عمرو الشاعر
04-28-2009, 08:17 AM
هل الرهان في المسابقة من الميسر؟!
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين, وصلاة وسلاما على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى إخوته من الأنبياء الأبرار الأخيار, ثم أما بعد:
حديثنا اليوم بإذن الله وعونه عن الرهان, والذي يفتي جل الأخوة المشتغلين بالدعوة -إن لم يكن كلهم!- بتحريمه بجميع أصنافه! وبمعنى أدق يدخلون فيه ما ليس منه, ثم يلحقونه به.
والحق يقال أني كنت منهم, تقليدا لما قرأناه وتعلمناه في كتب الفقه في الأزهر الشريف, إلى أن توقفت ذات مرة وسألت نفسي بعد إجابتي لسائل حول الرهان, ما هو الدليل على التحريم ولماذا يحرم أصلا؟!
فلما نظرت في المسألة وفي الأدلة التي يستدلون بها, ظهر لي أن مستندهم في هذه المسألة غير قويم, وأن ما قاله الإمام ابن القيم في هذه المسألة, وطمر بين صفحات الكتب, هو الأقرب إلى الصحة والصواب.
ونبدأ بعرض الأدلة التي استندوا إليها في تحريمهم للرهان, ونرد عليهم, مسئنسين بما ذكره ابن القيم في المسألة, -حتى لا يقال أن هذا مما لم تأت به الأوائل!-, مظهرين أن المسألة مما تعارف عليها الناس بلا مستند صحيح من النقل أو العقل, ونبدأ باسم الله وعليه الاتكال:
استند المحرمون للرهان إلى قوله تعالى:
"يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ..... [البقرة : 219]"
وإلى قوله تعالى:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة : 90]"
واعتبروا كل رهان ميسر! وعلى هذا الأساس قاموا بتحريمه!
ولكي يتكون عندنا تصور جيد للمسألة نعرف القارئ, كيف كان الميسر في زمان رسول الله عزوجل, والذي كان الشكل الأول الذي أسقط عليه التحريم, ومن خلال هذا التعريف سيعرف القارئ ما هو الأصل اللغوي لهذه الكلمة.
ونذكر ما قاله الإمام الفخر الرازي عند تناوله لآية البقرة, والذي ينقل فيها بدوره عن الإمام الزمخشري!, فيقول:
"المسألة الثالثة: في حقيقة الميسر؛ فنقول:
الميسر القمار ، مصدر من يسر كالموعد والمرجع من فعلهما، يقال يسرته إذا قمرته، واختلفوا في اشتقاقه على وجوه ؛أحدها: قال مقاتل: اشتقاقه من اليسر لأنه أخذ لمال الرجل بيسر وسهولة من غير كد ولا تعب، كانوا يقولون: يسروا لنا ثمن الجزور، أو من اليسار لأنه سبب يساره ، وعن ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله.
وثانيها: قال ابن قتيبة: الميسر من التجزئة والاقتسام، يقال: يسروا الشيء، أي اقتسموه، فالجزور نفسه يسمى ميسراً لأنه يجزأ أجزاء، فكأنه موضع التجزئة، والياسر الجازر، لأنه يجزىء لحم الجزور، ثم يقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور: إنهم ياسرون لأنهم بسبب ذلك الفعل يجزؤن لحم الجزور. وثالثها : قال الواحدي: إنه من قولهم: يسر لي هذا الشيء ييسر يسرا وميسراً إذا وجب ، والياسر الواجب بسبب القداح، هذا هو الكلام في اشتقاق هذه اللفظة .
وأما صفة الميسر فقال صاحب «الكشاف»: كانت لهم عشرة قداح، وهي الأزلام والأقلام الفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس، بفتح الحاء وكسر اللام ، وقيل بكسر الحاء وسكون اللام، والمسبل، والمعلى، والنافس، والمنيح، والسفيح، والوغد، لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزؤونها عشرة أجزاء، وقيل: ثمانية وعشرين جزءاً إلا ثلاثة، وهي: المنيح والسفيح، والوعد، ولبعضهم في هذا المعنى شعر:
لي في الدنيا سهام ... ليس فيهن ربيح
وأساميهن وغد ... وسفيح ومنيح
فللفذ سهم ، وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة، يجعلونها في الربابة، وهي الخريطة ويضعونها على يد عدل، ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحاً منها فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح لا نصيب له لم يأخذ شيئاً، وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء، ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم.
المسألة الرابعة: اختلفوا في أن الميسر هل هو اسم لذلك القمار المعين، أو هو اسم لجميع أنواع القمار، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إياكم وهاتين الكعبتين فإنهما من ميسر العجم "
وعن ابن سيرين ومجاهد وعطاء: كل شيء فيه خطر فهو من الميسر ، حتى لعب الصبيان بالجوز ، وأما الشطرنج فروي عن علي عليه السلام أنه قال : النرد والشطرنج من الميسر ، وقال الشافعي رضي الله عنه : إذا خلا الشطرنج عن الرهان ، واللسان عن الطغيان والصلاة عن النسيان ، لم يكن حراماً ، وهو خارج عن الميسر ، لأن الميسر ما يوجب دفع المال ، أو أخذ مال ، وهذا ليس كذلك ، فلا يكون قماراً ولا ميسراً، والله أعلم ، أما السبق في الخف والحافر فبالاتفاق ليس من الميسر ، وشرحه مذكور في كتاب السبق والرمي من كتب الفقه." اهـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين, وصلاة وسلاما على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى إخوته من الأنبياء الأبرار الأخيار, ثم أما بعد:
حديثنا اليوم بإذن الله وعونه عن الرهان, والذي يفتي جل الأخوة المشتغلين بالدعوة -إن لم يكن كلهم!- بتحريمه بجميع أصنافه! وبمعنى أدق يدخلون فيه ما ليس منه, ثم يلحقونه به.
والحق يقال أني كنت منهم, تقليدا لما قرأناه وتعلمناه في كتب الفقه في الأزهر الشريف, إلى أن توقفت ذات مرة وسألت نفسي بعد إجابتي لسائل حول الرهان, ما هو الدليل على التحريم ولماذا يحرم أصلا؟!
فلما نظرت في المسألة وفي الأدلة التي يستدلون بها, ظهر لي أن مستندهم في هذه المسألة غير قويم, وأن ما قاله الإمام ابن القيم في هذه المسألة, وطمر بين صفحات الكتب, هو الأقرب إلى الصحة والصواب.
ونبدأ بعرض الأدلة التي استندوا إليها في تحريمهم للرهان, ونرد عليهم, مسئنسين بما ذكره ابن القيم في المسألة, -حتى لا يقال أن هذا مما لم تأت به الأوائل!-, مظهرين أن المسألة مما تعارف عليها الناس بلا مستند صحيح من النقل أو العقل, ونبدأ باسم الله وعليه الاتكال:
استند المحرمون للرهان إلى قوله تعالى:
"يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ..... [البقرة : 219]"
وإلى قوله تعالى:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة : 90]"
واعتبروا كل رهان ميسر! وعلى هذا الأساس قاموا بتحريمه!
ولكي يتكون عندنا تصور جيد للمسألة نعرف القارئ, كيف كان الميسر في زمان رسول الله عزوجل, والذي كان الشكل الأول الذي أسقط عليه التحريم, ومن خلال هذا التعريف سيعرف القارئ ما هو الأصل اللغوي لهذه الكلمة.
ونذكر ما قاله الإمام الفخر الرازي عند تناوله لآية البقرة, والذي ينقل فيها بدوره عن الإمام الزمخشري!, فيقول:
"المسألة الثالثة: في حقيقة الميسر؛ فنقول:
الميسر القمار ، مصدر من يسر كالموعد والمرجع من فعلهما، يقال يسرته إذا قمرته، واختلفوا في اشتقاقه على وجوه ؛أحدها: قال مقاتل: اشتقاقه من اليسر لأنه أخذ لمال الرجل بيسر وسهولة من غير كد ولا تعب، كانوا يقولون: يسروا لنا ثمن الجزور، أو من اليسار لأنه سبب يساره ، وعن ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله.
وثانيها: قال ابن قتيبة: الميسر من التجزئة والاقتسام، يقال: يسروا الشيء، أي اقتسموه، فالجزور نفسه يسمى ميسراً لأنه يجزأ أجزاء، فكأنه موضع التجزئة، والياسر الجازر، لأنه يجزىء لحم الجزور، ثم يقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور: إنهم ياسرون لأنهم بسبب ذلك الفعل يجزؤن لحم الجزور. وثالثها : قال الواحدي: إنه من قولهم: يسر لي هذا الشيء ييسر يسرا وميسراً إذا وجب ، والياسر الواجب بسبب القداح، هذا هو الكلام في اشتقاق هذه اللفظة .
وأما صفة الميسر فقال صاحب «الكشاف»: كانت لهم عشرة قداح، وهي الأزلام والأقلام الفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس، بفتح الحاء وكسر اللام ، وقيل بكسر الحاء وسكون اللام، والمسبل، والمعلى، والنافس، والمنيح، والسفيح، والوغد، لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزؤونها عشرة أجزاء، وقيل: ثمانية وعشرين جزءاً إلا ثلاثة، وهي: المنيح والسفيح، والوعد، ولبعضهم في هذا المعنى شعر:
لي في الدنيا سهام ... ليس فيهن ربيح
وأساميهن وغد ... وسفيح ومنيح
فللفذ سهم ، وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة، يجعلونها في الربابة، وهي الخريطة ويضعونها على يد عدل، ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحاً منها فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح لا نصيب له لم يأخذ شيئاً، وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء، ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم.
المسألة الرابعة: اختلفوا في أن الميسر هل هو اسم لذلك القمار المعين، أو هو اسم لجميع أنواع القمار، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إياكم وهاتين الكعبتين فإنهما من ميسر العجم "
وعن ابن سيرين ومجاهد وعطاء: كل شيء فيه خطر فهو من الميسر ، حتى لعب الصبيان بالجوز ، وأما الشطرنج فروي عن علي عليه السلام أنه قال : النرد والشطرنج من الميسر ، وقال الشافعي رضي الله عنه : إذا خلا الشطرنج عن الرهان ، واللسان عن الطغيان والصلاة عن النسيان ، لم يكن حراماً ، وهو خارج عن الميسر ، لأن الميسر ما يوجب دفع المال ، أو أخذ مال ، وهذا ليس كذلك ، فلا يكون قماراً ولا ميسراً، والله أعلم ، أما السبق في الخف والحافر فبالاتفاق ليس من الميسر ، وشرحه مذكور في كتاب السبق والرمي من كتب الفقه." اهـ