عمرو الشاعر
05-03-2009, 08:33 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين الملك القدوس العزيز العليم, وصلاة وسلاما على المبعوث رحمة للعالمين, سيدنا محمد وعلى آله ومن اقتدى بهدي النبيين إلى يوم الدين ثم أما بعد:
نذكر اليوم نموذجا من التخبط الذي أوقع القائلون بالترادف كتابَ الله عزوجل فيه, فبسبب فهمهم الكلمة بكلمة أخرى ظهرت تعارضات بين آيات وآيات وكلمات وكلمات!! واستغل غير المسلمين هذه التناقضات المزعومة ولعبوا على وترها وزعموا وجود تناقضات في كتاب الله! على الرغم من أن الفتاح العليم يقول:
أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً [النساء : 82]
فينفي الفتاح العليم وجود الاختلاف ومن ثم يستحيل وجود التناقض تباعا!
ومن النماذج التي زعم المعارضون وجود التناقض فيها, قوله تعالى:
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال : 2]
وقوله تعالى:
الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد : 28]
فلما قال المفسرون أن الوجل بمعنى الخوف!! ظهر تعارض –عند المفسرين- وهو: هل تطمئن القلوب بذكر الله أم تخاف؟!
وتلقف المرجفون!! هذا التعارض المزعوم الذي أوجده المفسرون وذكروه في نماذج!! لتعارضات موجودة في القرآن ومن ثم فلا يمكن أن يكون وحيا إلهيا!!
وحاول المفسرون إبطال هذا التعارض –الذي سببوه- فوفقوا بين الآيات بتوفيقات, منها ما ذكره الإمام الفخر الرازي في تفسيره:
"وقال أصحاب الحقائق: الخوف على قسمين: خوف العقاب، وخوف العظمة والجلال. أما خوف العقاب فهو للعصاة. وأما خوف الجلال والعظمة فهو لا يزول عن قلب أحد من المخلوقين، سواء كان ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً، وذلك لأنه تعالى غني لذاته عن كل الموجودات وما سواه من الموجودات فمحتاجون إليه، والمحتاج إذا حضر عند الملك الغني يهابه ويخافه، وليست تلك الهيبة من العقاب ، بل مجرد علمه بكونه غنياً عنه، وكونه محتاجاً إليه يوجب تلك المهابة، وذلك الخوف.
إذا عرفت هذا فنقول: إن كان المراد من الوجل القسم الأول، فذلك لا يحصل من مجرد ذكر الله، وإنما يحصل من ذكر عقاب الله. وهذا هو اللائق بهذا الموضع، لأن المقصود من هذه الآية إلزام أصحاب بدر طاعة الله وطاعة الرسول في قسمة الأنفال ، وأما إن كان المراد من الوجل القسم الثاني ، فذلك لازم من مجرد ذكر الله ، ولا حاجة في الآية إلى الإضمار .
فإن قيل: إنه تعالى قال ههنا {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} وقال في آية أخرى: {الذين ءامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله } [الرعد : 28 ] فكيف الجمع بينهما؟ وأيضاً قال في آية أخرى: { ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله } [الزمر : 23 ] قلنا: الاطمئنان إنما يكون عن ثلج اليقين، وشرح الصدر بمعرفة التوحيد، والوجل إنما يكون من خوف العقوبة، ولا منافاة بين هاتين الحالتين، بل نقول: هذان الوصفان اجتمعا في آية واحدة، وهي قوله تعالى: { تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله} [الزمر : 23 ] والمعنى: تقشعر الجلود من خوف عذاب الله، ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند رجاء ثواب الله." اهـ
ولقد اقترب الإمام الفخر الرازي كثيرا في توفيقه بين الآيتين, إلا أن المشكلة هي في إصراره على فهم الوجل بمعنى الخوف!
ولا تعارض بين الآيتين, فعلى فرض أن الوجل بمعنى الخوف, هل هناك ما يمنع أن يجتمع الخوف مع الطمأنينة في قلب؟! (لاحظ أن الخوف ليس بمعنى الفزع!!)
يمتنع ذلك فعلا إذا كان الاثنان متضادين! أي أن الخوف عكس الطمأنينة! فهل الخوف عكس الطمأنينة؟
لا, فنحن نقول: اطمئن ولا تقلق!
والله تعالى يقول: وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً.
إذا فليس الاثنان متضادين حتى يستحيل الجمع بينهما!
قد يقول قائل: ربما ليس متضادين ولكن يفترض أن ينشئا كلاهما عن أمر واحد, وهذا غريب أن يجتمع الوجل والطمأنينة من أمر واحد!!
نقول: الغريب هو من يقول هذا الأمر, فالمشاعر الإنسانية لا تُقسم إلى أصناف منفصلة, وإنما هي متداخلة, ألا يجتمع السرور والتوجس في نفس الإنسان –في نفس الوقت والظروف!-؟! وألا يجتمع الرضا والغضب في عين الوقت على نفس الشخص لنفس الفعل؟!
بداهة تجتمع المشاعر وتتداخل تجاه الفعل الواحد, فما بالنا إذا اختلفت الظروف والأحوال, فإن هذا أكثر من كاف لاختلاف الشعور تجاه الشيء الواحد تبعا لظروف الفرد ولأحوال الشيء! وهذا هو الحال في هاتين الآيتين!
أما إذا قلنا أن الكلمتين مختلفتا المعنى –بداهة- (أي أن الوجل غير الخوف) ارتفع الإشكال مباشرة! فكما قلنا: من الممكن اجتماع أكثر من شعور في داخل الإنسان! والمهم أن يكون من الممكن اجتماع هذه المشاعر!
الحمد لله رب العالمين الملك القدوس العزيز العليم, وصلاة وسلاما على المبعوث رحمة للعالمين, سيدنا محمد وعلى آله ومن اقتدى بهدي النبيين إلى يوم الدين ثم أما بعد:
نذكر اليوم نموذجا من التخبط الذي أوقع القائلون بالترادف كتابَ الله عزوجل فيه, فبسبب فهمهم الكلمة بكلمة أخرى ظهرت تعارضات بين آيات وآيات وكلمات وكلمات!! واستغل غير المسلمين هذه التناقضات المزعومة ولعبوا على وترها وزعموا وجود تناقضات في كتاب الله! على الرغم من أن الفتاح العليم يقول:
أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً [النساء : 82]
فينفي الفتاح العليم وجود الاختلاف ومن ثم يستحيل وجود التناقض تباعا!
ومن النماذج التي زعم المعارضون وجود التناقض فيها, قوله تعالى:
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال : 2]
وقوله تعالى:
الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد : 28]
فلما قال المفسرون أن الوجل بمعنى الخوف!! ظهر تعارض –عند المفسرين- وهو: هل تطمئن القلوب بذكر الله أم تخاف؟!
وتلقف المرجفون!! هذا التعارض المزعوم الذي أوجده المفسرون وذكروه في نماذج!! لتعارضات موجودة في القرآن ومن ثم فلا يمكن أن يكون وحيا إلهيا!!
وحاول المفسرون إبطال هذا التعارض –الذي سببوه- فوفقوا بين الآيات بتوفيقات, منها ما ذكره الإمام الفخر الرازي في تفسيره:
"وقال أصحاب الحقائق: الخوف على قسمين: خوف العقاب، وخوف العظمة والجلال. أما خوف العقاب فهو للعصاة. وأما خوف الجلال والعظمة فهو لا يزول عن قلب أحد من المخلوقين، سواء كان ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً، وذلك لأنه تعالى غني لذاته عن كل الموجودات وما سواه من الموجودات فمحتاجون إليه، والمحتاج إذا حضر عند الملك الغني يهابه ويخافه، وليست تلك الهيبة من العقاب ، بل مجرد علمه بكونه غنياً عنه، وكونه محتاجاً إليه يوجب تلك المهابة، وذلك الخوف.
إذا عرفت هذا فنقول: إن كان المراد من الوجل القسم الأول، فذلك لا يحصل من مجرد ذكر الله، وإنما يحصل من ذكر عقاب الله. وهذا هو اللائق بهذا الموضع، لأن المقصود من هذه الآية إلزام أصحاب بدر طاعة الله وطاعة الرسول في قسمة الأنفال ، وأما إن كان المراد من الوجل القسم الثاني ، فذلك لازم من مجرد ذكر الله ، ولا حاجة في الآية إلى الإضمار .
فإن قيل: إنه تعالى قال ههنا {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} وقال في آية أخرى: {الذين ءامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله } [الرعد : 28 ] فكيف الجمع بينهما؟ وأيضاً قال في آية أخرى: { ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله } [الزمر : 23 ] قلنا: الاطمئنان إنما يكون عن ثلج اليقين، وشرح الصدر بمعرفة التوحيد، والوجل إنما يكون من خوف العقوبة، ولا منافاة بين هاتين الحالتين، بل نقول: هذان الوصفان اجتمعا في آية واحدة، وهي قوله تعالى: { تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله} [الزمر : 23 ] والمعنى: تقشعر الجلود من خوف عذاب الله، ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند رجاء ثواب الله." اهـ
ولقد اقترب الإمام الفخر الرازي كثيرا في توفيقه بين الآيتين, إلا أن المشكلة هي في إصراره على فهم الوجل بمعنى الخوف!
ولا تعارض بين الآيتين, فعلى فرض أن الوجل بمعنى الخوف, هل هناك ما يمنع أن يجتمع الخوف مع الطمأنينة في قلب؟! (لاحظ أن الخوف ليس بمعنى الفزع!!)
يمتنع ذلك فعلا إذا كان الاثنان متضادين! أي أن الخوف عكس الطمأنينة! فهل الخوف عكس الطمأنينة؟
لا, فنحن نقول: اطمئن ولا تقلق!
والله تعالى يقول: وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً.
إذا فليس الاثنان متضادين حتى يستحيل الجمع بينهما!
قد يقول قائل: ربما ليس متضادين ولكن يفترض أن ينشئا كلاهما عن أمر واحد, وهذا غريب أن يجتمع الوجل والطمأنينة من أمر واحد!!
نقول: الغريب هو من يقول هذا الأمر, فالمشاعر الإنسانية لا تُقسم إلى أصناف منفصلة, وإنما هي متداخلة, ألا يجتمع السرور والتوجس في نفس الإنسان –في نفس الوقت والظروف!-؟! وألا يجتمع الرضا والغضب في عين الوقت على نفس الشخص لنفس الفعل؟!
بداهة تجتمع المشاعر وتتداخل تجاه الفعل الواحد, فما بالنا إذا اختلفت الظروف والأحوال, فإن هذا أكثر من كاف لاختلاف الشعور تجاه الشيء الواحد تبعا لظروف الفرد ولأحوال الشيء! وهذا هو الحال في هاتين الآيتين!
أما إذا قلنا أن الكلمتين مختلفتا المعنى –بداهة- (أي أن الوجل غير الخوف) ارتفع الإشكال مباشرة! فكما قلنا: من الممكن اجتماع أكثر من شعور في داخل الإنسان! والمهم أن يكون من الممكن اجتماع هذه المشاعر!