مشاهدة النسخة كاملة : مواضيع في زينة المرأة!
عمرو الشاعر
12-16-2009, 06:50 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
من المواضيع الي يُثار حولها كثير من الجدل مسألة زينة المرأة, فنرى تيارا يحرم على المرأة التزين بأي شكل, بل إنه يلزمها بستر جميع جسدها!
لذا نقدم للقارئ الكريم مجموعة المقالات هذه للأخ محمد بن أمين -وهو من مدرسة أهل الحديث- يبين فيها بالدليل القاطع من الحديث إباحة ذلك:
حكم الشرع في تبرج النساء وتزينهن أمام الرجال
الله –تبارك وتعالى– يقول في حق القواعد من النساء {غير متبرجات بزينة (http://www.ibnamin.com/aya_hijab.htm#qawaed)} [النور 60]. فإذا كان هذا في حق اللاتي لا يرجون نكاحاً –لكبر سنهن- فهو أولى بالتحريم على اللواتي يردن النكاح (أي اللاتي لم يبلغن سن اليأس). الزينة هي جسم المرأة نفسه وما فيه من مفاتن ومحاسن. والمراد بالزينة هنا: الزينة الخفية. أما الزينة الظاهرة (أي الوجه والكفين، وقيل الرجلين كذلك) فلا تأثم المرأة بإظهارها أمام الأجانب لقوله تعالى في سورة النور: {ولا يُبْدين زِينَتَهُنَّ إلا ما ظهَر منها}. والتبرج هو أن تُخرج المرأة زينتها ومحاسنها الخفيّة أمام الرجال. وأصل التبرج التكلف في إظهار ما يخفى. وقيل أنه في هذا الموضع هو: التبختُر والتكسُّر (وهذا داخل في المعنى السابق). وهذا يوافق تفسير السلف لهذه الآية.
أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره (22|4) والحاكم في مستدركه (2|598) بإسنادٍ قوّاه ابن حجر في الفتح (8|520): عن عكرمة عن ابن عباس t أنه قال: «كانت فيما بين نوح وإدريس ألف سنة. وإن بَطنَين من ولد آدم، كان أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل. وكان رجال الجبل صِباحاً، وفي النساء دَمامة. وكانت نساء السهل صِباحاً، وفي الرجال دمامة. وإن إبليس أتى رجُلاً من أهل السهل في صورة غلام. فأجر نفسه منه، فكان يخدمه. فاتخذ إبليس شيئاً من مثل الذي يزمر فيه الرُّعاء، فجاء فيه بصوتٍ لم يسمع الناس مثله. فبلغ ذلك من حَوله فانتابوهُم يسمعون إليه. واتخذوا عيداً يجتمعون إليه في السنة، فتتبرّج النساء للرجال، ويتزين الرجال لهن. وإن رجلاً من أهل الجبل هجم عليهم وهم في عيدهم ذلك، فرأى النساء وصَباحتهن. فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك. فتحولوا إليهن ونزلوا معهن، فظهرت الفاحشة فيهن. فذلك قول الله عز وجل: {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى}».
قال مجاهد: «كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال، فذلك تبرج الجاهلية». وقال قتادة: «إذا خرجتن من بيوتكن، وكانت لهن مشية وتكسّرٌُ وتغنّج، فنهى الله تعالى عن ذلك». فكل ذلك دلّ أنه لا يحِلّ للمرأة التبرج بأن تمشي بتكسّر وتغنّج أمام الرجال. وأما للزوج داخل البيت فمستحب. وإلى هذا يدل قوله تعالى: ]ولا يضربن بأرجلهن ليُعلم ما يخفين من زينتهن[ أي المقصود أن تكون المرأة مقتصدة في مشيها، لا تحاول أن تلفت الأنظار إليها. ولذلك لا يجوز لها لبس الخلخال ولا الكعب العالي الذي يصدر صوتاً أثناء مشيها بالطريق. أما إن كانت تتزين (بالكحل والخضاب وأمثال ذلك) بغرض النكاح، فإنه يجوز لها ذلك. وكذلك يجوز لها لبس الخاتم والقلادة والأساور والثوب الأحمر.
روى الشيخان وأصحاب السنن وغيرهم أن الصحابية ُسبَيْعَةَ بنت الحارث t توفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك t، رجل من بني عبد الدار، فقال لها: ما لي أراك تجملت للخطاب، ترجين النكاح؟ وفي الحديث أنها أخبرت النبي عليه الصلاة والسلام، فأقرها ولم ينكر عليها تزينها.
فماذا يقول المنكرون عن هذا الحديث؟ وقد جاء في حجة الوداع، أي بعد نزول آية الحجاب بخمسة سنين. قال ابن حجر في فتح الباري (9|475): «وفيه جواز تجمل المرأة بعد انقضاء عدتها لمن يخطبها، لأن في رواية الزهري التي في المغازي: فقال "ما لي أراك تجملت للخطاب". وفي رواية ابن إسحاق: "فتهيأت للنكاح واختضبت". وفي رواية معمر عن الزهري عند أحمد: "فلقيها أبو السنابل وقد اكتحلت". وفي رواية الأسود (مرسلة): "فتطيبت وتصنعت"». فقد اكتحلت وتطيبت واختضبت وتهيئت وتصنعت وتجمّلت، أي تزيّنت. وأبو السنابل ليس محرماً لها، بل هو ممن خطبها فلم ترضه.
وقد جاءت آثار كثيرة عن السلف في جواز ذلك. وهو تفسير قوله تعالى {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها}. فجعلوا الاكتحال والتخضب من الزينة الظاهرة المباحة. وقد روى ابن المنذر في "تفسيره" عن أنس بن مالك t قال: «الكحل والخاتم». قال ابن حزم: «هذا عنه في غاية الصحة». وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عطاء قال: «الزينة الظاهرة: الخضاب والكحل». وروى ابن معين في فوائده بإسناد صحيح عن عكرمة قال: «ثيابها وكحلها وخضابها». وروى روى ابن جرير في تفسيره بسند صحيح عن ابن جريج قال: قال مجاهد: «الكحل والخضاب والخاتم». وابن جريج إنما ينقل عن كتاب القاسم بن أبي بزة (ثقة) عن مجاهد، كما ذكر ابن حبان في الثقات (7|331). وروى ابن جرير في تفسيره (18|118) بإسناد صحيح عن قتادة قال: «الكحل والسواران والخاتم». وروى ابن جرير بإسناد صحيح عن عبد الرحمان بن زيد بن أسلم (ت 182هـ) قال: «الكحل والخضاب والخاتم. هكذا كانوا يقولون. وهذا يراه الناس». تأمل قوله "وهذا يراه الناس" فهذا يدل على جريان العمل من الناس على ذلك.
عمرو الشاعر
12-16-2009, 06:51 AM
تعطر المرأة
أخرج مسلم في صحيحه عن بسر بن سعيد أن زينب الثقفية كانت تحدث عن رسول الله r أنه قال: «إذا شهدت إحداكن العشاء فلا تطيب تلك الليلة». وأخرج في الشواهد من طريق محمد بن عجلان حدثني بكير بن عبد الله بن وعثمان عن بسر بن سعيد عن زينب امرأة عبد الله قالت: قال لنا رسول الله r: «إذا شهدت إحداكن المسجد، فلا تمس طيباً».
رواه باللفظ الأول مخرمة (عند مسلم) عن كتاب أبيه بكير عن بسر بن سعيد، وتابعه محمد بن عبد الله بن عمرو بن هشام (مستور). وأخرجه بلفظه الأول أيضاً يحيى بن سعيد القطان (ثقة ثبت) وجرير بن عبد الحميد (ثقة) وسفيان بن عيينة (ثقة ثبت) عن ابن عجلان (ثقة)، عن بكير بن عبد الله بن وعثمان. أما اللفظ الثاني الذي أخرجه مسلم في الشواهد من طريق يحيى عن ابن عجلان، فهو خطأ حتماً. فقد رواه الجماعة عن يحيى بن سعيد كما في علل الدراقطني (9|85) باللفظ الأول. وقد رواه عبيد الله بن أبي جعفر عن بكير بن عبد الله وعثمان، كما في السنن الكبرى (5|432)، وهو مروي بالمعنى، وقد خالفه الحفاظ. ومتابعة ابن لهيعة ضعيفة لا وزن لها. أما الحديث الذي جاء عن الزهري فقد قال عنه النسائي: «وهذا غير محفوظ من حديث الزهري». فالنهي إذاً خاصٌ بصلاة العشاء بنص الحديث.
قال ابن مالك: «والأظهر أنها (أي العشاء الآخرة) خُصَّت بالنهي، لأنها وقت الظلمة وخلوّ الطريق. والعِطر يهيّج الشهوة، فلا تأمن المرأة في ذلك الوقت من كمال الفتنة. بخلاف الصبح والمغرب، فإنهما وقتان فاضحان». نقل ذلك الشيخ القاري في المرقاة (2|71).
وأخرج أحمد (4|418) (4|400) (4|413) والنسائي (8|153) وأبو داود (4|79) والترمذي (5|106)، وصححه ابن خزيمة (3|91) و ابن حبان (10|270) والحاكم (2|430)، من طرق عن ثابت بن عمارة (جيد الحديث) قال سمعت غنيم بن قيس (ثقة مخضرم) يقول سمعت أبا موسى الأشعري t يقول قال رسول الله r: «أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها، فهي زانية. وكلُّ عينٍ زانية». وإسناد الحديث يدور على ثابت بن عمارة الحنفي، وفيه خلاف. ولعله جيّد الحديث، والله أعلم.
قال إمام الأئمة ابن خزيمة عن هذا الحديث: «المتعطرة التي تخرج ليوجد ريحها قد سماها النبي r زانية. وهذا الفعل لا يوجب جلداً ولا رجماً. ولو كان التشبيه بكون الاسم على الاسم، لكانت الزانية بالتعطر يجب عليها ما يجب على الزانية بالفرْج. ولكن لما كانت العِلة الموجبة للحد في الزنا الوطء بالفرج، لم يجز أن يحكم لمن يقع عليه اسم زان وزانية بغير جماع بالفرج في الفرج بجلدٍ ولا رجم».
قلت: المقصود أن زنا العينين النظر وزنا اليد اللمس وأمثال ذلك. وليس التعطر زنا بالمعنى الذي يوجب الرجم أو الجلد بلا ريب. ومن ينادي المتعطرة بالزانية (على المعنى المتبادر عند العوام)، فهو قاذِفٌ يجب جلده حدّ الفِرية (وهي ثمانين جلدة). قال المناوي في فيض القدير (5|27): «والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فقد هيجت شهوة الرجال بعطرها وحملتهم على النظر إليها، فكل من ينظر إليها فقد زنى بعينه. ويحصل لها إثمٌ لأنها حملته على النظر إليها وشوشت قلبه. فإذن هي سببُ زناه بالعين. فهي أيضاً زانية».
ومقصود ابن خزيمة والمناوي هو ما دل عليه الحديث الذي أخرجه البخاري (#5889) ومسلم (#2657) عن ابن عباس قال: ما رأيتُ شيئاً أشبه بِاللَّمَمِ (أي صغائر الذنوب) مما قال أبو هريرة أن النبي r قال: «إن الله كتب على بن آدم حظّه من الزنى، أدرك ذلك لا محالة. فزنى العينين النظر. وزنى اللسان النطق. والنفس تَمنّى وتَشتهي. والفَرج يُصدِّق ذلك أو يكذبه». قال الخطابي: «المراد بِاللَّمَمِ، ما ذكره الله في قوله تعالى: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللَّمَمَ} وهو المعفوُّ عنه. وقال في الآية الأخرى: {إن تجتنبوا كبائر ما تُنهَونَ عنه نُكفّر عنكم سيئاتكم}. فيؤخذ من الآيتين أن اللمَم من الصغائر وأنه يُكَفّر باجتناب الكبائر».
واختلف العلماء في معنى الحديث. فقال بعضهم أن للام في الحديث هي "لام التعليل". أي إن كانت نيتها أن تفتن الرجال بريحها فهي آثـمة، وإلا فلا. ولذلك رآى ابن رشد الجد عدم حرمة خروج المرأة متعطرة، إلا إذا كانت نيّتها التعرّض للرجال. وقال البعض: بل هي "لام العاقبة"، كاللام في قوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً} [القصص: 8]. فالتقاط فرعون موسى r كان عاقبة له. واحتجوا كذلك بما رواه الدارمي في سننه (2|362): أخبرنا أبو عاصم عن ثابت بن عمار عن غنيم بن قيس عن أبي موسى: «أيما امرأة استعطرت ثم خرجت فيوجد ريحها فهي زانية وكل عين زان». فلم يأت هنا الحديث مع اللام. وأجيب على هذا بأن هذا الحديث موقوف غير مرفوع، لا حجة فيه. فلو صح إسناده لكان عِلّةً قادحة للحديث المرفوع!
واحتج من أجاز للمرأة بأن تتطيب بما أخرج أبو داود في سننه (2|166): حدثنا الحسين بن الجنيد الدامغاني (ثقة) حدثنا أبو أسامة (حماد بن أسامة، ثقة ثبت) قال أخبرني عمر بن سويد الثقفي (جيد) قال حدثتني عائشة بنت طلحة (ثقة حُجة) أن عائشة أم المؤمنين t حدثتها قالت: «كنا نخرج مع النبي r إلى مكة، فنضمد جباهنا بِالسُّكِّ الْمُطَيَّبِ عند الإحرام. فإذا عرقت إحدانا، سال على وجهها. فيراه النبي r فلا ينهاها». ولذلك قال القفّال في "حلية العلماء" (3|235) ما نصه: «منصوص الشافعي رحمه الله في عامة كتبه أن: حكم المرأة في استحباب التطيّب للإحرام كحكم الرجل».
وزعم بعض المتشدّدين بأن هذا محمولٌ على أن ذلك الطيب ليس له رائحة!! وهو قولٌ مخالفٌ للغة العرب. في المعجم "المحيط": «السُّكُّ: ضَرْبٌ من الطّيب يركَّبُ من مسكٍ ورامكٍ». في "القاموس المحيط": «طِيبٌ يُتَّخَذُ من الرامَكِ مَدْقَوقاً مَنْخولاً مَعْجوناً بالماءِ. وُيعْرَكُ شديداً، ويُمْسَحُ بدُهْنِ الخَيْرِيّ لئلاَّ يَلْصَقَ بالإِناءِ. ويُتْرَكُ ليلةً، ثم يُسْحَقُ المِسْكُ، ويُلْقَمُه، ويُعْرَكُ شديداً، ويُقَرَّصُ. ويُتْرَكُ يَومينِ، ثم يُثْقَبُ بمسَلَّةٍ، ويُنْظَمُ في خَيْطِ قِنَّبٍ، ويُتْرَكُ سَنةً. وكلما عَتُقَ، طابتْ رائحتُهُ». وقال السيوطي في الجامع الصغير (1|227): «سُكّة: طيب يتخذ من الرامِك. شيء أسود يخلط بمسك ويفرك ويقرص ويترك يومين، ثم ينظم في خيط. وكلما عتق عبق. كذا في القاموس». فهذا صريحٌ جداً بأن السُّكّ المطيَّب له رائحة مسكيّة عابقة!
وأجاب عنه من يرى تحريم تطيب المرأة لغير زوجها بأحاديث ضعيفة منها: ما أخرجه الترمذي (5|107) عن رجلٍ مجهولٍ من الطُفَاوَةَ لم يُسَمّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله r: «طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه. وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه». وهذا ضعيفٌ لا أصل له. وأخرج كذلك من طريق قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين قال: قال لي النبي r: «إن خير طيب الرجل ما ظهر ريحه وخفي لونه. وخير طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه. ونهى عن ميثرة الأرجوان». وهذا الحديث منقطع ضعيف. ودلالة ضعف هذا الحديث قول الترمذي: «هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه». وقال المنذري: «الحسن لم يسمع من عمران بن حصين». وفي لفظ آخر أخرجه أبو داود (4|48) بنفس الإسناد الضعيف: «لا أركب الأرجوان، ولا ألبس المعصفر، ولا ألبس القميص المكفف بالحرير. ألا وطيب الرجال ريح لا لون له. ألا وطيب النساء لون لا ريح له». وكل الأحاديث التي جاءت في النهي عن لبس الأحمر لا تصح.
وأخرج ابن خزيمة في صحيحه (3|92) والبيهقي في سننه (#5158) من طريق الأوزاعي، قال حدثني موسى بن يسار (مرسلاً) عن أبي هريرة قال: مرّت بأبي هريرة امرأة وريحها تعصف، فقال لها: «إلى أين تريدين يا أمَةَ الجبار؟» قالت: «إلى المسجد». قال: «تطيّبْتِ؟». قالت: «نعم». قال: «فارجعي فاغتسلي فإني سمعت رسول الله r يقول: "لا يقبل الله من امرأة صلاة خرجت إلى المسجد وريحها تعصف حتى ترجع فتغتسل"». قال أبو حاتم عن حديث ابن يسار هذا: «مرسَل، ولم يدرك أبا هريرة».
وأخرج النسائي في مجتباه (8|153) عن أبي هريرة مرفوعاً: «إذا خرجت المرأة إلى المسجد، فلتغتسل من الطيب كما تغتسل من الجنابة». وفيه رجلٌ مجهولٌ لم يُسمّ. ورُوِيَ مثله عند أحمد (2|444) وأبي داود (4|79) والبيهقي (3|133) من طريق عبيد بن أبي عبيد مولى لأبي رهم عن أبي هريرة مرفوعاً. وقد رجّح الدارقطني في علله (9|87) أن الحديث عائدٌ إلى عاصم بن عبيد الله، وهو مُنكَر الحديث. فالحديث إذاً ضعيفٌ بكل طرقه.
وبقي حديث جيّد الإسناد أخرجه أبو داود في سننه (1|155): عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله r قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهُنّ تَـفِـلات». محمد بن عمرو جيّد الحديث، إلا عن أبي سلمة ففيه مقال. إلا أنه توبع في تاريخ البخاري (4|79). تفلات أي غير متعطّرات. وفرّق كثير من الفقهاء بين المرأة الشابة وغيرها.
عمرو الشاعر
12-16-2009, 06:54 AM
تنميص الحواجب عند النساء
جاء في فتح الباري (10|378): «قال بعض الحنابلة (منهم ابن الجوزي): "إن كان النمص أشهر شعاراً للفواجر وامتنع، وإلا فيكون تنزيها". وفي رواية: "يجوز بإذن الزوج، إلا إن وقع به تدليس (أي غش) فيُحرَّم". قالوا: ويجوز الحف والتحمير والنقش والتطريف إذا كان بإذن الزوج لأنه من الزينة». قال عطية صقر: يعني أن إزالة شعر الوجه ومنه تزجيج الحواجب يكون حراماً إذا قصد به الغش والتدليس على من أراد أن يتزوج فتبدو له المرأة جميلة، ثم يظهر بعد ذلك أنها ليست كما رآها. وهو غش وكذلك يكون حرامًا إذا قصد به الفتنة والإغراء كما هو شأن الفاجرات المتاجرات بالعرض والشرف. وبدون هذين القصدين يكون حلالاً. قال الطاهر بن عاشور في مقاصد الشريعة الإسلامية (ص91): «يتضح لنا دفع حيرة وإشكال عظيم يَعرُضُ للعلماء في فهم كثيرٍ من نهي الشريعة عن أشياء لا تجد فيها وجه مفسدة بحال، مثل تحريم وصل الشعر للمرأة (الشعر الاصطناعي)، وتفليج الأسنان، والوشم في حديث ابن مسعود (ذكر حديث: لعن الله الواصلات)... فإن الفهم يكاد يضِلُّ في هذا. إذ يرى ذلك صنفاً من أصناف التزيّن المأذون في جنسه للمرأة، كالتحمير والخلوق والسواك... ووجهه عندي -الذي لم أر من أفصح عنه- أن تلك الأحوال كانت في العرب أمارات على ضعف حصانة المرأة، فالنهي عنها نهي عن الباعث عليها أو عن التعرض لهتك العرض بسببها». قلت: الوشم بالذات قد جاء فيه النهي للرجل وللمرأة، فيستثنى مما ذكره ابن عاشور.
والبعض يحتج بقول الله عز وجل على لسان الشيطان: {وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ...} (119) سورة النساء. لكن هذه الآية ليست حجة لهم، لأن تغيير خلق الله هنا يعني تغيير دين الله الإسلام الذي فطر اللهُ الناسَ عليه. صح ذلك عن جماهير المفسرين: إبراهيم ومجاهد (http://www.ibnamin.com/tafsir_takhrij.htm#مجاهد) وعكرمة (http://www.ibnamin.com/tafsir_takhrij.htm#عكرمة) وقتادة (http://www.ibnamin.com/tafsir_takhrij.htm#قتادة) وابن زيد (http://www.ibnamin.com/tafsir_takhrij.htm#زيد_بن_أسلم) وآخرون، وروي عن ابن عباس. وقال الحسن: هو الوشم. وقال عكرمة وابن عباس في إحدى قوليهما: هو إخصاء البهائم. وفي الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: «لعن الله الواشمات والمستوشِمات، والنامصات والمُتَنَمِّصَاتِ، والمُتَفَلِّجات للحُسْن المغيّرات خَلْقَ الله».
قال الطبري (9|222): «وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك، قولُ من قال: معناه: "ولآمرنهم فليغيرن خلق الله"، قال: دين الله. وذلك لدلالة الآية الأخرى على أن ذلك معناه، وهي قوله: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [سورة الروم: 30]. وإذا كان ذلك معناه، دخل في ذلك فعل كل ما نهى الله عنه: من خِصَاءِ ما لا يجوز خصاؤه، ووشم ما نهى عن وشمه وَوشْرِه، وغير ذلك من المعاصي، ودخل فيه ترك كلِّ ما أمر الله به. لأن الشيطان لا شك أنه يدعو إلى جميع معاصي الله وينهى عن جميع طاعته. فذلك معنى أمره نصيبَه المفروضَ من عباد الله، بتغيير ما خلق الله من دينه. فلا معنى لتوجيه من وجَّه قوله: "ولآمرنهم فليغيرن خلق الله"، إلى أنه وَعْد الآمر بتغيير بعض ما نهى الله عنه دون بعض، أو بعض ما أمر به دون بعض. فإن كان الذي وجه معنى ذلك إلى الخصاء والوشم دون غيره، إنما فعل ذلك لأن معناه كان عنده أنه عنى به تغيير الأجسام، فإن في قوله جل ثناؤه إخبارًا عن قيل الشيطان: "ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام"، ما ينبئ أن معنى ذلك على غير ما ذهب إليه. لأن تبتيك آذان الأنعام من تغيير خلق الله الذي هو أجسام. وقد مضى الخبر عنه أنه وَعْد الآمر بتغيير خلق الله من الأجسام مفسَّرًا، فلا وجه لإعادة الخبر عنه به مجملا. إذ كان الفصيح في كلام العرب أن يُترجم عن المجمل من الكلام بالمفسر، وبالخاص عن العام، دون الترجمة عن المفسر بالمجمل، وبالعام عن الخاص. وتوجيه كتاب الله إلى الأفصح من الكلام، أولى من توجيهه إلى غيره، ما وجد إليه السبيل».
جاء في "التحرير والتنوير": «العدول عن الإسلام إلى غيره تغيير لخلق الله. وليس من تغيير خلق الله التصرّف في المخلوقات بما أذن الله فيه ولا ما يدخل في معنى الحسن؛ فإنّ الختان من تغيير خلق الله ولكنّه لفوائد صحيّة، وكذلك حَلق الشعر لفائدة دفع بعض الأضرار، وتقليمُ الأظفار لفائدة تيسير العمل بالأيدي، وكذلك ثقب الآذان للنساء لوضع الأقراط والتزيّن، وأمّا ما ورد في السنّة من لعن الواصلات والمتنمّصات والمتفلّجات للحسن فممّا أشكل تأويله. وأحسب تأويله أنّ الغرض منه النهي عن سِمَات كانت تُعَدُّ من سمات العواهر في ذلك العهد، أو من سمات المشركات، وإلاّ فلو فرضنا هذه مَنهيّاً عنها لَما بلغ النهي إلى حدّ لَعن فاعلات ذلك. وملاك الأمر أن تغيير خلق الله إنّما يكون إنما إذا كان فيه حظّ من طاعة الشيطان، بأن يجعل علامة لِنحلة شيطانية، كما هو سياق الآية واتّصال الحديث بها... وجملة {ومن يتُخذ الشيطان وليّاً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً} تذييل دالّ على أنّ ما دعاهم إليه الشيطان: من تبتيك آذان الأنعام، وتغيير خلق الله، إنّما دعاهم إليه لما يقتضيه من الدلالة على استشعارهم بشعاره، والتديّن بدعوته، وإلاّ فإنّ الشيطان لا ينفعه أن يبتّك أحد أذن ناقته، أو أن يغيّر شيئاً من خلقته، إلاّ إذا كان ذلك للتأثّر بدعوته». وقال ابن عاشور في "مقاصد الشريعة الإسلامية" (ص91): «يتضح لنا دفع حيرة وإشكال عظيم يعرض للعلماء في فهم كثير من نهي الشريعة عن أشياء لا تجد فيها وجه مفسدة بحال، مثل تحريم وصل الشعر للمرأة، وتفليج الأسنان، والوشم في حديث ابن مسعو... فإن الفهم يكاد يضل في هذا، إذ يرى ذلك صنفاً من أصناف التزين المأذون في جنسه للمرأة كالتحمير والخلوق والسواك. ووجهه عندي الذي لم أر من أفصح عنه، أن تلك الأحوال كانت في العرب أمارات على ضعف حصانة المرأة. فالنهي عنها نهي عن الباعث عليها أو عن التعرض لهتك العرض بسببها». وهذا لا يستقيم إلا إن قلنا أن تحريم هذه الأشياء (وخصوصاً الوصل) في خارج بيت المرأة بحيث لا يطلع أجنبي عليها، حتى نقول إنها كانت سبباً لهتك العرض أو تصنيف المرأة في دائرة معينة.
أما استعمال الشعر الصناعي، فلا بأس به إذا كان بإذن الزوج، وإلا يحرم لما فيه من غش وتدليس. قال ابن قدامة في المغني (1|107): «والظاهر أن الْمُحَرَّمَ إنما هو وصل الشَّعْرِ بالشعر لما فيه من التدليس واستعمال المختَلَف في نجاسته. وغير ذلك لا يَحْرُمُ، لعدم هذه المعاني فيها وحصول المصلحة من تحسين المرأة لزوجها من غير مَضَرَّةٍ».
أما عن إزالة المرأة للشعر من وجهها فقد قال بعض العلماء: الحف هو حلق المرأة لشعر وجهها (بالشفرة مثلاً). يقال: "حفت المرأة وجهها" أي زينته بإزالة شعره. وهناك من العلماء من جعل النمص خاصاً بنتف الحاجبين، ولذلك أجاز حف الحاجبين، وهو الصواب. وشدد النووي فلم يجز الحف، واعتبره من النمص المحرم. ويرد عليه ما ذكره أبو داود في السنن، قال: «والنامصة هي التي تنقش الحاجب حتى ترقه». تنقش الحاجب: أي تنتف شعره بآلة النتف. فلم يدخل فيه حف الوجه وإزالة ما فيه من شعر. قال ابن قدامة في المغني (1|131): «وإن حُلِقَ الشعر فلا بأس، لأن الخبر إنما ورد في النتف. نص على هذا أحمد».
وأخرج علي بن الجعد في مسنده (1|80 #451) قال: حدثنا شعبة (ثقة ثبت) عن أبي إسحاق (السبيعي، ثقة ثبت) قال: دخلت امرأتي (هي أم يونس العالِية بنتُ أيْفَع (http://www.ibnamin.com/jahala_dispute.htm#العالية)) على عائشة وأم ولد لزيد بن أرقم. قال: وسألتها امرأتي (وفي رواية الطبري: وكانت شابة يعجبها الجمال) عن المرأة تحف جبينها؟ قالت: «أَمِيطِي عنكِ الأذى ما استطعت». ومعلومٌ أن شعبة لا يحمل عن أبي إسحاق إلا ما صرح فيه بالتحديث.
وأخرج عبد الرزاق في مصنفه (3|146): عن معمر (ثقة ثبت، عن غير العراقيين) والثوري (ثقة ثبت) عن أبي إسحاق (السبيعي الكوفي، ثقة ثبت بمستوى الزهري) عن امرأة ابن أبي السفر (*) أنها كانت عند عائشة. فسألتها امرأة فقالت: «يا أم المؤمنين. إن في وجهي شَعَراتٍ، أَفَأَنْتِفُهُنَّ: أتزيَّنُ بذلك لزوجي؟». فقالت عائشة: «أَمِيطِي عنك الأذى. وتصنَّعي لزوجك كما تصْنَعين للزيارة. وإذا أمركِ فلتطيعيه. وإذا أقسم عليك فأبرّيه. ولا تأذني في بيته لمن يكره».
وهذه الشعرات محمولة على أنها بين الحاجبين. وهذه يجوز نتفها أو حلقها كما في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (5|197)، لأنها ليست من الحاجبين. وهذا كله للمرأة المتزوجة بإذن الزوج، وإلا لا يجوز لأنه غش وتدليس. ولا شك أنه يجوز للمرأة أن تزيل ما قد ينبت لها من لحية أو شارب أو شعر في ساقيها أو يديها أو ظهرها. وقال أكثر العلماء باستحباب ذلك. بل ذهب المالكية إلى وجوب ذلك عليها، لأن في ترك هذا الشعر مثلة.
(*) ملاحظة: امرأة ابن أبي السفر هي أم مُحِبَّةَ رحمها الله، وهي تابعية، وزوجها هو عبد الله بن أبي السفر الكوفي (سعيد بن يحمد): ثقة بن ثقة. وخبر عبد الرزاق فيه اختصار في الإسناد: أبو إسحاق يروي عن امرأته العالية وهي التي سألت أم المؤمنين عن الحف، وامرأة أخرى سألت عن النتف (تفرد بذكرها الثوري). أما صاحبتها أم محبة فقد كانت معها وسألت عن بيع العينة (قالت: بعت زيد بن أرقم جارية إلى العطاء بثمان مئة درهم وابتعتها منه بست مئة) كما رواه عبد الرزاق عن الثوري عن أبي إسحاق. وكلا السؤالين في مجلس واحد، ولذلك أخطأ بعض الرواة. جاء في العلل للدارقطني (14|443): وسُئِل عَن حَدِيثِ امرَأَةِ أَبِي إِسحاق السَّبِيعِيِّ، عَن عائِشَة، فِي قِصَّةِ زَيدِ بنِ أَرقَم. فَقال: هِي أُمُّ يُونُس، واسمُها العالِيَةُ، امرَأَةُ أَبِي إِسحاق. ويَروِيهِ أَبُو إِسحاق، عَنِ امرَأَتِهِ أُمِّ يُونُس، عَن عائِشَة. وقال عَمّارُ بن رُزيَقٍ، عَن أَبِي إِسحاق، عَنِ العالِيَةِ امرَأَةِ أَبِي السَّفَرِ. ووَهِم فِي ذَلِك، وإِنَّما أَراد امرَأَة أَبِي إِسحاق. وأخرج الدارقطني في سننه (3|52 #211) من طريق: يونُس بن أبي إسحاق عن أمه العالية قالت: خرجتُ أنا وأم محبَّة إلى مكة، فدخلنا على عائشة فسلمنا عليها، فقالت: لنا ممن أنتنَ؟ قلنا: من أهل الكوفة. قالت: فكأنها أعرضت عنا، فقالت لها أم محبة: يا أم المؤمنين، كانت لي جارية وإني بِعتُها من زيد... وقريباً منه من أخرجه ابن سعد (8|487). وهذا مما يدل كذلك على أن دخولهن في مجلس واحد. بقي ما ذكره ابن سعد (8|70): أخبرنا المُعَلَّى بن أسد حدثنا المعلى بن زياد القطعي حدثتنا بَكرة بنتُ عُقبة (لا تٌعرف) أنها دخلت على عائشة وهي جالسة في مُعَصْفَرَةٍ، فسألتها عن الحِنَّاءِ؟ فقالت: شجرةٌ طيبةٌ وماءٌ طهور. وسألتها عن الحِفاف؟ فقالت لها: إن كان لك زوجٌ، فاستطعتِ أن تنزِعي مُقْلَتَيْكِ (عينيكِ) فَتَصْنَعِيْنَهُمَا أحسنَ مما هُما، فافعلي. قال الذهبي عن راويي الحديث: المعليان: ثقتان.
النسخة الماسية الإصدار vBulletin 3.6.8
nabdh-alm3ani.net bdr130.net