عمرو الشاعر
03-20-2008, 10:27 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وسلام على عباده المرسلين ثم أما بعد:
يستهل الله تعالى سورة الكافرون آمرا النبي المصطفى ثم كل المؤمنين الموحدين بقوله " قل يا أيها الكافرون " فيأمره بمخاطبة الكافرون وإعلامهم بقوله " قل " يا أيها الكافرون , ونلاحظ أن هذه هي الآية الوحيدة التي خاطب الله تعالى فيها الكافرين بالنداء , نعم النداء يأتي على لسان النبي ثم باقي المؤمنين , ولكن هذا هو الموضع الوحيد , فلقد قال الله تعالى في القرآن " يا أيها الذين ءامنوا " وقال " يا أيها الناس " وقال " يا أيها الرسول " وقال " يا أيها الرسل " , أما خطاب الكافرين فلم يأت إلا في هذا الموضع .
ونحن كمسلمين حفظنا القرآن من صغرنا لا نستغرب هذا الخطاب ولكن العالم باللغة وبطبع الإنسان يعلم أن في هذا الخطاب شدة على المخاطب وإغلاظ في القول , فعندما يقول الإنسان لآخر : يا أيها الفاسق أو الكافر فهو سينفر منه ولن يستمع إليه , ولقد أطال الفخر الرازي في تفسيره ! مفاتح الغيب النفس في تبرير هذه الكلمة وذكر لها من الوجوه العشرات حتى نقبل أن الله العلى العظيم الذي قال " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة " والذي قال " وجادلهم بالتي هي أحسن " هو الذي يأمر نبيه بخطاب الكافرين بقوله " قل يا أيها الكافرون " وأخذ يصول ويجول بتبريرات تنسيك المشكلة الرئيسة وتأخذ معها الانطباع الأكيد أنه ليس لديه حل لهذا المشكلة – التي أوقع نفسه فيها لفطنته ! – ولكنه يحاول أن يزيلها بأي حال من الأحوال , وهذه المشكلة التي أوقع الفخر الرازي فيها نفسه والتي تجاوزها كثير من المفسرين بقولهم أن هذا الخطاب كان خطابا مخصوصا لكفار معينين من قريش ! نابعة من أن السادة المفسرين غافلون عن معنى الكافر في كتاب الله عزوجل , ولو علموا ذلك لما رأوا أي حرج في مخاطبة الكافر بهذا الشكل وبهذه الطريقة , وهذا اللبس ناتج من أن السادة المفسرين لا يفرقون بين الكافر والمشرك تفريقا صحيحا , فمنهم من يفرق بينهما ومنهم من يرى أن الإثنين بمعنى واحد , ثم إنهم لا يعرفون الكافر تعريفا صحيحا .
لذا نبدأ بتعريفنا للكافر حتى نوضح لما أنه من الجائز ومن المقبول أن يأمر الله تعالى نبيه بخطاب الكافرين بقوله " يا أيها الكافرون " .
قبل أن نبدأ بتعريف الكافر , نقدم المعنى اللغوي الأساسي للفظ " كفر " , فنقول هو كما ورد في المقاييس :
الكاف والفاء والراء أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على معنىً واحد، وهو السَّتْر والتَّغطية. يقال لمن غطّى دِرعَه بثوبٍ: قد كَفَر دِرعَه. والمُكَفِّر: الرّجل المتغطِّي بسلاحه. ....... والنهر العظيم كافر، تشبيهٌ بالبحر. ويقال للزَّارع كافر، لأنَّه يُغطِّي الحبَّ بتُراب الأرض. قال الله تعالى: { أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ } [الحديد 20]. ورَمادٌ مكفور: سَفَت الرِّيحُ الترابَ عليه حتى غطَّتْه. ........ والكُفْر: ضِدّ الإيمان، سمِّي لأنَّه تَغْطِيَةُ الحقّ. وكذلك كُفْران النِّعمة: جُحودها وسَترُها. ....... اهـ
وإذا نحن تتبعنا هذه المفردة بكل استعمالاتها في اللغة وفي القرآن نجد أنها تدور في فلك الستر والتغطية والجحود والمنع , وإذا نحن تتبعنا هذه المفردة في القرآن وجدناها وردت بجميع الأشكال , فوردت اسما " الكفر " ووردت فعل ماضيا " كفروا " وأمرا " اكفروا آخره " ومضارعا " يكفرون " , ووردت مبنية لما لم يسمى فاعله " فلن يُكفروه "ووردت اسم فاعل كما في صيغة " كافر " سواء كان مفردا أو جمعا " كافرون " , ونلاحظ أن هذه الصيغة " كافر" مفردة ومجموعة وردت في القرآن 132 مرة , وجاءت في تركيبة " الذين كفروا " ووردت هذه التركيبة 152 مرة منها تسع مرات في سورة الأنفال وحدها ! ووردت مناداة مرة واحدة فقط في سورة الكافرون.
فما معنى الكفر في القرآن الكريم ؟
إذا نحن نظرنا في أقوال المفسرين عند تفسيرهم ! لمصطلح الكفر وجدناهم يقولون أن الكفر على أَربعة أَنحاء كفر إِنكار بأَن لا يعرف الله أَصلاً ولا يعترف به ( ولقد خانهم التعبير فالذي لا يعرف الله لا يسمى كافرا ! فكيف يكفر بما لا يعرف أما الكفر فيكون بعد أن أعرف الله وأرفض الإيمان به !) وكفر جحود وكفر معاندة وكفر نفاق من لقي ربه بشيء من ذلك لم يغفر له ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فأَما كفر الإِنكار فهو أَن يكفر بقلبه ولسانه ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد (وهو يقصد هنا أنه لا يعترف بوجود إله ) وكذلك روي في قوله تعالى إِن الذين كفروا سواء عليهم أَأَنذرتهم أَم لم تنذرهم لا يؤمنون أَي الذين كفروا بتوحيد الله وأَما كفر الجحود فأَن يعترف بقلبه ولا يقرّ بلسانه فهو كافر جاحد ككفر إِبليس وكفر أُمَيَّةَ بن أَبي الصَّلْتِ ومنه قوله تعالى فلما جاءهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا به يعني كُفْرَ الجحود وأَما كفر المعاندة فهو أَن يعرف الله بقلبه ويقرّ بلسانه ولا يَدِينَ به حسداً وبغياً ككفر أَبي جهل وأَضرابه وفي التهذيب يعترف بقلبه ويقرّ بلسانه ويأْبى أَن يقبل كأَبي طالب حيث يقول ولقد علمتُ بأَنَّ دينَ محمدٍ من خيرِ أَديانِ البَرِيَّةِ دِينَا لولا المَلامةُ أَو حِذارُ مَسَبَّةٍ لوَجَدْتَني سَمْحاً بذاك مُبِيناً وأَما كفر النفاق فأَن يقرّ بلسانه ويكفر بقلبه ولا يعتقد بقلبه " اهـ
والملاحظ أن الفعل " كفر " يتعدى بنفسه أي أنه لا يحتاج إلى حرف جار ! فتقول : كفرت الحب أي غطيته وكُفِر الشيء أي غُطي ! ولكن عندما ننظر في كتاب الله عزوجل نجده يستعمل هذا الفعل عند الحديث عن المسألة القلبية متعديا بالباء , فيقول " يكفر بالله , كفروا بالذكر , يكفر بالإيمان " ولا نجده يستعمله قط في هذه المواضع متعديا بنفسه إلا إذا كان مذكورا ذكرا عاما بدون تحديد المفعول , فيقال " الكافرون , الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله , الكفار " فنخرج من هذا بأن معنى التركيبة المذكورة قد تغير فليس معنى الفعل متعديا بالباء هو نفسه متعديا بنفسه , فلا يمكن أن أقول أن معنى " كفرت سلاحي " هو نفس معنى " كفرت بسلاحي " , بداهة الجملة الأولى تعني أنني غطيت سلاحي أما الجملة الثانية فلها معنى آخر مختلف وهذا أيضا ما ينبغي أن نقول به عند فهمنا لمصطلح الكفر في كتاب الله تعالى , فما هو معنى " كفر ب " في كتاب الله عزوجل ؟
لقد فات السادة المفسرين قاطبة أن الإنسان لا يمكن أن يكفر الله تعالى أو يكفر الإيمان ! فالكفر كما قلنا هو التغطية والستر وهذا محال على الله تعالى , فكيف يغطي الإنسان الله عزوجل , وحتى لا يقول أحد أننا نتسفسط نقول : كيف يغطي أحد أو يستر فكرة وجود الله أو الإيمان به عزوجل ؟ فسواء أقر الإنسان بوجود إله أو لم يقر ( لا يستطيع أحد من الملاحدة أن يدعي أن الله غير موجود يقينا وأقصى ما لديهم هو الإدعاء أن فكرة وجود الإله عنده أضعف من فكرة عدم وجوده ) فهو في جميع الحالات مقر بالله تعالى ولو كفكرة مجردة عند الآخرين ! , هذا إذا تغافلنا أو تعامينا عن فطرية الإيمان بالمقدس والموجودة عند كل منا وإذا تغاضينا عن قوله تعالى " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم " , إذا ففعل الكفر هو فعل تغطية وستر , فلا يمكن للإنسان أن يكفر إلا إذا جاءه شيء فغطاه وستره , أما أن يكفر بدون مستور فهذا ما لا يكون !
فإذا نحن نظرنا في آية من الآيات وجدنا أن الله تعالى يقول " إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز " وحللنا الآية كلمة كلمة سنجد أنها تقول : إن الذين غطوا وستروا بالذكر " فنفهم أن هم غطوا وستروا شيئا بالذكر , والذكر هو القرآن الكريم , فما الذي غُطي بالذكر ؟
ويقول تعالى في آية أخرى " إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً [النساء : 150] "
فنرى أن هناك قوم ستروا وغطوا شيئا بالله ورسله , فما هو المستور المغطى ؟ المستور المغطى هو الإيمان والحق والفطرة فهو يغطي الحق ويستره , فالإنسان يعرف أن القرآن حق والله حق ولكنه على الرغم من ذلك يمنع نفسه عن الإيمان بالله تعالى , فهو يستر الحق والإيمان المغروسين في قلبه - عندما أشهده الله تعالى على ذلك - بالله وبالقرآن وبالبينات عن الإيمان بهم , فهم أمامه ولكنه يحجب نفسه عنهم ! فالإنسان عندما يسمع عن الله أو يقرأ كتابه ثم لا يؤمن به يكون الكتاب نفسه أداة كفره ! فالكتاب على الرغم من كونه نورا إلا أنه في حالة إغلاق القلب يصبح عمى , كما يقول الله تعالى " وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ [فصلت : 44] "
فالقرآن بالنسبة للكافرين عمى , فلا يهديهم ولا يجدي معهم نفعا فلقد ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون , فيجدونه عمى ولما عميت قلوبهم وختم عليه أخذوا يغطون ويسترون بالله وبالدين على الآخرين وإنما يحاربونه ويطعنون فيه ويشككون فيه أنفسهم وغيرهم , ويستخدمونه كوسيلة للاستهزاء وللاستهانة بالله تعالى . فهم لا يؤمنون بالله تعالى ويدعون غيرهم إلى عدم الإيمان .
فليس الكافر بالله أو بالإيمان ذلك الإنسان الذي لم يؤمن بالله تعالى فقط وإنما هو ذلك الإنسان الذي عرف الحق وستره وأغلق قلبه دونه وتحرك محاربا له
يتبع
الحمد لله رب العالمين وسلام على عباده المرسلين ثم أما بعد:
يستهل الله تعالى سورة الكافرون آمرا النبي المصطفى ثم كل المؤمنين الموحدين بقوله " قل يا أيها الكافرون " فيأمره بمخاطبة الكافرون وإعلامهم بقوله " قل " يا أيها الكافرون , ونلاحظ أن هذه هي الآية الوحيدة التي خاطب الله تعالى فيها الكافرين بالنداء , نعم النداء يأتي على لسان النبي ثم باقي المؤمنين , ولكن هذا هو الموضع الوحيد , فلقد قال الله تعالى في القرآن " يا أيها الذين ءامنوا " وقال " يا أيها الناس " وقال " يا أيها الرسول " وقال " يا أيها الرسل " , أما خطاب الكافرين فلم يأت إلا في هذا الموضع .
ونحن كمسلمين حفظنا القرآن من صغرنا لا نستغرب هذا الخطاب ولكن العالم باللغة وبطبع الإنسان يعلم أن في هذا الخطاب شدة على المخاطب وإغلاظ في القول , فعندما يقول الإنسان لآخر : يا أيها الفاسق أو الكافر فهو سينفر منه ولن يستمع إليه , ولقد أطال الفخر الرازي في تفسيره ! مفاتح الغيب النفس في تبرير هذه الكلمة وذكر لها من الوجوه العشرات حتى نقبل أن الله العلى العظيم الذي قال " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة " والذي قال " وجادلهم بالتي هي أحسن " هو الذي يأمر نبيه بخطاب الكافرين بقوله " قل يا أيها الكافرون " وأخذ يصول ويجول بتبريرات تنسيك المشكلة الرئيسة وتأخذ معها الانطباع الأكيد أنه ليس لديه حل لهذا المشكلة – التي أوقع نفسه فيها لفطنته ! – ولكنه يحاول أن يزيلها بأي حال من الأحوال , وهذه المشكلة التي أوقع الفخر الرازي فيها نفسه والتي تجاوزها كثير من المفسرين بقولهم أن هذا الخطاب كان خطابا مخصوصا لكفار معينين من قريش ! نابعة من أن السادة المفسرين غافلون عن معنى الكافر في كتاب الله عزوجل , ولو علموا ذلك لما رأوا أي حرج في مخاطبة الكافر بهذا الشكل وبهذه الطريقة , وهذا اللبس ناتج من أن السادة المفسرين لا يفرقون بين الكافر والمشرك تفريقا صحيحا , فمنهم من يفرق بينهما ومنهم من يرى أن الإثنين بمعنى واحد , ثم إنهم لا يعرفون الكافر تعريفا صحيحا .
لذا نبدأ بتعريفنا للكافر حتى نوضح لما أنه من الجائز ومن المقبول أن يأمر الله تعالى نبيه بخطاب الكافرين بقوله " يا أيها الكافرون " .
قبل أن نبدأ بتعريف الكافر , نقدم المعنى اللغوي الأساسي للفظ " كفر " , فنقول هو كما ورد في المقاييس :
الكاف والفاء والراء أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على معنىً واحد، وهو السَّتْر والتَّغطية. يقال لمن غطّى دِرعَه بثوبٍ: قد كَفَر دِرعَه. والمُكَفِّر: الرّجل المتغطِّي بسلاحه. ....... والنهر العظيم كافر، تشبيهٌ بالبحر. ويقال للزَّارع كافر، لأنَّه يُغطِّي الحبَّ بتُراب الأرض. قال الله تعالى: { أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ } [الحديد 20]. ورَمادٌ مكفور: سَفَت الرِّيحُ الترابَ عليه حتى غطَّتْه. ........ والكُفْر: ضِدّ الإيمان، سمِّي لأنَّه تَغْطِيَةُ الحقّ. وكذلك كُفْران النِّعمة: جُحودها وسَترُها. ....... اهـ
وإذا نحن تتبعنا هذه المفردة بكل استعمالاتها في اللغة وفي القرآن نجد أنها تدور في فلك الستر والتغطية والجحود والمنع , وإذا نحن تتبعنا هذه المفردة في القرآن وجدناها وردت بجميع الأشكال , فوردت اسما " الكفر " ووردت فعل ماضيا " كفروا " وأمرا " اكفروا آخره " ومضارعا " يكفرون " , ووردت مبنية لما لم يسمى فاعله " فلن يُكفروه "ووردت اسم فاعل كما في صيغة " كافر " سواء كان مفردا أو جمعا " كافرون " , ونلاحظ أن هذه الصيغة " كافر" مفردة ومجموعة وردت في القرآن 132 مرة , وجاءت في تركيبة " الذين كفروا " ووردت هذه التركيبة 152 مرة منها تسع مرات في سورة الأنفال وحدها ! ووردت مناداة مرة واحدة فقط في سورة الكافرون.
فما معنى الكفر في القرآن الكريم ؟
إذا نحن نظرنا في أقوال المفسرين عند تفسيرهم ! لمصطلح الكفر وجدناهم يقولون أن الكفر على أَربعة أَنحاء كفر إِنكار بأَن لا يعرف الله أَصلاً ولا يعترف به ( ولقد خانهم التعبير فالذي لا يعرف الله لا يسمى كافرا ! فكيف يكفر بما لا يعرف أما الكفر فيكون بعد أن أعرف الله وأرفض الإيمان به !) وكفر جحود وكفر معاندة وكفر نفاق من لقي ربه بشيء من ذلك لم يغفر له ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فأَما كفر الإِنكار فهو أَن يكفر بقلبه ولسانه ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد (وهو يقصد هنا أنه لا يعترف بوجود إله ) وكذلك روي في قوله تعالى إِن الذين كفروا سواء عليهم أَأَنذرتهم أَم لم تنذرهم لا يؤمنون أَي الذين كفروا بتوحيد الله وأَما كفر الجحود فأَن يعترف بقلبه ولا يقرّ بلسانه فهو كافر جاحد ككفر إِبليس وكفر أُمَيَّةَ بن أَبي الصَّلْتِ ومنه قوله تعالى فلما جاءهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا به يعني كُفْرَ الجحود وأَما كفر المعاندة فهو أَن يعرف الله بقلبه ويقرّ بلسانه ولا يَدِينَ به حسداً وبغياً ككفر أَبي جهل وأَضرابه وفي التهذيب يعترف بقلبه ويقرّ بلسانه ويأْبى أَن يقبل كأَبي طالب حيث يقول ولقد علمتُ بأَنَّ دينَ محمدٍ من خيرِ أَديانِ البَرِيَّةِ دِينَا لولا المَلامةُ أَو حِذارُ مَسَبَّةٍ لوَجَدْتَني سَمْحاً بذاك مُبِيناً وأَما كفر النفاق فأَن يقرّ بلسانه ويكفر بقلبه ولا يعتقد بقلبه " اهـ
والملاحظ أن الفعل " كفر " يتعدى بنفسه أي أنه لا يحتاج إلى حرف جار ! فتقول : كفرت الحب أي غطيته وكُفِر الشيء أي غُطي ! ولكن عندما ننظر في كتاب الله عزوجل نجده يستعمل هذا الفعل عند الحديث عن المسألة القلبية متعديا بالباء , فيقول " يكفر بالله , كفروا بالذكر , يكفر بالإيمان " ولا نجده يستعمله قط في هذه المواضع متعديا بنفسه إلا إذا كان مذكورا ذكرا عاما بدون تحديد المفعول , فيقال " الكافرون , الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله , الكفار " فنخرج من هذا بأن معنى التركيبة المذكورة قد تغير فليس معنى الفعل متعديا بالباء هو نفسه متعديا بنفسه , فلا يمكن أن أقول أن معنى " كفرت سلاحي " هو نفس معنى " كفرت بسلاحي " , بداهة الجملة الأولى تعني أنني غطيت سلاحي أما الجملة الثانية فلها معنى آخر مختلف وهذا أيضا ما ينبغي أن نقول به عند فهمنا لمصطلح الكفر في كتاب الله تعالى , فما هو معنى " كفر ب " في كتاب الله عزوجل ؟
لقد فات السادة المفسرين قاطبة أن الإنسان لا يمكن أن يكفر الله تعالى أو يكفر الإيمان ! فالكفر كما قلنا هو التغطية والستر وهذا محال على الله تعالى , فكيف يغطي الإنسان الله عزوجل , وحتى لا يقول أحد أننا نتسفسط نقول : كيف يغطي أحد أو يستر فكرة وجود الله أو الإيمان به عزوجل ؟ فسواء أقر الإنسان بوجود إله أو لم يقر ( لا يستطيع أحد من الملاحدة أن يدعي أن الله غير موجود يقينا وأقصى ما لديهم هو الإدعاء أن فكرة وجود الإله عنده أضعف من فكرة عدم وجوده ) فهو في جميع الحالات مقر بالله تعالى ولو كفكرة مجردة عند الآخرين ! , هذا إذا تغافلنا أو تعامينا عن فطرية الإيمان بالمقدس والموجودة عند كل منا وإذا تغاضينا عن قوله تعالى " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم " , إذا ففعل الكفر هو فعل تغطية وستر , فلا يمكن للإنسان أن يكفر إلا إذا جاءه شيء فغطاه وستره , أما أن يكفر بدون مستور فهذا ما لا يكون !
فإذا نحن نظرنا في آية من الآيات وجدنا أن الله تعالى يقول " إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز " وحللنا الآية كلمة كلمة سنجد أنها تقول : إن الذين غطوا وستروا بالذكر " فنفهم أن هم غطوا وستروا شيئا بالذكر , والذكر هو القرآن الكريم , فما الذي غُطي بالذكر ؟
ويقول تعالى في آية أخرى " إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً [النساء : 150] "
فنرى أن هناك قوم ستروا وغطوا شيئا بالله ورسله , فما هو المستور المغطى ؟ المستور المغطى هو الإيمان والحق والفطرة فهو يغطي الحق ويستره , فالإنسان يعرف أن القرآن حق والله حق ولكنه على الرغم من ذلك يمنع نفسه عن الإيمان بالله تعالى , فهو يستر الحق والإيمان المغروسين في قلبه - عندما أشهده الله تعالى على ذلك - بالله وبالقرآن وبالبينات عن الإيمان بهم , فهم أمامه ولكنه يحجب نفسه عنهم ! فالإنسان عندما يسمع عن الله أو يقرأ كتابه ثم لا يؤمن به يكون الكتاب نفسه أداة كفره ! فالكتاب على الرغم من كونه نورا إلا أنه في حالة إغلاق القلب يصبح عمى , كما يقول الله تعالى " وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ [فصلت : 44] "
فالقرآن بالنسبة للكافرين عمى , فلا يهديهم ولا يجدي معهم نفعا فلقد ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون , فيجدونه عمى ولما عميت قلوبهم وختم عليه أخذوا يغطون ويسترون بالله وبالدين على الآخرين وإنما يحاربونه ويطعنون فيه ويشككون فيه أنفسهم وغيرهم , ويستخدمونه كوسيلة للاستهزاء وللاستهانة بالله تعالى . فهم لا يؤمنون بالله تعالى ويدعون غيرهم إلى عدم الإيمان .
فليس الكافر بالله أو بالإيمان ذلك الإنسان الذي لم يؤمن بالله تعالى فقط وإنما هو ذلك الإنسان الذي عرف الحق وستره وأغلق قلبه دونه وتحرك محاربا له
يتبع