفار يتألفونهم . وقيل مسلمون أول ما دخلوا في الإسلام ليتمكن الإسلام من قلوبهم، والمراد بالرجال الذين أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ههنا هم جماعة قد سردأبو الفضل بن طاهرفي المبهمات له أسماءهم فقال : همأبو سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو (http://www.islamweb.net/newlibrary/showalam.php?ids=3795) وحويطب بن عبد العزى (http://www.islamweb.net/newlibrary/showalam.php?ids=2207) وحكيم بن حزام (http://www.islamweb.net/newlibrary/showalam.php?ids=137) وأبو السنابل بن بعكك وصفوان بن أمية (http://www.islamweb.net/newlibrary/showalam.php?ids=90) وعبد الرحمن بن يربوع وهؤلاء من قريش.وعيينة بن حصن الفزاري والأقرع بن حابس التميمي وعمرو بن الأهتم التميمي وعباس بن مرداس السلمي ومالك بن عوف النصري والعلاء بن حارثة الثقفي" اهـ
الحمدلله رب العالمين وصلاة وسلاما على المبعوث رحمة للعالمين, وعلى آله الطيبين وصحبه المكرمين, ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين, ثم أما بعد:
فحديثنا اليوم بإذن الله وعونه هو حول "المؤلفة قلوبهم", لنرد على الطاعنين في هذا الصنف وفي هذا التشريع, لأنهم يعدون هذا الأمر نوعا من التحفيز على اعتناق مبادئ عن طريق المال, ويقولون: كيف تنتقدون تصرفات وأفعال المنظمات التبشيرية وأنتم لديكم في دينكم تشريعات مماثلة! فعندكم مصرف كامل من مصارف الصدقات لهذا الباب, -يقصدون بذلك قوله تعالى:
إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة : 60]-
وقبل أن نرد على هذه الدعوى لا بد لنا من وقفة مع هذا الصنف, لنحدد أولا ما المراد منه, ثم بعد ذلك نعرض الحكمة في هذا التشريع, والتي ستبين إذا كان لدعواهم مستند, أما أنها منزوعة الأصل.
إذا نحن نظرنا في المقاييس, وجدنا ابن فارس يقول:
"الهمزة واللام والفاء أصل واحد، يدلُّ على انضمام الشيء إلى الشيء، والأشياء الكثيرة أيضاً. قال الخليل:الأَلْفُ معروفٌ، والجمع الآلاف. ........و كلُّ شيءٍ ضممتَ بعضَه إلى بعضٍ فقد ألّفته تأليفاً. الأصمعيّ: يقال ألِفْتُ الشيءآلَفُه إلْفاًوأنا آلِفٌ، وآلَفْتُه وأنامُؤْلفٌ.قال ذو الرمّة:من المؤْلِفَات الرَّمْلِ أدْماءُ حُرَّةٌ شُعاعُ الضُّحَى في لَوْنها يتوضَّحُ ... " اهـ
إلا أنا نزيد المعنى تحديدا فنقول: هو انضمام الشيء إلى الشيء مع تناسب وتوافق, فلو ضمت الأضداد إلى بعضها ما سمي ذلك تأليفا!
إذا فالمؤلفة قلوبهم –تبعا لمدلول كلمة التأليف- هم قوم ضُمت قلوبهم إلى شيء ما, -لاحظ استعمال صيغة المبني لما لم يُسم فاعله- وهنا لا بد لنا من وقفة,فهذه التسمية تعني أن قلوبهم مؤلفة من قبل أن يُعطوا المال, فليس المال هو الذي ألف قلوبهم, وإنما هم مؤلفة قلوبهم, ولذلك استحقوا أن يأخذوا هذا المال, كما أن الفقير ليس فقيرا بسبب المال المعطى له, وإنما لكونه فقيرا قبل أن يُعطى المال, استحق أن يأخذ من هذا المال, ولو كان المراد من ذلك التأليف لقال: وفي التأليف, كما قال في الصنف التالي: وفي الرقاب أو الغارمين! لأن المال ينفق من أجل فك الرقاب ورفع الغرامة, أما هؤلاء فمؤلفة أصلا, ثم صُرف لهم المال لذلك!
ولا بد أن نتذكر دوما أن الله يعرفنا أنه هو الذي يؤلف بين القلوب, فيقول:
"وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران : 103]"
فلما ألف بين القلوب زالت العداوات وانقلب الحال, فصار الأعداء إخوانا!
كما يعرفنا الله عزوجل أن المال لا يجدي ولا ينفع في مسألة التأليف بين القلوب, فيقول تعالى:
"وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال : 62-63]"
فالله تعالى يقول في الآية للنبي الكريم أنه لو أنفق ما في الأرض جميعا ما ألف بين قلوب المؤمنين الذين صاروا بنعمة الله إخوانا.
وتبعا لهذا الفهم, فسيختلف تصور المؤلفة قلوبهم كثيرا, فإذا نحن نظرنا إلى تصوراتهم عند السادة الفقهاء, وجدنا تصورات لا علاقة لها بالمدلول المباشر للكلمة, ونورد هنا ما ذكره الإمام الشوكاني في نيل الأوطار, حيث يقول:
"قد اُختلف في المراد بالمؤلفة الذين هم أحد المستحقين للزكاة فقيل كفار يعطون ترغيبا في الإسلام. وقيل مسلمون لهم أتباع كفار يتألفونهم . وقيل مسلمون أول ما دخلوا في الإسلام ليتمكن الإسلام من قلوبهم، والمراد بالرجال الذين أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ههنا هم جماعة قد سردأبو الفضل بن طاهرفي المبهمات له أسماءهم فقال : همأبو سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو (http://www.islamweb.net/newlibrary/showalam.php?ids=3795) وحويطب بن عبد العزى (http://www.islamweb.net/newlibrary/showalam.php?ids=2207) وحكيم بن حزام (http://www.islamweb.net/newlibrary/showalam.php?ids=137) وأبو السنابل بن بعكك وصفوان بن أمية (http://www.islamweb.net/newlibrary/showalam.php?ids=90) وعبد الرحمن بن يربوع وهؤلاء من قريش.وعيينة بن حصن الفزاري والأقرع بن حابس التميمي وعمرو بن الأهتم التميمي وعباس بن مرداس السلمي ومالك بن عوف النصري والعلاء بن حارثة الثقفي" اهـ