عمرو الشاعر
04-05-2010, 07:40 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
المقال للأستاذ سامر الإسلامبولي
ذات يوم استيقظ الفعل(1) (http://www.arab-rationalists.com/forums/newthread.php?do=newthread&f=3#_ftn1) من نومه باكراً، وشعر بطاقة تسري فيه، ترتب عليها تفعيل حاسة الأذن، فصار يسمع بها، وحاسة العين، فصار يبصر بها، وانتقل هذا الإحساس إلى دماغه ليقوم شيء مخفي فيه بقراءة هذه الإحساسات بصورة واعية، ويصدر الحكم عليها، قام الفعل بتكرار عملية السمع، وتقليب البصر في الأشياء، ووقف ساكناً يستمتع بما يجري في دماغه من عملية جمع هذه الإحساسات، وقيام قوة واعية بتحليلها وتركيبها، وربطها مع معلومات سابقة أو لاحقة، والحكم عليها.
وبدأ الفعل السير واكتشاف ما حوله من أشياء وصفات، وهو بحالة ذهول ومتعة في الوقت ذاته، إلى أن التقى مع مجموعة أفعال مثله، عرض لهم ما عرض له، والتقت العيون، وأحس كل واحد منهم باستقلال وجوده عن غيره، و شعروا بصفة الوعي والإدراك تحصل في نفوسهم، فاقتربوا من بعضهم مبتسمين، وتبادلوا التحيات والترحيب، وسأل أحدهم قائلاً: هل يوجد بينكم فاعل؟
فأجاب الجميع بالنفي، وقالوا: كلنا أفعال.
فقال فعل: من هو الفاعل إذاً؟
فرد عليه فعل ناقص قائلاً: لا يوجد فاعل أصلاً! هل تراه بيننا. وضحك ساخراً.
فنظر إليه فعل من الأفعال الخمسة بازدراء، وقال له: اصمت تباً لك من فعل ناقص كيف صرت فعلاً إذا لم يكن لك فاعل؟ ألا تعلم أن الفاعل سابق في وجوده عن الفعل، ولولا الفاعل لما وُجد الفعل.
فسكت الفعل الناقص خجلاً، وأرخى نظره إلى الأرض! واستمر الحوار بين الأفعال الخمسة.
قال الفعل الأول: تعالوا نبحث عن الفاعل؟
رد الفعل الثاني: وكيف ذلك؟
قال الثالث: لنجرب أن ننادي عليه؟
وطفقوا يصرخون: أين أنت أيها الفاعل!.حتى مزقوا حناجرهم وسكتوا بعد ذلك ينتظرون جواباً، ومضى وقت تلو آخر، ولم يسمعوا أي جواب لندائهم.
بدد الصمت َصوت الفعل الناقص: ألم أقل لكم أنه لا يوجد فاعل لنا!.
رد عليه الفعل الخامس قائلاً: إلى متى تحشر نفسك فيما لا تُحسن التفكير فيه؟
لماذا إذاً اتفقنا على ندائه ابتداء؟ أليس من منطلق وجوده ضرورة، وذلك كوننا أفعالاً تحتاج إلى فاعل وجوباً، فنحن ننادي من نثبت وجوده، وليس على سبيل التجربة أو البرهان لإثبات وجوده، وإنما للتعرف عليه، فينبغي أيها الفعل الناقص أن تنتبه إلى هذا الفرق بين مفهوم الإثبات، ومفهوم الكيف؟.
تدخل الفعل الرابع قائلاً: دعك منه، ولنتابع بحثنا عن الفاعل!.
قال الفعل الثالث: تعالوا نجرب السبر والتقسيم على ما نراه حولنا، عسى أن يكون أحدهم هو الفاعل!.
نظر الأفعال الخمسة إلى أنفسهم، وتبادلوا النظرات بينهم.
قال الفعل الأول: هل يوجد أحد منكم يتصف بصفة الفاعل؟
فرد الجميع بالنفي!
قال الفعل الثاني: هل قام أحدكم بفعل إيجاد السماء والأرض!؟
رد عليه الفعل الخامس قائلاً: عندما بدأ وعينا وإدراكنا شاهدنا السماء والأرض موجودة قبلنا، فنحن أفعال متأخرة عنهما في وجودنا، وبالتالي فنحن لم نوجد السماء والأرض.
قال الفعل الثالث: هل يحتمل أن يكون الفاعل هو السماء أو الأرض!؟
رد الفعل الرابع قائلاً: يستحيل ذلك، لأن هذه الأشياء هي أفعال أدنى منا صفة، وذلك لفقدان الوعي والإدراك عندها!.
ولم يتمالك الفعل الناقص نفسه، وتدخل في الحوار قائلاً: ألا يوجد احتمال أن نكون أوجدنا أنفسنا، ونصير نحن الفاعل والفعل في وقت واحد؟
نظر إليه الفعل الأول وقال: عجيب أمرك يا ناقص! متى تكف عن هرائك؟
كيف يمكن أن يكون الفعل فاعلاً لنفسه؟ إذ لو افترضنا ذلك الهراء لكانت النتيجة الهلاك والفناء للفعل والفاعل معاً، من حيث انقلاب الفاعل فعلاً، والفعل فاعلاً، انظر إلى فعل (قرأ) على سبيل المثال؟ هل يمكن أن يصير فعل (قرأ) هو الفاعل (القارئ) أو هل يمكن أن يصير الفاعل (القارئ) فعل (قرأ)؟ بمعنى آخر هل يمكن أن يندمج الفاعل بفعله حيث يصيران واحداً لهما صفتان متناقضتان (الفاعل والفعل) أو (القادر والمقدور)!.
قال الفعل الخامس: لماذا لا نستطيع أن نعرف الفاعل؟
رد الفعل الثالث: يا أخي هذا شيء طبيعي لأننا لسنا فاعلين، وإنما نحن أفعال، والأفعال لا تدرك فاعلها، ولا تدرك كل أفعاله، ولا تدرك مقاصده الذاتية من أفعاله.
قال الفعل الثاني: لذلك لا يصح أن يسأل الفعل فاعله ما هو مقصدك من إيجاد هذا الفعل؟ وإنما ينبغي أن يسأل عن ماهية وظيفة الفعل في الوجود.
قال الفعل الأول: هذه مسألة عظيمة ينبغي الانتباه إليها أثناء بحثنا وحوارنا!.
قال الفعل الناقص: اسمحوا لي بالسؤال عن النقطة الأخيرة؟ فأنا لم أفهمها!؟
رد عليه الفعل الخامس: وضعت الآن أولى قدميك على جادة الصواب! فالسؤال مفتاح العلم والبحث والدراسة، أما أسلوب التهكم والهراء والهرطقة فهو أسلوب يوصلك إلى الضلال والضياع والفشل، يا بني! قصد الفعل الثاني بقوله أن نفرق بين ما يتعلق بالفاعل من أمور، وما يتعلق بالفعل من أمور، فمسألة وجودنا نحن الأفعال لها وجهان:
الأول: يتعلق بالفاعل نفسه، وهذا أمر يستحيل على الفعل أن يدركه، بل لا يهمه أصلاً.
الثاني: يتعلق بالفعل نفسه، وهذا أمر يدركه الفعل من خلال إخبار الفاعل له، أو من تفاعل الفعل - إن كان له صفة الوعي- مع ذاته والواقع، فيصل إلى الوظيفة التي وُجِدَ من أجلها.
الفعل الرابع: لنتابع عملية الحوار والسبر والتقسيم.
الفعل الأول: من خلال ما وصلنا إليه من أفكار يظهر لنا مفهوم الغيب من وجهين:
أ - غيب يتعلق بصفات الفاعل وذاته.
ب- غيب يتعلق بأفعال الفاعل في الواقع.
الفعل الثاني: مفهوم الغيب الذي يتعلق بالفاعل يستحيل اختراقه ودراسته لأنه انتقال من مستوى الفعل الذي نعيش فيه ويحكمنا إلى مستوى الفاعل وصفاته، وهو لا يخضع لذات مواصفات الفعل أو معاييره، بينما يخضع مفهوم الغيب الذي يتعلق بالفعل لمعايير ومواصفات الفعل الذي نحن جزء منه، وبالتالي يخضع للدراسة ويمكن اختراقه، وما كان غيباً يصير في عالم الشهادة.
الفعل الثالث: إذاً؛ الفعل لا يمكن له أن يحيط علماً ومعرفة بكل أفعال الفاعل، وذلك لأنه جزء من الأفعال ذاتها!.
الفعل الناقص: إن الأمر يزداد غموضاً، كيف يستحيل على الفعل أن يدرك الفاعل، ومع ذلك يُصدق الفعل بوجود الفاعل ضرورة؟
الفعل الرابع: يا بُني! إن الفعل له وجود موضوعي مشاهد لا ينكره أحد، وهذا الفعل يستحيل وجوده دون فاعل سابق عنه في الوجود، ما يدل على أن وجود الفاعل أشد ثبوتاً من الفعل ذاته رغم غياب ذات الفاعل عن الإدراك أو التصور، وظهور الفعل؛ مع قصور صفات الفعل عن صفات الفاعل التي أدت إلى استحالة إدراك الفعل لصفات الفاعل.
الفعل الخامس: لذا؛ كان الغيب مفهوماً علمياً يفرضه مفهوم الشهادة.
الفعل الناقص: كيف يكون ذلك؟
الفعل الخامس: يا بني! ارتق بفكرك واستحضر الأفكار التي ذكرناها آنفاً؟ ألم نقل منذ قليل إن الفعل له وجود موضوعي مشاهد، وهذا الفعل يحتاج إلى فاعل، لأن الفعل لا بد له من فاعل ضرورة، والفاعل بالنسبة إلى الفعل هو غيب لا يخضع لذات مقاييس ومواصفات الفعل ذاته، ما يؤكد أن الغيب أساس لعالم الشهادة، وعالم الشهادة دليل على وجود الغيب، ومن هذا الوجه صار مفهوم الغيب مفهوماً علمياً نتعامل معه بثقة من خلال عالم الشهادة، والغيب أوسع من عالم الشهادة بالنسبة للفعل الذي هو جزء من عالم الشهادة.
الفعل الناقص: هل يمكن أن يكون الفاعل الذي قام بفعلنا أيضاً هو فعل لغيره؟
الفعل الثالث: إنك تُعيد صياغة الأسئلة بصورة جديدة، لقد ذكرنا لك سابقاً أنه يستحيل أن يجتمع أو يندمج الفاعل مع فعله حيث يصيران واحداً، لأن ذلك يترتب عليه الهلاك والفناء لكليهما، فما ينبغي أن يصير الفاعل فعلاً، ولا أن يصير الفعل فاعلاً.
المقال للأستاذ سامر الإسلامبولي
ذات يوم استيقظ الفعل(1) (http://www.arab-rationalists.com/forums/newthread.php?do=newthread&f=3#_ftn1) من نومه باكراً، وشعر بطاقة تسري فيه، ترتب عليها تفعيل حاسة الأذن، فصار يسمع بها، وحاسة العين، فصار يبصر بها، وانتقل هذا الإحساس إلى دماغه ليقوم شيء مخفي فيه بقراءة هذه الإحساسات بصورة واعية، ويصدر الحكم عليها، قام الفعل بتكرار عملية السمع، وتقليب البصر في الأشياء، ووقف ساكناً يستمتع بما يجري في دماغه من عملية جمع هذه الإحساسات، وقيام قوة واعية بتحليلها وتركيبها، وربطها مع معلومات سابقة أو لاحقة، والحكم عليها.
وبدأ الفعل السير واكتشاف ما حوله من أشياء وصفات، وهو بحالة ذهول ومتعة في الوقت ذاته، إلى أن التقى مع مجموعة أفعال مثله، عرض لهم ما عرض له، والتقت العيون، وأحس كل واحد منهم باستقلال وجوده عن غيره، و شعروا بصفة الوعي والإدراك تحصل في نفوسهم، فاقتربوا من بعضهم مبتسمين، وتبادلوا التحيات والترحيب، وسأل أحدهم قائلاً: هل يوجد بينكم فاعل؟
فأجاب الجميع بالنفي، وقالوا: كلنا أفعال.
فقال فعل: من هو الفاعل إذاً؟
فرد عليه فعل ناقص قائلاً: لا يوجد فاعل أصلاً! هل تراه بيننا. وضحك ساخراً.
فنظر إليه فعل من الأفعال الخمسة بازدراء، وقال له: اصمت تباً لك من فعل ناقص كيف صرت فعلاً إذا لم يكن لك فاعل؟ ألا تعلم أن الفاعل سابق في وجوده عن الفعل، ولولا الفاعل لما وُجد الفعل.
فسكت الفعل الناقص خجلاً، وأرخى نظره إلى الأرض! واستمر الحوار بين الأفعال الخمسة.
قال الفعل الأول: تعالوا نبحث عن الفاعل؟
رد الفعل الثاني: وكيف ذلك؟
قال الثالث: لنجرب أن ننادي عليه؟
وطفقوا يصرخون: أين أنت أيها الفاعل!.حتى مزقوا حناجرهم وسكتوا بعد ذلك ينتظرون جواباً، ومضى وقت تلو آخر، ولم يسمعوا أي جواب لندائهم.
بدد الصمت َصوت الفعل الناقص: ألم أقل لكم أنه لا يوجد فاعل لنا!.
رد عليه الفعل الخامس قائلاً: إلى متى تحشر نفسك فيما لا تُحسن التفكير فيه؟
لماذا إذاً اتفقنا على ندائه ابتداء؟ أليس من منطلق وجوده ضرورة، وذلك كوننا أفعالاً تحتاج إلى فاعل وجوباً، فنحن ننادي من نثبت وجوده، وليس على سبيل التجربة أو البرهان لإثبات وجوده، وإنما للتعرف عليه، فينبغي أيها الفعل الناقص أن تنتبه إلى هذا الفرق بين مفهوم الإثبات، ومفهوم الكيف؟.
تدخل الفعل الرابع قائلاً: دعك منه، ولنتابع بحثنا عن الفاعل!.
قال الفعل الثالث: تعالوا نجرب السبر والتقسيم على ما نراه حولنا، عسى أن يكون أحدهم هو الفاعل!.
نظر الأفعال الخمسة إلى أنفسهم، وتبادلوا النظرات بينهم.
قال الفعل الأول: هل يوجد أحد منكم يتصف بصفة الفاعل؟
فرد الجميع بالنفي!
قال الفعل الثاني: هل قام أحدكم بفعل إيجاد السماء والأرض!؟
رد عليه الفعل الخامس قائلاً: عندما بدأ وعينا وإدراكنا شاهدنا السماء والأرض موجودة قبلنا، فنحن أفعال متأخرة عنهما في وجودنا، وبالتالي فنحن لم نوجد السماء والأرض.
قال الفعل الثالث: هل يحتمل أن يكون الفاعل هو السماء أو الأرض!؟
رد الفعل الرابع قائلاً: يستحيل ذلك، لأن هذه الأشياء هي أفعال أدنى منا صفة، وذلك لفقدان الوعي والإدراك عندها!.
ولم يتمالك الفعل الناقص نفسه، وتدخل في الحوار قائلاً: ألا يوجد احتمال أن نكون أوجدنا أنفسنا، ونصير نحن الفاعل والفعل في وقت واحد؟
نظر إليه الفعل الأول وقال: عجيب أمرك يا ناقص! متى تكف عن هرائك؟
كيف يمكن أن يكون الفعل فاعلاً لنفسه؟ إذ لو افترضنا ذلك الهراء لكانت النتيجة الهلاك والفناء للفعل والفاعل معاً، من حيث انقلاب الفاعل فعلاً، والفعل فاعلاً، انظر إلى فعل (قرأ) على سبيل المثال؟ هل يمكن أن يصير فعل (قرأ) هو الفاعل (القارئ) أو هل يمكن أن يصير الفاعل (القارئ) فعل (قرأ)؟ بمعنى آخر هل يمكن أن يندمج الفاعل بفعله حيث يصيران واحداً لهما صفتان متناقضتان (الفاعل والفعل) أو (القادر والمقدور)!.
قال الفعل الخامس: لماذا لا نستطيع أن نعرف الفاعل؟
رد الفعل الثالث: يا أخي هذا شيء طبيعي لأننا لسنا فاعلين، وإنما نحن أفعال، والأفعال لا تدرك فاعلها، ولا تدرك كل أفعاله، ولا تدرك مقاصده الذاتية من أفعاله.
قال الفعل الثاني: لذلك لا يصح أن يسأل الفعل فاعله ما هو مقصدك من إيجاد هذا الفعل؟ وإنما ينبغي أن يسأل عن ماهية وظيفة الفعل في الوجود.
قال الفعل الأول: هذه مسألة عظيمة ينبغي الانتباه إليها أثناء بحثنا وحوارنا!.
قال الفعل الناقص: اسمحوا لي بالسؤال عن النقطة الأخيرة؟ فأنا لم أفهمها!؟
رد عليه الفعل الخامس: وضعت الآن أولى قدميك على جادة الصواب! فالسؤال مفتاح العلم والبحث والدراسة، أما أسلوب التهكم والهراء والهرطقة فهو أسلوب يوصلك إلى الضلال والضياع والفشل، يا بني! قصد الفعل الثاني بقوله أن نفرق بين ما يتعلق بالفاعل من أمور، وما يتعلق بالفعل من أمور، فمسألة وجودنا نحن الأفعال لها وجهان:
الأول: يتعلق بالفاعل نفسه، وهذا أمر يستحيل على الفعل أن يدركه، بل لا يهمه أصلاً.
الثاني: يتعلق بالفعل نفسه، وهذا أمر يدركه الفعل من خلال إخبار الفاعل له، أو من تفاعل الفعل - إن كان له صفة الوعي- مع ذاته والواقع، فيصل إلى الوظيفة التي وُجِدَ من أجلها.
الفعل الرابع: لنتابع عملية الحوار والسبر والتقسيم.
الفعل الأول: من خلال ما وصلنا إليه من أفكار يظهر لنا مفهوم الغيب من وجهين:
أ - غيب يتعلق بصفات الفاعل وذاته.
ب- غيب يتعلق بأفعال الفاعل في الواقع.
الفعل الثاني: مفهوم الغيب الذي يتعلق بالفاعل يستحيل اختراقه ودراسته لأنه انتقال من مستوى الفعل الذي نعيش فيه ويحكمنا إلى مستوى الفاعل وصفاته، وهو لا يخضع لذات مواصفات الفعل أو معاييره، بينما يخضع مفهوم الغيب الذي يتعلق بالفعل لمعايير ومواصفات الفعل الذي نحن جزء منه، وبالتالي يخضع للدراسة ويمكن اختراقه، وما كان غيباً يصير في عالم الشهادة.
الفعل الثالث: إذاً؛ الفعل لا يمكن له أن يحيط علماً ومعرفة بكل أفعال الفاعل، وذلك لأنه جزء من الأفعال ذاتها!.
الفعل الناقص: إن الأمر يزداد غموضاً، كيف يستحيل على الفعل أن يدرك الفاعل، ومع ذلك يُصدق الفعل بوجود الفاعل ضرورة؟
الفعل الرابع: يا بُني! إن الفعل له وجود موضوعي مشاهد لا ينكره أحد، وهذا الفعل يستحيل وجوده دون فاعل سابق عنه في الوجود، ما يدل على أن وجود الفاعل أشد ثبوتاً من الفعل ذاته رغم غياب ذات الفاعل عن الإدراك أو التصور، وظهور الفعل؛ مع قصور صفات الفعل عن صفات الفاعل التي أدت إلى استحالة إدراك الفعل لصفات الفاعل.
الفعل الخامس: لذا؛ كان الغيب مفهوماً علمياً يفرضه مفهوم الشهادة.
الفعل الناقص: كيف يكون ذلك؟
الفعل الخامس: يا بني! ارتق بفكرك واستحضر الأفكار التي ذكرناها آنفاً؟ ألم نقل منذ قليل إن الفعل له وجود موضوعي مشاهد، وهذا الفعل يحتاج إلى فاعل، لأن الفعل لا بد له من فاعل ضرورة، والفاعل بالنسبة إلى الفعل هو غيب لا يخضع لذات مقاييس ومواصفات الفعل ذاته، ما يؤكد أن الغيب أساس لعالم الشهادة، وعالم الشهادة دليل على وجود الغيب، ومن هذا الوجه صار مفهوم الغيب مفهوماً علمياً نتعامل معه بثقة من خلال عالم الشهادة، والغيب أوسع من عالم الشهادة بالنسبة للفعل الذي هو جزء من عالم الشهادة.
الفعل الناقص: هل يمكن أن يكون الفاعل الذي قام بفعلنا أيضاً هو فعل لغيره؟
الفعل الثالث: إنك تُعيد صياغة الأسئلة بصورة جديدة، لقد ذكرنا لك سابقاً أنه يستحيل أن يجتمع أو يندمج الفاعل مع فعله حيث يصيران واحداً، لأن ذلك يترتب عليه الهلاك والفناء لكليهما، فما ينبغي أن يصير الفاعل فعلاً، ولا أن يصير الفعل فاعلاً.