عمرو الشاعر
01-18-2010, 10:10 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
كثرت في الأونة الأخيرة كتابات تتحدث عن نهايات دولة إسرائيل, وتستند في قولها هذا إلى نبوءات وردت في العهد القديم و القرآن! وبعضها يستند إلى القرآن فقط!
ونورد للقارئ الكريم نموذجا من هذه الكتابات, تاركين له مسألة الحكم عليها! والمقال للمهندس عدنان الرفاعي.
نهــاية إسـرائيــل في الـقرآن الكـريـم
.. إنّ الحديثَ عن الغيبيات يحمل مجازفةً بحقيقة إدراكنا للمقدمات التي ننطلق منها في الحديث عن تلك الغيبيات ، وبمصداقيّتها .. وفي الوقت نفسه يحمل - هذا الحديث - إدراكاً عميقاً لفهم تلك المقدّمات إذا ما تمَّ تحقّقُ هذه الغيبيّات وفق الصورة التي نتوقّعها ..
.. وإذا ما كانت بين أيدينا مقدّماتٌ ثابتةٌ حول مسألةٍ ما ، فيصبح التنبّؤُ بالغيبيّات المتعلّقة بتلك المقدّمات متعلّقاً بإدراك هذه المقدّمات ، وأكبرَ احتمالاً للتحقّق ، وبالتالي تصبح إمكانيّةُ تحقّق هذه الغيبيّات أبعدَ ما تكون عن التخمين ، وأقربَ ما تكون إلى الواقع ..
.. وفي حديثنا عن نهاية الكيان الإسرائيلي ، لا نرى مقدّماتٍ أوثقَ من القرآنِ الكريم للانطلاقِ نحو تصوُّرِ نهايةِ الصراعِ مع هذا الكيان ..
.. وتقع على فهمنا وإدراكنا لدلالات النصوصِّ القرآنيّة مسؤوليةُ المجازفةِ بإطلاق أيِّ نتيجةٍ غيبيّةٍ ، فما يربط النتيجةَ الغيبيّة التي نصل إليها مع المقدّماتِ المطلقةِ اليقين ( النصوص القرآنيّة ) ، هو إدراكُنا لدلالات هذه النصوص ، ولمعانيها ، وبالتالي فالمجازفةُ واحتمالُ الخطأِ ينحصران في ساحة إدراكنا لما تحمله هذه النصوصُ من دلالات ..
.. في البداية نقول .. إنّ المرحلة التي تمرّ بها الأمّة ومنذ أكثر من نصف قرنٍ هي مرحلةٌ مؤرّخةٌ قرآنيّاً ، حيث صوّرها القرآنُ الكريم في مكانين من سورة الإسراء ..
( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً ) [ الإسراء : 17 / 7 ] ..
( وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرءيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً ) [ الإسراء :17/ 104 ] ..
.. إنّ العبارة القرآنية ( وَعْدُ الْآخِرَةِ )في هاتين الصورتين القرآنيّتين تتعلّق بالحياة الدنيا قبل قيام الساعة ، وتتعلّق بفترةٍ زمنيّةٍ واحدة .. فقول الله تعالى : ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً ) ، هو مقدّمةٌ للنتيجةِ التي تُصوِّرها الصورة القرآنيّة : ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً ) ..
.. وإنّ قول معظم المفسرين بأنّ وعد الآخرة بالنسبة لدخول المسجد الأقصى قد تمَّ سابقاً ( قبل الإسلام حينما قَتَلَ اليهودُ يحيى عليه السلام ) ، وأنّ وعد الآخرة بالنسبة للمجيء لفيفا هو بعد قيام الساعة ، هما قولان يتعارضان مع حقيقة الدلالات التي تحملها هاتان الصورتان القرآنيّتان ، ومع حقيقةِ ما يحملُهُ القرآنُ الكريمُ بشكلٍ عام ..
.. والنصُّ القرآنيُّ الذي سننطلقُ منه في دراستنا للتنبُّؤِ بنهايةِ هذا الكيان ، هو النصّ القرآنيّ التالي ، والوحيد في القرآن الكريم الذي يصوّر نهايةَ هذا الكيان ..
( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرءيلَ فِي الْكِتَبِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُوليهمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِللَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَكُمْ بِأَمْوَلٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً(6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً(7) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَفِرِينَ حَصِيراً ) [ الإسراء :17/4-8 ] ..
.. هذا هو النصّ الوحيد في القرآن الكريم الذي يصوّر إفسادَ بني إسرائيل الذي نعيش أحداثَه الآن ، بالإضافة للآية (104) من سورة الإسراء كما أسلفنا : ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً )، ولذلك ستنحصر مقدّمات تنبئنا في هذا النصّ القرآنيّ بالذات ..
.. إنّ محتويات الأحكام والأخبار التي يحملها هذا النصّ ، قد أعلمها الله تعالى لبني إسرائيل في كتابهم ، كما تؤكّد بداية هذا النص : ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرءيلَ فِي الْكِتَبِ ).. ولذلك فالخطاب الذي يصوّره اللهُ تعالى لنا في هذا النصّ ، هو خطابٌ وجَّهَهُ تعالى إلى بني إسرائيل في كتابهم ، وأعلمَهم حتى بالنتيجة التي سيؤولون إليها نتيجة إفسادِهِم وتدنيسِهِم للمقدّسات ..
والصورة القرآنيّة : ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرءيلَ فِي الْكِتَبِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ )،تُبيّن لنا أنّ إفسادَ بني إسرائيل في هاتين المرتين سينتشر في الأرضِ كافّة ، وبالتالي لن تكونَ هناكَ أمةٌ خارجَ تبعاتِ هذا الفساد ..
.. وإذا ما نظرنا الآن إلى كلِّ ما يجري على الأرض من فسادٍ ومن انحطاط في القِيَم ومن فتنٍ ومآسٍ وحروبٍ وأزماتٍ اقتصاديّةٍ ، فسنرى أن لهذا الكيان يداً في كلّ ذلك ..
.. وهذا الفساد الذي يُلقون بذورَه في الأرض ويرعونه ، هو وسيلتُهُم الوحيدةُ للعلوِّ في هذه الأرض ، وهذا ما تحمله الصورة القرآنية : ( لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً )، فهؤلاء لا يعلون إلاّ على أرض الفساد ، وفي مُناخِ الفتن والمآسي وانحطاط القِيَم والأخلاق .. وقد بيّن القرآنُ الكريمُ صفتَهم هذه في أكثر من موقعٍ ، عبر تصويرِ سيرتِهم مع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ، وعبر وصفهم المجرّد عن هذه السيرة ..
.. ويتابع النصُّ القرآنيُّ الحديثَ عن إفسادِهِم الأوَّل الذي قاموا به قبل نزول النصّ القرآني ، وكيف أنّ الله تعالى بعث عليهم عباداً أولي بأسٍ شديد .. ومن المعلوم والثابت تاريخياً أنّ هؤلاء العباد الذين وضعوا حداً لإفساد بني إسرائيل في المرّة الأولى هم بقيادة نبوخذ نصر سنة (586) قبل الميلاد ..
( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُوليهمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِللَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً ) ..
.. إنَّنا نرى في هذه الصُّورةِ القرآنيّةِ المُصوِّرةِ للإفسادِ الأوّل ، أنَّ الفعلَ : ( بَعَثْنَا ) والفعلَ : ( فَجَاسُوا ) يردان بصيغة الماضي ، وأنَّ نهايةَ هذه الآيةِ الكريمةِ هي العبارةُ القرآنيّة : ( وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً ) .. ونرى في الصُّورةِ القرآنيّةِ المصوِّرةِ للإفسادِ الثاني : ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً ) .. أنَّ الأفعالَ : ( لِيَسُوا ) ، ( وَلِيَدْخُلُوا ) ، ( وَلِيُتَبِّرُوا ) ، تردُ بِصيغةِ المضارع .. وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ أحداثَ الإفسادِ الأوَّل لبني إسرائيل قد وقعت قبل نزول القرآن الكريم ، وأنَّ أحداثَ الإفسادِ الثاني لبني إسرائيل ستقعُ بعدَ نزول القرآن الكريم ..
..وكعادة اليهود في تزييف الحقائق ، فقد استطاعوا أن يُقنعوا الكثيرين من أنّ نبوخذ نصر وجيشَه كانوا وثنيين من عبدة الأصنام ، مع أنَّ القرآنَ الكريمَ يُبيِّنُ لنا أنّ الذين بعثهم الله تعالى لوضع حدٍ لإفسادِ بني إسرائيل في المرّةِ الأولى هم عبادٌ للهِ تعالى : ( بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا )، فهل يُعقَل أنّ اللهَ تعالى يصف الوثنيين وعبدةَ الأصنام بأنهم عبادٌ له سبحانه وتعالى ؟!!..
.. لماذا لا يكون نبوخذ نصر وجيشُه من أتباع رسالة يونس عليه السلام ، وخصوصاً أنّ يونس عليه السلام أُرسل إلى المنطقة التي خرج منها نبوخذ نصر بجيشه ، بفترة ليست كبيرة نسبياً ؟ .. وخصوصاً أنّ القرآن الكريم يُبيّن لنا أنّ قومَ يونس قد آمنوا ، وأنهم القريةُ الوحيدة التي نفعَهَا إيمانُها في كشف العذاب :( فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ) [ يونس : 10/98 ]..
.. إنّ الأولى بنا أن نصدّق اللهَ تعالى ونكذّب التاريخ الذي أرّخه اليهود ليخدم إفسادهم ..
.. ويتابع القرآنُ الكريمُ تصويرَ ما قضاه اللهُ تعالى لبني إسرائيل في كتابهم : ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَكُمْ بِأَمْوَلٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ) ..إنّنا نرى أنّ هذه الصورة القرآنية تبدأ بالعبارة ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ )، ولم يقل الله تعالى ( فرددنا لكم الكرة عليهم ) .. فكلمةُ ( ثُمَّ ) – كما نعلم – تُفيد التراخي في الزمن إذا ما قُورنت مع حرفِ الفاء الذي يُفيد التعقيب ..
كثرت في الأونة الأخيرة كتابات تتحدث عن نهايات دولة إسرائيل, وتستند في قولها هذا إلى نبوءات وردت في العهد القديم و القرآن! وبعضها يستند إلى القرآن فقط!
ونورد للقارئ الكريم نموذجا من هذه الكتابات, تاركين له مسألة الحكم عليها! والمقال للمهندس عدنان الرفاعي.
نهــاية إسـرائيــل في الـقرآن الكـريـم
.. إنّ الحديثَ عن الغيبيات يحمل مجازفةً بحقيقة إدراكنا للمقدمات التي ننطلق منها في الحديث عن تلك الغيبيات ، وبمصداقيّتها .. وفي الوقت نفسه يحمل - هذا الحديث - إدراكاً عميقاً لفهم تلك المقدّمات إذا ما تمَّ تحقّقُ هذه الغيبيّات وفق الصورة التي نتوقّعها ..
.. وإذا ما كانت بين أيدينا مقدّماتٌ ثابتةٌ حول مسألةٍ ما ، فيصبح التنبّؤُ بالغيبيّات المتعلّقة بتلك المقدّمات متعلّقاً بإدراك هذه المقدّمات ، وأكبرَ احتمالاً للتحقّق ، وبالتالي تصبح إمكانيّةُ تحقّق هذه الغيبيّات أبعدَ ما تكون عن التخمين ، وأقربَ ما تكون إلى الواقع ..
.. وفي حديثنا عن نهاية الكيان الإسرائيلي ، لا نرى مقدّماتٍ أوثقَ من القرآنِ الكريم للانطلاقِ نحو تصوُّرِ نهايةِ الصراعِ مع هذا الكيان ..
.. وتقع على فهمنا وإدراكنا لدلالات النصوصِّ القرآنيّة مسؤوليةُ المجازفةِ بإطلاق أيِّ نتيجةٍ غيبيّةٍ ، فما يربط النتيجةَ الغيبيّة التي نصل إليها مع المقدّماتِ المطلقةِ اليقين ( النصوص القرآنيّة ) ، هو إدراكُنا لدلالات هذه النصوص ، ولمعانيها ، وبالتالي فالمجازفةُ واحتمالُ الخطأِ ينحصران في ساحة إدراكنا لما تحمله هذه النصوصُ من دلالات ..
.. في البداية نقول .. إنّ المرحلة التي تمرّ بها الأمّة ومنذ أكثر من نصف قرنٍ هي مرحلةٌ مؤرّخةٌ قرآنيّاً ، حيث صوّرها القرآنُ الكريم في مكانين من سورة الإسراء ..
( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً ) [ الإسراء : 17 / 7 ] ..
( وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرءيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً ) [ الإسراء :17/ 104 ] ..
.. إنّ العبارة القرآنية ( وَعْدُ الْآخِرَةِ )في هاتين الصورتين القرآنيّتين تتعلّق بالحياة الدنيا قبل قيام الساعة ، وتتعلّق بفترةٍ زمنيّةٍ واحدة .. فقول الله تعالى : ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً ) ، هو مقدّمةٌ للنتيجةِ التي تُصوِّرها الصورة القرآنيّة : ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً ) ..
.. وإنّ قول معظم المفسرين بأنّ وعد الآخرة بالنسبة لدخول المسجد الأقصى قد تمَّ سابقاً ( قبل الإسلام حينما قَتَلَ اليهودُ يحيى عليه السلام ) ، وأنّ وعد الآخرة بالنسبة للمجيء لفيفا هو بعد قيام الساعة ، هما قولان يتعارضان مع حقيقة الدلالات التي تحملها هاتان الصورتان القرآنيّتان ، ومع حقيقةِ ما يحملُهُ القرآنُ الكريمُ بشكلٍ عام ..
.. والنصُّ القرآنيُّ الذي سننطلقُ منه في دراستنا للتنبُّؤِ بنهايةِ هذا الكيان ، هو النصّ القرآنيّ التالي ، والوحيد في القرآن الكريم الذي يصوّر نهايةَ هذا الكيان ..
( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرءيلَ فِي الْكِتَبِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُوليهمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِللَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَكُمْ بِأَمْوَلٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً(6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً(7) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَفِرِينَ حَصِيراً ) [ الإسراء :17/4-8 ] ..
.. هذا هو النصّ الوحيد في القرآن الكريم الذي يصوّر إفسادَ بني إسرائيل الذي نعيش أحداثَه الآن ، بالإضافة للآية (104) من سورة الإسراء كما أسلفنا : ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً )، ولذلك ستنحصر مقدّمات تنبئنا في هذا النصّ القرآنيّ بالذات ..
.. إنّ محتويات الأحكام والأخبار التي يحملها هذا النصّ ، قد أعلمها الله تعالى لبني إسرائيل في كتابهم ، كما تؤكّد بداية هذا النص : ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرءيلَ فِي الْكِتَبِ ).. ولذلك فالخطاب الذي يصوّره اللهُ تعالى لنا في هذا النصّ ، هو خطابٌ وجَّهَهُ تعالى إلى بني إسرائيل في كتابهم ، وأعلمَهم حتى بالنتيجة التي سيؤولون إليها نتيجة إفسادِهِم وتدنيسِهِم للمقدّسات ..
والصورة القرآنيّة : ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرءيلَ فِي الْكِتَبِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ )،تُبيّن لنا أنّ إفسادَ بني إسرائيل في هاتين المرتين سينتشر في الأرضِ كافّة ، وبالتالي لن تكونَ هناكَ أمةٌ خارجَ تبعاتِ هذا الفساد ..
.. وإذا ما نظرنا الآن إلى كلِّ ما يجري على الأرض من فسادٍ ومن انحطاط في القِيَم ومن فتنٍ ومآسٍ وحروبٍ وأزماتٍ اقتصاديّةٍ ، فسنرى أن لهذا الكيان يداً في كلّ ذلك ..
.. وهذا الفساد الذي يُلقون بذورَه في الأرض ويرعونه ، هو وسيلتُهُم الوحيدةُ للعلوِّ في هذه الأرض ، وهذا ما تحمله الصورة القرآنية : ( لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً )، فهؤلاء لا يعلون إلاّ على أرض الفساد ، وفي مُناخِ الفتن والمآسي وانحطاط القِيَم والأخلاق .. وقد بيّن القرآنُ الكريمُ صفتَهم هذه في أكثر من موقعٍ ، عبر تصويرِ سيرتِهم مع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ، وعبر وصفهم المجرّد عن هذه السيرة ..
.. ويتابع النصُّ القرآنيُّ الحديثَ عن إفسادِهِم الأوَّل الذي قاموا به قبل نزول النصّ القرآني ، وكيف أنّ الله تعالى بعث عليهم عباداً أولي بأسٍ شديد .. ومن المعلوم والثابت تاريخياً أنّ هؤلاء العباد الذين وضعوا حداً لإفساد بني إسرائيل في المرّة الأولى هم بقيادة نبوخذ نصر سنة (586) قبل الميلاد ..
( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُوليهمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِللَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً ) ..
.. إنَّنا نرى في هذه الصُّورةِ القرآنيّةِ المُصوِّرةِ للإفسادِ الأوّل ، أنَّ الفعلَ : ( بَعَثْنَا ) والفعلَ : ( فَجَاسُوا ) يردان بصيغة الماضي ، وأنَّ نهايةَ هذه الآيةِ الكريمةِ هي العبارةُ القرآنيّة : ( وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً ) .. ونرى في الصُّورةِ القرآنيّةِ المصوِّرةِ للإفسادِ الثاني : ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً ) .. أنَّ الأفعالَ : ( لِيَسُوا ) ، ( وَلِيَدْخُلُوا ) ، ( وَلِيُتَبِّرُوا ) ، تردُ بِصيغةِ المضارع .. وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ أحداثَ الإفسادِ الأوَّل لبني إسرائيل قد وقعت قبل نزول القرآن الكريم ، وأنَّ أحداثَ الإفسادِ الثاني لبني إسرائيل ستقعُ بعدَ نزول القرآن الكريم ..
..وكعادة اليهود في تزييف الحقائق ، فقد استطاعوا أن يُقنعوا الكثيرين من أنّ نبوخذ نصر وجيشَه كانوا وثنيين من عبدة الأصنام ، مع أنَّ القرآنَ الكريمَ يُبيِّنُ لنا أنّ الذين بعثهم الله تعالى لوضع حدٍ لإفسادِ بني إسرائيل في المرّةِ الأولى هم عبادٌ للهِ تعالى : ( بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا )، فهل يُعقَل أنّ اللهَ تعالى يصف الوثنيين وعبدةَ الأصنام بأنهم عبادٌ له سبحانه وتعالى ؟!!..
.. لماذا لا يكون نبوخذ نصر وجيشُه من أتباع رسالة يونس عليه السلام ، وخصوصاً أنّ يونس عليه السلام أُرسل إلى المنطقة التي خرج منها نبوخذ نصر بجيشه ، بفترة ليست كبيرة نسبياً ؟ .. وخصوصاً أنّ القرآن الكريم يُبيّن لنا أنّ قومَ يونس قد آمنوا ، وأنهم القريةُ الوحيدة التي نفعَهَا إيمانُها في كشف العذاب :( فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ) [ يونس : 10/98 ]..
.. إنّ الأولى بنا أن نصدّق اللهَ تعالى ونكذّب التاريخ الذي أرّخه اليهود ليخدم إفسادهم ..
.. ويتابع القرآنُ الكريمُ تصويرَ ما قضاه اللهُ تعالى لبني إسرائيل في كتابهم : ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَكُمْ بِأَمْوَلٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ) ..إنّنا نرى أنّ هذه الصورة القرآنية تبدأ بالعبارة ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ )، ولم يقل الله تعالى ( فرددنا لكم الكرة عليهم ) .. فكلمةُ ( ثُمَّ ) – كما نعلم – تُفيد التراخي في الزمن إذا ما قُورنت مع حرفِ الفاء الذي يُفيد التعقيب ..