مشاهدة النسخة كاملة : استفسارات بخصوص الخلافة في الأرض
مهيب الأرنؤوطى
11-06-2009, 01:28 PM
أخي الكريم عمرو الشاعر
تحية طيبة وبعد:
أود أن أسألك بعض الأسئلة فيما يتعلق بخلافة الإنسان في الأرض، فقد اختلف المجتهدون في المخلوف نفسه، فقال بعضهم أن المخلوف هو الله تعالي (وهذا باطل لأن ذلك لم يُذكر في القرآن الكريم، علاوة علي أن المخلوف لا بد أن يكون غائباً حتي يكون كذلك وإلا لما صحت تسميته أو نعته بكلمة مخلوف إذا كان موجوداً مع من يخلفه)، أما البعض الآخر فقال أن الإنسان خليفة للجن أو للملائكة وبالطبع فلا يوجد دليل واحد يؤيد ذلك أو يثبته...!!..
ومن هنا ينبثق سؤالان مهمان للغاية:
1- الإنسان خليفة بالطبع، ولكن خليفة من..؟؟..
2- لماذا قال الله تعالي لداود عليه الصلاة والسلام: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ...) (ص 26)، ولم يقلها لأي نبي آخر.... فمن المعلوم أن الإنسان خليفة في الأرض، وبما إن داود إنسان إذن فهو خليفة في الأرض بداهة.... إذن فما الحكمة في أن الله تعالي قال له أنه خليفة طالما أن الأمر محسوم منذ البداية...؟؟..
تحياتي لك أخي الكريم ومنتظر إجابتك بفارغ الصبر
عمرو الشاعر
11-07-2009, 09:42 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ولي المؤمنين ولا عدوان إلا على الظالمين وصلاة على آخر النبيين المرسلين سيدنا محمد وعلى آله ومن اقتدى بهدي النبيين الطاهرين إلى يوم الدين ثم أما بعد:
سأل الأخ معالج عن خلافة الإنسان, فقال: خليفة من هو؟
فنقول:
بداهة ليس الإنسان خليفة الله! –تعالى الله عن ذلك- وليس خليفة الجن ولا الملائكة لأن هذا جنس مختلف ولا يمكن للإنسان أن يخلفه! بغض النظر عن أنه لم يقم دليل أصلا على أنهم كانوا قد استُخلفوا في الأرض قبل الإنسان أصلا!!
وإذا كنت قد قرأت تصورنا حول خلق الإنسان الأول, فستعلم أننا قلنا أن الناس خلقوا في باطن الأرض –كما يُخلق الإنسان في بطن أمه- وأن هذه الأجيال خرجت من الأرض, وكانت مثل الأطفال بلا وعي ولا تمييز, يتشاجرون ويتقاتلون ويسفكون الدماء!
هؤلاء هم الذين كان الله يعدهم ليكون خلفاء في الأرض! وعندما قال للملائكة إني جاعل فإنه كان يعلمهم ماذا يفعل بهذا الجنس!
ولقد قال بعض الأخوة أن آدم أو الإنسان العاقل عامة هو خليفة البشر غير العاقل (أو الجنس) الذي كان قبله!
وفي هذا القول نصيب من الصحة والحياد عنها!
فإذا كان المقصود بذلك أنه ظهر بعدهم فهو صحيح, فظهور الإنسان العاقل تأخر عن غير المميز, أما إذا كان المقصود أنه خليفته فغير صحيح! لأن عملية جعل الإنسان خليفة بدأت مع الجيل الأول الغير مميز!
فإذا نظرنا في قوله تعالى:
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة : 30]"
نجد أن الله تعالى قد استخدم صيغة اسم الفاعل "جاعل" والذي يفيد البدء والاستمرار, فكان الاعتراض أو التعجب من الملائكة على كون من يُجعل هو مخلوق مفسد! يسفك الدماء!
فعملية جعل الإنسان خليفة بدأت مع الجيل الأول واستغرقت عددا من الأجيال حتى حققت ما يمكن نعته بأنه الجيل الأول من الخلفاء! وهذه العملية لم تنقطع وهي مستمرة إلى قيام الساعة!
لذا فيمكننا القول أن الإنسان ليس خليفة أحد, لأنه لم يكن هناك قبله من أو ما يقوم مقامه! وإنما هو خليفة بمعنى أنه يقوم بدور المتحكم والمتسلط ليعمرها.
ونجد هذا المعنى في التوراة, والتي قالت:
1: 26 و قال الله نعمل الانسان على صورتنا كشبهنا فيتسلطون على سمك البحر و على طير السماء و على البهائم و على كل الارض و على جميع الدبابات التي تدب على الارض . 1: 27 فخلق الله الانسان على صورته على صورة الله خلقه ذكرا و انثى خلقهم. 1: 28 و باركهم الله و قال لهم اثمروا و اكثروا و املاوا الارض و اخضعوها و تسلطوا على سمك البحر و على طير السماء و على كل حيوان يدب على الارض"
والخلافة هي عملية جعل مستمرة تحدث مع كل جيل من أجيال البشرية ومع كل إنسان! -لا أنها حدثت مع جيل بعينه وانتهت-, بشرط أن يكون على قدر من التمكن! وبقدر تمكنه في الأرض تكون خلافته!
فإذا نظرنا في كتاب الله تعالى نجد أن عملية الاستخلاف مرتبطة دائما بالجعل:
"أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأعراف : 69]"
فنلاحظ هنا أن عاد جُعلوا خلفاء من بعد قوم نوح! (فحدث معهم عملية جعل) ولم يُجعلوا خلفاء لهم! أي أنهم جعلوا متسلطين على الأرض ومتحكمين فيها ليقوموا بدورهم في إعمارها! ولو فعلوا ذلك لما أُهلكوا حتى ولو كفرو!
وكذلك الحال مع قوم صالح:
"وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [الأعراف : 74]"
فمعهم أيضا حدثت عملية جعل ليكونوا خلفاء, من بعد عاد -وليس خلفاء لهم!- أي ليستعمروها كما قال المولى: " هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا .... [هود : 61]"
ونلاحظ أن الله تعالى لم يستعمل "الخلف" في القرآن مع البشر!
فلم يقل أبدا: "فخلفهم خلف! أو: جعلكم خلفاء قوم كذا, أو: جعلكم خلفاءهم!"
وإنما يقول:
"فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً [مريم : 59]", أو يقول: "وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ"
(ولا يُستدل على نقيض ذلك بقوله تعالى: .....وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [الأعراف : 142], لأن هذا مما يمكن حدوثه على المستوى الفردي لا الأمم ناهيك عن مستوى الأجناس!)
وإنما استعمل الخلف مع الأرض:
"أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ [النمل : 62]"
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأنعام : 165]
فنحن خلفاء وخلائف الأرض, كما أننا خلائف فيها:
ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [يونس : 14]
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ [يونس : 73]
هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَاراً [فاطر : 39]
(ونلاحظ في الآيات كلها استعمال "الجعل" فلم يتخلف في آية واحدة!)
فنحن خلائف الأرض وفيها أي نخرج منها نتحكم فيها ونسيطر عليها لنعمرها!
لهذا كان من المنطقي والمنتظر أن يقول الله تعالى لسيدنا داود:
"يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ..... [ص : 26]"
فالله تعالى يذكره بأنه مكن له في الأرض تمكينا شديدا حتى أنه صار ملكا حاكما, فتحقق فيه معنى الخلافة أكثر من غيره من الأفراد المحيطين به, فهم كلهم وإن كانوا خلفاء! إلا أنه هو أعلاهم مرتبة في الخلافة!
أما لماذا قيلت لسيدنا داود بخلاف! غيره من الأنبياء, فإن هذا كان نوعا من العتاب على الموقف الذي صدر منه (وذكرته الآيات السابقة لهذه الآية!), فالله تعالى يذكره أنه مُكن له تمكينا عظيما, وهذه المنزلة لا تعني اتباع الهوى أو التصرف كما يحلو للإنسان, وإنما تعنى القيام بتبعاتها!
وتعقيب الله تعالى على "الجعل خليفة" بالفاء في قوله: "فاحكم", دليل على أن المراد بالخلافة هو التحكم والسيطرة! ولو كان المراد بالخلافة مجرد مجيء بعد سابق لما ترتب عليها شيء! ولو قلنا أن الإنسان خلف شيئا فسيكون هذا الشيء هو الأرض وليس أي شيء آخر!
والله أعلى وأعلم والسلام عليكم ورحمة الله!
مهيب الأرنؤوطى
11-07-2009, 11:37 AM
الأخ الفاضل الفقيه عمرو الشاعر
قد تصفني بالمبالغة حينما أقول لك أن ما كتبته أنت هنا هو من أجمل ما قرأت عن موضوع الخلافة في الأرض وذلك في جميع المواضيع التي قرأتها... ولعلك تعرف عني أنني لا أجامل أحداً علي حساب كتاب الله تعالي حتي ولو كان أبي أو أمي، وبالطبع فإنك قد لمست ذلك بنفسك في اختلافي معك حول موضوع القاديانية، وبكل تأكيد فإن هذا شئ لا يغضبك إطلاقا بل يجعلك تحترمني أكثر وأكثر (كما أتصور ذلك عنك) لأن الذي ينافق أو يداهن أو يشتري بآيات الله تعالي ثمناً قليلاً فمصيره الحتمي معلوم وهو ينتظره وله معه موعد لن يخلفه أبداً...
حقيقة أكرر لك أن هذا من أجمل ما قرأت حول موضوع الخلافة في الأرض
ســــــــؤال أخــير:
أين أجد موضوعك الذي تتكلم فيه عن خلق الإنسان الأول..؟؟... برجاء وضع الرابط الخاص بهذا الموضوع وسوف أكون لك من الشاكرين.
جزاك الله تعالي كل الخير مرة أخري ونفعك ونفع بك وغفر لك.
عمرو الشاعر
11-07-2009, 12:13 PM
باركك الله أخي معالج! لست أدري ماذا أقول ردا على إطرائك! حقيقة لست أدري!
بالطبع اختلافك معي أو اختلاف غيرك لا يغضبني على الإطلاق فإن هذا مكفول لكل إنسان! ومن يتضايق لاختلاف الآخرين فالأحرى أن يتذكر أنه هو الآخر مخالف لهم!
اطمئن اخي معالج فإني رحب الصدر جدا (جسديا ومعنويا!!!) مزحة!
بخصوص الرابط فها هو الرابط:
http://www.amrallah.com/ar/showthread.php?t=50 (http://www.amrallah.com/ar/showthread.php?t=50)
وأود أن أعرفك أني ناقشت القضية بتفصيل أكبر في كتابي: نشأة الإنسان, لا داروينية ولا توراتية.
والذي سيكون متوفرا بإذن الله تعالى في معرض القاهرة للكتاب في يناير القادم
ورجعت عن بعض التوجهيات الفرعية إلا أن التصور العام الرئيسي لم يتغير قدر أنملة!
غفر الله لنا ولك وللمسلمين!
مهيب الأرنؤوطى
11-07-2009, 04:09 PM
أشكرك أخي المفضال عمرو الشاعر، وبالطبع فإن ما قلته أنا عنك لهو أقل ما يقال عن عالم جليل مثلك، كما أحمد الله تعالي الذي وهبك رحابة الصدر بدنياً ومعنوياً :D :D
إذ أن المؤمن فعلاً يجب أن يتميز بدماثة الخلق والصبر وضبط النفس وآداب الاختلاف مع الآخر مهما كانت هوية هذا الآخر، فحينما قال الله تعالي: (وجادلهم بالتي هي أحسن) فإنه لم يخص بالذكر قوماً بأعينهم ولم يحدد هويتهم، فالناس جميعاً خلق الله تعالي وكلنا أخوة في الإنسانية مهما اختلفت عقائدنا وهوياتنا.
بارك الله تعالي فيك وغفر لك ولنا ولجميع المسلمين.
النسخة الماسية الإصدار vBulletin 3.6.8
nabdh-alm3ani.net bdr130.net