المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : "حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ"


مروان محمد عبد الهادي
08-31-2009, 04:26 AM
قراءة مُتأنية في مضامين الآية

"حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ"





مروان محمد عبد الهادي


بسم الله الرحمن الرحيم



نقف خاشعين أمام قول الحق سبُحانه وتعالى:


قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ - التوبة 29



إن سوء معاملة (البعض) من المسلمين لأهل الكتاب، وتفسير الآية الكريمة تفسيراً تراثياً أسود، غُلف بتبريرات وأعذار واهية، أثار هذه الشبهة لدى المستشرقين، فزرع في قلوبهم حقداً على الإسلام وأتباعه، وكأن المراد في هذه ألآية الكريمة هو تحقير (أهل الكتاب) مما لا ينسجم قطعاً وروح تعاليم الدين القيم – الإسلام

بنود عقد الجزية المُشترطة على أهل الكتاب التي لا نجد لها ذكراً في كتاب الله تعالى:

"عليهم أن يعطوا أربعة مثاقيل ذهبا في انقضاء كل عام قمري وصرف كل دينار اثنا عشر درهما، وألا يحدثوا كنيسة ولا بيعة ولا ديرا ولا صومعة، ولا يجددوا ما خرب منها، ولا يمنعوا المسلمين من النزول في كنائسهم، وبيعهم ليلا ونهارا ويوسعوا أبوابها للنازلين، ويُضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثة ، وألا يأووا جاسوسا، ولا يكتموا غشا للمسلمين، ولا يعلموا أولادهم القرآن، ولا يمنعوا أحدا منهم الدخول في الإسلام، ويوقروا المسلمين ويقوموا لهم من المجالس، ولا يتشبهوا بهم في شيء من لباسهم ولا فرق شعرهم، ولا يتكلمون بكلامهم ولا يتكنوا بكيناهم، ولا يركبوا على السروج، ولا يتقلدوا شيئا من السلاح ولا يحملوه مع أنفسهم ولا يتخذوه، ولا ينقشوا خواتيمهم بالعربية، ولا يبيعوا الخمر من مسلم، ويجزوا مقادم رؤوسهم، ويشدوا الزنانير، ولا يظهروا الصليب، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يطرحوا في طريق المسلمين نجاسة، ويخفوا النواقيس وأصواتهم، ولا يظهروا شيئا من شعائرهم، ولا يتخذوا من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين، ويرشدوا المسلمين ولا يطلعوا عليهم عدوا ، ولا يضربوا مسلما ولا يسبوه ولا يستخدموه، ولا يسمعوا مسلما شيئا من كفرهم، ولا يسبوا أحدا من الأنبياء صلوات الله ليهم، ولا يظهروا خمرا ولا نكاح ذات محرم، وأن يسكنوا المسلمين بينهم، فمتى أخلَوا بواحدة من هذه الشروط،، اخُتلف في نقض عهدهم .. (قتلهم وسبيهم وأخذ أموالهم..!!") (انتهى) "مراتب الإجماع - ابن حزم" (1)


ويقول أبن سعد في "الطبقات الكبرى" عن عمر: “وضع الخراج علي الأراضي، والجزية علي جماجم أهل الذمة فيما فتح من البلدان، ووضع علي الغني ثمانية وأربعين درهما، وعلي الوسط أربعة وعشرين درهما، وعلي الفقير اثني عشر درهما، وقال: لا يعوز"أي لا يرهق" رجل منهم - أي الفقراء - درهم في الشهر" (انتهى) الطبقات الكبرى لابن سعد (2)

ربما يتهمنا البعض جزافاً في أننا ننقل أقوال المستشرقين وشبهتاهم، ونحن بدورنا نرد هذه التهمة على أصحابها رداً جميلاً، ونسأل: هل أبو محمد علي بن احمد بن سعيد بن حزم (الأندلسي) المولود في قرطبة (عام 384 هجري) وابن أبي عبد الله محمد بن سعد بن منيع المولود سنة (168 هجري) من المستشرقين؟ ألم يحن الوقت للدفاع عن هذا الدين الذي اصطفاه وارتضاه الحق سُبحانه وتعالى للناس كافة، بدلاً من الدفاع العبثي العقيم عن الذين أساءوا لدين الله من علماء وولاة وحكام؟ والذين لم يتدبروا قول الحق سبحانه وتعالى:

لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (الممتحنة: 8) وقوله أيضاً:

“إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (الممتحنة: 9)

لقد تعددت مفاهيم الجزية لدى علماء الدين، ووضع (بعضهم) لها أحكاماً جائرة تحت مسميات مختلفة ما أنزل الله بها من سلطان، وقلَت اجتهادات (بعضهم) القرآنية وكثرت آراؤهم الشخصية، وتباينت فيما بينهم، وكل أدلى بدلوه، فجعلوا من الجزية التي فرضها المولى سبحانه وتعالى عقوبة على المقاتلين المعتدين ((حصراً)) من الذين (لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) (وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ) (وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ) (وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ) إتاوة على جميع أهل الكتاب بدون وجه حق، تارة تحت مسمى حماية أهل الذمة، وتارة تحت مسمى الصدقة، وتارة أخرى، بدلاً عن فريضتين فرضتا على المؤمنين، فريضة الجهاد وفريضة الزكاة! وأجحفها تحت اسم (عقد الجزية) وتحت مسميات عديدة لا يتسع المقام لذكرها جميعاً، مما أوقع الولاة والحكام في خطأ تطبيقي ناتج عن سوء فهم النص القرآني، (حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) من جهة، وعدم الإلمام بالمقاصد العامة للشريعة المبنية على التسامح، وقبول الآخر من جهة أخرى.

لا يختلف اثنان من العقلاء بأن الاقتتال بين مخلوقات الله تعالى نوعان لا ثالث لهما، عدوان أو دفاع عن النفس، وقد حدد الله تعالى القتال المشروع في الإسلام بالدفاع عن النفس فقط، ونهى عن العدوان، بدلالة قوله سبحانه وتعالى في هذه ألآيات الكريمة: "وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ و(َلاَ تَعْتَدُواْ) إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (البقرة:19)

الَّذِينَ (هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ) مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (آل عمران:195)

وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم (مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ) وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ (التوبة:12)

إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ (وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (التوبة:36)

ولعله من نافلة القول بأن نؤكد بداية على حقيقتين هامتين، أولهما بأن الدعوة إلى دين الله تعالى في نشأتها كانت سلمية، وأن المسلمين الأوائل دخلوا في دين الله عن قناعة وبرهان وانصياع لحجة، بالرغم من الاضطهاد الذي عانوه في ذواتهم وأموالهم، لقد اضطهدوا في أهلهم، واضطهدوا في أوطانهم، وكانوا قلة وأذلة، عاجزون عن الدفاع عن أنفسهم أمام كُتل الطُغيان التي كانت تُحارب الإسلام والمُسلمين، والحقيقة الثانية، وبعيداً عن الأحاديث المكذوبة على رسول الله (ص) نؤكد على حقيقة لا تشوبها شائبة، وهي أن الرسول الكريم (ص) لم يحمل قط السيف لإجبار الناس على الإسلام أو الإيمان، بينما الكُفار والمًشركين والذين ظاهروهم من الذين أُتوا الكتاب، هم الذين حملوا السيوف ليفرضوا على الناس سماع كلمة الباطل ومنعهم من سماع كلمة الحق، ولكن، لكي تصل كلمة الحق إلى الناس وتكون الفرص مُتساوية، حمل النبي (ص) السيف دفاعاً عن النفس، وليمنع المُعوقات التي تعوق كلمة الحق التي تصل إلى القلوب، فيسمع الناس حجة هؤلاء، وهؤلاء، وبعد ذلك يختارون ما يختارون بإرادة حرة، لا يفرض فيها السيف رأياً، وقطعاً لا يُفرض فيها عقيدة وديناً. لقد طبق رسول الله (ص) ما تنزل على قلبه نصاً وروحاً، ولم ينسَ أو يتناسى ولو للحظة واحدة قول الله تعالى: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ( يونس:99 ) وقوله سُبحانه:

لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( البقرة:256)

فدين الله رحبٌ بأهله ولا يمكن الإكراه عليه، وسيف رسوله الله(ص) وجد ليُدافع عن الإرادة الحرة للإنسان، وليمنع إكراه الناس على الباطل، وليُعطي الناس الفرصة للاختيار بدون إكراه أو ضغط أو إرهاب، فتكون كلمة الله هي العُليا، بعكس ما فعله الولاة والحكام ومُداهنة رجال الدين لهم، الذين اتخذوا من الدعوة إلى دين الله ذريعة لغزواتهم، بعد تحريف الجهاد إلى قتال، والجهاد إلى غزو، والقتال إلى قتل. فلينظر ناظرٌ بعقله إلى ما قاله الإمام الشوكاني، (1173 - 1250 هـ ) رحمه الله، حول هذه النقطة تحديداً: "أما غزو الكُفار، ومُناجزة أهل الكفر، لحملهم على الإسلام أو تسليم الجزية أو القتل، فهو معلوم من الضرورة الدينية، وأدلة الكتاب والسُنة في هذا لا يتسع لها المقام ولا لبعضها. أما ورد في موادعتهم وفي تركهم (إذا تركوا المُقاتلة) فذلك منسوخ باتفاق المُسلمين! بما ورد من (استحباب مُقاتلتهم على كل حال!) وقصدهن في ديارهم، في حال القدرة عليهم والتمكن من حربهم.." (انتهى)

يقول الإمام الشافعي رحمه الله، في كتابه الأم، "الجهاد فريضة يجب القيام بها، سواء أحصل من الكُفار اعتداء أم لم يحصل" أو ما قاله القسطلاني في شرح صحيح البُخاري، "الجهاد في الاصطلاح يعني قتال الكُفار لنصرة الإسلام وإعلاء كلمة الله!"

ونقف خاشعين أمام قول الحق سُبحانه ونقرأ:

وَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً (وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي) مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (العنكبوت: 8) وقوله:

وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً) وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ لقمان:15)

والسؤال الكبير الذي يثور في رأسنا ولا يمكن تجاهله: كيف لنا أن نوفق بين بِر الوالدين وطاعتهما والإحسان إليهما كما صرح الحق سُبحانه وتعالى في هذه الآيات الواضحة: (فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً) وبين ما قاله القسطلاني: "الجهاد في الاصطلاح يعني قتال الكُفار لنصرة الإسلام وإعلاء كلمة الله"، بل يستحيل عند العقلاء أن يكون جهاد الوالدين "الكفار" قتلهم!

إنه من المؤسف والمحزن في نفس الوقت، أن تتحول الدعوة إلى دين الله إلى حملات غزوٍ مُسلحة لسلب الأموال، ونهب المُمتلكات، وهتك أعراض الآمنين من غير المسلمين وقتلهم، فنحن مأمورون بالجهاد والقتال في سبيل الله، ولكننا قطعاً غير مأمورين بالقتل والتخريب والسلب وإكراه الناس باسم الله! والبون شاسع بين هذه وتلك. لقد تم خلط مفاهيم الجهاد والقتل والقتال، والحرب والغزو، حيناً بسبب الفهم الخاطئ للجهاد والقتال الذي أخذ حيزاً كبيراً في كتب الفقه التراثية المغلفة بالأحاديث المكذوبة على رسول الله (ص) كحديث أبي هريرة الذي رواه مُسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله فمن قال لا اله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ‏"‏وتحت شعار (لا إله إلا الله والله أكبر) وحيناً أخر، بسبب الجهل والتقليد الأعمى، واستحداث علوم الناسخ والمنسوخ، والقراءات المتعددة المختلفة، والقول بالترادف في كتاب الله تعالى.

تعريف الجزية في معاجم اللغة

خَرَاجُ الأرض. ما يُؤْخَذُ من المعاهدين من أهل الكتاب ج جِزىَّ وجِزْيٌ وجِزاءٌ ج: جِزَاءٌ. [ج ز ي] "فَرَضَ عَلَى الذِّمِّيِّ دَفْعَ الجِزْيَةِ": الْخرَاجُ، أَيْ مَا يَدْفَعُهُ غَيْرُ الْمُسْلِمِينَ (أَهْلُ الذِّمَّةِ) فِي أَرْضِ الإِسْلاَمِ مِنْ ضَرِيبَةٍ. "اِنْتَشَرَ الجُبَاةُ يَجْمَعُونَ الجِزْيَةَ مِنَ الأَقَالِيمِ" خَرَاجُ الأَرْضِ.

لقد جاء الأمر بقتال الذين اعتدوا ((حصراً)) من الذين (لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) (وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ) وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ) (وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ) وليس أهل الكتاب كافَة، ووقف القتال لا يتم إلاَ بعد استسلامهم وإذلالهم (المحاربون) من أهل الكتاب وقهرهم، واعترافهم بأن أيد المسلمين فوق أيديهم، وأن يعطوا الجزية، "الجزاء"، كعقوبةٍ و كتعويضٍ وهم صاغرون، أي أذلاء ومقهورون. فقول الله تعالى: (حتى) يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (حتى) تُفيد بأن القتال لن يتوقف ولن يُعصم دم المُعتدين إلا بعد إعطاء الجزية وهم صاغرون، بإيجاز شديد، على المعتدين ((حصراً)) (الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) (وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ) (وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ) (وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ) أن يختاروا بين الموت في المعركة أو دفع الجزية كعقوبةٍ وتعويضٍ للمسلمين الذين اضُطِهدوا في ذواتهم وأموالهم، وأهلهم وأوطانهم وهم صاغرون، ولا يجوز أبدا تخيير أهل الكتاب بالدخول في الإسلام أو دفع الجزية. لقد حسم الله سُبحانه وتعالى قضية الإيمان والكفر بقوله: وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (الكهف: 29) فالجزاء، هو التعريف الصحيح المنسجم مع سياق الآية، أما حصره بالخراج أو الضريبة كتحصيل حاصل على عموم أهل الكتاب بدون وجه حق، ضاربين بخصوصية الآية عرض الحائط: "الذين (لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) (وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ) وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ) (وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ) ((حصراً)) " فليس عندنا بشيء، فمصطلح الجزاء لا يمكن تحديده بالخراج أو الضريبة، فإلاَ كيف نفسر قوله تعالى:

وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (ألمائدة: 38)

فَأَثَابَهُمُ اللّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (المائدة:85)

أما الذين آمنوا بالله واليوم الآخر، وحرّموا ما حرّم الله ورسوله (ص) ودانوا بدين الحق من الذين أُوتوا الكتاب، والذين لم يقاتلوا المسلمين في دينهم ولم يخرِجوهم من ديارهم، ولم يُظاهِروا على إخراجِهم، فيجب على المسلمين الإقساط إليهم وبرِّهم امتِثالاً لقوله تعالى:

لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (الممتحنة: 8)

“إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (الممتحنة: 9)

كذلك الإدعاء المُتهافت بأن الذمي هو الذي يعيش في بلاد المسلمين بشكل دائم، هو قول مغلوط، فيه ظلم وتبرير لاحتلال بلاد غير المسلمين، فالذمي وهو مُصطلح دخيل لا نجد له ذكراً في كتاب الله، هو أبن البلد الأصلي، ولد وترعرع في بلده وكان آمنا مُطمئنا، ولو فعلاً كما يزعم رجال الدين بأن فتح هذه الدولة أو تلك، كان للدعوة إلى الله سُبحانه وتعالى ونشر الإسلام، لماذا إذن الاستقرار فيها؟ الرجاء قراءة الشروط المشترطة على "أهل الكتاب" في عقد الجزية الذي تفتقت به عقول الظالمين من عُلماء السُلطان والسوء، الذين آثروا الحياة الدنيا على دار السلام، وتناسوا قول الله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أُوْلَـئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (هود: 18) كذلك، فإننا نرفض التبريرات والحجج الواهية التي صدّعت رؤوسنا، "بأن الجزية تدفع مُقابل حمايته والدفاع عنه، وإعفاءه من الخدمة العسكرية، والإنفاق عليه، فالدولة المُسلمة والتي تحتكم إلى شرع الله تعالى في الأمور الشرعية، وإلى مُمثلي الشعب بكافة أطيافه في الأمور العامة والمُستجدة، مُلزمة بحماية جميع أفراد المُجتمع، ولا مكان لأي نوع من التمييز فيها، فلماذا تُجبى الضرائب من المواطنين إذن؟ ولكن العجيب في الأمر، أن المسلمين الغازون يتوقعون وفي ظل شروطهم الظالمة من أهل الكتاب، أصحاب الأرض المُحتلة، الدخول في حروب لصالح المُحتل (عوضاً عن الإتاوة المفروضة عليهم)، وهنا نتوقف لنسأل السادة العُلماء والفقهاء عن رأيهم الفقهي فيما لو أصَرَّ الصهاينة فرض الجزية على الفلسطينيين، أصحاب الأرض المُحتلة، تحت مُسمى حماية أهل فلسطين، أو بحجة الإنفاق عليهم من صندوق الشؤون الاجتماعية الإسرائيلية، أو عوضاً عن فريضة الخدمة العسكرية؟ فما هو رأيكم دام فضلكم؟

وتأسيساً على ما تقدم، وانطلاقاً من قوله سُبحانه وتعالى في هذه الآيات التي لا تقبل التأويل: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (البقرة: 256) وقوله:

وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ (كُلُّهُمْ جَمِيعًا) أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ (إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ) وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ (يونس:99- 100) فإنه: لا يجوز شرعاً ولا بأي حال من الأحوال إكراه أهل الكتاب على دين الله، ووضعهم أمام خيارين أحلاهما علقما! إننا لا نجد حرجاً ولا نرى ضيراً بسرد هذه الوقائع المشينة التي لا تشين الإسلام بشيء، ولكنها تشين الذين مارسوها من ألولاة والحكام (والبعض) من علماء الدين، الذين داهنوهم بشكل عام في عصرهم، كذلك البعض من المُقلدين المُعاصرون، الذين ما زالوا بعلمٍ أو بغير علم يدافعون عن تلك الأفعال!

فإذا فهمنا ما سبق حق الفهم كله، أدركنا حاجتنا إلى إعادة النظر في الأصول التي ننطلق منها في قراءة الذكر الحكيم الموضوعة في القرن الثاني الهجري، والتي تفترض الحشو والعبثية، وتقول بالنسخ، وأسباب النزول، والترادف في كتاب الله تعالى، وتتكئ على الأحاديث المكذوبة على رسول الله – صلوات الله عليه. فالأيام تدور، وتطور الحياة بشتى ميادينها دولاب لا يتوقف، فقراءة النص بعيون السلف، رحمهم الله، في ضوء الأسس التي وضعوها والتوقف عندها، معناه أننا لن نصل إلى أبعد مما وصلوا إليه. فالعين القارئة تتغير بتغير الزمان والمكان والأرضية المعرفية، والثابت الوحيد الباقي هو الله سُبحانه وتعالى، وصدق الله العظيم الذي قال: كُلٌّ مَن عَليها فانٍ * ويَبقى وَجهُ ربك ذو الجلالِ والإِكرامِ (الرحمن: 26-27)





1- أبو محمد علي بن احمد بن سعيد بن حزم (الأندلسي) المولود في قرطبة عام 384 هـ و توفي عام 456 هـ

2- أبي عبد الله محمد بن سعد بن منيع" سنة (168هـ = 784 م (في الطبقات الكبرى لأبن سعد)

عمرو الشاعر
08-31-2009, 08:03 AM
شكرا أخي محمد على هذه المشاركة الطيبة! والحق يقال أن الإجراءات التي فرضها الفقهاء المسلمون على غير المسلمين مثل لبس الزنار وعدم بناء كنيسة ....... إلخ ليس لها أي أصل في كتاب الله ولا حتى في كلام رسوله!
وألفت انتباهك إلى التشابه بين كلمتي: فدية وجزية, فكلاهما على نفس الوزن!
كل عام وأنت بخير!

مروان محمد عبد الهادي
09-03-2009, 02:49 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



شكراً على حسن ضيافتكم، وأعلم بأننا نُقدر ونُثمن جهودكم الطيبة!

وكل عام وأنت بخير!

مروان محمد عبد الهادي
12-28-2009, 07:46 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



اقتباس: وألفت انتباهك إلى التشابه بين كلمتي: فدية وجزية, فكلاهما على نفس الوزن!

كل عام وأنت بخير!


الأخ الفاضل الشيخ عمرو


وأنت بألف خير وعافية. أما بعد،


(1)

هنالك فرق كبير بن الجزية والفدية:

الفدية: ((تُمنح)) ممن لديه القدرة على منحها، كالفدية التي منحها الله سُبحانه لمن أفطر في شهر الصوم بدون عذر شرعي، ((أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ۚ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (البقرة : 184)) أو كقوله تعالى:

((وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ۖ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا. النساء : 92 ))


الجزية: (( تُفرض)) ممن لديه القدرة على فرضها، فهي غرامة يفرضها المنتصر في الحرب أو غير ذلك، كمؤسسات الدولة، مخالفات السير، أو البنوك على سبيل المثال وليس الحصر، والممنوح حرٌ في قبول المنحة أو رفضها، بعكس الذي فرضت عليه الجزية فعليه أن يدفع وهو صاغر.(( حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ - التوبة 29 فالفدية تُمنح والجزية تفرض، وهذه ليست كتلك..



(2)
أرجو أن يتسع صدركم لتسجيل حالة من الاستغراب والتعجب حيال حذف موضوع"قراءة معاصرة في خصائص السًنة النبوية" بعد نشره على صفحات موقعكم الخاص لفترة طويلة؟!


تحياتي واحترامي لشخصكم الكريم


مروان محمد عبد الهادي

عمرو الشاعر
12-29-2009, 05:19 AM
وأنت بخير وبألف خير وصحة وعافية!
بالتأكيد أعرف أن هنالك فارق كبير في المعنى! وإنما أردت لفت الانتباه إلى أن مصدريهما على وزن واحد!
بخصوص الموضوع فأنا لا أحذف أي موضوع أو مشاركة لأي أحد -إلا إذا كانت خارج حدود الأدب- ومن ثم فأنا لم أحذف موضوعك, ربما نقلته من منتدى إلى آخر, لأني رأيت أن محتواه يتناسب مع هذا المنتدى أفضل من ا لذي وُضع فيه!
لذا فربما تجده في منتدى الموضوعات العامة!
ننتظر منك مشاركات جديدة!