عمرو الشاعر
04-19-2010, 09:51 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
المقال للدكتور أحمد داود واسمه الأصلي: المفهوم التاريخي لتسمية العرب وموطنهم!
- الخليج العربي كان "جنة العرب" قبل أن تغمره مياه البحر مع ذوبان كتل العصر الجليدي الأخير قبل آلاف السنين
- الوجود العربي في جنوب العراق وضفتي الخليج العربي والبحرين مستمر دون انقطاع منذ 14 ألف عام قبل الميلاد
- شبه الجزيرة العربية كانت خضراء قبل تصحرها، وفيها أنتج الإنسان العربي أسس الحضارة البشرية
تجدون الأجزاء السابقة من سلسلة التثقيف القومي على الرابط التالي:
http://www.freearabvoice.org/arabi/maqalat/SlsletALTathkeefALKawmy/index.htm (http://www.freearabvoice.org/arabi/maqalat/SlsletALTathkeefALKawmy/index.htm)
مقدمة من المحرر:
لطالما شكك بعض السطحيين والمغرضين بفكرة الهجرات الكبرى من شبه الجزيرة العربية على مدى آلاف السنين باتجاه بلاد الشام والعراق ومصر ووادي النيل والمغرب بذريعة أن المناطق المقفرة الجرداء لا تحتمل مواردها نشوء فوائض سكانية ضخمة إلى درجة تجتاح معها المناطق الخصبة الخضراء وتسيطر عليها، ويزعم هؤلاء أن منطق الأشياء يتطلب أن يتكاثر السكان أكثر في المناطق الخصبة، لا الصحراوية، وبالتالي، يرفض هؤلاء المشككون فكرة الهجرات الكبرى من شبه الجزيرة العربية إلى بقية الوطن العربي، وينتج عن ذلك الموقف طبعاً اعتبار الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي احتلالاً، واعتبار كل الوجود العربي خارج الجزيرة العربية احتلالاً أيضاً، وهو المنطق الذي بينا تهافته في الأجزاء السابقة من سلسلة التثقيف القومي، كما بينا أن البربر والأقباط والسريان وغيرهم من الأقوام المتواجدة خارج شبه الجزيرة العربية هي أقوام عربية قديمة توجد بينها وبين العرب المحدثين روابط لغوية وعرقية وتاريخية وثقافية عميقة وعريقة.
أما في هذا الجزء من سلسلة التثقيف القومي، فإن د. أحمد داوود من سوريا يكشف فيما يكشفه لغز الهجرات الكبرى من شبه الجزيرة العربية باتجاه مشرق الوطن العربي ومغربه وباتجاه وادي النيل... فشبه الجزيرة كانت قبل ألفيات عدة شديدة الخصوبة تجري فيها الأنهار وتتساقط عليها الأمطار على مدار السنة، وتمتد فيها المراعي والغابات، وكان ذلك في الوقت الذي امتد فيه الجليد القطبي حتى وسط فرنسا وما يعادلها في خطوط العرض، وبالتالي تشكلت في شبه الجزيرة العربية الكتلة البشرية العربية الرئيسية وأنشأت أسس الحضارة البشرية هناك، ومن الخليج العربي قبل أن تغمره مباه البحر ذهب السومريون باتجاه العراق مثلاً، ومع ذوبان الجليد وانتهاء العصر الجليدي الأخير، وبدء تصحر الجزيرة العربية الذي لم يكتمل حتى منتصف الألف الثاني قبل الميلاد تقريباً، بدأت الموجات العربية تجد نفسها مضطرة للبحث عن أراضٍ أكثر اخضراراً، كانت قبلها مكتظة بالغابات التي نجد القلة القليلة الباقية منها في جبال المغرب العربي وجبال بلاد الشام... فعلم المناخ والتقلبات المناخية باتجاه التصحر التدريجي هي التي تفسر الهجرات العربية الكبرى من شبه الجزيرة العربية باتجاه بقية الوطن العربي على مدى آلاف السنين.
النقطة المهمة الأخرى في مادة د. أحمد داوود أدناه تتعلق بالجهود الحثيثة المبذولة من قبل جهات عدة، غربية خاصةً، لطمس الهوية العربية الموحَدة لبلادنا من خلال تفتيتها إلى عشرات الهويات الفرعية (كالآشورية والبابلية والسريانية والفينيقية والقبطية والبربرية الخ...) التي يجمعها قاسم مشترك واحد بالأساس هو العروبة. وترتبط محاولة طمس الهوية الحضارية العريقة للمنطقة أيضاً بمحاولة إلغاء المساهمة العربية الجوهرية في تأسيس الحضارة البشرية من أجل نسبتها قسراً للإغريق والرومان، وبمحاولة فرض مركزية الحضارة الغربية في التاريخ البشري والفكر الإنساني، في الوقت الذي بنى فيه الإغريق والرومان على الإنجازات العربية أصلاً، وكان العرب القدماء هم الذين نقلوا حضارتهم غرباً باتجاه اليونان وشرقاً باتجاه الهند...
وثمة نقاط كثيرة أخرى في مادة د. داوود أدناه تتحدث عن نفسها بنفسها، لكن يكفي أن نقول أنها بمجموعها تترك كل من يقرأها حتى النهاية فخوراً بأصله وبعروبته في وجه محاولات مسخ هذه العروبة وتقزيمها.
أخوكم إبراهيم علوش
- (مقتطفات من الفصل الأول من كتاب "العرب والساميون والعبرانيون وبنو إسرائيل واليهود" للدكتور أحمد داوود، الصادر في دمشق، سوريا، كانون الثاني 1991)
فقرات من مقدمة الكتاب (بتصرف):
لقد صار من الواضح والثابت اليوم أنه لم يلق تاريخ أمة من الأمم أو شعب من الشعوب من ضروب المسخ والتشويه والتزوير مثل ما لقيه تاريخ الشعب العربي. وأكثر من هذا نقول: إن تاريخنا العربي، الذي هو دونما أية مبالغة، تاريخ التمدن البشري على هذا الكوكب، يكاد يكون الوحيد الذي تضافرت عليه جهود الدول الكبرى بكل مؤسساتها وإمكاناتها من أجل مسخه وتقزيمه. وإن مثل ذلك التزوير الهائل لم يكن ليتم بالصورة التي هو عليها اليوم لولا أن واقعاً كارثياً تعيشه مؤسساتنا الثقافية والتعليمية في الوطن العربي منذ بداية عصر الاستعمار وحتى اليوم.
لقد عمدت الدول الاستعمارية إلى إحداث مؤسسات استشراقية... بترت العربي عن ماضيه الحضاري المجيد، الأساس الحقيقي الراسخ الذي قامت عليه حضارات كل الأمم الأخرى فيما بعد، وحولته إلى وجود هامشي بدائي، متخلف، متطفل منذ القدم على حضارات الآخرين.
وصار على العربي اليوم، لكي يعرف لغته وتاريخه، أن يذهب إلى معاهد وجامعات تلك الدول التي عممت ورسخت ذلك التزوير، فيجري تلقينه تلك الصورة الشوهاء المقزمة لتاريخ شعبه، ثم يتحول في وطنه إلى مجرد وسيط يحصر دوره في نقل تلك الصورة وترسيخها في أذهان الأجيال العربية المتعاقبة.
إن بلداً عربياً واحداً لم يأخذ على عاتقه، حتى هذا اليوم، إنشاء معاهد مركزية قومية حقيقية لتدريس اللغة العربية القديمة بكافة لهجاتها وكتاباتها وبتسميتها الصحيحة، فيتولى خريجوها قراءة هذا التراث الزاخر الهائل الذي تزخر به الأرض العربية. لقد بقيت هذه المهمة حتى اليوم منوطة بالأجانب وحدهم، بمن فيهم اليهود الصهاينة. إن دور مديريات الآثار لا يتعدى، في معظمه، تسلم بعض ما يجود به الدارسون الأجانب، لتوزعها، دونما أي بحث أو مناقشة أو دراية، على معاهد التعليم ومؤسسات الإعلام الثقافة والسياحة، وكثيراً ما يستبق القائمون على الآثار نتائج الاستكشاف، ليقرروا نتائج وأحكاماً ومقولات هي في صميمها صهيونية أو مغرضة، كما حدث في عملية إطلاق تسمية "الحثية" على الآثار المكتشفة في شمال سوريا دون أي مستند تاريخي أو آثاري، وكما أطلقت تسمية "سيميرا" التوراتية على تل الكزل جنوب طرطوس قبل استكشافه وجرى تعميم ذلك على الكتب الجامعية بتدبير محكم، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى...
إن المكتشفات الآثارية ما تنفك تؤكد يوماً بعد يوم أن تاريخ الوطن العربي هو تاريخ التمدن البشري على هذا الكوكب. فقد أثبتت، بما لا يبقي مجالاً للشك، أن إنساننا كان أول من عرف الزراعة وفن البستنة، وأول من بنى المدن، وشيد الحصون والقلاع، وأول من عرف المعدن واستخدمه وأتقن فن التعدين وصناعة الأدوات، وأول من صنع الفخار والدولاب، وأول من عرف وأسس علوم الطب والفلك والحساب والهندسة والجبر والمساحة، ووضع المقاييس والمكاييل والموازين، وأول من اكتشف، ومن عهد بابل، أن الأرض كروية، وأنها هي التي تدور حول الشمس، فدرس بناءً على ذلك ظاهرة الخسوف والكسوف، ووضع المواقيت والتقاويم لأول مرة، ووضع النظام الستيني منذ عهد بابل الذي ما زال مستخدماً حتى اليوم، فقسم بموجبه النهار إلى 12 ساعة، والساعة إلى 60 دقيقة، والدقيقة إلى 60 ثانية. وأول من صنع السفن وأبحر في البحار والمحيطات، وأوجد خطوط التجارة الدولية في البر والبحر، ودار حول رأس الرجاء الصالح وبلغ الشواطئ الأمريكية منذ الألف الثاني والأول قبل الميلاد (أي قبل كريستوف كولومبوس بما ينوف عن ألفين وخمسمائة عام). وأول من أبدع عقيدة الخصب الزراعية بكل تقاليدها وتعاليمها وآدابها وفنونها، وأول من أبدع عقيدة التوحيد، وأول من عرف الكتابة واخترع الأبجدية، وصنف الكتب والمكتبات، وبنى المدارس، ووضع القواميس منذ الألف الثالث قبل الميلاد (كما أثبتت مكتشفات ماري)، وأول من صنع النول والمكوك وعرف الحياكة والنسيج، وأول من بنى دولة مركزية كبرى بالمفهوم الحقوقي والإداري والسياسي والاقتصادي والعسكري، فوضع الأنظمة، وشرع القوانين، وضرب النقود، وبنى الجيوش، وأول من وضع تشريعات الزواج وبناء الأسرة، وأول من شرب الخمور، وصنع العطور، وأحدث مجالس الشراب، والشورى والندوة، وأول من وضع مجلسين استشاريين للشيوخ والشباب، وأول من تزين بالحلي والكحل وليس الجوارب، وعرف الشطرنج والنرد والداما...
نعود لنقول: بالرغم من هذا كله، فقد تحول تاريخنا العربي القديم اليوم، على أيدي المزورين في الخارج و"النقلة" في الداخل، إلى تاريخ مجموعات من القبائل البدوية الرعوية، نتيجة للروح التعصبية التزويرية التي سادت كتابة التاريخ على يد الغرب الاستعماري، فانقلبت كل الحقائق رأساً على عقب، وصارت أثينا وروما، اللتان كانتا جزءاً من إنجازنا الحضاري، كما صار يتأكد اليوم، مرضعتين للحضارة على الأرض.
وفوق هذا كله، فقد مزقت وحدة الشعب العربي اللغوية والحضارية، فجرى عن عمد وتصميم تغييب الهوية العربية عن كل مكتشف آثاري، وصار كل تل يكشف مشروعاً لشعب جديد، ولتسمية جديدة، وحضارة جديدة، ولغة جديدة، يلصق بها أحياناً تسمية المكان، وأحياناً كثيرة تُفرض عليها تسميات قسرية من مدونات التوراة، ليبقى الطابع البدوي العشائري الضيق الذي عكسته التوراة هو الطابع الوحيد لهذا الشعب، من جهة، ولخلق الذرائع التاريخية المصطنعة والكاذبة للأطماع الاستعمارية والصهيونية في المنطقة، من جهة أخرى، ومنه افتراض وجود هندو أوروبي مزعوم في تاريخنا الحضاري، حتى تصير التسميات مقرونة بأسماء شعوب وأقوام عدة، فنتعرف على ما يدعى ب"العهد الحثي"، و"الآثار اليونانية" أو "الهلنستية"، و"الآثار الرومانية"، و"الآثار البيزنطية"، والآثار الإسلامية... الخ في سوريا مثلاً. المهم هو ألا يكون في متاحفنا أو في كل يقال عن آثارنا أي ذكر لشعبنا صاحب ومبدع تلك الحضارة وحده على أرضه، قبل أن ينقلها بنفسه إلى أراضي الآخرين.
المفهوم التاريخي لتسمية العرب وموطنهم:
-(مقتطفات بتصرف من الفصل الأول من كتاب "العرب والساميون والعبرانيون وبنو إسرائيل واليهود" للدكتور أحمد داوود، الصادر في دمشق، سوريا، كانون الثاني 1991):
يعتمد تحديد الهوية التاريخية القومية والحضارية لهذا التجمع البشري أو ذاك، لهذه الظاهرة التاريخية أو تلك، على ثلاثة أسس رئيسية هي: السكان، اللغة، والأرض أو الجغرافيا، مع قناعتنا الأكيدة بأن هذه الأشياء الثلاثة لا توجد الواحدة منها في معزل عن الأخرى، بل بشكلها المترابط عضوياً، المتفاعل جدلياً.
وقبل أن نتحدث عن المفهوم التاريخي لكلمة العرب نرى أن لا بد، أولاً، من أن نرسم لوحة مبسطة للجغرافيا، في مرحلة تاريخية سابقة، التي على مسرحها عاش وتطور وأبدع هذا الشعب الذي نعرفه اليوم ب"العربي".
السكان والجغرافيا:
من المحتم علينا حينما نتحدث عن تاريخ هذا الشعب أو ذاك في مرحلة تاريخية قديمة أو موغلة في القدم، كما هو شأننا مع الشعب العربي، أن نحيط بجغرافيا المنطقة، بما فيها علم المناخ، التي كانت مسرحاً لنشاط هذا الشعب في تلك الحقبة التاريخية المعينة من الزمن، وبغير هذا يصير التاريخ ضرباً من الفرضيات أو التخمينات العاجزة عن تفسير كثير من الظواهر السكانية أو الحضارية، وهذا ما هو سائد اليوم في كل الكتب أو معظمها التي تؤرخ لشعبنا العربي انطلاقاً من الواقع المتصحر لشبه جزيرة العرب اليوم.
أما نقطة البداية التي نختارها للحديث عن جغرافيا المنطقة فهي حوالي الألف الرابع عشر قبل الميلاد.
يجمع علماء التاريخ والجغرافيا والمناخ في العالم اليوم على أن نهاية أخر عصر جليدي مرت به الكرة الأرضية كانت في حوالي الألف الرابع عشر قبل الميلاد التي معها كانت بداية عصرنا الدفيء الحالي والذي قد يستمر عشرات الآلاف من السنين (هشام الصفدي، "تاريخ الشرق القديم"، جامعة دمشق، 1983-1984، الجزء 1، ص 78-79).
في تلك الحقبة تحديداً كانت كتل الجليد بسماكة مئات الأمتار تغطي مساحات شاسعة من الشمال وحتى الخط الذي يمر في وسط فرنسا، وكان الحزام الحي "أي المفعم بالحياة وبشروط تطور الإنسان والحضارة"، هو الممتد من جزيرة العرب وغبر ضفتي المتوسط الشمالية والجنوبية وصولاً إلى الشواطئ الأمريكية الوسطى والجنوبية. لقد كانت "طبقات الجليد السميكة تغطي أمريكا الشمالية وغرب أوروبا مثل الجزر البريطانية والأراضي المنخفضة وفنلندا الدانمارك ومنطقة الألب، وكانت روسيا مركز الإشعاع الجليدي في شرق أوروبا حيث وصلت المجلدات إلى أوكرانيا والدانوب وشمال ووسط الأورال على جبال تايمير ومناطق أخرى من سيبيريا، وزحفت مجلدات عملاقة من جبال جوكوتكا وجماكاتكا وآسيا الوسطى وظهرت المجلدات في جبال أستراليا والشيلي ونيوزلند" (أ. كوندراتوف، "الطوفان العظيم بين الواقع والأساطير"، دار وهران، ترجمة د. عدنان عاكف حمودي، الطبعة الأولى، دمشق 1987، ص 62).
المقال للدكتور أحمد داود واسمه الأصلي: المفهوم التاريخي لتسمية العرب وموطنهم!
- الخليج العربي كان "جنة العرب" قبل أن تغمره مياه البحر مع ذوبان كتل العصر الجليدي الأخير قبل آلاف السنين
- الوجود العربي في جنوب العراق وضفتي الخليج العربي والبحرين مستمر دون انقطاع منذ 14 ألف عام قبل الميلاد
- شبه الجزيرة العربية كانت خضراء قبل تصحرها، وفيها أنتج الإنسان العربي أسس الحضارة البشرية
تجدون الأجزاء السابقة من سلسلة التثقيف القومي على الرابط التالي:
http://www.freearabvoice.org/arabi/maqalat/SlsletALTathkeefALKawmy/index.htm (http://www.freearabvoice.org/arabi/maqalat/SlsletALTathkeefALKawmy/index.htm)
مقدمة من المحرر:
لطالما شكك بعض السطحيين والمغرضين بفكرة الهجرات الكبرى من شبه الجزيرة العربية على مدى آلاف السنين باتجاه بلاد الشام والعراق ومصر ووادي النيل والمغرب بذريعة أن المناطق المقفرة الجرداء لا تحتمل مواردها نشوء فوائض سكانية ضخمة إلى درجة تجتاح معها المناطق الخصبة الخضراء وتسيطر عليها، ويزعم هؤلاء أن منطق الأشياء يتطلب أن يتكاثر السكان أكثر في المناطق الخصبة، لا الصحراوية، وبالتالي، يرفض هؤلاء المشككون فكرة الهجرات الكبرى من شبه الجزيرة العربية إلى بقية الوطن العربي، وينتج عن ذلك الموقف طبعاً اعتبار الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي احتلالاً، واعتبار كل الوجود العربي خارج الجزيرة العربية احتلالاً أيضاً، وهو المنطق الذي بينا تهافته في الأجزاء السابقة من سلسلة التثقيف القومي، كما بينا أن البربر والأقباط والسريان وغيرهم من الأقوام المتواجدة خارج شبه الجزيرة العربية هي أقوام عربية قديمة توجد بينها وبين العرب المحدثين روابط لغوية وعرقية وتاريخية وثقافية عميقة وعريقة.
أما في هذا الجزء من سلسلة التثقيف القومي، فإن د. أحمد داوود من سوريا يكشف فيما يكشفه لغز الهجرات الكبرى من شبه الجزيرة العربية باتجاه مشرق الوطن العربي ومغربه وباتجاه وادي النيل... فشبه الجزيرة كانت قبل ألفيات عدة شديدة الخصوبة تجري فيها الأنهار وتتساقط عليها الأمطار على مدار السنة، وتمتد فيها المراعي والغابات، وكان ذلك في الوقت الذي امتد فيه الجليد القطبي حتى وسط فرنسا وما يعادلها في خطوط العرض، وبالتالي تشكلت في شبه الجزيرة العربية الكتلة البشرية العربية الرئيسية وأنشأت أسس الحضارة البشرية هناك، ومن الخليج العربي قبل أن تغمره مباه البحر ذهب السومريون باتجاه العراق مثلاً، ومع ذوبان الجليد وانتهاء العصر الجليدي الأخير، وبدء تصحر الجزيرة العربية الذي لم يكتمل حتى منتصف الألف الثاني قبل الميلاد تقريباً، بدأت الموجات العربية تجد نفسها مضطرة للبحث عن أراضٍ أكثر اخضراراً، كانت قبلها مكتظة بالغابات التي نجد القلة القليلة الباقية منها في جبال المغرب العربي وجبال بلاد الشام... فعلم المناخ والتقلبات المناخية باتجاه التصحر التدريجي هي التي تفسر الهجرات العربية الكبرى من شبه الجزيرة العربية باتجاه بقية الوطن العربي على مدى آلاف السنين.
النقطة المهمة الأخرى في مادة د. أحمد داوود أدناه تتعلق بالجهود الحثيثة المبذولة من قبل جهات عدة، غربية خاصةً، لطمس الهوية العربية الموحَدة لبلادنا من خلال تفتيتها إلى عشرات الهويات الفرعية (كالآشورية والبابلية والسريانية والفينيقية والقبطية والبربرية الخ...) التي يجمعها قاسم مشترك واحد بالأساس هو العروبة. وترتبط محاولة طمس الهوية الحضارية العريقة للمنطقة أيضاً بمحاولة إلغاء المساهمة العربية الجوهرية في تأسيس الحضارة البشرية من أجل نسبتها قسراً للإغريق والرومان، وبمحاولة فرض مركزية الحضارة الغربية في التاريخ البشري والفكر الإنساني، في الوقت الذي بنى فيه الإغريق والرومان على الإنجازات العربية أصلاً، وكان العرب القدماء هم الذين نقلوا حضارتهم غرباً باتجاه اليونان وشرقاً باتجاه الهند...
وثمة نقاط كثيرة أخرى في مادة د. داوود أدناه تتحدث عن نفسها بنفسها، لكن يكفي أن نقول أنها بمجموعها تترك كل من يقرأها حتى النهاية فخوراً بأصله وبعروبته في وجه محاولات مسخ هذه العروبة وتقزيمها.
أخوكم إبراهيم علوش
- (مقتطفات من الفصل الأول من كتاب "العرب والساميون والعبرانيون وبنو إسرائيل واليهود" للدكتور أحمد داوود، الصادر في دمشق، سوريا، كانون الثاني 1991)
فقرات من مقدمة الكتاب (بتصرف):
لقد صار من الواضح والثابت اليوم أنه لم يلق تاريخ أمة من الأمم أو شعب من الشعوب من ضروب المسخ والتشويه والتزوير مثل ما لقيه تاريخ الشعب العربي. وأكثر من هذا نقول: إن تاريخنا العربي، الذي هو دونما أية مبالغة، تاريخ التمدن البشري على هذا الكوكب، يكاد يكون الوحيد الذي تضافرت عليه جهود الدول الكبرى بكل مؤسساتها وإمكاناتها من أجل مسخه وتقزيمه. وإن مثل ذلك التزوير الهائل لم يكن ليتم بالصورة التي هو عليها اليوم لولا أن واقعاً كارثياً تعيشه مؤسساتنا الثقافية والتعليمية في الوطن العربي منذ بداية عصر الاستعمار وحتى اليوم.
لقد عمدت الدول الاستعمارية إلى إحداث مؤسسات استشراقية... بترت العربي عن ماضيه الحضاري المجيد، الأساس الحقيقي الراسخ الذي قامت عليه حضارات كل الأمم الأخرى فيما بعد، وحولته إلى وجود هامشي بدائي، متخلف، متطفل منذ القدم على حضارات الآخرين.
وصار على العربي اليوم، لكي يعرف لغته وتاريخه، أن يذهب إلى معاهد وجامعات تلك الدول التي عممت ورسخت ذلك التزوير، فيجري تلقينه تلك الصورة الشوهاء المقزمة لتاريخ شعبه، ثم يتحول في وطنه إلى مجرد وسيط يحصر دوره في نقل تلك الصورة وترسيخها في أذهان الأجيال العربية المتعاقبة.
إن بلداً عربياً واحداً لم يأخذ على عاتقه، حتى هذا اليوم، إنشاء معاهد مركزية قومية حقيقية لتدريس اللغة العربية القديمة بكافة لهجاتها وكتاباتها وبتسميتها الصحيحة، فيتولى خريجوها قراءة هذا التراث الزاخر الهائل الذي تزخر به الأرض العربية. لقد بقيت هذه المهمة حتى اليوم منوطة بالأجانب وحدهم، بمن فيهم اليهود الصهاينة. إن دور مديريات الآثار لا يتعدى، في معظمه، تسلم بعض ما يجود به الدارسون الأجانب، لتوزعها، دونما أي بحث أو مناقشة أو دراية، على معاهد التعليم ومؤسسات الإعلام الثقافة والسياحة، وكثيراً ما يستبق القائمون على الآثار نتائج الاستكشاف، ليقرروا نتائج وأحكاماً ومقولات هي في صميمها صهيونية أو مغرضة، كما حدث في عملية إطلاق تسمية "الحثية" على الآثار المكتشفة في شمال سوريا دون أي مستند تاريخي أو آثاري، وكما أطلقت تسمية "سيميرا" التوراتية على تل الكزل جنوب طرطوس قبل استكشافه وجرى تعميم ذلك على الكتب الجامعية بتدبير محكم، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى...
إن المكتشفات الآثارية ما تنفك تؤكد يوماً بعد يوم أن تاريخ الوطن العربي هو تاريخ التمدن البشري على هذا الكوكب. فقد أثبتت، بما لا يبقي مجالاً للشك، أن إنساننا كان أول من عرف الزراعة وفن البستنة، وأول من بنى المدن، وشيد الحصون والقلاع، وأول من عرف المعدن واستخدمه وأتقن فن التعدين وصناعة الأدوات، وأول من صنع الفخار والدولاب، وأول من عرف وأسس علوم الطب والفلك والحساب والهندسة والجبر والمساحة، ووضع المقاييس والمكاييل والموازين، وأول من اكتشف، ومن عهد بابل، أن الأرض كروية، وأنها هي التي تدور حول الشمس، فدرس بناءً على ذلك ظاهرة الخسوف والكسوف، ووضع المواقيت والتقاويم لأول مرة، ووضع النظام الستيني منذ عهد بابل الذي ما زال مستخدماً حتى اليوم، فقسم بموجبه النهار إلى 12 ساعة، والساعة إلى 60 دقيقة، والدقيقة إلى 60 ثانية. وأول من صنع السفن وأبحر في البحار والمحيطات، وأوجد خطوط التجارة الدولية في البر والبحر، ودار حول رأس الرجاء الصالح وبلغ الشواطئ الأمريكية منذ الألف الثاني والأول قبل الميلاد (أي قبل كريستوف كولومبوس بما ينوف عن ألفين وخمسمائة عام). وأول من أبدع عقيدة الخصب الزراعية بكل تقاليدها وتعاليمها وآدابها وفنونها، وأول من أبدع عقيدة التوحيد، وأول من عرف الكتابة واخترع الأبجدية، وصنف الكتب والمكتبات، وبنى المدارس، ووضع القواميس منذ الألف الثالث قبل الميلاد (كما أثبتت مكتشفات ماري)، وأول من صنع النول والمكوك وعرف الحياكة والنسيج، وأول من بنى دولة مركزية كبرى بالمفهوم الحقوقي والإداري والسياسي والاقتصادي والعسكري، فوضع الأنظمة، وشرع القوانين، وضرب النقود، وبنى الجيوش، وأول من وضع تشريعات الزواج وبناء الأسرة، وأول من شرب الخمور، وصنع العطور، وأحدث مجالس الشراب، والشورى والندوة، وأول من وضع مجلسين استشاريين للشيوخ والشباب، وأول من تزين بالحلي والكحل وليس الجوارب، وعرف الشطرنج والنرد والداما...
نعود لنقول: بالرغم من هذا كله، فقد تحول تاريخنا العربي القديم اليوم، على أيدي المزورين في الخارج و"النقلة" في الداخل، إلى تاريخ مجموعات من القبائل البدوية الرعوية، نتيجة للروح التعصبية التزويرية التي سادت كتابة التاريخ على يد الغرب الاستعماري، فانقلبت كل الحقائق رأساً على عقب، وصارت أثينا وروما، اللتان كانتا جزءاً من إنجازنا الحضاري، كما صار يتأكد اليوم، مرضعتين للحضارة على الأرض.
وفوق هذا كله، فقد مزقت وحدة الشعب العربي اللغوية والحضارية، فجرى عن عمد وتصميم تغييب الهوية العربية عن كل مكتشف آثاري، وصار كل تل يكشف مشروعاً لشعب جديد، ولتسمية جديدة، وحضارة جديدة، ولغة جديدة، يلصق بها أحياناً تسمية المكان، وأحياناً كثيرة تُفرض عليها تسميات قسرية من مدونات التوراة، ليبقى الطابع البدوي العشائري الضيق الذي عكسته التوراة هو الطابع الوحيد لهذا الشعب، من جهة، ولخلق الذرائع التاريخية المصطنعة والكاذبة للأطماع الاستعمارية والصهيونية في المنطقة، من جهة أخرى، ومنه افتراض وجود هندو أوروبي مزعوم في تاريخنا الحضاري، حتى تصير التسميات مقرونة بأسماء شعوب وأقوام عدة، فنتعرف على ما يدعى ب"العهد الحثي"، و"الآثار اليونانية" أو "الهلنستية"، و"الآثار الرومانية"، و"الآثار البيزنطية"، والآثار الإسلامية... الخ في سوريا مثلاً. المهم هو ألا يكون في متاحفنا أو في كل يقال عن آثارنا أي ذكر لشعبنا صاحب ومبدع تلك الحضارة وحده على أرضه، قبل أن ينقلها بنفسه إلى أراضي الآخرين.
المفهوم التاريخي لتسمية العرب وموطنهم:
-(مقتطفات بتصرف من الفصل الأول من كتاب "العرب والساميون والعبرانيون وبنو إسرائيل واليهود" للدكتور أحمد داوود، الصادر في دمشق، سوريا، كانون الثاني 1991):
يعتمد تحديد الهوية التاريخية القومية والحضارية لهذا التجمع البشري أو ذاك، لهذه الظاهرة التاريخية أو تلك، على ثلاثة أسس رئيسية هي: السكان، اللغة، والأرض أو الجغرافيا، مع قناعتنا الأكيدة بأن هذه الأشياء الثلاثة لا توجد الواحدة منها في معزل عن الأخرى، بل بشكلها المترابط عضوياً، المتفاعل جدلياً.
وقبل أن نتحدث عن المفهوم التاريخي لكلمة العرب نرى أن لا بد، أولاً، من أن نرسم لوحة مبسطة للجغرافيا، في مرحلة تاريخية سابقة، التي على مسرحها عاش وتطور وأبدع هذا الشعب الذي نعرفه اليوم ب"العربي".
السكان والجغرافيا:
من المحتم علينا حينما نتحدث عن تاريخ هذا الشعب أو ذاك في مرحلة تاريخية قديمة أو موغلة في القدم، كما هو شأننا مع الشعب العربي، أن نحيط بجغرافيا المنطقة، بما فيها علم المناخ، التي كانت مسرحاً لنشاط هذا الشعب في تلك الحقبة التاريخية المعينة من الزمن، وبغير هذا يصير التاريخ ضرباً من الفرضيات أو التخمينات العاجزة عن تفسير كثير من الظواهر السكانية أو الحضارية، وهذا ما هو سائد اليوم في كل الكتب أو معظمها التي تؤرخ لشعبنا العربي انطلاقاً من الواقع المتصحر لشبه جزيرة العرب اليوم.
أما نقطة البداية التي نختارها للحديث عن جغرافيا المنطقة فهي حوالي الألف الرابع عشر قبل الميلاد.
يجمع علماء التاريخ والجغرافيا والمناخ في العالم اليوم على أن نهاية أخر عصر جليدي مرت به الكرة الأرضية كانت في حوالي الألف الرابع عشر قبل الميلاد التي معها كانت بداية عصرنا الدفيء الحالي والذي قد يستمر عشرات الآلاف من السنين (هشام الصفدي، "تاريخ الشرق القديم"، جامعة دمشق، 1983-1984، الجزء 1، ص 78-79).
في تلك الحقبة تحديداً كانت كتل الجليد بسماكة مئات الأمتار تغطي مساحات شاسعة من الشمال وحتى الخط الذي يمر في وسط فرنسا، وكان الحزام الحي "أي المفعم بالحياة وبشروط تطور الإنسان والحضارة"، هو الممتد من جزيرة العرب وغبر ضفتي المتوسط الشمالية والجنوبية وصولاً إلى الشواطئ الأمريكية الوسطى والجنوبية. لقد كانت "طبقات الجليد السميكة تغطي أمريكا الشمالية وغرب أوروبا مثل الجزر البريطانية والأراضي المنخفضة وفنلندا الدانمارك ومنطقة الألب، وكانت روسيا مركز الإشعاع الجليدي في شرق أوروبا حيث وصلت المجلدات إلى أوكرانيا والدانوب وشمال ووسط الأورال على جبال تايمير ومناطق أخرى من سيبيريا، وزحفت مجلدات عملاقة من جبال جوكوتكا وجماكاتكا وآسيا الوسطى وظهرت المجلدات في جبال أستراليا والشيلي ونيوزلند" (أ. كوندراتوف، "الطوفان العظيم بين الواقع والأساطير"، دار وهران، ترجمة د. عدنان عاكف حمودي، الطبعة الأولى، دمشق 1987، ص 62).