المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : معنى مفردة: الرحمن!


عمرو الشاعر
12-04-2009, 11:56 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا المقال الطيب للأستاذ إسماعيل حسين الكبسي وهو مأخوذ من موقعه الشخصي:


بسم الرحمن نبدأ المشوار في فهم بعض مفردات القرآن، وعلى نور الله الهادي نبدأ المشوار إلى المراد، لنبدأ باسم من أسماء الله تعالى التي حار حولها المفسرون ولم يدركوا معناها الحقيقي العظيم، فما هي هذه الكلمة يا ترى؟ إنها الرحمن !!!
هل تظنون أنها مشتقة من الرحمة؟ هذا ما توهمه المفسرون، قال الزمخشري في معناها [الرحمن: فعلان من رحم كغضبان من غضب]، ثم قال: [وفي الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم]، ولذلك قالوا: [رحمن الدنيا والآخرة]. هذا ما قاله الزمخشري شيخ المفسرين اللغويين ومثله قال الكثير من قبله ومن بعده.
ونحن نؤيد ما استشهد به من قولهم: [رحمن الدنيا والآخرة]. لكن لا على الأساس المشتق من رحم، بل على معنى آخر هو مختلف عن ذلك كثيراً ومدلوله أهم، فهو [رحمن الدنيا والآخرة]، يعني: المدبر والمسيطر والمهيمن في الدنيا والأخرى، فهو يدبر الأمر فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ولا يعزب عنه شيء فيهما، وهو يحكم في الحشر فلا يظلم ولا ينسى ولا يخطئ في الحكم ولا يغوى وكيف لا وهو يعلم السر وأخفى. هذا ما نفهمه من قولهم: [رحمن الدنيا والآخرة].
قد تسألون، وكيف فهمت ذلك؟ ومن أين لك هذا التفسير؟ لا تعجلوا، وتعالوا معي نمعن النظر والتفكير في السؤال :
لنبدأ من آخر سورة الإسراء: (قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى) إذن فالرحمن اسم لله وليس صفة من الصفات مثل الرحيم. والإسم يدل على عدة صفات وميزات وسمات سواء في ذلك [الله أو الرحمن]، كلاهما تندرج تحته كل أسماء الله الحسنى، إلا أن الأول يختص بصفات الألوهية والثاني بصفات الربوبية، ولهذا اجتمعا في البسملة (بسم الله الرحمن الرحيم). ثم لنتأمل هذه البسملة وهي آية تكررت في القرآن مائة وأربع عشرة مرة. لنتأملها على ضوء غيرها من الآيات، فهل تجدون آية من آيات القرآن تختم بإسمين أو صفتين من صفات الله مترادفتين في المعنى؟ كلا. ولنأخذ مثلاً ما يلي:- العلي العظيم- العزيز الحكيم- الغفور الرحيم- العفو الغفور- السميع البصير- اللطيف الخبير- الغني الحميد- الغفور الحليم- العليم الحكيم. . الخ. أرأيتم اسمين أو صفتين في هذه مترادفتين في الدلالة؟ لعلكم تقولون لا لم نجد فكل اسم أو صفة يغاير الآخر. وإذا كان الأمر كذلك بالدليل القاطع والمثال الساطع في كل سور القرآن والآيات والمقاطع، فإن اجتماع صفتين مترادفتين في البسملة ممنوع لمن له دراية، فهي أهم آية، وبها تحسن البداية، وتتكرر بعد كل نهاية.
إنني أقول وأنتم قد تقولون معي: إن اجتماع صفتين في هذه الآية الهامة الصغيرة التي تعتمد على الإيجاز يتعارض مع أبسط أساليب البلاغة والإعجاز. وهذا لا يليق بجلال الله القادر على كل شيء والذي أنزل القرآن تبياناً لكل شيء. وإذن فلا بد أن يكون للرحمن معنى آخر غير معنى كلمة [الرحيم] فليسا في الدلالة متحدتين بل متغايرتين. قد تقولون: وإذن فماذا تعني [الرحمن]؟إن لها معنى أشمل وأوسع وأعظم وأقوى وأهم.
لا تعجلوا وتعالوا نقرأ من سورة مريم: (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا) فهل يصح لغوياً ومعنوياً وبلاغياً أن يستعيذ المستعيذ بما له معنى الرحمة واللطف والحنان، أم بما له معنى القوة والقدرة والسلطان؟ لا شك أنكم تؤيدون المعنى الثاني. إذن فالرحمن هنا لا تختص بالرحمة ولكن بالقوة والقدرة. ثم تعالوا نواصل القراءة في نفس السورة بشكل سليم يبحث عن المعنى المستقيم، فنصل إلى قول إبراهيم: (يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا) فهل يمكن أن يعذب الرحيم؟! وهل معنى الرحمة يتفق مع العذاب الأليم؟ كلا كلا. بل إن العذاب لا يكون إلا من القوي الشديد ذي العرش المجيد، الفعال لما يريد.
وإذن فالرحمن هنا في هذه الآية تعني شيئاً غير الرحمة، وغير الرقة والحنان، وتعني القوة والقهر والسلطان، والقدرة والسيطرة على الشيطان، والحكمة والخبرة بما يستحقه الإنسان، وما يليق به حين يعصى الرحمن، ويوالى الشيطان. لعل الأمور الآن بدأت تتضح وينجلي الغشاء عن معنى – الرحمن- تعالوا معي إلى سورة الفرقان، لنجد الرحمن يخاطب رسوله محمداً بما يضفي عليه الاطمئنان، فيقول بأفصح بيان: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا * الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا)[58-95: الفرقان] إذن فالرحمن هو الحي الذي لا يموت، وهو الخبير بالعباد ولا يخفى عليه شيء ولا يفوت، وهو الخالق المبدع لكل شيء، والعليم بكل شيء وحي. فهو الذي يسأل عن مصير الجميع، وعن مآل المعرض والسميع فلا يليق إلا له الحمد والتسبيح ولا يصح إلا له السجود الصحيح، ولكن ماذا؟ ها هم المعرضون يستنكرون الإسم العظيم وينفرون من الرحمن العليم (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا) [الفرقان:60].إن استنكار الإسم وسؤالهم عن ماهيته، وهم عرب فصحاء يعني أنه اسم لم يألفوه، واشتقاق لم يعرفوه،
وإلا لما سألوا (قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ ) أليس في هذا دليل على أن الإسم ليس مشتقاً من الرحمة؟
ثم تعالوا نواصل القراءة لما يلي من الآيات لتتضح لنا عن الرحمن بعض الميزات الدالة على أن الرحمن اسم لله لا صفة من الصفات. لنقرأ: (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) [الفرقان: 61-62].إن هذا الآيات تعني أنه الخالق المدبر والمبدع المسير والمسخر للنجوم والكواكب والأقمار والمغشي لليل والنهار. وهو مع ذلك الحاكم الآمر والعليم بالخافي والظاهر، وهو المعبود من كل جامد وسائر، والمطلع على السرائر، ولهذا قال عمن يفهم هذه المعاني ويفقه هذا السمو الروحاني: (وَعِبَادُ الرَّحْمَن الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا* وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا)[الفرقان: 63-66]. إلى آخر الآيات.
ومن خلال ما قرأنا يتضح لنا معنى رحمن الدنيا. فماذا يعني رحمن الأخرى؟ إن الآية الأخيرة من الآيات الواردة هنا، توحي إلى بعض المعنى، عن رحمن الأخرى. فهو الذي يدعى لصرف عذاب جهنم، وهو بالعباد أدرى وأعلم. فهو القوي المهيمن في يوم الدين وهو الذي يحكم ويقرر جزاء الصادقين والكاذبين. تعالوا نتبين هذه الصفات للرحمن في الأخرى من خلال الآيات التالية: (وَخَشَعَتْ الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا)[طه: 108](رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَن لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا * يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا) [النبأ: 37-38].
(إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَن عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا) [مريم: 93-96] (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَن وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا * لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَن عَهْدًا) [مريم: 85-87].
(يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الإزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [غافر: 16-19].
إن هذه الآيات تدل على أنه المسيطر العليم بكل سر، وهو المهيمن العزيز الجبار المتكبر، الحاكم بالعدل والحق، وحكمه لا يتبدل، ولا يظلم ربك أحداً. وهو الحسيب السريع الحساب، الخبير بمن يستحق الجنة ومن يستحق العذاب، لا يعترض على حكمه ولا يرد، ولا يظلم ربك أحد، فهو الرحمن وكل شيء له خضع وعبد، وركع وسجد، وسبح بحمده وهجد ,, فسبحان الرب الرحمن،
فهل اتضح لكم بعض معاني الرحمن؟ إن لم يتضح المعنى بعد هذا البيان؛ فاقرأوا سورة [الرحمن] فإن فيها البيان عن أهم معاني ودلالات هذا الإسم العظيم الذي لم يدرك معناه المفسرون. خفي عليهم سر الإسم ففات عليهم الفهم، ولقد وفقنا الله وهدى، فاتضح لنا المعنى وبدا، فالحمد لله الرحمن في الأولى والأخرى، في الأرض والسماء، ومن كل شيء خلقه فسوى.

مهيب الأرنؤوطى
12-04-2009, 12:28 PM
مقال جميل جداً أخي المفضال عمرو الشاعر، أفادنا وأفادكم الله تعالي بعلمه النافع الذي لا ينضب.

السيف البتار
12-21-2009, 06:31 PM
ارجوا منك وضع موقعه الشخصى لتعم الفائدة باذن الله

عمرو الشاعر
12-22-2009, 09:32 AM
موقعه الشخصي هو:
www.alkebsi.com (http://www.alkebsi.com)

ولكن الموقع غير موجود حاليا ولست أدري أهو خلل مؤقت أم أنه لم يعد موجودا!

السيف البتار
12-22-2009, 03:14 PM
جزاك الله خيرا ولكن لى تعقيب واسئلة على ماذكر

تظنون أنها مشتقة من الرحمة؟ هذا ما توهمه المفسرون، قال الزمخشري في معناها [الرحمن: فعلان من رحم كغضبان من غضب]، ثم قال: [وفي الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم]، ولذلك قالوا: [رحمن الدنيا والآخرة]. هذا ما قاله الزمخشري شيخ المفسرين اللغويين ومثله قال الكثير من قبله ومن بعده.
ونحن نؤيد ما استشهد به من قولهم: [رحمن الدنيا والآخرة]. لكن لا على الأساس المشتق من رحم، بل على معنى آخر هو مختلف عن ذلك كثيراً ومدلوله أهم، فهو [رحمن الدنيا والآخرة]، يعني: المدبر والمسيطر والمهيمن في الدنيا والأخرى، فهو يدبر الأمر فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ولا يعزب عنه شيء فيهما، وهو يحكم في الحشر فلا يظلم ولا ينسى ولا يخطئ في الحكم ولا يغوى وكيف لا وهو يعلم السر وأخفى. هذا ما نفهمه من قولهم: [رحمن الدنيا والآخرة].اولا .. ورت فى البسملة والفاتحة لحكمة بعض الناس يتساءل كيف أبدأ بسم الله.. وقد عصيت وقد خالفت.. نقول اياك أن تستحي أن تقرأ القرآن.. وأن تبدأ بسم الله إذا كنت قد عصيت.. ولذلك أعطانا الله سبحانه وتعالى الحيثية التي نبدأ بها قراءة القرآن فجعلنا نبدؤه باسم الله الرحمن الرحيم.. فالله سبحانه وتعالى لا يتخلى عن العاصي.. بل يفتح له باب التوبة ويحثه عليها.. ويطلب منه أن يتوب وأن يعود الي الله.. فيغفر له ذنبه، لأن الله رحمن رحيم


والرحمة والرحمن والرحيم.. مشتق منها الرحم الذي هو مكان الجنين في بطن أمه.. هذا المكان الذي يأتيه فيه الرزق.. بلا حول ولا قوة.. ويجد فيه كل ما يحتاجه إليه نموه ميسرا.. رزقا من الله سبحانه وتعالى بلا تعب ولا مقابل.. انظر إلى حنو الأم على ابنها وحنانها عليه.. وتجاوزها عن سيئاته وفرحته بعودته اليها.. ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى في حديث قدسي.
" أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته "
الله سبحانه وتعالى يريد أن نتذكر دائما أنه يحنو علينا ويرزقنا.. ويفتح لنا أبواب التوبة بابا بعد آخر.. ونعصي فلا يأخذنا بذنوبنا ولا يحرمنا من نعمه.. ولا يهلكنا بما فعلنا. ولذلك فنحن نبدأ تلاوة القرآن الكريم بسم الله الرحمن الرحيم.. لنتذكر دائما أبواب الرحمة المفتوحة لنا.. نرفع أيدينا إلى السماء.. ونقول يا رب رحمتك.. تجاوز عن ذنوبنا وسيئاتنا. وبذلك يظل قارئ القرآن متصلا بأبواب رحمة الله.. كلما ابتعد عن المنهج أسرع ليعود اليه.. فمادام الله رحمانا ورحيما لا تغلق أبواب الرحمة أبدا.


فهى مشتقة وهذا هو الظاهر

على أننا نلاحظ أن الرحمن الرحيم من صيغ المبالغة.. يقال راحم ورحمن ورحيم.. اذا قيل راحم فيه صفة الرحمة.. وإذا قيل رحمن تكون مبالغة في الصفة.. وإذا قيل رحيم تكون مبالغة في الصفة.. والله سبحانه وتعالى رحمن الدنيا ورحيم الآخرة..
صفات الله سبحانه وتعالى لا تتأرجح بين القوة والضعف.

. وإياكم أن تفهموا أن الله تأتيه الصفات مرة قليلة ومرة كثيرة. بل هي صفات الكمال المطلق.. ولكن الذي يتغير هو متعلقات هذه الصفات.. اقرأ قول الحق سبحانه وتعالى:{ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ }[النساء: 40] هذه الآية الكريمة.. نفت الظلم عن الله سبحانه وتعالى، ثم تأتي الآية الكريمة بقول الله جل جلاله:{ وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ }[فصلت: 46] نلاحظ هنا استخدام صيغة المبالغة.. " ظلام ".. أي شديد الظلم.. وقول الحق سبحانه وتعالى: " ليس بظلام ".. لا تنفي الظلم ولكنها تنفي المبالغة في الظلم، تنفي أن يظلم ولو مثقال ذرة.. نقول انك لم تفهم المعنى.. ان الله لا يظلم أحدا.. الآية الأولى نفت الظلم عن الحق تبارك وتعالى ولو مثقال ذرة بالنسبة للعبد.. والآية الثانية لم تقل للعبد ولكنها قالت للعبيد.. والعبيد هم كل خلق الله.. فلو اصاب كل واحد منهم أقل من ذرة من الظلم مع هذه الاعداد الهائلة.. فإن الظلم يكون كثيراً جداً، ولو أنه قليل في كميته لأن عدد من سيصاب به هائل.. ولذلك فإن الآية الاولى نفت الظلم عن الله سبحانه وتعالى. والآية الثانية نفت الظلم أيضا عن الله تبارك وتعالى.. ولكن صيغة المبالغة استخدمت لكثرة عدد الذين تنطبق عليهم الآية الكريمة.
نأتي بعد ذلك إلى رحمن ورحيم.. رحمن في الدنيا لكثرة عدد الذين يشملهم الله سبحانه وتعالى برحمته.. فرحمة الله في الدنيا تشمل المؤمن والعاصي والكافر.. يعطيهم الله مقومات حياتهم ولا يؤاخذهم بذنوبهم، يرزق من آمن به ومن لم يؤمن به، ويعفو عن كثير.. اذن عدد الذين تشملهم رحمة الله في الدنيا هم كل خلقه. بصرف النظر عن ايمانهم أو عدم ايمانهم.
ولكن في الآخرة الله رحيم بالمؤمنين فقط.. فالكفار والمشركون مطرودون من رحمة الله.. اذن الذين تشملهم رحمة الله في الآخرة.. أقل عددا من الذين تشملهم رحمة الله في الدنيا.. فمن أين تأتي المبالغة؟.. تأتي المبالغة في العطاء وفي الخلود في العطاء.. فنعم الله في الآخرة اكبر كثيراً منها في الدنيا.. المبالغة هنا بكثرة النعم وخلودها.. فكأن المبالغة في الدنيا بعمومية العطاء، والمبالغة في الآخرة بخصوصية العطاء للمؤمن وكثرة النعم والخلود فيها


اما القول ان الرحمن معناة المدبر والمسيطر والمهيمن في الدنيا والأخرى، فهذا من صفات الجلال والرحمن لها صفات جمال فكيف يجعل صفات جلال لمعنى لفظ هو اصل صفات الجمال


قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا) فهل يصح لغوياً ومعنوياً وبلاغياً أن يستعيذ المستعيذ بما له معنى الرحمة واللطف والحنان، أم بما له معنى القوة والقدرة والسلطان؟ لا شك أنكم تؤيدون المعنى الثاني. إذن فالرحمن هنا لا تختص بالرحمة ولكن بالقوة والقدرة قلت نعم تعنى الحنان والرحمة بها اى انى التجا واعتصم بالرحيم بى منك الذى يرحمنى ان كنت تقيا

(يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا) فهل يمكن أن يعذب الرحيم؟! وهل معنى الرحمة يتفق مع العذاب الأليم؟ كلا كلا. بل إن العذاب لا يكون إلا من القوي الشديد ذي العرش المجيد، الفعال لما يريد. العذاب يختص بالرحيم لان رحمتة سبقت غضبة فهو يذكرة بالرحمن وبرحمة الله اذا غضب ظهرت صفات جلالة على العاصى فيظل يرحم العبد الى ان يغضب على الكافر لم يفلته


وَعِبَادُ الرَّحْمَن الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا* وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا)[الفرقان: 63-66]. إلى آخر الآيات.
فهم عباد الرحمن فهم يدعون الرحمن ان يرحمهم ويصرف عنهم عذاب جهنم لانه المناسب للسياق ان يدعوا برحمة الله ولكن ليس بقدرة الله


قهذة الايات تدل على انه رحمن الدنيا والاخرة كل هذا فى الاخرة(وَخَشَعَتْ الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا)[طه: 108](رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَن لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا * يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا) [النبأ: 37-38].
(إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَن عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا) [مريم: 93-96] (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَن وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا * لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَن عَهْدًا) [مريم: 85-8

السيف البتار
01-11-2010, 04:32 PM
قال الله تعالى:{ قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِالرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً } مريم :18.

ذكرها صفة (الرحمن) دون غيرها من صفات الله لأنها أرادت أن يرحمها الله بدفع من حسبته داعراً عليها.

وقولها { إن كُنتَ تَقيّاً } تذكير له بالموعظة بأن عليه أن يتّقي ربّه.
ومجيء هذا التذكير بصيغة الشرط المؤذن بالشك في تقواه قصد لتهييج خشيته، وكذلك اجتلاب فعل الكون الدال على كون التّقوى مستقرة فيه، وهذا أبلغ وعظٍ وتذكيرٍ وحثّ على العمل بتقواه. اهـ التحرير والتنوير لابن عاشور.

وقيل : إنها أرادت ( إن كنت تقياً ) متورعاً فإني أعوذ منك فكيف إذا لم تكن كذلك، وكأنه أراد أنها استعاذت بهذا الشرط ليعلم استعاذتها بما يقابله من باب أولى.

وقول من قال: إن ( تقيا) اسم رجل صالح أو طالح ليس بسديد. اهـ روح المعاني للآلوسي

وقال عكرمة : إن مريم كانت تكون في المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد فبينما هي تغتسل من الحيض قد تجردت إذ عرض لها جبريل في صورة شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر سوي الخلق فذلك قوله فأرسلنا إليها روحنا يعني جبريل عليه السلام فتمثل لها بشرا سويا فلما رأت مريم جبريل يقصد نحوها نادته من بعيد و قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا مؤمنا مطيعا فإن قيل إنما يستعاذ من الفاجر فكيف قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قيل هذا كقول القائل إن كنت مؤمنا فلا تظلمني أي ينبغي أن يكون إيمانك مانعا من الظلم وكذلك هاهنا معناه وينبغي أن يكون تقواك مانعا لك من الفجور (البغوي )


فهذا الفهم يخالف الفهم الصحيح الذي ذكره المفسرون، لأنه يخالف ما جاء في الحديث القدسي: « أنا الرحمن وهي الرحم؛ شققتُ لها اسمًا من اسمي؛ فمن وصلها وصلتُه ومن قطعها قطعته » رواه أبو داود برقم 1694 ، والترمذي برقم 1907 ، عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.
وقال الخليل بن أحمد : « وليس [الله] من الأسماء التي يجوز منها اشتقاق فعل، كما يجوز في الرحمن الرحيم » (كتاب العين 4 / 91).
وللعلم فالأستاذ إسماعيل حسين الكبسي زيدي المذهب، وكل الأدلة التي جاء بها لا تناقض معنى الرحمة كما يريد أن يوهم بعض الناس.