مشاهدة النسخة كاملة : تساؤلات حو الآيات 76- 79 من سورة الأنعام
مهيب الأرنؤوطى
08-22-2009, 11:31 PM
السلام عليكم ورحمة الله تعالي وبركاته:
يقول الله تبارك وتعالي: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ*فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ*فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ*إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام 76- 79).
وهناك بعض الأسئلة التي راودتني حول تلك الآيات والتي لم أعرف إجابتها، والحقيقة أن بعض الأعضاء الملحدين في أحد المنتديات قد أثارها ولم أعرف أن أرد عليه الرد الأمثل، فبرجاء الإجابة عنها لمن كان لديه إجابة:
1- ما الحكمة في تكرار عبارة (فلما أفل).... من المعلوم بالطبع أن سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان يعرف أن كلاً من الكواكب والقمر والشمس سوف يأفلوا، فهل من المعقول أنه كان لا يعلم بأفول الكوكب قبل ظنه بأن هذا هو ربه أو بأفول القمر قبل ظنه ذلك، وكذلك أفول الشمس قبل ظنه بأنها ربه وأنها أكبر.....؟؟...
2- هل كان سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام يظن فعلاً أن الكوكب أو القمر أو الشمس هي أربابه أم أنه أراد أن يلقن المشركين درساً في التوحيد فكان كل ما قاله مجرد افتراضات لهم حتي يصل بهم إلي الحقيقة المطلقة وهي أن الله تعالي وحده هو الجدير بالعبادة دون سواه وأنه هو الذي لا يأفل ولا يغفل....؟؟...
3- لقد تساءل أحد المسلمين فقال: هل الشمس ليست رباً...؟؟... إن الربوبية ليست هي الألوهية، فلماذا لم تكن الشمس هي ربنا (ولكنها ليست إلهنا) هذا مع اليقين التام بأن الله هو رب الشمس ورب كل شئ.... وقد كان السبب في هذا التساؤل من المسلم هو أن الله تعالي ذكر أن هناك أرباباً غير الله تعالي في غير موضع من تلك السورة مثل:
(يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (يوسف 39).
(يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا...) (يوسف 41).
(وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) (يوسف 50).
فلماذا علي سبيل هذا القياس ألا تكون الشمس هي رب هذا الكوكب الأزرق الذي لا يمكن أن يكون عليه أي آثار من الحياة بدون تلك الشمس....؟؟... فإذا فُرِض أنه من الممكن تسميتها بالرب قياساً علي الآيات السابقة، إذن فلماذا استنكر سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن تكون الشمس كذلك فقال بعدها مباشرة (يا قوم إني برئ مما تشركون)....؟؟..
جزاكم الله تعالي كل الخير مقدماً وفي انتظار إجاباتكم الكريمة وكل عام وأنتم بخير
عمرو الشاعر
08-23-2009, 08:42 AM
وجزاكم مثله أخي معالج وكل عام وأنت بخير!
وسأنظر في الآيات بإذن الله بعد أن أنتهي من نظري في آيات الصيام!
مهيب الأرنؤوطى
08-23-2009, 09:46 AM
وجزاكم مثله أخي معالج وكل عام وأنت بخير!
وسأنظر في الآيات بإذن الله بعد أن أنتهي من نظري في آيات الصيام!
أخي الكريم عمرو الشاعر كل عام وأنتم بخير وصحة وإيمان
وأنا منتظر يا أخي الفاضل وأدعو الله تعالي أن يعينك حتي تفيدنا بعلمك الغزير في آيات الصيام حيث إننا في أمس الحاجة إلي المزيد من فهمها.... كما أنني منتظر أن تجيب عن أسئلتي بعدها إن شاء الله.....
أطال الله تعالي بقاءكم وأجزل عطاءكم
مهيب الأرنؤوطى
08-27-2009, 04:02 PM
أخي المفضال عمرو الشاعر، كل عام وأنتم بخير وصحة وإيمان:
أعلم أنك مشغول بتدبر آيات الله تعالي وأتفهم ذلك وأقدره... ولكن أسئلتي في هذا الموضوع لم تخرج عن كتاب الله تعالي قيد أنملة... وقد وعدتني أنك سوف تقرأ الآيات السابقة من سورة الأنعام ثم تأتيني بالرد..... ونظراً لأن لدي بعض أسئلة أخري تتعلق بكتاب الله تعالي لذا أناشدك سرعة الرد في أقرب وقت ممكن، وقد كتبت تلك المداخلة لتذكرتك فقط....
أطال الله تعالي بقاءكم وأجزل عطاءكم
السيف البتار
08-27-2009, 11:01 PM
جاء في حق ابراهيم في القرآن انه قال لقومه لما رآى الكوكب هذا ربي فلما افل قال لا احب الأفلين اليس هذا دليلا على ان ابراهيم كان يعبد الكوكب قبل ذلك اي قبل ان يعلمه الله تعالى ويفهمه الجواب ان معنى قول ابراهيم هذا ربي ليس اثبات لربوبية القمر عليه لا انما معنى قول ابراهيم هذا ربي انكم يا قوم تعبدون الكوكب وتثبتون له الربوبية اي الألوهيه وهو لا يصلح لذلك لكن بما ان هذه العقيدة متمكنة فيهم اراد ان يستدرجهم الى تفهيمهم ان هذا الكوكب لا يصلح ان يكون ربا لانه شىء يتغير في أول الأمر قال لهم هذا ربي معناه على زعمكم هذا ربي كيف يصلح ان يكون رباً لي. ثم لم يقل لهم في اللحظة هذا يأفل والشىء الذي يأفل لا يصلح ان يكون اله بل سكت وانتظر حتى أفل اي غاب فلما غاب قال لا احب الأفلين معناه هذا الكوكب الذي تعبدونه وتعتقدون انه ربكم شىء يغيب وكل شىء يطرأ عليه التغير لا يصلح ان يكون اله لكن من شدة بلادتهم لم يفهموا مقصود ابراهيم الذي هو أن يخرجهم من عبادة الكوكب الى عبادة رب الكوكب وخالقه. ابراهيم عليه السلام كان فاهما عارفا أن هذا الكوكب لا يصلح ان يكون اله لانه شىء يتغير ويتطور من حال الى حال يحصل له حال غير الذي كان عليه وكل شىء يطرأ عليه حال غير الحال الذ ي كان عليه فهو متغير وكل متغير يحتاج الى مغير إذن الله تبارك وتعالى لا يجوز عليه التطور والتغير لان المتطور يحتاج الى من يغيره والمحتاج الى غيره لا يصلح ان يكون اله. كذلك قول ابراهيم بالنسبة للشمس هذا ربي معناه انكار عليهم وتسفيه لرأيهم الفاسد، والا فإن ابراهيم عليه السلام لم تمر عليه فترة او لحظة اعتقد فيها أن شيئا غير الله يستحق أن يعبد بل كان من اول نشأته عارفا
والمتأمل فى هذه الحالات الثالث يرى أن إبراهيم - عليه السلام - قد سلك مع قومه أحكم الطرق فى الاستدلال على وحدانية الله ، فقد ترقى معهم وهو يأخذ بيدهم إلى النتيجة التى يريدها بأسلوب يقنع العقول السليمة
مصطفى سعيد
08-28-2009, 04:30 AM
السلام عليكم
" وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ*فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ*فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ*إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ "
إن موضوع سورة الأنعام الرئيس هو الربوبية
1- إن القوم اتخذوا الأصنام آلهة ؛
2- هل اتخذوها أربابا ؟ ربما ..لأن السؤال لماذا اتتخذتموها آلهه ؟...يجيبون لأنها أرباب فهذا رب المطر وذاك رب الخصب و...الخ
3- كيف كان ابراهيم عندما قال هذا ؟
هل كان نبيا يدعو قومه ؛ أم أنه ذكر هذا الكلامَ عند البلوغ، وخطر ببالِهِ أن يعلم من الرب الحق- تعالى - فتفكَّرَ فرأى النجوم، فقال: " هَذّا رَبِّي " فلمَّا شاهد حَرَكاتِهِ قال: { لا أحِبُّ الآفلين } ؛
الاحتمال الأول رجحه المفسرون وإن كان الاحتمال الثانى يناسب كونه فتى " قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ "
4-كلمة " وكذلك نرى ." بينت أن قوله لأبيه وقومة علة ل " نري ابراهيم ملكوت .." فالاراءة مترتبة على أنه أنكر على قومه الشرك .
5- علام عطفت "وليكون " فى الآية 95 ؟
قال فى اللباب
قالوا فيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أن " الواو " زائدة، أي: نريه ليكون من المؤمنين بالله، و " اللام " متعلقة بالفعل قبلها، إلا أن زيادةَ " الواوِ " ضعيفة ولم يقل بها إلاَّ الأخْفَش ومن تابعه.
الثاني: أنها علَّة لمحذوف، أي: وليكون أريناه إياه ذلك، والتقدير: وليكون من الموقنين برؤية مَلَكُوتِ السَّموات والأرض.
الثالث: أنها عطف على علَّةٍ محذوفة، أي: ليستدل وليكون، أو ليقيم الحُجَّة على قَوْمِهِ ،
ويبدو أن الثالث أرجح الأقوال فيكون ليستدل وليكون أو لنهديه وليكون ..
يتبع ان شاء الله
عمرو الشاعر
08-28-2009, 09:36 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
أخي الفاضل معالج: معذرة على تأخر الإجابة, والذي كان بسبب الانشغال ببعض الأمور الدنيوية اللازمة!
ولأنك استأخرت الإجابة فنجيبك أولا قبل آيات الصيام فنقول:
قبل أن نبدأ الرد على أسئلتك نقدم للقارئ السياق العام الذي وردت فيه الآيات, حتى تتضح الصورة أمامه:
"قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ [الأنعام : 65] ......... قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام : 71] ....... وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ [الأنعام : 74-80]
تبدأ الآيات المتعلقة بسيدنا إبراهيم بالحديث حول إنكاره على إبيه إتخاذه هو والقوم أصناما آلهة وأنه يراهم في ضلال مبين!
ونتوقف مع قوله تعالى "وكذلك", والتي قال المفسرون أنها معطوفة على محذوف أو على مفهوم!
والذي نراه –والله أعلم- أنها معطوفة على قوله تعالى: "نصرف الآيات لعلهم يفقهون", أي وكما نصرف الآيات ليفقه المخاطب بها, نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض! ليفقه.
وهذا دليل على أن الرؤية ليست رؤية بالعين وإنما إراءة قلبية عقلية (وربما في المنام) ليتفقه, و –من ثم- ليكون من الموقنين.
والعجيب أن بعض المفسرين جعلوا هذه الإراءة لحظية, فجعلوا المواقف التالية لها حدثت بعدها, مع أن هذه الإراءة أخذت وقتا طويلا ومواقف متكررة, بدليل استعمل الفعل المضارع "نري" وليس "أرينا"!
بعد هذا التقديم السريع نعود إلى أسئلتك, فنقول:
قلتَ:
ما الحكمة في تكرار عبارة (فلما أفل).... من المعلوم بالطبع أن سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان يعرف أن كلاً من الكواكب والقمر والشمس سوف يأفلوا، فهل من المعقول أنه كان لا يعلم بأفول الكوكب قبل ظنه بأن هذا هو ربه أو بأفول القمر قبل ظنه ذلك، وكذلك أفول الشمس قبل ظنه بأنها ربه وأنها أكبر.....؟؟...
فنقول:
نعم, كان سيدنا إبراهيم يعلم أن كل الكواكب سوف يأفلون, ولكن هناك فارق كبير بين من ينظر إلى الشيء عادة وبين من ينظر إليه متفكرا في حاله!
إننا نمر على مواقف كثيرة في حياتنا ولا ننتبه إلى أشياء بارزة جدا فيها, لألفتنا ولتعودنا على رؤيتها بهذا الشكل, كما أننا نتقبل تعليلات غير منطقية تماما لحدوث أشياء في حياتنا (وكذلك تأويلات خاطئة لآيات القرآن) لأننا لُقناها هكذا منذ صغرنا, وما أن ينبهنا أحد إليها حتى نتعجب كيف لم ننتبه إلى اللامنطقية في التعليلات السابقة!
وفي المثال يقال: ليس من رأى كمن سمع! والبدهيات قد تثير استغراب الإنسان على الرغم من أنه يمر بها منذ مولده ويراها –بمنظورٍ ما- فإذا رأها بشكل آخر أثارت عجبه! وتصور أن هذا العجب قد يصل إلى شرب الماء!
فكلنا نشرب الماء, ولكن لم يحدث أن رأى أحدنا الماء يدخل في فيه! ولما حدث أن كنتُ أشرب الماء ذات مرة من كوب معدني يعكس الصورة رأيت وجهي في قعر الكوب والماء يدخل في فمي!! فتعجبت وقلت سبحان الله!
كل ما هنالك أني رأيت الماء يدخل في جسدي ولا يُرد! وعلى الرغم من أن هذا من البدهيات إلا أن رؤيتها لأول مرة يثير العجب!
ولا يعجب الإنسان من غياب هذه البدهية فلقد رأينا كيف غاب ما هو أظهر منها عند أقوام عبدوا الأصنام, منها قوم إبراهيم, ولم يردهم إلى عقلهم إلا الدرس الذي أعطاهم الخليل إياه بتكسير الأصنام! فأفاقوا ثم سرعان ما رُدوا على أعقابهم!
وسيدنا إبراهيم كان في حالة نظر وتفكر, تجعل من المتقبل جدا أن يصدر عنه مثل هذه الأقوال, ولم ينتبه إلى خطأه فيها إلا عند حدوث الأفول, -المعلوم حدوثه مسبقا!- ولكنه يحدث هذه المرة مع اختلاف حال إبراهيم, فكان عنصر التنبيه إلى الخطأ! لذا كان لزاما تكرار الحديث عن الأفول, ولتنبيه المخاطب بالقرآن نفسه إلى هذه المسألة!
قلتَ:
2- هل كان سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام يظن فعلاً أن الكوكب أو القمر أو الشمس هي أربابه أم أنه أراد أن يلقن المشركين درساً في التوحيد فكان كل ما قاله مجرد افتراضات لهم حتي يصل بهم إلي الحقيقة المطلقة وهي أن الله تعالي وحده هو الجدير بالعبادة دون سواه وأنه هو الذي لا يأفل ولا يغفل....؟؟...
فنقول:
لم يكن الخليل إبراهيم يظن أن الكواكب هي أربابه وكذلك لم يكن يريد أن يلقن المشركين درسا, وإنما كان في حالة بحث عن رب!!
نعم كان في حالة "حيرة", فلقد رأى أن الأصنام لا تصلح أن تكون آلهة, لأنه رأى القوم يخلقونها, فكيف تكون آلهة, إن هذا ما لا يُقبل بحال!
فأخذ يبحث عما يصلح أن يكون إلها, فرأى أن أعلى الأشياء وأكثرها تميزا هي تلك الكواكب المتعالية عن الأرض!
والعجيب أن السادة المفسرين جعلوا هذه الآيات محاورة لقومه بعد أن صار نبيا! على الرغم من أنها طافحة بالقول متعلقة بسيدنا إبراهيم نفسه وليس للقوم علاقة بها, حتى وصل هو نفسه إلى الله –بفضله وهدايته!-
فلما رأى الخليل كوكبا قال هذا ربي! وأخذ الخليل ينظر ويتفكر في حال هذا الكوكب وكيف يستحق أن يكون ربا!
ثم كانت المفاجأة! أن هذا الرب قد أفل! فقال سيدنا إبراهيم أنه لا يحب الآفلين!
عمرو الشاعر
08-28-2009, 09:38 AM
وهنا انحرف السادة المفسرون عن النص انحرافا تاما, أنشأ الإشكالية التي تمسك بها الطاعنون, بأن جعلوا أن قول الخليل إبراهيم: لا أحب الآفلين, يعني أن الآفل لا يصلح أن يكون إلها! مع أن الآية لا تتحدث عن أكثر من نفي فعلٍ وجدي "حُب", فالخليل قال أنه لا يحب الآفلين! وليس بالدرجة الأولى استدلالا عقليا! بإن الآفل لا يصلح أن يكون إلها!
(وفي هذا القول دليل على الفهم الذي ظهر لي في نظري في الآيات, وهو أن سيدنا إبراهيم كان في حالة وجد وشوق كبير إلى الإله, فبعد أن أنكر الأصنام اتجه إلى السماء, فلما رأى كوكبا -قد سبق غيره إلى الظهور في السماء, والله أعلم- سارع إلى القول بأنه ربه! فلما أفل الكوكب قال أنه لا يحب أولئك الذين يغيبون عمن يحبونهم ويطلبونهم!)
وهنا أعرض الخليل عن النظر في الكواكب وأخذ في البحث عن شيء مختلف, فنظر في القمر! ذلك الجرم الذي يبدو أكبر من الكواكب ويختلف عنهم في الحال.
فلما رأى القمر بادئا في الظهور تذكر أن القمر أكثر فائدة وإنارة ونفعا! فقال: هذا ربي! فلما أفل القمر كذلك, تذكر سيدنا إبراهيم أن القمر على الرغم من اختلافه وتميزه فإنه آفل كذلك, وأيقن أنه لن يصل إلى الرب بمفرده, لذا التجأ إليه بقوله: لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين!
فلما رأى الشمس رأى فيها من التميز ما قد يجعلها أن تستحق أن تكون هي الرب, فقال أنها هي الرب وأنها أكبر, فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون!
(وهنا نلاحظ اختلاف الحال, ففي المرة الأولى قال أنه لا يحب الآفلين, واستمر في البحث معتمدا على نفسه, فتفكر في القمر, أما في المرة الثانية فقد أعلن عجزه وطلب الهداية من الله, فأتته الهداية مع المرة الثالثة مع نظره في الشمس!
فعلم أن كل هذه الأشياء مخلوقة ولا يمكن أن تكون خالقة, وأن هناك خالق خلق كل هذه السماوات والأرض وشكلها على أفضل حال! فقال:
"إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ"
فحتى هذه اللحظة يتحدث سيدنا إبراهيم عن خالق, فطر السماوات والأرض (بدون أن يعلم اسمه) خالق يستحق العبادة!
ولما وصل سيدنا إبراهيم إلى هذه المرحلة أتته الهداية والمعرفة من الله عزوجل عن طريق الوحي (والذي كان غالبا على شكل رؤى منامية) فعرف اسم الله وأُمر بالدعوة إليه!
لذا نجد أن اسم الله تعالى يظهر لأول مرة في الآية التالية:
"وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ"
فلقد هداه الله عزوجل, فلم يعد يُقبل قولهم, فسابقا كان الخليل يحاجهم منطلقا من عقله رافضا لمعبوداتهم, ولكنه لم يكن يعرف ما هو الأصل (البديل)! أما الآن فلقد عرف وهداه الله فلم يعد حيرانا!
قلتَ:
3- لقد تساءل أحد المسلمين فقال: هل الشمس ليست رباً...؟؟... إن الربوبية ليست هي الألوهية، فلماذا لم تكن الشمس هي ربنا (ولكنها ليست إلهنا) هذا مع اليقين التام بأن الله هو رب الشمس ورب كل شئ.... وقد كان السبب في هذا التساؤل من المسلم هو أن الله تعالي ذكر أن هناك أرباباً غير الله تعالي في غير موضع من تلك السورة مثل: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (يوسف 39).(يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا...) (يوسف 41).(وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) (يوسف 50).
فلماذا علي سبيل هذا القياس ألا تكون الشمس هي رب هذا الكوكب الأزرق الذي لا يمكن أن يكون عليه أي آثار من الحياة بدون تلك الشمس....؟؟... فإذا فُرِض أنه من الممكن تسميتها بالرب قياساً علي الآيات السابقة، إذن فلماذا استنكر سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن تكون الشمس كذلك فقال بعدها مباشرة (يا قوم إني برئ مما تشركون)....؟؟..
فنقول:
ليس هناك أي إشكال شرعي أن أقول أن فلان ربي أو الأب رب الأسرة, ولكن الإشكال كله أن تكون هذه الربوبية بمعنى الرب الإله أي الربوبية المطلقة, التي يُنسب إليها التحكم في الكون و تستحق القصد بالعبادة!
وانظر إلى قوله تعالى في سورة التوبة:
اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة : 31]
فالضلال في أن أجعل أي شيء ربا إلها, أي متصرفا مستحقا للقصد والدعاء! وهو ما فعله اليهود والنصارى مع أحبارهم ورهبانهم, وما يفعله الصوفيون مع أوليائهم, من نسبة التصرف في الكون إليهم!
وهذا ما كان يفعله قوم سيدنا إبراهيم, فلقد جعلوا الأصنام آلهة! فليس الإشكال في الاسم, وإنما في المقصود بالاسم, وهو ما تحقق عند قوم سيدنا إبراهيم!
والله أعلم.
وأرجو أن نكون قدمنا لك ما يشفي الصدر بخصوص أسئلتك, فإن لم تكن فأعد طرح ما لم تقتنع به, والسلام عليكم ورحمة الله!
مهيب الأرنؤوطى
08-28-2009, 01:29 PM
أشكركم إخواني الأفاضل (السيف البتار- مصطفي السعيد، وعمرو الشاعر) علي تلك الإجابات القيمة، وكالعادة (وليس تقليل من شأن الأخوين الفاضلين) فإن إجابة الأستاذ عمرو الشاعر قد أوضحت لي الكثير من النقاط التي كانت خافية تماماً عني نظراً لما آتاه الله تعالي من موهبة عظيمة في تحليل الآيات والقدرة علي الربط بين بعضها البعض وبالتالي حسن تدبرها، وبالتالي فهذا لا يعيب الآخرين في كثير أو قليل، وإنما يجب أن نتنافس في هذا الخير العظيم (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون).
ملحوظة: أعتذر منك أخي الكريم عمرو الشاعر إن كنت قد أثقلت عليك، فهذا السؤال كانت تهمني إجابته كثيراً، وأعدك ألا أسألك سؤالاً آخر إلا بعد أن تنتهي من آيات الصيام والتي أنا متأكد بمشئة الله تعالي وفضله وعونه أنك سوف تستخرج لنا منها الدرر والكنوز التي سوف يُظهرها الله تعالي علي يديك والتي لن تبخل علينا بها كعادتك الطيبة
أطال الله تعالي بقاءكم وأجزل عطاءكم
عمرو الشاعر
08-28-2009, 03:38 PM
لا تعتذر مني أخي معالج وسل ما تشاء ولا تنتطر!
ولا تظن أني استثقل الأسئلة! لا, على العكس تماما, إني أسر عندما أُسأل, لأن هذا يجبرني على التفكر في بعض آيات قد لا أعرض إليها, فيظهر لي فيها ما يطمئن به قلبي ويوجل!
المشكلة أن آيات الصيام مجموعة آيات تحتاج إلى وقفة كبيرة حتى نستطيع أن نقول فيها قولا نطمئن إليه! وأوقات الفراغ عندي غير كافية لإنجازها, بينما لدينا من الوقت ما يكفي لإنجاز ما هو أقل منها! فمن الأفضل أن ننشغل بما ينفع بدلا من أن نتكاسل عن الكثير!
لذا فلا تنتظر واطرح ما تحتاج إليه وادع الله أن يوفقنا إلى الرد والنفع وكل عام وأنت بخير!
مصطفى سعيد
08-28-2009, 11:25 PM
السلام عليكم
بارك الله بك ياشيخ
واسمح لى -اثراءا للموضوع -بمزيد من الأسئلة
قولك
وهذا دليل على أن الرؤية ليست رؤية بالعين وإنما إراءة قلبية عقلية (وربما في المنام) ليتفقه, و –من ثم- ليكون من الموقنين
علام عطفت القصة من " وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ .." لكى نعلم لماذا سيقت هاهنا ؟
كيف تفهم الرؤيا المنامية هنا ؟ هل رأى الكوكب مناما ومن ثم كان كلامه مناما ؟
هل هنا محذوف مقدر --ليتفقه ومن ثم ليكون ؟
مصطفى سعيد
08-29-2009, 06:10 PM
( السلام عليكم
نعم إن الشيخ قد بيّن -بفضل الله -
ونضيف استفسارات :
هل كان بحثه فى ليلة ونهار ؟ ربما يُفهم هذا من كلامك فهل هذا الفهم صحيح ؟
هل هذا التفكر متاح لكل الخلق وبالتالى فالكل مكلف به ؟
وجزاكم الله خيراً
ابوكريم
08-30-2009, 09:54 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قرأت هذا التحليل لعالم سبيط النيلي -رحمه الله- من كتابه-المدخل إلى نظام المجموعات-
ص112-113
أرجو من شيخنا الفاضل عمرو الشاعر أن يبين مقصد النيلي وتعليق الشيخ عليه وجزاك الله خيرا
النص
كيف كان إبراهيم يبحث عن ربه ثلاث مرات إذا رأى كوكبا فال هذا ربي وإذا رأى القمر بازغا فال هذا ربي؛وإذا لرأى الشمس قال هذا ربي هذا أكبر
وقد حدث ذلك بعدإن أراه الله ملكوت السموات والأرض وبعد إن كان من الموقنين لاحظ سياق الايات ثم
اسألهم
كيف يبحث عن ربه ويبرهن لهم أنه أكتشفه من أفول النجوم والكواكب وبعدإن جن عليه اليل وبعد إن رأى قبلها ملكوت السموات والأرض
هل ترى أخي القارئ إن الذي زار الملكوت السماوي كان لا يدري من هو الله فرجع وهو يبحث عنه بين الكواكب
نعم لكن صدق الذي قال -ليس كل ما يعلم يقال-
عمرو الشاعر
08-31-2009, 06:48 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
مرحبا بك أخي مصطفى:
سألت قائلا:
علام عطفت القصة من " وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ .." لكى نعلم لماذا سيقت هاهنا ؟
فنقول:
القصة ذُكرت -والله أعلم- كنموذج للذي استهوته الشياطين في الأرض والذي له أصحاب يدعونه إلى الهدى وأنه شتان
قلت:
كيف تفهم الرؤيا المنامية هنا ؟ هل رأى الكوكب مناما ومن ثم كان كلامه مناما ؟
فنقول: أنا ذكرت الكلمة احتمالا لأن الخليل كان يوحى إليه في المنام, ولا أعني بهذا بحال أن رؤيته الكوكب والقمر والشمس كان في المنام بل كان هذا في الواقع!
قلت:
هل هنا محذوف مقدر --ليتفقه ومن ثم ليكون ؟
فنقول:
إذا قبلنا بأن الآية التي ذكرتها هي التي عُطفت عليها هذه الآية فإن هذا مما يُفهم منها, وأما (من ثم) فإنما ذكرتها لتوضيح المعنى للقارئ!
أما بخصوص سؤالك: هل كان بحثه في ليله ونهاره؟
فنقول: إن الإنسان الذي يكون مشغولا بقضية ما يفكر فيها في جميع الأحوال, فما بالنا بمثل هذه قضية!
أما مسألة هل هذا التفكر متاح لكل خلق الله فبالتأكيد هو متاح ولكن المشكلة أن عامة البشر لا يفكرون ولا يريدون أن يتفكروا! وبسبب هذا فإن الملكات الفكرية قدانخفضت عند كثير من البشر! والله عزوجل أمر عباده في أكثر من آية بالنظر في السماء والأرض والسير في الأرض! وهذا كله ليروا ملكوت السماوات والأرض وليكونوا من الموقنين!
عمرو الشاعر
08-31-2009, 06:57 AM
مرحبا بك أخي أبو كريم على صفحات الموقع:
بخصوص سؤالك عن ما كتبه العلامة عالم سبيط النيلي:
كيف كان إبراهيم يبحث عن ربه ثلاث مرات إذا رأى كوكبا فال هذا ربي وإذا رأى القمر بازغا فال هذا ربي؛وإذا لرأى الشمس قال هذا ربي هذا أكبر
وقد حدث ذلك بعدإن أراه الله ملكوت السموات والأرض وبعد إن كان من الموقنين لاحظ سياق الايات ثم
اسألهم
كيف يبحث عن ربه ويبرهن لهم أنه أكتشفه من أفول النجوم والكواكب وبعدإن جن عليه اليل وبعد إن رأى قبلها ملكوت السموات والأرض
هل ترى أخي القارئ إن الذي زار الملكوت السماوي كان لا يدري من هو الله فرجع وهو يبحث عنه بين الكواكب
نعم لكن صدق الذي قال-ليس كل ما يعلم يقال-
فنقول:
إن للأخ عالم كثير من الشطحات وإضفاء بعض المبالغات على بعض الأشخاص تأثرا بمذهبه الشيعي! والسؤال الذي يُطرح في هذا المقام هو:
من قال أن هذا البحث حدث بعد أن رأى ملكوت السماوات والأرض؟ إن الآية استعملت الفعل المضارع "نري" وهذا يعني أن هذه العملية استغرقت وقتا طويلا وليس أنه رأى وانتهى!
والذي أراه أنا شخصيا أن هذه المواقف المذكورة كانت من ضمن-وليست كل- الإراءات التي أُريها الخليل إبراهيم, والتي بسببها صار من الموقنين!
المشكلة أن المفسرين يستكبرون أن يصدر هذا من الخليل ولكن ما الحرج؟ إن الخليل كان يبحث عن ربه, ولا يعني أنه قال: هذا ربي, أنه آمن به, وإنما كان يتفكر فيه, هل يصلح أن يكون ربا, فلما رأى منه ما ينقص من جلال وكمال الرب رفضه!
لقد ضرب الخليل أفضل مثال عن البحث عن الإله والالتجاء إليه, حتى يعرفه, وبالفعل آتاه الله الهدى!
آتانا الله وإياك الهدى وكل عام وأنت بخير
مصطفى سعيد
08-31-2009, 09:10 PM
السلام عيكم
نعم إن التفكر متاح ويترتب على هذا أنه لا أحد يعتذر لأنه لم تبلغه دعوة ؛إذ أن آيات الكون كلها تدعوه للبحث عن ربه ؛ وما كان تفكر ابراهيم إلا مثال كما جاء فى معرض جواب فضيلتكم على الأخ أبى كريم :: لقد ضرب الخليل أفضل مثال عن البحث عن الإله والالتجاء إليه, حتى يعرفه, وبالفعل آتاه الله الهدى!
والنتيجة أيضا مثال أى مَن تفكر كتفكر ابراهيم وأنكر الباطل كما أنكره ابراهيم , من فعل هذا يأتيه الله الهدى ؛ هذا لرجل فى بيئة كافرة لم تبلغه دعوة الحق ؛ أو فى بيئة تدين بغير دين الحق ؛فإذا ما أنكر الباطل الذى عليه قومه وهجرهم باحثا عن ربه فقد وقع أجره على الله وإن لم يعلم الحق .
أما فى قوم بلغتهم دعوة الحق ؛ فالتفكر يكون لزيادة الايمان وتصحيح المفاهيم والتربية على التوكل علي الله ؛ولما لا والتفكر ليس فى كتاب الله المنظور فقط - كما تفكر الخليل - بل وفى آيات الكتاب المسطور
الحمد لله رب العالمين
السيف البتار
09-01-2009, 03:44 PM
ان فى الاية رايين للعلماء: الراى الاول:- انه كان حالة نظر وتفكر وبحث عن الله وهذا الراى ليس علية دليل وهذا ليس تمحل او تبرير ولكنه الظاهر من الايات غير ذلك
الراى الثانى.. انه كان فى حالة مناظرة ومحاجة مع قومة والادلة على ذلك كثيرة وهذا الراى هو الصحيح وموافق لظاهر الايات وسياقها
اولا.... سياق الايات يدل انكار سيدنا ابراهيم على ابية ازر اتخاذ الاصنام ثم قال( وكذلك نرى ابراهيم) اى وكما انكر على ابية وقومة اتخاذ الاصنام الهه من دون الله دخل مع ابية وقومة مناظرة لانكار اتخاذ الكواكب الهه من دون الله فكلمة (وكذلك) تفيد تساوى الامرين عند سيدنا ابراهيم فى انكار عبادة الهه من دون الله فالامر متساوى عند سيدنا ابراهيم فالتفريق فى النص هذا تخرص على النص لان القول ان سيدنا ابراهيم ينكر على ابية اتخاذ الاصنام من دون الله ثم نقول نحن يعود ويبحث عن الله حتى يصل الية هذا قول بلا دليل وتفريق النص وانظر الى سياق الايات
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ [الأنعام : 74-80
والدليل الثانى: انها مناظرة وحجة قوله بعد الايات(وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ على قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) فابراهيم علية السلام كان قوى الحجة صاحب حجة< قال صاحب الكشاف : " كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب فأراد أن ينبههم على الخطأ فى دينهم ، وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال . ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤد إلى أن شيئا منها لا يصح أن يكون إلها . لقيام دليل الحدوث فيها ، وأن وراءها محدثا أحداثها ، وصانعا صنعها ، ومدبرا دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها . وقول إبراهيم { هذا رَبِّي } قول من ينصف خصمة مع علمه بأنه مبطل ، فيحكى قوله كما روى غير متعصب لمذهبه ، لأن ذلك أدعى إلى الحق وأنجى من الشغب ، ثم يكر عليه بعد حكايته فيبطله بالحجة .
وقولة { قَالَ لا أُحِبُّ الآفلين } أى : لا أحب عبادة الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان ومن حال إلى حال ، لأن الأفول غياب وابتعاد ، وشأن الإله الحق أن يكون دائم المراقبة قيوم لايغيب عنهم لتدبير أمر عباده .
وجاء بالآفلين بصيغة جمع المذكر المختص بالعقلاء بناء على اعتقاد قومه أن الكواكب عاقلة متصرفة فى الأكوان فَلَمَّآ رَأَى القمر بَازِغاً قَالَ هذا رَبِّي }
فلما أفل القمر كما أفل الكوكب من قبله قال مسمعا من حوله من قومه : لئن لم يهدنى ربى إلى جناب الحق وإلى الطريق القويم الذى يرتضيه لأكونن من القوم الضالين عن الصراط المستقيم ، لأن هذا القمر الذى يعتوره الأفول - أيضاً - لا يصلح أن يكون إلها .
وفى قول إبراهيم لقومه هذا القول تنبيه لهم لمعرفة الرب الحق وأنه واحد وأن الكواكب والقمر كليهما لا يستحقان الألوهية . وفى هذا تهيئة لنفوس قومه لما عزم عليه من التصريح بأن له ربا غير الكواكب . ثم عرض بقومه بأنهم ضالون ، لان قوله { لأَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين } يدخل على نفوسهم الشك فى معتقدهم أنه لون من الضلال دليل على انه يعرف انهم من الضالين وهذا دليل على قولنا انها كانت مناظرة وليست بحث عن الاله
وإنما استدل على بطلان كون القمر إلها بعد أفوله ، ولم يستدل على بطلان ذلك بمجرد ظهوره مع أن أفوله محقق ، لأنه أراد أن يقيم استدلاله على المشاهدة لأنها أقوى وأقطع لحجة الخصم والمتأمل فى هذه الحالات الثلاثةيرى أن إبراهيم - عليه السلام - قد سلك مع قومه أحكم الطرق فى الاستدلال على وحدانية الله ، فقد ترقى معهم وهو يأخذ بيدهم إلى النتيجة التى يريدها بأسلوب يقنع العقول السليمة ، ورحم الله صاحب الانتصاف فقد بين ذلك بقوله : " والتعريض بضلالهم ثانيا أى فى قوله { لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين } أصرح وأقوى من قوله أولا { لا أُحِبُّ الآفلين } وإنما ترقى إلى ذلك ، لأن الخصوم قد أقام عليهم بالاستدلال الأول حجة ، فأنسوا بالقدح فى معتقدهم ، ولو قيل هذا فى الأول فلعلهم كانوا ينفرون ولا يصغون إلى الاستدلال ، فما عرض - صلوات الله عليه - بأنهم فى ضلالة إلا بعد أن وثق بإصغائهم إلى تمام المقصود واستماعهم إلى آخره . والدليل على ذلك أنه ترقى فى النوبة الثالثة إلى التصريح بالبراءة منهم والتقريع بأنهم على شرك حين تم قيام الحجة ، وتبلج الحق ، وبلغ من الظهور غاية المقصود .
ثم ختم إبراهيم هذا الترقى فى الاستدلال على وحدانية الله بقوله - كما حكى القرآن عنه - : { إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السماوات والأرض حَنِيفاً } أى : إنى صرفت وجهى وقلبى فى المحبة والعبادة لله الذى أوجد وأنشأ السموات والأرض على غير مثال سابق
ان معنى قول ابراهيم هذا ربي ليس اثبات لربوبية القمر عليه ؟لا... انما معنى قول ابراهيم هذا ربي انكم يا قوم تعبدون الكوكب وتثبتون له الربوبية اي وهو لا يصلح لذلك لكن بما ان هذه العقيدة متمكنة فيهم اراد ان يستدرجهم الى تفهيمهم ان هذا الكوكب لا يصلح ان يكون ربا لانه شىء يتغير في أول الأمر قال لهم هذا ربي معناه على زعمكم هذا ربي كيف يصلح ان يكون رباً ليكون هذا مجارة لهم واقامة الدليل عليهم
وقال( وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قال أتحاجواني فِي الله وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ) ليس معنى ذلك انه ليس على الهداية بل المعنى جادلوه وخاصموه أو شرعوا فى مغالبته فى أمر التوحيد تارة بإيراد أدلة فاسدة فقال لهم أتجادلوننى فى شأنه - تعالى - وفى أدلة وحدانيته ، ، والحال أنه - سبحانه - قد هدانى إلى الدين الحق وإلى إقامة الدليل والحجةعليكم بأنه هو المستحق للعبادة وجعلنى من المبغضين للأصنام الارضية والسماوية المحتقرين لها
وقولة(لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين ) ليس معنى كما قلنا انه كان على ضلال ثم هداة الله بالبحث والتفكر الى الله كما يقول البعض فالمقصود انه كان فى مناظرة ومحاجة معهم وانه يعرف انهم على ضلال بل ان ذلك هو طريقة اسلوب القران فى ايات كثيرة مجاراة الكافرين على معتقدهم وتفنيدها راى راى ثم اقامة الحجة عليهم والدليل على ذلك ايات كثيرةمنها
(وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } فمقام الحوار يقتضى ذلك فليس معنى ذلك ان محمد -صلى الله علية وسلم -والصحابة على ضلال والكافرين على هدى ولكن هذا المقام مجاراة القوم فى ذلك فسيدنا محمد على هدى والكافرين على ضلال ولكن المقصود اقامة الحجة بالبراهين للوصول الى الحق وكذلك اية المباهلة ( فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ الله عَلَى الكاذبين } فهنا حاجة قومة من الكافرين من بعد العلم واقامة الدليل عليهم بالبراهين فلم يقل فلعنة الله عليكم فالمقام يقتضى ذلك مجاراة القوم ودعاء الكافرين على انفسهم وصيغة الخطاب الى النبى لبيان اهمية الخطاب ولبيان ان المرسل وصاحب الدعوة هو المخاطب بذلك فما بالنا بغيرة وانذار للاخرين لعظم تلك القضية فهو صراع بين الحق والباطل فكذلك قول ابراهيم ((لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين ) مجاراة لقومة ومحاجة لهم حتى يقيم الحجة عليهم
وقولك اخى عمرو
فعلم أن كل هذه الأشياء مخلوقة ولا يمكن أن تكون خالقة, وأن هناك خالق خلق كل هذه السماوات والأرض وشكلها على أفضل حال! فقال:
"إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ"
فحتى هذه اللحظة يتحدث سيدنا إبراهيم عن خالق, فطر السماوات والأرض (بدون أن يعلم اسمه) خالق يستحق العبادة!
ولما وصل سيدنا إبراهيم إلى هذه المرحلة أتته الهداية والمعرفة من الله عزوجل عن طريق الوحي (والذي كان غالبا على شكل رؤى منامية) فعرف اسم الله وأُمر بالدعوة إليه!
لذا نجد أن اسم الله تعالى يظهر لأول مرة في الآية التالية:
"وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ"
فلقد هداه الله عزوجل, فلم يعد يُقبل قولهم, فسابقا كان الخليل يحاجهم منطلقا من عقله رافضا لمعبوداتهم, ولكنه لم يكن يعرف ما هو الأصل (البديل)! أما الآن فلقد عرف وهداه الله فلم يعد حيرانا!
قلت كيف الى هذة اللحظة لم يعرف الله ولم يعرف اسم خالقة التى يستحق العبادة ابعد كل الحجج على الراى التى تقول به لم يعرف ربة وقلت
ولما وصل سيدنا إبراهيم إلى هذه المرحلة أتته الهداية والمعرفة من الله عزوجل عن طريق الوحي (والذي كان غالبا على شكل رؤى منامية) فعرف اسم الله وأُمر بالدعوة إليه!
لذا نجد أن اسم الله تعالى يظهر لأول مرة في الآية التالية:
"وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ
وقد قال قبل تلك الايات (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )
فهو ذكر اسم الرب ويعرف ان ربه الله وتبرىء من المشركين فيعرف ان له رب مستحق الالوهية
فالمشركين على عهد محمد يعرفون ان الله هو رب السموات والارض وفاطرها وخالقها ومع ذلك كانوا كافرين بالله لانهم لم يعبدوا الله ولم يعطوا له حق الالوهية بالعبادة وايضا قال لمحمد( فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ اتبعن ) فهل كان محمد يعرف ان له ربا ولم يكن يعرف اسمة بل هذا قول الانبياء كلهم
وحتى نفهم تلك الايات نربط بين تلك الايات وايات البقرة ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ)
فحاجة ايضا الملك وسالة قائلا لإبراهيم: من ربك؟ فقال إبراهيم عليه السلام: } رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ { وهذه هي براعة القرآن في أن يترك الشيء ثقة بأن السامع يرد كل شيء إلى أصله، فقوله الحق: } إِذْ قَالَ إِبْرَاهِمَ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ { فكأن الذي حاج إبراهيم سأله: من ربك؟ فقال إبراهيم: } رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ
فساالة الملك الذي يحاج إبراهيم عليه السلام: إذا كان ربك الذي يحيي ويميت فأنا أحيي وأميت. فسأله إبراهيم عليه السلام؛ كيف تحيي أنت وتميت؟
قال الرجل: أنا أقدر أن أقتل ما عندي من مساجين وأقدر ألا أقتلهم، فالذي لم أقتله كأنني أحييته، والذي قتلته فقد أمته. ، وقد جاء الحق بـ } يُحْيِـي وَيُمِيتُ {؛ لأن تلك القضية هي التي لم يدَّعِ أحد أنه فعلها، ولم يدَّع أحد أنه شريك فيها، حتى الكافرون إذا سألتهم: من الذي خلق؟ يقولون الله. إذن فهذه قضية ثابتة. إلا أن الخصم الذي حاجّ إبراهيم أراد أن ينقل المحاجة نقلة سفسطائية. والسفسطة كما نعلم هي الكلام الذي يطيل الجدل بلا نهاية
ولم يقل سيدنا إبراهيم لنتفق أولا ما الحياة؟ وما الموت؟ ذلك أن إبراهيم خليل الرحمن لم يشأ أن يطيل هذه المجادلة، فجاء له بأمر يُلجمه من البداية وينتهي الجدل، فقال له: } فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ {. وهكذا أنهى سيدنا إبراهيم هذا الجدل. كان من الممكن أن يدخل معه سيدنا إبراهيم في جدل، ويقول له: ما هي الحياة؟ ونحن نعرف أن الحياة هي إعطاء المادة ما يجعلها متحركة حساسة مريدة مختارة، أما الموت فهو إخراج الروح من الجسد، فالذي يقتل إنساناً؛ إنما يخرج روحه من جسده، والقتل يختلف عن الموت؛ لأن الموت خروج الروح من الجسد بدون جرح، أو نقض بنية، أو عمل يفعله الإنسان في بدنه كالانتحار.
وقد يكون الإنسان جالساً مكانه وينتهي عمره فيموت، ولا أحد قادر قبل ذلك أن يقول له: مت فيموت، هذا هو الموت، لكن إزهاق الروح بجرح جسيم أو نقض بنية فهذا هو القتل وليس الموت، ولذلك يجعل الله القتل مقابلاً للموت، في قوله تعالى:{ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىا أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىا عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ }
فالموت خروج الروح فتنقض البنية اما القتل فهو هدم البنية فتخرج الروح وقد أوضح لنا الله سبحانه وتعالى الفرق بين الموت والقتل، وجعل كلا منهما مقابلاً للآخر
فالذي حاج إبراهيم لم يحي الذي قال: إنه سيتركه بدون عقوبة، إنه لم يقتله، لكنه أبقى الحياة التي كانت فيه، هذا إذا أردنا أن ندخل في جدل
وعرفنا ما في هذا الأمر من سفسطة، فلم يقل له إبراهيم: أأنت تُحيي وتميت، بل ينقله إلى أمر آخر، كأنه قد قال له: اترك الأمر الغيبي وهو الروح، وتعالى للأمر المشهود } قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ) فهو اتاة بالحجة القوية
وهذة القصة مع الملك كانت بعد مناظرة قومة ومحاجتة لهم فبعد ان اقام الحجة عليهم فهو يعرف ان الله خالق السموات والارض وفاطرها ولكن اراد بيان كيفية خلقة للسموات والارض ورؤية ذلك لقومة وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) فهو يعلم علم يقين ان الله خالق السموات والارض ولكنة اراد عين اليقين والتدرج الى حق اليقين مع قومة كيفية خلق السموات والارض حتى يكون من الموقنين فلم راى كيفية خلق السموات والارض وحاجة الملك عرف القصة فقال له(قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ) بعد ان عرف علم وعين وحق يقين كيفية الخلق وفطر السموات والارض
ولكن لما ساله الملك وقال له(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ) وبعد ان انهى المجادلة معة بامر وحجة قوية وبهت الذى كفر هل ترك ابراهيم الامر لا فعاد وسال الله كيفية احياء الموتى وبعد الايات سال ابراهيم ربة كيفية احياء الموتى وأتي بعد ذلك قصة لإبراهيم أيضا بعد أن نقل الجدل مع الرجل إلى الشمس، فبهت الرجل الذي كفر، أما إبراهيم عليه السلام فهو يؤمن بقدرة الله، لكنه يريد أن يعرف الكيفية
(إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىا وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)
إن إبراهيم عليه السلام يسأل: كيف تُحيي الموتى؟ أي أنه يطلب الحال التي تقع عليها عملية الإحياء. فإبراهيم عليه السلام لا يتكلم في الإحياء، وإنما كان شكه ـ عليه السلام ـ في أن الله سبحانه قد يستجيب لطلبه في أن يريه ويطلعه على كيفية إحياء الموتى فالسؤال على الكيفية
نضرب هذا المثل ـ ولله المثل الأعلى من قبل ومن بعد ـ والمثل لتقريب المسألة من العقول؛ لأن الله مُنزه عن أي تشبيه.
إن الواحد منا يقول للمهندس: كيف بنيت هذا البيت؟ إن صاحب السؤال يشير إلى حدث وإلي مُحْدَث وهو البيت الذي تم بناؤه. فهل معرفة الكيفية تدخل في عقيدة الإيمان؟ لافالسائل يؤمن ببناء المهندس لهذا البيت ولكنة يسال عن الكيفية
وقولة( لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي }؟ فهل هذا دليل على أن إبراهيم قبل السؤال، وقبل أن يجاب إليه، لم يكن قلبه مطمئناً؟ لا، لقد كان إبراهيم مؤمناً، ولكنه يريد أن يزداد اطمئناناً لنفسة ومناظرة ومحاجة قومة
وهذه الكيفية لا يمكن أن نشرحها لك بكلام بل لابد أن تكون تجربة عملية واقعية، { فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } لذلك كان الأمر في تجربة سيدنا إبراهيم، لذلك قال له الحق: } وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) وهذة القصة مثل قصة عزير التى جاءت ممهدة لقصة ابراهيم قال الله حاكيا قول عزير( أَنَّى يُحْيِـي هَـاذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا } وقوله هذا يدل على أنه مؤمن، فهو لا يشك في أن قضية الإحياء من الله، وإنما يريد أن يعرف الكيفية، فكأنه مؤمن بأن الله هو الذي يحيي ويميت لأن الذي يريد أن يعرف كيفية الشيء، لابد أن متعجب من وجود هذا الشيء، فيتساءل: كيف تم عمل هذا الشيء؟ مثلما نرى الأهرام، ونحن لا نشك أن الأهرام مبنية بهذا الشكل، لكننا نتساءل فقط: كيف بنوها؟ كيف نقلوا الحجارة بضخامتها لأعلى ولم يكن هناك سقالات أو روافع آلية؟ إذن فنحن نتعجب فقط، والتعجب فرع الإيمان بالحدث.
ان صاحب السؤال قد أراد أن يعرف الكيفية، وطلبه هو إيمان دليل، ليصبح فيما بعد إيمانا بواقع مشاهد } فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِاْئَةَ عَامٍ { لقد جعل الله الأمر والتجربة في السائل ذاته وهذا إخبار الله. لقد أماته مائة عام ولذلك بعد مرور التجربة علية قال(} قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وهذا شبية بقول سيدنا ابراهيم
الم يكن قبل ذلك يعلم أن الله على كل شيء قدير؟ نعم كان يعلم علم الاستدلال وعلم يقين وهو الآن يعلم علم المشهد وعين يقين بل حق يقين علم الضرورة، فليس مع العين أين فليس من رأى كمن سمع إن إبراهيم عليه السلام لم يكن شاكا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: } رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَىا قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىا وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي { ".
ونحن المسلمين لم نشك في هذا الأمر. إذن، فإبراهيم عليه السلام لم يشك من باب أولى بدليل منطوق الآية حين قال الحق سبحانه: } وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَىا قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىا وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)
وقولة ( رب ارنى) تصريح بكمال أدبه مع خالقه - عز وجل - فهو قبل أن يدعوه يستعطفه ويعترف له بالربوبية الحقة ، والألوهية التامة ، ويلتمس منه معرفة كيفية إحياء الموتى ، فهو لا يشك في قدرة الله ولا في صحة البعث - وحاشاه أن يفعل ذلك - فهو رسلو من أولى العزم من الرسل ، وإنما هو يريد أن ينتقل من مرتبة علم اليقين إلى عين اليقين ، ومن مرتبة البرهان إلى مرتبة العيان ، فإن العيان يغرس في القلب أسمى وأقوى ألوان المعرفة والاطمئنان . فأنه لما قال للنمرود { رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ } أحب أن يترقى بأن يرى ذلك مشاهدة . وقد أجاب الخالق - عز وجل - على طلب إبراهيم بقوله : { أَوَلَمْ تُؤْمِن } أي : أتقول ذلك وتطلبه ولم تؤمن بأنىقادر على الإِحياء وعلى كل شيء؟
{ قَالَ بلى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } أي قال إبراهيم في الرد على سؤال ربه له { أَوَلَمْ تُؤْمِن } بلى يا رب آمنت بك وبقدرتك وبوحدانيتك إيمانا صادقا كاملا ، ولكني سألت هذا السؤال ليزداد قلبي سكونا واطئمان وإيماناً لأن من شأن المشاهدة أن تغرس في القلب سكونا واطمئنان أشد ، وإيمانا أقوى ، وأنا في جميع أحوالي مؤمن كل الإِيمان بقدرتك ووحدانيتك يا رب العالمين .
قال القرطبي ما ملخصه : لم يكن إبراهيم شاكا في إحياء الله الموتى قط وإنما طلب المعاينة ، وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به ، ولهذا جاء في الحديث " ليس الخبر كالمعاينة " قال الأخفش : لم يرد إبراهيم رؤية القلب وإنما أراد رؤية العين . وقال الحسين : سأل ليزداد يقينا إلى يقينه . وأما قول الرسول صلى الله عليه وسلم : نحن أحق بالشك من إبراهيم " فمعناه أنه لو كان شاكا لكنا نحن أحق بالشك منه ، ونحن لا نشك فإبراهيم - عليه السلام - وسائر ألفاظه الآتية لم تعط شكا ،وإنما كان شكه ـ عليه السلام ـ في أن الله سبحانه قد يستجيب لطلبه في أن يريه ويطلعه على كيفية إحياء الموتى فالسؤال على الكيفية
وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو سؤال عن حالة شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسئول ، وهو الايمان بالاحياء والاماتةمتقرر ، - وكيف هنا إنما هي استفهام عن كيفية الاماتة والإِحياء فسؤال إبراهيم إنما هو عن كيفية لا عن أصل القضية .و { بلى } إيجاب لما بعد النفي معناه : بلى آمنت . وقوله : { وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } أي ليزداد سكوننا وطمأنينة بمضامة علم الضرورة - أي علم المشاهدة
وقولك اخى عمرو
المشكلة أن المفسرين يستكبرون أن يصدر هذا من الخليل ولكن ما الحرج؟ إن الخليل كان يبحث عن ربه, ولا يعني أنه قال: هذا ربي, أنه آمن به, وإنما كان يتفكر فيه, هل يصلح أن يكون ربا, فلما رأى منه ما ينقص من جلال وكمال الرب رفضه!
لقد ضرب الخليل أفضل مثال عن البحث عن الإله والالتجاء إليه, حتى يعرفه, وبالفعل آتاه الله الهدى
قلت السادة المفسرين لايستكبرون ان يصدر الخليل منه ذلك فليس ذلك ظاهر الايات فليس هناك تهمة للخليل حتى يخفهوها ويبرروا ويتمحلوا على انها مناظرة ولكنها كما قلت ظاهر الايات بالادلة على ذلك من الايات نفسها ومن غيرها وانها محاجة لقومة وللملك ومناظرة لهم> فالقصة كما قلت باختصار انهة حاجة ابوة وقومة فانكر عليهم عبادة الاصنام الارضية والسماوية واراد لهم ولنفسة كيفية فطر السموات والارض والسؤال عن الكيفية دليل على الايمان بالقضية وهو الاحياء والاماتة فلما ناظرهم وغلب عليهم الحجة تبرىء من ذلك الذى هم علية فلماء سالة عرف الملك بقصتة واراد محاجتة وقد اخبروة عن ابراهيم سالة من ربة قال ربى الذى يحيى ويميت فقال له انا احى واميت وهذة ليست حياة واماتة بل قتل وابقاء الحى على حياتة فاراد ان لايدخل معة فى سفسطة فقال له ان ربى ياتى بالشمس من المشرق فات بها من المغرب ان اكبر الة التى تعبدونة ويغيب عنا ويافل ويتحرك ويتغير لم تقتنعوا بتلك القضية فان الله يات بالشمس من المشرق فات بها من المغرب وهو نهاية الحجة علية فبهت الذى كفر وهل ترك ابراهيم قضية احياء الموتى لا بل اراد له ولقومة كيفية احياء الموتى فهو مؤمن بالقضية برمتها الاصل والفرع الاحياء والاماتة والكيفية ولكنهم قوم بهت يريد ان يريهم كيفية احياء الموتى اما هو مؤمن بها ولذلك قال بلى لازداد ايمانا ويقينا فاراد لنفسة ولهم المشاهدة ويكون هو السائل بنفسة الرسول مباشر لتلك العملية فالنبى ابراهيم كان معاصرا لقوم منكرين للبعث والنشور والاحياء والاماتة ومنكرين لوجود الخالق ويعبدون غير الله> ارجوا ان تكون الايات وضحت وليس فيها لبس ولاشىء بل ان ذلك هو ظاهر الايات> والسلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
مصطفى سعيد
09-02-2009, 04:05 AM
السلام عليكم
لعلى أعلق على بعض النقاط فى انتظار تعليق الشيخ
قال صاحب الكشاف : " كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب
هل من نص يدل على عبادتهم الكواكب
والدليل الثانى: انها مناظرة وحجة قوله بعد الايات(وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ على قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ)هل الحجة التى أوتيها كانت وحيا أم استدلالا
وقول إبراهيم { هذا رَبِّي } قول من ينصف خصمة مع علمه بأنه مبطل
هل يجوز ؟! أظنه ..لا والآية تقول "ودوا لو تدهن فيدهنون "
وقولة { قَالَ لا أُحِبُّ الآفلين } أى : لا أحب عبادة الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان ومن حال إلى حال ، لأن الأفول غياب وابتعاد ، وشأن الإله الحق أن يكون دائم المراقبة قيوم لايغيب عنهم لتدبير أمر عباده ؛ لنفرق بين الأفول والغياب ؛ وما معنى أن الله غيب عنا ؛ .
فلما أفل القمر كما أفل الكوكب من قبله قال مسمعا من حوله من قومه : لئن لم يهدنى ربى إلى جناب الحق وإلى الطريق القويم الذى يرتضيه لأكوننمن القوم الضالين دليل على انه يعرف انهم من الضالينهو يناجى ربه ولو كان يكلمهم لقال لأكونن منكم ؛ فى المحاجة يكون الأسلوب كما فى الآية (وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } ؛التى تدل على أن قوله " لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ " ليس دليلا على المحاجة ؛ولكنه دليل على الحيرة ,فمن أين له أن يعلم من ربه إن لم يهده ربه ؛والنتيجة إن لم يهدنى ربى لأكونن مثل القوم ضال ؛
وقد يصل الأمر فى المحاجة إلى المباهلة والتى لايصل المتناظرون إليها إلا بعد كل الاستدلالات
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )
فهو ذكر اسم الرب ويعرف ان ربه الله وتبرىء من المشركين فيعرف ان له رب مستحق الالوهية
؛ هل من حكمة فى قوله أو لماذا لم يقل لله الذى فطر السموات ؟
عمرو الشاعر
09-03-2009, 10:02 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
أخي السيف البتار:
تقول أشياء عجيبة وتدعي أنها ظاهر النص!!
ولنأخذ بعض ما قلت, ونبدأ بأول ما كتبت:
"اولا... سياق الايات يدل انكار سيدنا ابراهيم على ابية ازر اتخاذ الاصنام ثم قال( وكذلك نرى ابراهيم) اى وكما انكر على ابية وقومة اتخاذ الاصنام الهه من دون الله دخل مع ابية وقومة مناظرة لانكار اتخاذ الكواكب الهه من دون الله فكلمة (وكذلك) تفيد تساوى الامرين عند سيدنا ابراهيم فى انكار عبادة الهه من دون الله فالامر متساوى عند سيدنا ابراهيم" اهـ
وأسألك: من أين جئت بأنه دخل في مناظرة مع قومه من النص؟! وكذلك!! ربطك "كذلك" عجيب! فالفاعل في الآيتين غير واحد ففي الأولى إبراهيم وهو في الثانية مفعول فكيف تجعله أنت واحدا في الاثنين؟!
وأما تعجبك من إنكاره اتخاذ الأصنام بدون أن يعلم ربه وأنه يبحث عنه بعد ذلك فعجيب! وأسألك: ألم تقرأ سيرة النبي؟ إن ما فعله الخليل هو نفس ما أعاده النبي الكريم! لقد رفض كلاهما -عقلا- عبادة الأصنام لأنها من العته! ولكنهما لم يعرفا البديل فأخذا في النظر والتفكر حتى هداهما الله! ولست أدري ماذا تقول فيما كان النبي الكريم يفعله في الغار؟ هل كان ذهابه إلى الغار وحيا أم ليستدرج قومه؟ أم تفكرا وتأملا!!!
يا أخي ظاهر الآيات لا يقول بحال أنها كانت مناظرة وإنما خواطر إنسان! وانظر ترى:
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ
فكما رأينا فالخليل لا يخاطب أحدا, وإنما يبحث وبعد أن التجأ إلى الله هداه في المرة الثالثة وفيها أعلن تبرأه من شرك قومه, وهنا حاجه قومه!
النص يقول أن قومه بدأوا محاجته بعد أن أعلن براءته وأنت تقول أنه كان يناظرهم من الأول! يا أخي لا تدعي أن قولك ظاهر النص! نعم, قد يقبل هذا القول استنتاجا أما الادعاء بأنه الظاهر فعجيب لأنه لا دليل له إلا أفهام للنص! وفارق بين النص والفهم!
وختاما أسألك: أرني كلمات في الآيات الأولى (قبل: قال يا قوم) يظهر فيها خطاب الخليل لآخرين وأنه لا يكلم نفسه, وبهذا يكون قولك هو ظاهر النص, فإن لم تأت ولن تأتي فلا تدعي ما لا دليل عليه!
وفي الختام أقول لك: إن الخليل كان هو من آتاه الله الملك وليس الآخر, واقرأ الآية مجددا:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة : 258]
فلماذا جعلتم الضمير لا يعود على الخليل مع أنه أقرب مذكور؟ ألأن الروايات ذكرت قصة له مع من يسمى بالنمروذ؟! الذي أمر بقتل إنسان وترك آخر (مع إن كل إنسان يمكنه أن يدعي نفس الدعوى!!)
مهيب الأرنؤوطى
09-03-2009, 10:16 AM
أخي الكريم عمرو الشاعر، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته
تقول:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة : 258]
فلماذا جعلتم الضمير لا يعود على الخليل مع أنه أقرب مذكور؟ ألأن الروايات ذكرت قصة له مع من يسمى بالنمروذ؟! الذي أمر بقتل إنسان وترك آخر (مع إن كل إنسان يمكنه أن يدعي نفس الدعوى!!)
إذن فما مدي صحة من خطأ قصة النمرود هذه، أرجو أن تعطينا تصورك عن تلك الآية التي ذكرتها (البقرة 258)، وتلقي عليها المزيد من الأضواء كي نستفيد جميعاً، وما معني (أنا أحيي وأميت).
أطال الله تعالي بقاءكم وأجزل عطاءكم
عمرو الشاعر
09-04-2009, 04:07 PM
بإذن الله أخي معالج! سنفرد لهذه الآية موضوعا مستقلا!
السيف البتار
09-15-2009, 02:43 PM
خليل الله ابرهيم علية السلام
يروى أن ابراهيم عليه السلام ولد ببابل و تزوج سارة و كانت عاقراً لا تلد ثم ارتحل هو و وزجته سارة و ابن أخيه لوط قاصدين أرض الكنعانيين، وهي بلاد بيت المقدس، فأقاموا بحران وكانوا يعبدون الكواكب السبعة.
والذين عمروا مدينة دمشق كانوا على هذا الدين، يستقبلون القطب الشمالي، ويعبدون الكواكب ولهذا كان على كل باب من أبواب دمشق السبعة القديمة هيكل بكوكب منها، ويعملون لها أعياداً وقرابين.
وهكذا كان أهل حران يعبدون الكواكب والأصنام، وكل من كان على وجه الأرض كانوا كفاراً، سوى إبراهيم الخليل، وامرأته، وابن أخيه لوط عليهم السلام، وكان الخليل عليه السلام هو الذي أزال الله به تلك الشرور، وأبطل به ذاك الضلال، فإن الله سبحانه وتعالى أتاه رشده في صغره، وابتعثه رسولاً، واتخذه خليلاً في كبره قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} أي كان أهلاً لذلك.
وكان أول دعوته لأبيه، وكان أبوه ممن يعبد الأصنام، لأنه أحق الناس بإخلاص النصيحة له، كما قال تعالى:
{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً }.
فذكر تعالى ما كان بينه وبين أبيه من المحاورة والمجادلة، وكيف دعا أباه إلى الحق بألطف عبارة، و بيـَّن له بطلان ما هو عليه من عبادة الأوثان التي لا تسمع دعاء عابدها، ولا تبصر مكانه، فكيف تغني عنه شيئاً، أو تفعل به خيراً من رزق أو نصر؟
ثم قال منبهاً على ما أعطاه الله من الهدى، والعلم النافع، وإن كان أصغر سناً من أبيه: {يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً} أي: مستقيماً، واضحاً، سهلاً، حنيفاً، يفضي بك إلى الخير في دنياك وأخراك، فلما عرض هذا الرشد عليه، وأهدى هذه النصيحة إليه، لم يقبلها منه ولا أخذها عنه، بل تهدده وتوعده.
{قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ}
{وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً} أي: واقطعني وأطل هجراني.
فعندها قال له إبراهيم: {سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} أي: لا يصلك مني مكروه، ولا ينالك مني أذىً، بل أنت سالم من ناحيتي، وزاده خيراً بأنى سأستغفر لك ربى الذى هداني لعبادته والإخلاص له.
ولهذا قال: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً}
وقد استغفر له إبراهيم عليه السلام كما وعده في أدعيته، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ}.
ثم قال تعالى:
{وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ }.
وهذه مناظرة لقومه، وبيان لهم أن هذه الأجرام المشاهدة من الكواكب النيرة لا تصلح للألوهية، ولا أن تعبد مع الله عز وجل لأنها مخلوقة مربوبة، مصنوعة مدبرة، مسخرة، تطلع تارة، وتأفل أخرى، فتغيب عن هذا العالم، والرب تعالى لا يغيب عنه شيء، ولا تخفى عليه خافية، بل هو الدائم الباقي بلا زوال، لا إله إلا هو، ولا رب سواه فبين لهم أولاً عدم صلاحية الكواكب.، ثم ترقى منها إلى القمر الذي هو أضوأ منها وأبهى من حسنها، ثم ترقى إلى الشمس التي هي أشد الأجرام المشاهدة ضياءً وسناءً وبهاءً، فبين أنها مسخرة، مسيرة مقدرة مربوبة.
والظاهر أن موعظته هذه في الكواكب لأهل حران، فإنهم كان يعبدونهاوأما أهل بابل فكانوا يعبدون الأصنام، وهم الذين ناظرهم في عبادتها وكسرها عليهم، وأهانها وبين بطلانها، كما قال تعالى: {وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ}
وقال في سورة الأنبياء: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ }
يخبر الله تعالى عن إبراهيم خليله عليه السلام، أنه أنكر على قومه عبادة الأوثان، وحقرها عندهم وصغرها وتنقصها، فقال: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} أي: معتكفون عندها وخاضعون لها.
{قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ}
ما كان حجتهم إلا صنيع الآباء والأجداد، وما كانوا عليه من عبادة الأنداد.
وقال لهم: {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} سلموا له أنها لا تسمع داعياً، ولا تنفع ولا تضر شيئاً، وإنما الحامل لهم على عبادتها الاقتداء بأسلافهم، ومن هو مثلهم في الضلال من الآباء الجهال.
{قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ}
بل إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو ربكم ورب كل شيء، فاطر السماوات والأرض، الخالق لهما على غير مثال سبق، فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وأنا على ذلكم من الشاهدين.
ابراهيم عليه السلام يلقى فى النار
وقوله: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} أقسم ليكيدن هذه الأصنام التي يعبدونها، بعد أن تولوا مدبرين إلى عيدهم.
قيل: إنه قال هذا خفية في نفسه، وقال ابن مسعود: سمعه بعضهم. وكان لهم عيد يذهبون إليه في كل عام مرة إلى ظاهر البلد، فدعاه أبوه ليحضره فقال: إني سقيم.
كما قال تعالى: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ}
فلما خرجوا إلى عيدهم واستقر هو في بلدهم، راغ إلى آلهتهم، أي: ذهب إليها مسرعاً مستخفياً، فوجدها في بهو عظيم، وقد وضعوا بين أيديها أنواعاً من الأطعمة قرباناً إليها.
فقال لها على سبيل التهكم والازدراء: {أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ} فكسرها بقدوم في يده كما قال تعالى: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً} أي: حطاماً، كسرها كلها.
{إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} قيل: إنه وضع القدوم في يد الكبير، إشارة إلى أنه غار أن تعبد معه هذه الصغار. فلما رجعوا من عيدهم ووجدوا ما حل بمعبودهم {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ}.
وهذا فيه دليل ظاهر لهم لو كانوا يعقلون، وهو ما حل بآلهتهم التي كانوا يعبدونها، فلو كانت آلهة لدفعت عن أنفسها من أرادها بسوء، لكنهم قالوا من جهلهم، وقلة عقلهم، وكثرة ضلالهم وخبالهم: {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} أي: يذكرها بالعيب والتنقص لها والإزدارء بها، فهو المقيم عليها والكاسر لها.
{قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} أي: في الملأ الأكبر على رؤوس الأشهاد، لعلهم يشهدون مقالته ويسمعون كلامه، ويعاينون ما يحل به من الاقتصاص منه.
وكان هذا أكبر مقاصد الخليل عليه السلام أن يجتمع الناس كلهم فيقيم على جميع عبّاد الأصنام الحجة على بطلان ما هم عليه
فلما اجتمعوا وجاؤوا به كما ذكروا، {قَالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا..} قيل معناه: هو الحامل لي على تكسيرها، وإنما عرض لهم في القول: {فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ}
وإنما أراد بقوله هذا، أن يبادروا إلى القول بأن هذه لا تنطق، فيعترفوا بأنها جماد كسائر الجمادات.
{فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} أي: فعادوا على أنفسهم بالملامة فقالوا: إنكم أنتم الظالمون، أي: في تركها لا حافظ لها، ولا حارس عندها.
وقال قتادة: أدركت القوم حيرة سوء، أي: فأطرقوا ثم قالوا: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} أي: لقد علمت يا إبراهيم أن هذه لا تنطق، فكيف تأمرنا بسؤالها؟ فعند ذلك قال لهم الخليل عليه السلام: {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}
{قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ}
عدلوا عن الجدال والمناظرة لما انقطعوا وغلبوا، ولم تبقَ لهم حجة ولا شبهة إلى استعمال قوتهم وسلطانهم، لينصروا ما هم عليه من سفههم وطغيانهم، فكادهم الرب جل جلاله وأعلى كلمته، ودينه وبرهانه كما قال تعالى:
{قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ}.
وذلك أنهم شرعوا يجمعون حطباً من جميع ما يمكنهم من الأماكن، فمكثوا مدة يجمعون له، حتى أن المرأة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت لتحملن حطباً لحريق إبراهيم، ثم عمدوا إلى جوبة عظيمة فوضعوا فيها ذلك الحطب، وأطلقوا فيه النار، فاضطربت وتأججت والتهبت وعلاها شرر لم ير مثله قط.
ثم وضعوا إبراهيم عليه السلام في كفة منجنيق صنعه لهم رجل من الأكراد يقال له هزن، وكان أول من صنع المجانيق فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، ثم أخذوا يقيدونه ويكتفونه وهو يقول: لا إله إلا أنت سبحانك، لك الحمد ولك الملك، لا شريك لك، فلما وضع الخليل عليه السلام في كفة المنجنيق مقيداً مكتوفاً، ثم ألقوه منه إلى النار قال: حسبنا الله ونعم الوكيل.
ابن عباس أنه قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار. وقالها محمد حين قيل له: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ}
عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم:
((لما ألقي إبراهيم في النار قال: اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في الأرض واحد أعبدك)).
وذكر بعض السلف أن جبريل عرض له في الهواء فقال: ألك حاجة؟
فقال: أما إليك فلا.
ويروى عن ابن عباس، أنه قال: جعل ملك المطر يقول: متى أومر فأرسل المطر؟ فكان أمر الله أسرع. {قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ}
قال ابن عباس وأبو العالية: لولا أن الله قال: {وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ} لأذى إبراهيم بردها.
وقال كعب الأحبار: لم ينتفع أهل الأرض يومئذ بنار، ولم يحرق منه سوى وثاقه.
وقال الضحاك: يروى أن جبريل عليه السلام كان معه يمسح العرق عن وجهه، لم يصبه منها شيء غيره.
وقال السدي: كان معه أيضاً ملك الظل، وصار إبراهيم عليه السلام في ميل الجوبة حوله النار، وهو في روضة خضراء، والناس ينظرون إليه لا يقدرون على الوصول إليه، ولا هو يخرج إليهم، فعن أبي هريرة أنه قال: أحسن كلمة قالها أبو إبراهيم إذ قال لما رأى ولده على تلك الحال: نعم الرب ربك يا إبراهيم.
وعن المنهال بن عمرو أنه قال: أخبرت أن إبراهيم مكث هناك إما أربعين وإما خمسين يوماً، وأنه قال: ما كنت أياماً وليالي أطيب عيشاً إذ كنت فيها، ووددت أن عيشي وحياتي كلها مثل إذ كنت فيها، صلوات الله وسلامه عليه.
مناظرة إبراهيم الخليل مع النمرود
هذه هى مناظرة إبراهيم الخليل مع من أراد أن ينازع العظيم الجليل في العظمة ورداء الكبرياء فادعى الربوبية، وهوَ أحدُ العبيد الضعفاء
قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.
يذكر تعالى مناظرة خليله مع هذا الملك الجبار المتمرد الذي ادعى لنفسه الربوبية، فأبطل الخليل عليه دليله، وبين كثرة جهله، وقلة عقله، وألجمه الحجة، وأوضح له طريق المحجة.
قال المفسرون وغيرهم من علماء النسب والأخبار، وهذا الملك هو ملك بابل، واسمه النمرود بن كنعان وذكروا أن نمرود هذا استمر في ملكه أربعمائة سنة، وكان طغى وبغى، وتجبر وعتا، وآثر الحياة الدنيا.
ولما دعاه إبراهيم الخليل إلى عبادة الله وحده لا شريك له حمله الجهل والضلال على إنكار وجود الله تعالى، فحاجّ إبراهيم الخليل في ذلك وادعى لنفسه الربوبية.
فلما قال الخليل: (ربي الذي يحي ويميت قال: أنا أحي وأميت).
يعني أنه إذا آتى بالرجلين قد تحتم قتلهما، فإذا أمر بقتل أحدهما، وعفا عن الآخر، فكأنه قد أحيا هذا وأمات الآخر.
قَال: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ} أي هذه الشمس مسخرة كل يوم تطلع من المشرق كما سخرها خالقها ومسيرها وقاهرها. وهو الذي لا إله إلا هو خالق كل شيء. فإن كنت كما زعمت من أنك الذي تحي وتميت فأت بهذه الشمس من المغرب فإنّ الذي يحي ويميت هو الذي يفعل ما يشاء ولا يمانع ولا يغالب بل قد قهر كل شيء، ودان له كل شيء، فإن كنت كما تزعم فافعل هذا، فإن لم تفعله فلست كما زعمت، وأنت تعلم وكل أحد، أنك لا تقدر على شيء من هذا بل أنت أعجز وأقل من أن تخلق بعوضة أو تنتصر منها.
فبين ضلاله وجهله وكذبه فيما ادعاه، وبطلان ما سلكه وتبجح به عند جهلة قومه، ولم يبق له كلام يجيب الخليل به بل انقطع وسكت. ولهذا قال: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.
قال زيد بن أسلم: وبعث الله إلى ذلك الملك الجبّار ملكاً يأمره بالإيمان بالله فأبى عليه. ثم دعاه الثانية فأبى عليه. ثم دعاه الثالثة فأبى عليه.
وقال: اجمع جموعك وأجمع جموعي.
فجمع النمرود جيشه وجنوده، وقت طلوع الشمس فأرسل الله عليه ذباباً بحيث لم يروا عين الشمس وسلّطها الله عليهم، فأكلت لحومهم ودمائهم وتركتهم عظاماً باديةً، ودخلت واحدةٌ منها في منْخَر الملكِ فمكثت في منخره أربعمائة سنة، عذبه الله تعالى بها فكان يُضْرَبُ رأسُه بالمرِازب في هذه المدة كلها حتى أهلكه الله عز وجل بها.
هجرة الخليل عليه السلام إلى بلاد الشام، ودخوله مصر
قال الله: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ}.
لما هجر قومه في الله وهاجر من بين أظهرهم وكانت امرأته عاقراً لا يولد لها، ولم يكن له من الولد أحد بل معه ابن أخيه لوط ، وهبه الله تعالى بعد ذلك الأولاد الصالحين، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، فكل نبي بعث بعده فهو من ذريته، وكل كتاب نزل من السماء على نبي من الأنبياء من بعده فعلى أحد نسله وعقبه، كرامة له من الله، حين ترك بلاده وأهله وأقرباءه، وهاجر إلى بلد يتمكن فيها من عبادة ربه عز وجل، ودعوة الخلق إليه.
والأرض التي قصدها بالهجرة أرض الشام، وهي التي قال الله عز وجل: {إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ}.
قصّة سارة مع الملك.
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن إبراهيم لم يكذب قط إلا ثلاث كذبات كل ذلك في ذات الله قوله {إِنِّي سَقِيمٌ} وقوله {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} وبينما هو يسير في أرض جبار من الجبابرة، إذ نزل منزلاً فأتى الجبار فقيل له: إنه قد نزل هاهنا رجل معه امرأة من أحسن الناس. فأرسل إليه فسأله عنها فقال إنها أختي، فلما رجع إليها قال إنَّ هذا سألني عنك؟ فقلت إنك أختي وإنه ليس اليوم مسلم غيري وغيرك وأنك أختي فلا تكذبيني عنده.
فانطلق بها، فلما ذهب يتناولها أخذ فقال: "ادعى الله لي ولا أضرك، فدعت له فأرسل، فذهب يتناولها فأخذ مثلها أو أشد منها.
فقال ادعي الله لي ولا أضرك فدعت فأرسل ثلاث مرات
فدعا أدنى حشمه فقال: إنك لم تأتني بإنسان ولكن أتيتني بشيطان أخرجها وأعطها هاجر.
فجاءت وإبراهيم قائم يصلي فلما أحس بها انصرف فقال: مَهْيَمْ،
فقالت: كفى الله كيد الظالم وأخدمني هاجر".
وقال الإمام أحمد: فى رواية أخرى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات قوله حين دعي إلى آلهتهم فقال {إِنِّي سَقِيمٌ} وقوله {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} وقوله لسارة "إنها أختي".
دخل إبراهيم قرية فيها ملك من الملوك، أو جبار من الجبابرة، فقيل: دخل إبراهيم الليلة بامرأة من أحسن الناس
قال: فأرسل إليه الملك أو الجبار من هذه معك؟
قال: أختي
قال: فأرسل بها
فأرسل بها إليه، وقال لا تكذبي قولي فإني قد أخبرته أنكِ أختي إنْ ما على الأرض مؤمن غيري وغيرك.
فلما دخلت عليه قام إليها فأقبلت تتوضَّأ وتصلَّي، وتقول اللهم إن كنت تعلم إني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلاّ على زوجي فلا تسلط عليَّ الكافر،
قال: فغطَّ حتى رَكَضَ برجله.
عن أبي هريرة "إنها قالت: اللهم أن يمت يقال هي قتلته، قال: فأرسل.
قال: ثم قام إليها،
قال: فقامت تتوضأ وتصلّي وتقول: اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر.
قال فغطَّ حتى ركضَ برجله،
عن أبي هريرة: إنها قالت اللهم أن يمت يقل هي قتلته، قال: فأرسل.
قال: فقال في الثالثة أو الرابعة: ما أرسلتم إليّ إلا شيطاناً أرجعوها إلى إبراهيم، وأعطوها هاجر.
قال: فرجعت فقالت لإبراهيم: أشعرت أن الله رد كيد الكافرين وأخْدَمَ وليدة
وقوله في الحديث "هي أختي"، أي في دين الله،
وقوله لها: إنه ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك يعني زوجين مؤمنين غيري وغيرك
وقوله لها لما رجعت إليه: مَهْيَمْ؟ معناه ما الخبر؟ فقالت: إن الله رد كيد الكافرين. وفي رواية الفاجر. وهو الملك، وأخدم جارية.
وكان إبراهيم عليه السلام من وقت ذهب بها إلى الملك قام يصلي لله عز وجل ويسأله أن يدفع عن أهله، وأن يرد بأس هذا الذي أراد أهله بسوء، وهكذا فعلت هي أيضاً، فلما أراد عدو الله، أن ينالَ منها أمراً قامت إلى وضوئها وصلاتها، ودعت الله عز وجل بما تقدم من الدعاء العظيم، ولهذا قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} فعصمها الله وصانها لعصمة عبده ورسوله وحبيبه وخليله إبراهيم عليه السلام.
ثم إن الخليل عليه السلام رجع من بلاد مصر إلى أرض التيمن، وهي الأرض المقدسة التي كان فيها، ومعه أنعام وعبيد ومال جزيل، وصحبتهم هاجر المصرية.
ثم إن لوطاً عليه السلام نزح بماله من الأموال الجزيلة بأمر الخليل له في ذلك إلى أرض الغور، المعروف بغور زغر فنزل بمدينة سدوم، وهي أم تلك البلاد في ذلك الزمان، وكان أهلها أشراراً كفاراً فجاراً.
مولد إسماعيل عليه السلام مِنْ هاجر
قال أهل الكتاب: إن إبراهيم عليه السلام سأل الله ذرية طيبة، وان الله بشَّره بذلك، وأنه لما كان لإبراهيم ببلاد المقدس عشرون سنة، قالت سارة لإبراهيم عليه السلام، إن الرب قد حرمني الولد، فادخل على أمتي هذه، لعل الله يرزقني منها ولداً.
فلما وهبتها له دخل بها إبراهيم عليه السلام، فحين دخل بها حملت منه، قالوا: فلما حملت ارتفعت نفسها، وتعاظمت على سيدتها، فغارت منها سارة
قالوا: وولدت هاجر اسماعيل ولإبراهيم من العمر ست وثمانون سنة، قبل مولد إسحاق بثلاث عشرة سنة.
غير أن هاجر عليها السلام لما ولد لها إسماعيل واشتدت غيرة سارة منها، طلبت من الخليل أن يغيب وجهها عنها، فذهب بها وبولدها فسارَ بهما حتى وضعهما حيث مكة اليوم.
مهاجرة إبراهيم بابنه إسماعيل وأمه هاجر إلى أرض مكّة
عن ابن عباس قال: "أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقاً لتعفى أثرها على سارة".
ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جراباً فيه تمر، وسقاء فيه ماء.
ثم قفّى إبراهيم منطلقاً، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً؛ وجعل لا يلتفت إليها،
فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذا لا يضيعنا. ثم رجعت.
فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات، ورفع يديه فقال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}.
وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى،أو يتلبط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم تر أحداً ..
فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت بطن الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحداً؟ فلم تر أحداً ففعلت ذلك سبع مرات.
قال النبي صلى الله عليه وسلم "فلذلك سعى الناس بينهما".
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه، تريد نفسها.
ثم تسمعت فسمعت أيضاً، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه، أو قال بجناحه، حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضُه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف.
قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم "يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم". أو قال: "لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عيناً مَعِيْناً".
فشربت وأرضعت ولدها. فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة، فإن هاهنا بيتاً لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله.
وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم، أو أهل بيت من جرهم، مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائراً عائفاً، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على الماء،لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريا أو جرييّن فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا.
قال: وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم ولكن لا حقَّ لكم في الماء عندنا. قالوا: نعم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فألفى ذلك أمَّ إسماعيل وهي تحب الأنس، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم.
وشبَّ الغلام وتعلّم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك، زوّجوه امرأة منهم.
وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل، يطالع تركته فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه؟
فقالت: خرج يبتغي لنا.
ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم؟
فقالت: نحن بشرٍّ نحن في ضيق وشدّةٍ وشكت إليه.
قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغيّر عتبة بابه.
فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئاً، فقال: هل جاءكم من أحد؟
فقالت: نعم جاءنا شيخ كذا كذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة.
قال: فهل أوصاك بشيء؟
قالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول لك غيّر عتبة بابك.
قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك، فالحقي بأهلك، وطلقها وتزوَّج منهم أخرى، ولبث عنهم إبراهيم ما شاء الله. ثم أتاهم بعد فلم يجده،
فدخل على امرأته فسألها عنه؟
فقالت: خرج يبتغي لنا،
قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم،
فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله عز وجل،
فقال: ما طعامكم؟
قالت: اللحم
قال: فما شرابكم؟
قالت: الماء.
قال اللهم بارك لهم في اللحم والماء.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ولم يكن لهم يومئذ حب. ولو كان لهم حب لدعا لهم فيه" قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه.
قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومُريه يثبت عتبة بابه.
فلما جاء إسماعيل قال هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنّا بخير.
قال: فأوصاك بشيء؟
قالت: نعم هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك.
قال: ذاك أبي وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك.
ثم ما لبث عنهم ما شاء الله. ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نَبْلاً له تحت دوحةٍ قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا، كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد. ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر،
قال: فاصنع ما أمرك به ربك،
قال: وتعينني؟
قال: وأعينك.
قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها.
قال فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.
قال: فجعلا يبنيان، حتى يدورا حول البيت، وهما يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.
قصة الذبيح
قال الله تعالى: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِي، رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ، فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يا أبتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ، سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ، وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِنْ الصَّالِحِين، وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ}.
يذكر تعالى عن خليله إبراهيم أنه لما هاجر من بلاد قومه سأل ربه أن يهب له ولداً صالحاً، فبشّره الله تعالى بغلام حليم وهو إسماعيل عليه السلام، لأنه أول من ولد له على رأس ستٍ وثمانين سنة من عمر الخليل. وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل الملل، لأنه أول ولده وبكره.
وقوله {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} أي شبَّ وصار يسعى في مصالحه كأبيه. قال مجاهد: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} أي شبَّ وارتحل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل.
فلما كان هذا رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يؤمر بذبح ولده.و "رؤيا الأنبياء وحيٌ".
وهذا اختبار من الله عز وجل لخليلهِ في أن يذبح هذا الابن العزيز الذي جاءه على كبر، وقد طعن في السن بعد ما أمر بأن يسكنه هو وأمه في بلاد قفر، وواد ليس به حسيس ولا أنيس، ولا زرع ولا ضرع، فامتثل أمر الله في ذلك وتركها هناك، ثقة بالله وتوكلاً عليه، فجعل الله لهما فرجاً ومخرجاً، ورزقهما من حيث لا يحتسبان.
ثم لما أمر بعد هذا كله بذبح ولده هذا الذي قد أفرده عن أمر ربه، وهو بكره ووحيده، الذي ليس له غيره، أجاب ربَّه وامتثل أمره وسارع إلى طاعته.
مصطفى سعيد
09-16-2009, 07:19 PM
السلام عليكم
وكل من كان على وجه الأرض كانوا كفاراً، سوى إبراهيم الخليل، وامرأته، وابن أخيه لوط عليهم السلام، لقد كان الأمر وهو فتى ؛ وكانت الأرض أو قريته كافرة كلها ؛فمن قال أنه كان نبيا عندما قال لأبيه "... أتتخذ أصناما آلهة .."؟
الصارم المسلول
09-02-2010, 12:04 AM
احسنت السيف البتار فيما قلت بارك الله فيك كنت اقول بهذا دائما انه عليه السلام كان يحاجج ويستدرج قومه عليه السلام
الصارم المسلول
09-02-2010, 12:10 AM
السلام عليكم
لقد كان الأمر وهو فتى ؛ وكانت الأرض أو قريته كافرة كلها ؛فمن قال أنه كان نبيا عندما قال لأبيه "... أتتخذ أصناما آلهة .."؟
وهل يستلزم من كلام ابراهيم عليه السلام لابيه اتتخذ اصناما الهة انه كان نبيا؟؟؟!!!! ان هذا لشيئ عجاب وهل يلزم من النبي صلى الله عليه وسلم قبل نبوته انه كان يعبد الاصنام ؟؟؟!!! ان هذا لظلم عظيم وهل يلزم من ابراهيم عليه السلام فضلا عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم انه قبل نبوته انه لاينكر عبادة الاصنام على ابيه ---ر بنا اغفر لنا ذنوبنا
النسخة الماسية الإصدار vBulletin 3.6.8
nabdh-alm3ani.net bdr130.net