مروان محمد عبد الهادي
08-12-2009, 12:13 PM
"قراءة معاصرة في خصائص السنة النبوية"
الجزء الثاني والأخير
لقد أشرنا في مُقدمة الكتاب إلى حقيقة هامة، وهي أن اَلْمُسْلِمِينَ، وبعد أن هجروا كتاب الله تعالى قد أخرجوا أقوال رسول الله (ص) وأفعاله من المصدر الرئيس، الكتاب الذي أُحكمت آياته ثم فصلت من لدن عزيز حكيم، كما جردوه (ص) من بشريته، حتى أصبح البُصاق على الطعام والشراب من مُعجزات رسول الله (ص) وبات التبرك ببوله أمراً مُستساغاً، نُحيط القارئ الكريم علما بأن هنالك العديد من الكتب التي ألفت في هذا الفن خصيصاً وهي مُستوحاة من ما يُطلق عليه جِزافا بصحيحي البخاري مُسلم.. إليكم بعض الأمثلة من هذه الأحاديث المكذوبة على رسول الله (ص) التي يبرز فيها التناقض وتغيب عنها المصداقية.
صحيح البخاري، الحديث رقم 4204 عن البراء بن عازب، انه كان مع الرسول (ص) يوم الحديبية إلف وأربعمائة أو أكثر، فنزلوا على بئر فنزحوها فاتوا النبي (ص) فأتى البئر وقعد على شفريها، ثم قال: ائتوني بدلو من مائها ، فأتي به ( فبصق ) فدعا ثم قال: "دعوها ساعة" فأروا أنفسهم ورِكابهم حتى ارتحلوا. وفي الحديث رقم 4203 ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض ودعا ، ثم صبه فيها
صحيح البخاري، الحديث رقم 4259 حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم ، قال أخبرني سهل بن سعد (ض) أن رسول الله (ص) قال يوم خيبر " لأعطين هذه الراية غدا رجلا ، يفتح الله على يديه ، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله " قال فبات الناس يدركون ليلتهم أيهم يعطياه، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله (ص) كلهم يرجو أن يعطاها فقال: أين علي بن أبي طالب؟ . فقيل، هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه،. فأتي به ( فبصق ) رسول الله (ص) ي عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع ، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالهث، لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم .
صحيح البخاري، الحديث رقم 185 حدثنا آدم قال حدثنا شعبة قال حدثنا الحكم قال سمعت أبا جحيفة يقول خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة فأتي بوضوء فتوضأ فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به.. فصلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه عنزة وقال أبو موسى دعا النبي صلى الله عليه وسلم بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه (ومج فيه) (أي بَصقَ) ثم قال لهما اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما
كثُرت الآراء حول عصمة رسول الله (ص) وتعددت فيها أقوال العُلماء وتباينت فيما بينهم ، فمنهم من قال بأن الرسول (ص) غير معصوم في غير التبليغ ، إي أنه معصومٌ فيما يؤديه عن الله تعالى، وليس بمعصوم في غير ذلك من الخطأ والنسيان والصغائر من الذنوب، (قال السفا ريني في شرح عقيدته) قال ابن حمدان في نهاية المبتدئين: أنه يجب أن يكون النبي معصوماً من جميع الرذائل والفواحش منذ الصغر وحتى الموت، عمداً وسهوا.
وقال ابن عقيل في الإرشاد: إنهم عليهم السلام، لم يعتصموا في الأفعال، بل في نفس الأداء ولا يجوز عليهم الكذب في الأقوال فيما يؤدوه عن الله ، وقال ابن تيمية: الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه وتعالى في تبليغ رسالاته باتفاق الأمة.. ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوا، كما قال تعالى ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ) وقوله ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ) ( مجموع الفتاوى 10/ 29 )
بيد أننا نقول: أنه وبالرغم من اختلاف المسلمين في مقدار عصمة رسول الله (ص) إلا أنهم قد نسبوها له بشكل أو بآخر، وهنا نطرح سؤالاً: كيف لنا أن نوفق ما بين القائلين بعصمة الرسول (ص) قبل وبعد بعثته وبين قول تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى ( الضحى 7 )
يعتبر الإمام عبده رحمه الله عليه، أن عصمة رسول الله (ص) كالمعُجزة، ضرورة من ضروريات صدق الرسالة، ومن مُقتضيات حكمة الله، وإذا كان الرسول، كبشر يجوز على جسده ما يجوز على أجساد البشر، وإذا كان الرسول كمجتهد قد كان يمارس الاجتهاد والشورى وإعمال العقل والفكر والاختيار بين البدائل في مناطق وميادين الاجتهاد التي لم ينزل فيها وحى إلهي.. فإنه معصوم في مناطق وميادين التبليغ عن الله - سبحانه وتعالى - لأنه لو جاز عليه الخطأ أو السهو أو مجانية الحق والصواب أو اختيار غير الأولى في مناطق وميادين التبليغ عن الله، لتطرق الشك إلى صلب الرسالة والوحي والبلاغ، بل وإلى حكمة من اصطفاه وأرسله ليكون حُجة على الناس. كذلك كانت العصمة صفة أصيلة وشرطًا ضروريًا من شروط رسالة جميع الرسل (ع) فالرسول في هذا النطاق - نطاق التبليغ عن الله، وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى، وبلاغة ما هو بقول بشر، ولذلك كانت طاعته فيه طاعة لله، وبغير العصمة لا يتأتى له هذا المقام. أما اجتهادات الرسول (ص) فيما لا وحى فيه، والتي هي ثمرة لإعماله لعقله وقدراته وملكاته البشرية، فلقد كانت - تصادف الصواب والأولى، كما كان يجوز عليها غير ذلك.. (الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ) دراسة وتحقيق الدكتور محمد عمارة ج2 صفحة 415
يقول الله سبحانه وتعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( الحج 75 )
يُفهم من قوله تعالى، بأن الأنبياء هم صفوة البشر وأفضلهم ولا خلاف في ذلك، لكن هذا الاصطفاء والتفضيل القرآني للأنبياء، لا يعني أن التنزيل الحكيم قد نسب إليهم العصمة، بل نفاها عنهم بدليل أن القران قد نسب إليهم نواقص الصِفات (كالنسيان والسهو) والأعمال قبل وبعد بعثتهم ومُعرضون لما يتعرض له بقية البشر من السهو والنسيان والأخطاء والذنوب.. بدلالة قوله تعالى:
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً – الفتح 2
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ - محمد 19
قَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (التوبة 117)
وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( القصص 87 )
عَبَسَ وَتَوَلَّى* أَن جَاءهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى* أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى* فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى ( عبس 1- 10 )
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ( الشعراء 82 )
سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى ( الأعلى 6 )
قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً ( الكهف 73 )
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ ( القصص 15 )
لقد جاءت هذه الآيات المبينات لتقطع الشك باليقين حول المفهوم المُلتبس الذي تواتره المُسلمون في مسألة عصمة الأنبياء، وهذا المفهوم وللأسف من المفاهيم الثابتة عند السادة العُلماء، رغم تعارضه مع نصوص الكتاب الذي أُنزل على قلب رسول الله (ص) الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، بعد هذا كله ننطلق في تساؤلنا المشروع: كيف لنا أن نوفق بين أقوال الأئمة الذين ضلوا وأضلوا، وبين هذه الآيات الواضحة؟
العصمة في معاجم اللغة
مقاييس اللغة: (عصم ) العين والصاد والميم أصلٌ واحدٌ صحيحٌ يدلُّ على إمساكٍ ومنْع وملازمة والمعنى في ذلك كلِّه معنىً واحد. من ذلك العِصْمة: أن يعصم اللهُ تعالى عَبْدَه من سوءٍ يقع فيه
واعتصم العبدُ بالله سبحانه وتعالى، إذا امتنع. واستَعْصَم: التجأ
العصمة في اللغة معناها المنع، يقال عصمته عن الطعام أي منعته عن تناوله، وعصمته عن الكذب أي منعته عنه، وتقول العربُ: أعْصَمتُ فلاناً، أي هيّأتُ له شيئاً يعتصم بما نالته يدُه أي يلتجئ ويتمسَّك به، ومنه قوله تعالى:
قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ - هود43 وقوله أيضاً
يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ( غافر 33 )
للوقوف أمام مفهوم عصمة رسول الله (ص) في كتاب الله تعالى، نقف خاشعين أمام قول الحق سُبحانه:
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ( المائدة 67 )
إن النظر في هذه الآية الكريمة بُبين لنا بشكل لا يقبل التأويل، بأن الله سُبحانه وتعالى قد عصم رسوله الكريم (ص) من تأثير الناس عليه، وحمايته من شرور الكُفار وكيد الفُجار حصراً، ولم يعصمه من الأخطاء، أو السهو والنسيان، ناهيك عن الذنوب، لقوله سُبحانه:
وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرا ( الإسراء 73- 75 ) وقوله سُبحانه
وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (النساء 113 )
إن أهم وأبرز ما يستوقف المُتأمل في الآيتين السابقتين: أنه كيف يكون لرسول إنسان بشر، مُعرض لمِثْلَي عذاب الحياة في الدنيا ومثْلَي عذاب الممات في الآخرة، أن يُشرع مع الله وينسخ آياته، ويُحرم ما أحلّ الله ويقضي على أحكامه؟ والله سُبحانه وتعالى يُخبرنا بشكل لا يقبل التأويل، أنه فضل على رسوله (ص) فضلاً عظيماً، وعصمه برحمته من طائفة همت بإضلاله، وأنزل عليه الكتاب الذي فيه تبيان كل شيء، وعلمه من الحكمة ما لم يكن يعلم؟ فقوله تعالى: وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ( ولولا أن ثبَّتناك) على الحق، لِعِصمتنا إِياك لقد كدتَ تركَن إِليهم، أي هممتَ وقاربتَ أن تَميل إِلى مرادهم شيئاً قليلاً. إن المُدقق المُتجرد في هاتين الآيتين ، يُدرك بأن العصمة الإلهية اقتصرت على تأثير الناس على رسول الله (ص) لقد صدق الله تعالى وعده، فبلغّ الرسول (ص) الرسالة وأدى الأمانة. ( في مُناسبة نزول هذه الآيات أربعة أقوال ) (6)
لن يجد القارئ الفطن المُتدبر لكتاب الله تعالى، المُتسلح بعلوم ومعارف هذا العصر، والمُتحرر من عبودية السلف وكتب التُراث ، صعوبة في استشفاف (استشفاف) المعنى الحقيق لمفهوم مُصطلح لفظ (السُنة) الذي ورد في الآيات السابقة، والذي يقتصر على مفهومين اثنين لا ثالث لهما:
أولاً: (سُنن) قوانين الله تعالى التي لا تتحول ولا تتبدل، بدلالة قوله سُبحانه: فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (فاطر 43)
ثانياً: المنهج أو الدأب أو الطريقة (الفعلية والعملية) الذي يسير عليه الناس في تطبيق هذه القوانين الثابتة، وهو الطريق الموصل إلى غاية معنوية كانت أو محسوسة، وما عداه من تعريفات بشرية فليس عندنا بشيء، لأن لفظ ( سُنة الرسول ) لم يرد في التنزيل الحكيم أصلاً، وإنما ورد فيه (سُنة الله) فقط ، كما بينت (أظهرت) الآيات الكريمة التي استشهدنا بها، وقد يطرح أحدهم سؤلاً مشروعاً: إذا كانت السُنة هي القانون والمنهج العملي، فهل سن القوانين حصري لله تعالى؟ ألا يحق للرسول (ص) بصفة خاصة، والناس بصفة عامة، في سن القوانين لتنظيم شؤونهم؟ قبل الإجابة على هذا السؤال الهام، يتوجب علنيا أن نُميز بين مفهومين مُتداخلين وشائعين، المفهوم الأول مُصطلح الرسول والثاني مُصطلح النبي (ص)
مهمة الرسول – صلوات الله وملائكته عليه
لا يختلف اثنان من المسلمين العقلاء بأن التنزيل الحكيم يخلو من الحشو واللغو والعبثية، والمُتدبر لكتاب الله تعالى، يرى وبوضوح دقة تراكيبه ومعانية التي لا تقل عن دقته سُبحانه وتعالى في خلقه لهذا الكون من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة، فلكل حرف في التنزيل الحكيم وظيفة ولكل كلمة مُهمة، فما هي مهمة الرسول (ص) المُحددة في ضوء التنزيل الحكيم؟ القول الفصل نجده في هذه الآيات الواضحة
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ( التغابن 12 )
فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ( آل عمران 20 )
وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ ( المائدة 92 )
وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ( الرعد 40 )
فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( النحل 35 )
فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ ( النحل 82 )
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ( النور 54 )
وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ( العنكبوت 18 )
مَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ ( بس 17 )
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ ( الشورى 48 )
بعد تدبر هذه الآيات الواضحات، نخلص إلى القول بأن كل ما فعله النبي (ص) بعيداً عن الرسالة ليس تكليفاً شرعياً، وأن مهمة الرسول (ص) الوحيدة تقتصر على تبليغ الرسالة التي نزلت على قلبه وحياً، كاملة بأوامرها ونواهيها، لقوله تعالى:
أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ( المائدة 67 )
لقد جاءت طاعة الرسول (ص) المُكلف بتبليغ الرسالة للناس بأوامرها ونواهيها مُقترنة بالرسالة المكلف بتبليغها، لقوله سُبحانه: وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( آل عمران 132 ) وقوله سُبحانه: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ( المجادلة 13 )
وقد عزز سبحانه وتعالى هذه الطاعة بربطِها مباشرة بطاعته بدلالة قوله سُبحانه: مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّه وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ( النساء 80 )
لقد استعرضنا هذه الآيات الواضحة والمُحددة لنصل بعدها إلى القول: بأنه من حق الناس والنبي (ص) بصفته نبياً وإماماً وقائداّ ومؤسساً لهذه الأمة في سن القوانين التي لا تتصادم مع سُنن قوانين الله، لأن سُنة (قوانين) الله تعالى هي المُهيمنة على سُنن البشر في كل الأحوال. نُشير بعجالة إلى حقيقة هي في غاية الأهمية، ويجب أن لا تغيب عن ذهن المُتدبر لكتاب الله تعالى وهي أن سُنن (قوانين) العليم القدير، ثابتة أزلية، بمعنى أنها لا تتأثر بالزمان ولا بالمكان، ولا يُمكن لها أن تتصادم مع الحقائق الكونية، ولا تتبدل ولا تتحول لقوله سُبحانه وتعالى: فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ( فاطر 43 ) بعكس سُنن النبي (ص) الصحيحة ( الفعلية والعملية والمُتواترة ) فهي ليست ثابتة، ولكنها ظرفية زماناً ومكانا، متحركة تُراعي احتياجات الناس وَمُتَطَلَّبَاتهمْ اليومية (وهي ليست وحيا)
إن المعيار الوحيد للأخذ بهذه السُنن، هو انطباقها على التنزيل الحكيم والواقع المُعاش، فإن تعارضت تركناها.
ومن أهم هذه السُنن، تلك الخطبة التي كانت تسبق الصلاة من يوم الجمعة أو تليها، والتي راعت احتياجات المُصلين آنذاك، واستمرت طيلة فترة الخلافة الراشدة، إلى أن حولها المنتصرون من أهل السنة والجماعة من ( موعظة الجمعة ) إلى منبر سياسي لخدمة السلطان، فتحول الخطيب إلى قزمٍ ومريد، يدعو للسلطان بعمر مديد، أو قصاصاً يقص على المصلين قصصاً تهمل الزمان والمكان، وتغتال التاريخ، وتسقط العقل، كما كان يفعل القصاصون في المساجد في القرن السابع الميلادي، لا أكثر ولا اقل من ذلك!
يقول الله تعالى: َإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( الجمعة 10-11 ) هاتين الآيتين الكريمتين لا تُشيران لا من قريب أو من بعيد إلى خطبة الجمعة، والتي أصبحت بفعل فاعل جزأً لا يتجزأ من صلاة الجمعة ولا تقوم الصلاة بدونها في رأي غالبية الفقهاء! لقد اخذ البعض قوله سُبحانه ( وَتَرَكُوكَ قَائِماً )ْ على ظاهره ، معتمدين على روايات متضاربة، بعضها يدعي بأن النبي (ص) كان قائماً على المنبر (يخطب) والبعض الآخر بأن النبي (ص) كان قائماً في الصلاة.. بالرغم من أن سياق الآية يُشير إلى أن النبي (ص) كان قائماً عليهم في الصلاة. فقوله سبحانه وتعالى:
إِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُون" أوضح من أن يتجاهله ذو لب. فنحن أمام نص إلهي واضح: فإذا قضيت الصلاة أي أديت وفرغ منها، فانتشروا في الأرض أي لكم بعد انقضاء الصلاة أن تتفرقوا حيث شئتم في أعمالكم واذكروا الله ولا تنسوه واذكروه ذكراً كثيراً لعلكم تفلحون. أنظر إلى قوله تعالى:
{وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ( فَأَقَمْتَ) لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً ( النساء 102 )
أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً (وَقَائِماً) يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (الزمر 9 )
أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهود (الإسراء 78)
وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين (هود 114)
من هنا، فنحن نقول على أن طاعة الرسول (ص) للرسالة التي نزلت على قلبه بفروعها الثلاث، الشعائر وآيات الصِراط المستقيم (القيم والمُثل العليا ( سورة الأنعام 150 – 152 ) آيات الأحكام والتشريع هي طاعة واجبة في حياته وبعد ومماته، ونقول أيضاً: أن الطاعة للرسول (ص) جاءت من مقام الرسالة المُكلف بتبليغها للناس كافة، والتي تحتمل الطاعة والمعصية، ولم تأتي للنبي (ص) من مقام النبوة وعلومها التي تحتمل التصديق والتكذيب. تجدر الإشارة هنا إلى أن الأوامر والتنبيهات التي جاءت إلى النبي (ص) مُخاطبة إياه بعبارة "يا أيها النبي" احتوت على تعليمات وإرشادات أو حالات خاصة بالنبي (ص) حصراً، ليس لها عُلاقة بالحلال والحرام، ولا يوجد في التنزيل الحكيم آية قرآنية واحدة تقول: وأطيعوا النبي.
تقييد الحلال المُطلق
إن الأصل في الأشياء الحِلية، والحرام هو الاستثناء، والحلال لا يمكن ممُارسته في أي مجتمع إلا مُقيدا، وإن أهم سِمة من سمات تقييد الحلال أنه لا يحتاج إلى وحيّ. فتقييد الحلال في زمن النبي (ص) حيناً، وإطلاقه حيناً آخر، معناه أن النبي (ص) سنّ قوانين إضافية حملت الطابع ألظرفي والمكاني وحاكت احتياجات المُجتمع في عصره أوجبت طاعته في حياته فقط ، ولهذا السبب بالذات أمر النبي بعدم تدوين أحاديثه، وهو ما رواه أحمد في مُسنده، ومُسلم في صحيحة، وابن عبد البر في كتاب العلم، وغيره عن أبي سعيد ألخدري مرفوعاً (إن صحَّ) "لا تكتبوا عني شيئاً إلا القرآن فمن كتب غير القرآن فليمحه" ونضرب مِثالاً على قرار اجتهادي اتخذه النبي (ص) في تقييد الحلال المُطلق ثم أطلقه من قيوده مرة ثانية فيما بعد، وهذا المِثال هو زيارة القبور
من الطقوس التي مارستها النساء قبل الإسلام، وفي كل مرة كن يزرن فيها القبور، أن يمزقن جيوبهن وثيابهن للتعبير عن حزنهم حين يموت لهن ميت، إلى أن اجتهد وسنّ النبي (ص) (قانوناً مدنياً) نهى فيه النساء عن زيارة القبور وشق الجيوب، عِلماً بأن زيارة القبور أو عدم زيارتها حلال، لكن النبي (ص) (إن صحّ عنه) قيد هذا الحلال للحد من عادات جاهلية مُتأصلة عند العرب قبل الإسلام، ولكنه عاد فسمح بزيارة القبور بعد أن رسخت المفاهيم الإسلامية في قلوب الناس. فكان ما فعله النبي (ص) (سُنة) قانوناً مدنياً ظرفي، قيد فيه حلالاً مًطلقاً، انتهى بانتهاء الأسباب التي أوجبته وليس تحريماً، ولكن المُشكلة الكُبرى جاءت من فهم رجال الدين وعدم مقدرتهم على التفريق بين الحرام وتقييد الحلال المطلق، حيث اعتبروا تقييد الحلال تحريماً لحلال، وتحليلاً لحرام. (8) ( انتهى )
نقف خاشعين أمام قول الحق سُبحانه وتعالى: "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا
ليسمح لي القارئ الكريم بأن أجيب سلفًا على سؤال يتردد كثيراً، ماذا تقولون في قول المولى سبحانه وتعالى: "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا؟ نجيب بتساؤل، لماذا يتعمد السادة علماء الدين باقتطاع هذه الآية في كل مرة من سياقها؟ ومن قال إنني أدعو أصلاً إلى عدم طاعة رسول الله؟ (ص) فطاعة الرسول الكريم (ص) في هذه الآية مقرونة بطاعة الله تعالى وليست بمعزل عن طاعته، ولنتمكن من الإجابة هذا السؤال علينا أن نقرأ قول الحق سبحانه وبدون اقتطاع الآية الكريمة يقول الله تعالى:
مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( الحشر 7 )
الآية الكريمة تتحدث عن مصارف أموال الفيء الغنائم ووجوهه، وتتحدث عن نصيب الرسول (ص) منها وذي القربى واليتامى والمساكين ومستحقيها من المسلمين، وتحث المسلمين على طاعة الله تعالى في أوجه صرف الفيء، وطاعة رسول الله (ص) في هذه الآية تحديداً، هي طاعة خاصة بها لا تشمل العمومية، ولا يجوز سحبها على كل ما ورد في كتب الأحاديث، ولكننا في نفس الوقت لا نُنكر أن طاعة الرسول (ص) في أمور كالشعائر واجبة ومُلزمة كطاعة الله تعالى تماما، لأنها وكما أشرنا قبل قليل، مُقترنة بها كما في قوله سُبحانه وتعالى: وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ( الأنفال 1 )
فقوله سُبحانه: وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُو ، فالإشارة هنا واضحة إلى أن للنبي (ص) أن يأمر وينهى، ولكن ليس له أن يُحل الحرام، أو أن يُحرم الحلال، فالحلال والحرام أبدي وشمولي وتوقيفي من الله حصراً، لا شريك له فيه ، حيث أنه من بديهيات المنطق، الإقرار بأن المُحرمات لها خواص لا يُدركها إلا العليم البصير، كامل المعرفة في الغيب والشهادة، التي لا يحدها الزمان ولا المكان، هذه المعرفة لا يملكها رسول من عند الله، أو فقيه، ولا إجماع أو مجلس نيابي. الأمر والنهي أمرٌ يشترك فيه الله سبحانه وتعالى والناس. ( انتهى) (9)
الآن وقد اقتحمنا العقبة وأمطنا اللثام عن المفهوم الصحيح للسُنة النبوية، وشرحنا ذلك بالأمثلة والشواهد، واستشهدنا بآيات التنزيل الحكيم، نُقرر جازمين بأن السُنة النبوية ليست الحكمة المُشار إليها في كتاب الله، وأن الرسول (ص) ليس معصوما من الأخطاء أو الذنوب، أو السهو والنسيان، بل هو معصومٌ حصراً من تأثير الناس عليه، كذلك بينَا أن الكتاب الذي أُنزل على قلب رسول الله (ص) كامل، والكامل لا يحتاج إلى زيادة أو نًقصان، وعليه: فإن الطرح الحالي للمفهوم الفقهي للسُنة النبوية لا عُلاقة له من قريب أو من بعيد مع سنة النبي – صلوات الله وملائكته عليه.
الطامة الكُبرى بأن الإمام الشافعي رحمة الله عليه، ابتدع في دين الله تعالى وأتى بفرضية الحكمة هي السُنة ، وأسس على هذا الافتراض وبنى عليه أصولاً وأحكاماً في الفقه، والمُقلِدون المُتعصبون من عُلماء العصر، وهم في حقيقة الأمر لا يعُدون عُلماء وإن عدوا عُرفاً لجهلِهم أو تجاهلهم الحقائق القرآنية بعدما استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير! بالأحاديث الظنية والمُمتلئة بالإسرائيليات ، وألطم والرم، والغث والسمين، والصحيح القليل، والموضوع الكثير كمصدر للدين والعلم، حتى وقع السواد الأعظم من المسلمين في المحظور، وأوقع العُلماء الأفاضل أنفسهم في الحرام. للأسف الشديد، لقد أراحوا عقولهم لهذه الفرضية، ووجدوا أنها أيسر من إجهاد الذهن في الاجتهاد في كتاب الله تعالى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الحواشي – المراجع
(1)
دخل الإسلام مع أبيه أبى سُفيان زعيم المُشركين سابقاً، وأمه هند بنت عتبه في نهاية عهد الرسول (ص) بعد فتح مكة
(2)
وقعة صفين هي المعركة التي وقعت بين جيش علي بن أبي طالب وجيش معاوية بن أبى سفيان في سنة 39 هجرية. طالب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب معاوية بالبيعة، فيما طالب معاوية عليا ًبالقصاص أولاً من قتلة عثمان ثم تكون البيعة. وأصر علي على أن تكون البيعة أولاً. تقابل الجيشان هناك وقام بينهما قتال شديد كان يستمر يوميا من بعد صلاة الفجر إلى نصف الليل وقتل فيه ما بقارب 70 ألفا
(3)
فرقة إسلامية ظهرت في عهد الخليفة علي بن أبي طالب نتيجة الخلافات السياسية التي بدأت في عهد عٌثمان بن عفان
(4)
نسبة إلى العام الذي أصبح فيه معاوية بن أبي (أبي) سفيان خليفة للمُسلمين
(5)
الشيخ محمود أبو ريه – رحمه الله في كتابه (أضواء على السُنة المُحمدية) ص 6-7
(6)
في مُناسبة نزول هذه الآيات أربعة أقوال:
أولاً: أن وفداً من ثَقيف أتَوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: متِّعنا باللات سَنة، وحرِّمْ وادينا كما حرَّمْتَ مكة، فأبى ذلك، فأقبلوا يُكثرون مسألتهم، وقالوا: إِنا نحب أن تعرِّف العرب فضلنا عليهم، فإن خشيتَ أن يقول العرب: أعطيتهم ما لم تعطنا، فقل: الله أمرني بذلك؛ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم (عنهم) وداخلهم الطمع، فنزلت هذه الآية، رواه عطاء عن ابن عباس. وروى عطية عن ابن عباس أنهم قالوا: أجِّلنا سنة، ثم نُسلم ونكسر أصنامنا، فهمَّ أن يؤجِّلهم، فنزلت هذه الآية
ثانياً: أن المشركين قالوا للنبي (ص) لا نكفُّ عنك إِلا بأن تُلِمَّ بآلهتنا، ولو بأطراف أصابعك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما علَيَّ لو فعلت والله يعلم إِني لَكاره»؟ " فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن جبير، وهذا باطل لا يجوز أن يُظَنَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ما ذكرنا عن عطية من أنه همَّ أن يُنْظِرهم سنة، وكل ذلك مُحال في حَقِّه وفي حق الصحابة أنهم رَوَواْ عنه
ثالثاً: أن قريشاً خَلَواْ برسول الله ليلةً إِلى الصباح يكلِّمونه ويفخِّمونه، ويقولون: أنت سيدنا وابن سيدنا، وما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون، ثم عصمه الله من ذلك، ونزلت هذه الآية، قاله قتادة
رابعاً: أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اطرد عنك سُقَاط الناس ، ومواليهم، وهؤلاء الذين رائحتهم رائحة الضأن، وذلك أنهم كانوا يلبَسون الصوف، حتى نجالسَك ونسمعَ منك، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ما يستدعي به إِسلامهم، فنزلت هذه الآيات، حكاه الزجاج؛ قال: ومعنى الكلام: كادوا يفتتونك، ودخلت «إِن» واللام للتوكيد. قال المفسرون: وإِنما قال: «ليفتتونك»، لأن في إِعطائهم ما سألوا مخالفةً لحكم القرآن. فقوله تعالى { لتفتريَ } أي: لتختلقَ { علينا غيرَه } وهو قولهم: قل الله أمرني بذلك، {وإِذاً} لو فعلت ذلك { اتخذوك خليلاً} أي: والَوْكَ وصافَوْكَ. تفسير زاد الميسر / ابن القيم الجوزي
(7)
مروان بن الحكم بن أمية
(8)
نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي. الدكتور محمد شحرور
[/SIZE][/COLOR][/FONT]
الجزء الثاني والأخير
لقد أشرنا في مُقدمة الكتاب إلى حقيقة هامة، وهي أن اَلْمُسْلِمِينَ، وبعد أن هجروا كتاب الله تعالى قد أخرجوا أقوال رسول الله (ص) وأفعاله من المصدر الرئيس، الكتاب الذي أُحكمت آياته ثم فصلت من لدن عزيز حكيم، كما جردوه (ص) من بشريته، حتى أصبح البُصاق على الطعام والشراب من مُعجزات رسول الله (ص) وبات التبرك ببوله أمراً مُستساغاً، نُحيط القارئ الكريم علما بأن هنالك العديد من الكتب التي ألفت في هذا الفن خصيصاً وهي مُستوحاة من ما يُطلق عليه جِزافا بصحيحي البخاري مُسلم.. إليكم بعض الأمثلة من هذه الأحاديث المكذوبة على رسول الله (ص) التي يبرز فيها التناقض وتغيب عنها المصداقية.
صحيح البخاري، الحديث رقم 4204 عن البراء بن عازب، انه كان مع الرسول (ص) يوم الحديبية إلف وأربعمائة أو أكثر، فنزلوا على بئر فنزحوها فاتوا النبي (ص) فأتى البئر وقعد على شفريها، ثم قال: ائتوني بدلو من مائها ، فأتي به ( فبصق ) فدعا ثم قال: "دعوها ساعة" فأروا أنفسهم ورِكابهم حتى ارتحلوا. وفي الحديث رقم 4203 ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض ودعا ، ثم صبه فيها
صحيح البخاري، الحديث رقم 4259 حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم ، قال أخبرني سهل بن سعد (ض) أن رسول الله (ص) قال يوم خيبر " لأعطين هذه الراية غدا رجلا ، يفتح الله على يديه ، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله " قال فبات الناس يدركون ليلتهم أيهم يعطياه، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله (ص) كلهم يرجو أن يعطاها فقال: أين علي بن أبي طالب؟ . فقيل، هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه،. فأتي به ( فبصق ) رسول الله (ص) ي عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع ، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالهث، لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم .
صحيح البخاري، الحديث رقم 185 حدثنا آدم قال حدثنا شعبة قال حدثنا الحكم قال سمعت أبا جحيفة يقول خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة فأتي بوضوء فتوضأ فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به.. فصلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه عنزة وقال أبو موسى دعا النبي صلى الله عليه وسلم بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه (ومج فيه) (أي بَصقَ) ثم قال لهما اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما
كثُرت الآراء حول عصمة رسول الله (ص) وتعددت فيها أقوال العُلماء وتباينت فيما بينهم ، فمنهم من قال بأن الرسول (ص) غير معصوم في غير التبليغ ، إي أنه معصومٌ فيما يؤديه عن الله تعالى، وليس بمعصوم في غير ذلك من الخطأ والنسيان والصغائر من الذنوب، (قال السفا ريني في شرح عقيدته) قال ابن حمدان في نهاية المبتدئين: أنه يجب أن يكون النبي معصوماً من جميع الرذائل والفواحش منذ الصغر وحتى الموت، عمداً وسهوا.
وقال ابن عقيل في الإرشاد: إنهم عليهم السلام، لم يعتصموا في الأفعال، بل في نفس الأداء ولا يجوز عليهم الكذب في الأقوال فيما يؤدوه عن الله ، وقال ابن تيمية: الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه وتعالى في تبليغ رسالاته باتفاق الأمة.. ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوا، كما قال تعالى ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ) وقوله ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ) ( مجموع الفتاوى 10/ 29 )
بيد أننا نقول: أنه وبالرغم من اختلاف المسلمين في مقدار عصمة رسول الله (ص) إلا أنهم قد نسبوها له بشكل أو بآخر، وهنا نطرح سؤالاً: كيف لنا أن نوفق ما بين القائلين بعصمة الرسول (ص) قبل وبعد بعثته وبين قول تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى ( الضحى 7 )
يعتبر الإمام عبده رحمه الله عليه، أن عصمة رسول الله (ص) كالمعُجزة، ضرورة من ضروريات صدق الرسالة، ومن مُقتضيات حكمة الله، وإذا كان الرسول، كبشر يجوز على جسده ما يجوز على أجساد البشر، وإذا كان الرسول كمجتهد قد كان يمارس الاجتهاد والشورى وإعمال العقل والفكر والاختيار بين البدائل في مناطق وميادين الاجتهاد التي لم ينزل فيها وحى إلهي.. فإنه معصوم في مناطق وميادين التبليغ عن الله - سبحانه وتعالى - لأنه لو جاز عليه الخطأ أو السهو أو مجانية الحق والصواب أو اختيار غير الأولى في مناطق وميادين التبليغ عن الله، لتطرق الشك إلى صلب الرسالة والوحي والبلاغ، بل وإلى حكمة من اصطفاه وأرسله ليكون حُجة على الناس. كذلك كانت العصمة صفة أصيلة وشرطًا ضروريًا من شروط رسالة جميع الرسل (ع) فالرسول في هذا النطاق - نطاق التبليغ عن الله، وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى، وبلاغة ما هو بقول بشر، ولذلك كانت طاعته فيه طاعة لله، وبغير العصمة لا يتأتى له هذا المقام. أما اجتهادات الرسول (ص) فيما لا وحى فيه، والتي هي ثمرة لإعماله لعقله وقدراته وملكاته البشرية، فلقد كانت - تصادف الصواب والأولى، كما كان يجوز عليها غير ذلك.. (الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ) دراسة وتحقيق الدكتور محمد عمارة ج2 صفحة 415
يقول الله سبحانه وتعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( الحج 75 )
يُفهم من قوله تعالى، بأن الأنبياء هم صفوة البشر وأفضلهم ولا خلاف في ذلك، لكن هذا الاصطفاء والتفضيل القرآني للأنبياء، لا يعني أن التنزيل الحكيم قد نسب إليهم العصمة، بل نفاها عنهم بدليل أن القران قد نسب إليهم نواقص الصِفات (كالنسيان والسهو) والأعمال قبل وبعد بعثتهم ومُعرضون لما يتعرض له بقية البشر من السهو والنسيان والأخطاء والذنوب.. بدلالة قوله تعالى:
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً – الفتح 2
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ - محمد 19
قَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (التوبة 117)
وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( القصص 87 )
عَبَسَ وَتَوَلَّى* أَن جَاءهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى* أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى* فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى ( عبس 1- 10 )
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ( الشعراء 82 )
سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى ( الأعلى 6 )
قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً ( الكهف 73 )
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ ( القصص 15 )
لقد جاءت هذه الآيات المبينات لتقطع الشك باليقين حول المفهوم المُلتبس الذي تواتره المُسلمون في مسألة عصمة الأنبياء، وهذا المفهوم وللأسف من المفاهيم الثابتة عند السادة العُلماء، رغم تعارضه مع نصوص الكتاب الذي أُنزل على قلب رسول الله (ص) الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، بعد هذا كله ننطلق في تساؤلنا المشروع: كيف لنا أن نوفق بين أقوال الأئمة الذين ضلوا وأضلوا، وبين هذه الآيات الواضحة؟
العصمة في معاجم اللغة
مقاييس اللغة: (عصم ) العين والصاد والميم أصلٌ واحدٌ صحيحٌ يدلُّ على إمساكٍ ومنْع وملازمة والمعنى في ذلك كلِّه معنىً واحد. من ذلك العِصْمة: أن يعصم اللهُ تعالى عَبْدَه من سوءٍ يقع فيه
واعتصم العبدُ بالله سبحانه وتعالى، إذا امتنع. واستَعْصَم: التجأ
العصمة في اللغة معناها المنع، يقال عصمته عن الطعام أي منعته عن تناوله، وعصمته عن الكذب أي منعته عنه، وتقول العربُ: أعْصَمتُ فلاناً، أي هيّأتُ له شيئاً يعتصم بما نالته يدُه أي يلتجئ ويتمسَّك به، ومنه قوله تعالى:
قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ - هود43 وقوله أيضاً
يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ( غافر 33 )
للوقوف أمام مفهوم عصمة رسول الله (ص) في كتاب الله تعالى، نقف خاشعين أمام قول الحق سُبحانه:
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ( المائدة 67 )
إن النظر في هذه الآية الكريمة بُبين لنا بشكل لا يقبل التأويل، بأن الله سُبحانه وتعالى قد عصم رسوله الكريم (ص) من تأثير الناس عليه، وحمايته من شرور الكُفار وكيد الفُجار حصراً، ولم يعصمه من الأخطاء، أو السهو والنسيان، ناهيك عن الذنوب، لقوله سُبحانه:
وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرا ( الإسراء 73- 75 ) وقوله سُبحانه
وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (النساء 113 )
إن أهم وأبرز ما يستوقف المُتأمل في الآيتين السابقتين: أنه كيف يكون لرسول إنسان بشر، مُعرض لمِثْلَي عذاب الحياة في الدنيا ومثْلَي عذاب الممات في الآخرة، أن يُشرع مع الله وينسخ آياته، ويُحرم ما أحلّ الله ويقضي على أحكامه؟ والله سُبحانه وتعالى يُخبرنا بشكل لا يقبل التأويل، أنه فضل على رسوله (ص) فضلاً عظيماً، وعصمه برحمته من طائفة همت بإضلاله، وأنزل عليه الكتاب الذي فيه تبيان كل شيء، وعلمه من الحكمة ما لم يكن يعلم؟ فقوله تعالى: وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ( ولولا أن ثبَّتناك) على الحق، لِعِصمتنا إِياك لقد كدتَ تركَن إِليهم، أي هممتَ وقاربتَ أن تَميل إِلى مرادهم شيئاً قليلاً. إن المُدقق المُتجرد في هاتين الآيتين ، يُدرك بأن العصمة الإلهية اقتصرت على تأثير الناس على رسول الله (ص) لقد صدق الله تعالى وعده، فبلغّ الرسول (ص) الرسالة وأدى الأمانة. ( في مُناسبة نزول هذه الآيات أربعة أقوال ) (6)
لن يجد القارئ الفطن المُتدبر لكتاب الله تعالى، المُتسلح بعلوم ومعارف هذا العصر، والمُتحرر من عبودية السلف وكتب التُراث ، صعوبة في استشفاف (استشفاف) المعنى الحقيق لمفهوم مُصطلح لفظ (السُنة) الذي ورد في الآيات السابقة، والذي يقتصر على مفهومين اثنين لا ثالث لهما:
أولاً: (سُنن) قوانين الله تعالى التي لا تتحول ولا تتبدل، بدلالة قوله سُبحانه: فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (فاطر 43)
ثانياً: المنهج أو الدأب أو الطريقة (الفعلية والعملية) الذي يسير عليه الناس في تطبيق هذه القوانين الثابتة، وهو الطريق الموصل إلى غاية معنوية كانت أو محسوسة، وما عداه من تعريفات بشرية فليس عندنا بشيء، لأن لفظ ( سُنة الرسول ) لم يرد في التنزيل الحكيم أصلاً، وإنما ورد فيه (سُنة الله) فقط ، كما بينت (أظهرت) الآيات الكريمة التي استشهدنا بها، وقد يطرح أحدهم سؤلاً مشروعاً: إذا كانت السُنة هي القانون والمنهج العملي، فهل سن القوانين حصري لله تعالى؟ ألا يحق للرسول (ص) بصفة خاصة، والناس بصفة عامة، في سن القوانين لتنظيم شؤونهم؟ قبل الإجابة على هذا السؤال الهام، يتوجب علنيا أن نُميز بين مفهومين مُتداخلين وشائعين، المفهوم الأول مُصطلح الرسول والثاني مُصطلح النبي (ص)
مهمة الرسول – صلوات الله وملائكته عليه
لا يختلف اثنان من المسلمين العقلاء بأن التنزيل الحكيم يخلو من الحشو واللغو والعبثية، والمُتدبر لكتاب الله تعالى، يرى وبوضوح دقة تراكيبه ومعانية التي لا تقل عن دقته سُبحانه وتعالى في خلقه لهذا الكون من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة، فلكل حرف في التنزيل الحكيم وظيفة ولكل كلمة مُهمة، فما هي مهمة الرسول (ص) المُحددة في ضوء التنزيل الحكيم؟ القول الفصل نجده في هذه الآيات الواضحة
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ( التغابن 12 )
فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ( آل عمران 20 )
وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ ( المائدة 92 )
وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ( الرعد 40 )
فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( النحل 35 )
فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ ( النحل 82 )
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ( النور 54 )
وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ( العنكبوت 18 )
مَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ ( بس 17 )
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ ( الشورى 48 )
بعد تدبر هذه الآيات الواضحات، نخلص إلى القول بأن كل ما فعله النبي (ص) بعيداً عن الرسالة ليس تكليفاً شرعياً، وأن مهمة الرسول (ص) الوحيدة تقتصر على تبليغ الرسالة التي نزلت على قلبه وحياً، كاملة بأوامرها ونواهيها، لقوله تعالى:
أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ( المائدة 67 )
لقد جاءت طاعة الرسول (ص) المُكلف بتبليغ الرسالة للناس بأوامرها ونواهيها مُقترنة بالرسالة المكلف بتبليغها، لقوله سُبحانه: وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( آل عمران 132 ) وقوله سُبحانه: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ( المجادلة 13 )
وقد عزز سبحانه وتعالى هذه الطاعة بربطِها مباشرة بطاعته بدلالة قوله سُبحانه: مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّه وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ( النساء 80 )
لقد استعرضنا هذه الآيات الواضحة والمُحددة لنصل بعدها إلى القول: بأنه من حق الناس والنبي (ص) بصفته نبياً وإماماً وقائداّ ومؤسساً لهذه الأمة في سن القوانين التي لا تتصادم مع سُنن قوانين الله، لأن سُنة (قوانين) الله تعالى هي المُهيمنة على سُنن البشر في كل الأحوال. نُشير بعجالة إلى حقيقة هي في غاية الأهمية، ويجب أن لا تغيب عن ذهن المُتدبر لكتاب الله تعالى وهي أن سُنن (قوانين) العليم القدير، ثابتة أزلية، بمعنى أنها لا تتأثر بالزمان ولا بالمكان، ولا يُمكن لها أن تتصادم مع الحقائق الكونية، ولا تتبدل ولا تتحول لقوله سُبحانه وتعالى: فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ( فاطر 43 ) بعكس سُنن النبي (ص) الصحيحة ( الفعلية والعملية والمُتواترة ) فهي ليست ثابتة، ولكنها ظرفية زماناً ومكانا، متحركة تُراعي احتياجات الناس وَمُتَطَلَّبَاتهمْ اليومية (وهي ليست وحيا)
إن المعيار الوحيد للأخذ بهذه السُنن، هو انطباقها على التنزيل الحكيم والواقع المُعاش، فإن تعارضت تركناها.
ومن أهم هذه السُنن، تلك الخطبة التي كانت تسبق الصلاة من يوم الجمعة أو تليها، والتي راعت احتياجات المُصلين آنذاك، واستمرت طيلة فترة الخلافة الراشدة، إلى أن حولها المنتصرون من أهل السنة والجماعة من ( موعظة الجمعة ) إلى منبر سياسي لخدمة السلطان، فتحول الخطيب إلى قزمٍ ومريد، يدعو للسلطان بعمر مديد، أو قصاصاً يقص على المصلين قصصاً تهمل الزمان والمكان، وتغتال التاريخ، وتسقط العقل، كما كان يفعل القصاصون في المساجد في القرن السابع الميلادي، لا أكثر ولا اقل من ذلك!
يقول الله تعالى: َإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( الجمعة 10-11 ) هاتين الآيتين الكريمتين لا تُشيران لا من قريب أو من بعيد إلى خطبة الجمعة، والتي أصبحت بفعل فاعل جزأً لا يتجزأ من صلاة الجمعة ولا تقوم الصلاة بدونها في رأي غالبية الفقهاء! لقد اخذ البعض قوله سُبحانه ( وَتَرَكُوكَ قَائِماً )ْ على ظاهره ، معتمدين على روايات متضاربة، بعضها يدعي بأن النبي (ص) كان قائماً على المنبر (يخطب) والبعض الآخر بأن النبي (ص) كان قائماً في الصلاة.. بالرغم من أن سياق الآية يُشير إلى أن النبي (ص) كان قائماً عليهم في الصلاة. فقوله سبحانه وتعالى:
إِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُون" أوضح من أن يتجاهله ذو لب. فنحن أمام نص إلهي واضح: فإذا قضيت الصلاة أي أديت وفرغ منها، فانتشروا في الأرض أي لكم بعد انقضاء الصلاة أن تتفرقوا حيث شئتم في أعمالكم واذكروا الله ولا تنسوه واذكروه ذكراً كثيراً لعلكم تفلحون. أنظر إلى قوله تعالى:
{وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ( فَأَقَمْتَ) لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً ( النساء 102 )
أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً (وَقَائِماً) يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (الزمر 9 )
أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهود (الإسراء 78)
وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين (هود 114)
من هنا، فنحن نقول على أن طاعة الرسول (ص) للرسالة التي نزلت على قلبه بفروعها الثلاث، الشعائر وآيات الصِراط المستقيم (القيم والمُثل العليا ( سورة الأنعام 150 – 152 ) آيات الأحكام والتشريع هي طاعة واجبة في حياته وبعد ومماته، ونقول أيضاً: أن الطاعة للرسول (ص) جاءت من مقام الرسالة المُكلف بتبليغها للناس كافة، والتي تحتمل الطاعة والمعصية، ولم تأتي للنبي (ص) من مقام النبوة وعلومها التي تحتمل التصديق والتكذيب. تجدر الإشارة هنا إلى أن الأوامر والتنبيهات التي جاءت إلى النبي (ص) مُخاطبة إياه بعبارة "يا أيها النبي" احتوت على تعليمات وإرشادات أو حالات خاصة بالنبي (ص) حصراً، ليس لها عُلاقة بالحلال والحرام، ولا يوجد في التنزيل الحكيم آية قرآنية واحدة تقول: وأطيعوا النبي.
تقييد الحلال المُطلق
إن الأصل في الأشياء الحِلية، والحرام هو الاستثناء، والحلال لا يمكن ممُارسته في أي مجتمع إلا مُقيدا، وإن أهم سِمة من سمات تقييد الحلال أنه لا يحتاج إلى وحيّ. فتقييد الحلال في زمن النبي (ص) حيناً، وإطلاقه حيناً آخر، معناه أن النبي (ص) سنّ قوانين إضافية حملت الطابع ألظرفي والمكاني وحاكت احتياجات المُجتمع في عصره أوجبت طاعته في حياته فقط ، ولهذا السبب بالذات أمر النبي بعدم تدوين أحاديثه، وهو ما رواه أحمد في مُسنده، ومُسلم في صحيحة، وابن عبد البر في كتاب العلم، وغيره عن أبي سعيد ألخدري مرفوعاً (إن صحَّ) "لا تكتبوا عني شيئاً إلا القرآن فمن كتب غير القرآن فليمحه" ونضرب مِثالاً على قرار اجتهادي اتخذه النبي (ص) في تقييد الحلال المُطلق ثم أطلقه من قيوده مرة ثانية فيما بعد، وهذا المِثال هو زيارة القبور
من الطقوس التي مارستها النساء قبل الإسلام، وفي كل مرة كن يزرن فيها القبور، أن يمزقن جيوبهن وثيابهن للتعبير عن حزنهم حين يموت لهن ميت، إلى أن اجتهد وسنّ النبي (ص) (قانوناً مدنياً) نهى فيه النساء عن زيارة القبور وشق الجيوب، عِلماً بأن زيارة القبور أو عدم زيارتها حلال، لكن النبي (ص) (إن صحّ عنه) قيد هذا الحلال للحد من عادات جاهلية مُتأصلة عند العرب قبل الإسلام، ولكنه عاد فسمح بزيارة القبور بعد أن رسخت المفاهيم الإسلامية في قلوب الناس. فكان ما فعله النبي (ص) (سُنة) قانوناً مدنياً ظرفي، قيد فيه حلالاً مًطلقاً، انتهى بانتهاء الأسباب التي أوجبته وليس تحريماً، ولكن المُشكلة الكُبرى جاءت من فهم رجال الدين وعدم مقدرتهم على التفريق بين الحرام وتقييد الحلال المطلق، حيث اعتبروا تقييد الحلال تحريماً لحلال، وتحليلاً لحرام. (8) ( انتهى )
نقف خاشعين أمام قول الحق سُبحانه وتعالى: "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا
ليسمح لي القارئ الكريم بأن أجيب سلفًا على سؤال يتردد كثيراً، ماذا تقولون في قول المولى سبحانه وتعالى: "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا؟ نجيب بتساؤل، لماذا يتعمد السادة علماء الدين باقتطاع هذه الآية في كل مرة من سياقها؟ ومن قال إنني أدعو أصلاً إلى عدم طاعة رسول الله؟ (ص) فطاعة الرسول الكريم (ص) في هذه الآية مقرونة بطاعة الله تعالى وليست بمعزل عن طاعته، ولنتمكن من الإجابة هذا السؤال علينا أن نقرأ قول الحق سبحانه وبدون اقتطاع الآية الكريمة يقول الله تعالى:
مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( الحشر 7 )
الآية الكريمة تتحدث عن مصارف أموال الفيء الغنائم ووجوهه، وتتحدث عن نصيب الرسول (ص) منها وذي القربى واليتامى والمساكين ومستحقيها من المسلمين، وتحث المسلمين على طاعة الله تعالى في أوجه صرف الفيء، وطاعة رسول الله (ص) في هذه الآية تحديداً، هي طاعة خاصة بها لا تشمل العمومية، ولا يجوز سحبها على كل ما ورد في كتب الأحاديث، ولكننا في نفس الوقت لا نُنكر أن طاعة الرسول (ص) في أمور كالشعائر واجبة ومُلزمة كطاعة الله تعالى تماما، لأنها وكما أشرنا قبل قليل، مُقترنة بها كما في قوله سُبحانه وتعالى: وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ( الأنفال 1 )
فقوله سُبحانه: وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُو ، فالإشارة هنا واضحة إلى أن للنبي (ص) أن يأمر وينهى، ولكن ليس له أن يُحل الحرام، أو أن يُحرم الحلال، فالحلال والحرام أبدي وشمولي وتوقيفي من الله حصراً، لا شريك له فيه ، حيث أنه من بديهيات المنطق، الإقرار بأن المُحرمات لها خواص لا يُدركها إلا العليم البصير، كامل المعرفة في الغيب والشهادة، التي لا يحدها الزمان ولا المكان، هذه المعرفة لا يملكها رسول من عند الله، أو فقيه، ولا إجماع أو مجلس نيابي. الأمر والنهي أمرٌ يشترك فيه الله سبحانه وتعالى والناس. ( انتهى) (9)
الآن وقد اقتحمنا العقبة وأمطنا اللثام عن المفهوم الصحيح للسُنة النبوية، وشرحنا ذلك بالأمثلة والشواهد، واستشهدنا بآيات التنزيل الحكيم، نُقرر جازمين بأن السُنة النبوية ليست الحكمة المُشار إليها في كتاب الله، وأن الرسول (ص) ليس معصوما من الأخطاء أو الذنوب، أو السهو والنسيان، بل هو معصومٌ حصراً من تأثير الناس عليه، كذلك بينَا أن الكتاب الذي أُنزل على قلب رسول الله (ص) كامل، والكامل لا يحتاج إلى زيادة أو نًقصان، وعليه: فإن الطرح الحالي للمفهوم الفقهي للسُنة النبوية لا عُلاقة له من قريب أو من بعيد مع سنة النبي – صلوات الله وملائكته عليه.
الطامة الكُبرى بأن الإمام الشافعي رحمة الله عليه، ابتدع في دين الله تعالى وأتى بفرضية الحكمة هي السُنة ، وأسس على هذا الافتراض وبنى عليه أصولاً وأحكاماً في الفقه، والمُقلِدون المُتعصبون من عُلماء العصر، وهم في حقيقة الأمر لا يعُدون عُلماء وإن عدوا عُرفاً لجهلِهم أو تجاهلهم الحقائق القرآنية بعدما استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير! بالأحاديث الظنية والمُمتلئة بالإسرائيليات ، وألطم والرم، والغث والسمين، والصحيح القليل، والموضوع الكثير كمصدر للدين والعلم، حتى وقع السواد الأعظم من المسلمين في المحظور، وأوقع العُلماء الأفاضل أنفسهم في الحرام. للأسف الشديد، لقد أراحوا عقولهم لهذه الفرضية، ووجدوا أنها أيسر من إجهاد الذهن في الاجتهاد في كتاب الله تعالى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الحواشي – المراجع
(1)
دخل الإسلام مع أبيه أبى سُفيان زعيم المُشركين سابقاً، وأمه هند بنت عتبه في نهاية عهد الرسول (ص) بعد فتح مكة
(2)
وقعة صفين هي المعركة التي وقعت بين جيش علي بن أبي طالب وجيش معاوية بن أبى سفيان في سنة 39 هجرية. طالب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب معاوية بالبيعة، فيما طالب معاوية عليا ًبالقصاص أولاً من قتلة عثمان ثم تكون البيعة. وأصر علي على أن تكون البيعة أولاً. تقابل الجيشان هناك وقام بينهما قتال شديد كان يستمر يوميا من بعد صلاة الفجر إلى نصف الليل وقتل فيه ما بقارب 70 ألفا
(3)
فرقة إسلامية ظهرت في عهد الخليفة علي بن أبي طالب نتيجة الخلافات السياسية التي بدأت في عهد عٌثمان بن عفان
(4)
نسبة إلى العام الذي أصبح فيه معاوية بن أبي (أبي) سفيان خليفة للمُسلمين
(5)
الشيخ محمود أبو ريه – رحمه الله في كتابه (أضواء على السُنة المُحمدية) ص 6-7
(6)
في مُناسبة نزول هذه الآيات أربعة أقوال:
أولاً: أن وفداً من ثَقيف أتَوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: متِّعنا باللات سَنة، وحرِّمْ وادينا كما حرَّمْتَ مكة، فأبى ذلك، فأقبلوا يُكثرون مسألتهم، وقالوا: إِنا نحب أن تعرِّف العرب فضلنا عليهم، فإن خشيتَ أن يقول العرب: أعطيتهم ما لم تعطنا، فقل: الله أمرني بذلك؛ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم (عنهم) وداخلهم الطمع، فنزلت هذه الآية، رواه عطاء عن ابن عباس. وروى عطية عن ابن عباس أنهم قالوا: أجِّلنا سنة، ثم نُسلم ونكسر أصنامنا، فهمَّ أن يؤجِّلهم، فنزلت هذه الآية
ثانياً: أن المشركين قالوا للنبي (ص) لا نكفُّ عنك إِلا بأن تُلِمَّ بآلهتنا، ولو بأطراف أصابعك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما علَيَّ لو فعلت والله يعلم إِني لَكاره»؟ " فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن جبير، وهذا باطل لا يجوز أن يُظَنَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ما ذكرنا عن عطية من أنه همَّ أن يُنْظِرهم سنة، وكل ذلك مُحال في حَقِّه وفي حق الصحابة أنهم رَوَواْ عنه
ثالثاً: أن قريشاً خَلَواْ برسول الله ليلةً إِلى الصباح يكلِّمونه ويفخِّمونه، ويقولون: أنت سيدنا وابن سيدنا، وما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون، ثم عصمه الله من ذلك، ونزلت هذه الآية، قاله قتادة
رابعاً: أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اطرد عنك سُقَاط الناس ، ومواليهم، وهؤلاء الذين رائحتهم رائحة الضأن، وذلك أنهم كانوا يلبَسون الصوف، حتى نجالسَك ونسمعَ منك، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ما يستدعي به إِسلامهم، فنزلت هذه الآيات، حكاه الزجاج؛ قال: ومعنى الكلام: كادوا يفتتونك، ودخلت «إِن» واللام للتوكيد. قال المفسرون: وإِنما قال: «ليفتتونك»، لأن في إِعطائهم ما سألوا مخالفةً لحكم القرآن. فقوله تعالى { لتفتريَ } أي: لتختلقَ { علينا غيرَه } وهو قولهم: قل الله أمرني بذلك، {وإِذاً} لو فعلت ذلك { اتخذوك خليلاً} أي: والَوْكَ وصافَوْكَ. تفسير زاد الميسر / ابن القيم الجوزي
(7)
مروان بن الحكم بن أمية
(8)
نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي. الدكتور محمد شحرور
[/SIZE][/COLOR][/FONT]