عمرو الشاعر
03-30-2008, 09:12 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
أوضحنا في كتابنا الأول " لماذا فسروا القرآن " أن المتعامل مع النص القرآني يجب أن يكون خاضعا له تمام الخضوع يتوجه ويسير حيث سار النص لا أن يأخذه هو حسبما يفهم أو يريد أن يفهم , ولكن من لا منهج له يحكم عقله في فهم " ما ليس في النص " وليس النص , فنحن مأمورون بفهم النص , ولكن المشكلة هي أن بعض الناس عندما لم يفهموا النص كما هو , لووه وغيروه حتى يصير كما ينبغي أن يكون كما يرون هم ! تعالى الله عن ذلك , ويروون في ذلك الأمثلة الكثيرة ! على أنه من غير الممكن أن نفهم النص كما هو وإلا قلنا بما لا يقبله العقل والمنطق في كتاب الله تعالى . - ولقد قلبنا كتاب الله كله فما وجدنا ما يقولون !- , لذا فلا بد من فهم النص ليس كما هو ولكن بشكل مخالف ! ومن أشهر الأمثلة على ذلك هو قوله تعالى " أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [النحل : 1] " , فالأخوة المفسرون لما لم يفهموا ال "أمر " فهما صحيحا , فتحركوا على هذا الأساس وقالوا أن معنى " أتى " مؤول والمراد " يأتي أو سيأتي " واقرأ عزيزي القارئ ما أورده الإمام الفخر الرازي في تفسيره في سبب نزول هذه الآية :
" اعلم أن معرفة تفسير هذه الآية مرتبة على سؤالات ثلاثة :
فالسؤال الأول : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم بعذاب الدنيا تارة وهو القتل والاستيلاء عليهم كما حصل في يوم بدر ، وتارة بعذاب يوم القيامة ، وهو الذي يحصل عند قيام الساعة ، ثم إن القوم لما لم يشاهدوا شيئاً من ذلك احتجوا بذلك على تكذيبه وطلبوا منه الإتيان بذلك العذاب وقالوا له ائتنا به . وروي أنه لما نزل قوله تعالى : { اقتربت الساعة وانشق القمر } [ القمر : 1 ] قال الكفار فيما بينهم إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن ، فلما تأخرت قالوا ما نرى شيئاً مما تخوفنا به ، فنزل قوله : { اقترب لِلنَّاسِ حسابهم } [ الأنبياء : 1 ] فأشفقوا وانتظروا يومها فلما امتدت الأيام قالوا : يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به فنزل قوله : { أتى أَمْرُ الله } فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رؤوسهم فنزل قوله : { فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } والحاصل أنه عليه السلام لما أكثر من تهديدهم بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة ولم يروا شيئاً نسبوه إلى الكذب "
فانظر إلى هذه الرواية الغثة التي لا تستحق أن يتعب المرء نفسه في ردها فهي رواية متناقضة المبنى فهي تصور أن المشركين كانوا مؤمنين مصدقين بكلام الرسول ولكنهم على الرغم من ذلك لم يؤمنوا به ! مع أن التهديد هذه المرة كان بالقيامة وليس بأي عذاب آخر , فبدلا من أن يقولو " أمسكوا عن بعض ما تعملون " لم لم يؤمنوا حتى يروا ؟!
وبغض النظر عن هذا التصرف الغير منطقي والذي قد لا يرى بعض القراء فيه عجبا ! تقول الرواية أنه لما نزل قول الله تعالى " أتى أمر الله " وثب الرسول ! وإذا افترضنا جدلا أن هذا حدث فلماذا رفع الناس رؤوسهم ؟ هل كان القرآن ينزل على الرسول والصحابة والكفار في نفس الوقت ؟! أم أن الرسول أخبرهم بذلك بعد أن نزل نصف هذه الآية ؟! – وهذا مبني على قولهم الفاسد بأن آيات القرآن كان تنزل مقطعة أو ناقصة كما قالوا في آية الصيام أنها نزلت " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود " بدون " من الفجر " ثم لما حدثت الحادثة الشهيرة من عدي بن حاتم نزل قوله تعالى " من الفجر " ! , ولست أدري ماذا تركوا من الشبهات والأقوال الباطلة لم يقدموها على طبق من ذهب وزبرجد إلى أعداء دين الله والمتشككين ! – فإذا كان نصف الآية ! نزل عليه ولم يحدث شيء حتى ذهب إليهم فأخبرهم , فهذا وحده أكثر من كاف للقول أن هذا الخبر كاذب , وأكثر من مسبب للسخرية والاستهزاء بصاحبه ! فلا يبقى أمامهم إلا القول أن القرآن كان ينزل على الرسول ويسمعه الصحابة والكفار ساعة نزوله !! وعلى حد علمي لم يقل بهذا القول أحد حتى الآن !
فنخرج من هذا ببطلان هذه الرواية وأشباهها .
وسبب هذا الإشكال كله هو أن السادة المفسرين مقتنعون أن الأمر في الآية هو العذاب ! مع أن " أمر الله " أتى في القرآن بمعان عدة , منها العذاب ومنها غيره , فلم الإصرار على هذا المعنى الذي يؤدي إلى تغيير باقي ألفاظ الآية , ولقد لف المفسرون وداروا من أجل إثبات هذا المعنى , فعلى سبيل المثال يورد الإمام القرطبي في تفسيره التالي :
" أتى أمر الله فلا تستعجلوه" قيل: " أتى " بمعنى يأتي؛ فهو كقولك : إن أكرمتني أكرمتك!!! . وقد تقدم أن أخبار الله تعالى في الماضي والمستقبل سواء!! ؛ لأنه آت لا محالة، كقوله: "ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار" [الأعراف: 44]. و" أمر الله " عقابه لمن أقام على الشرك وتكذيب رسوله. قال الحسن وابن جريج والضحاك : إنه ما جاء به القرآن من فرائضه وأحكامه. وفيه بعد؛ لأنه لم ينقل أن أحدا من الصحابة استعجل فرائض الله من قبل أن تفرض عليهم، وأما مستعجلو العذاب والعقاب فذلك منقول عن كثير من كفار قريش وغيرهم، حتى قال النضر بن الحارث: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك" الآية، فاستعجل العذاب.
قلت: قد يستدل الضحاك بقول عمر رضي الله عنه: وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر؛ خرجه مسلم والبخاري. وقال الزجاج: هو ما وعدهم به من المجازاة على كفرهم، وهو كقوله: "حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور" [هود: 40]. وقيل: هو يوم القيامة أو ما يدل على قربها من أشراطها " اهـ
إذا فالإمام القرطبي لا يرجح أن أمر الله هوما جاء به القرآن من الفرائض ويراه بعيدا .
وكذلك نجد أن الإمام الطبري هو الآخر بعد أن ذكر الروايات التي تذكر الرأيين عاد فرجح مثل ترجيح الأمام القرطبي فقال " وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب، قول من قال: هو تهديد من أهل الكفر به وبرسوله، وإعلام منه لهم قرب العذاب منهم والهلاك وذلك أنه عقّب ذلك بقوله سبحانه وتعالـى: عَمّا يُشْرِكُونَ فدلّ بذلك علـى تقريعه الـمشركين ووعيده لهم. وبعد، فإنه لـم يبلغنا أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم استعجل فرائض قبل أن تُفرض علـيهم فـيقال لهم من أجل ذلك: قد جاءتكم فرائض الله فلا تستعجلوها. وأما مستعجلو العذاب من الـمشركين، فقد كانوا كثـيرا " اهـ
يتبع ....................
أوضحنا في كتابنا الأول " لماذا فسروا القرآن " أن المتعامل مع النص القرآني يجب أن يكون خاضعا له تمام الخضوع يتوجه ويسير حيث سار النص لا أن يأخذه هو حسبما يفهم أو يريد أن يفهم , ولكن من لا منهج له يحكم عقله في فهم " ما ليس في النص " وليس النص , فنحن مأمورون بفهم النص , ولكن المشكلة هي أن بعض الناس عندما لم يفهموا النص كما هو , لووه وغيروه حتى يصير كما ينبغي أن يكون كما يرون هم ! تعالى الله عن ذلك , ويروون في ذلك الأمثلة الكثيرة ! على أنه من غير الممكن أن نفهم النص كما هو وإلا قلنا بما لا يقبله العقل والمنطق في كتاب الله تعالى . - ولقد قلبنا كتاب الله كله فما وجدنا ما يقولون !- , لذا فلا بد من فهم النص ليس كما هو ولكن بشكل مخالف ! ومن أشهر الأمثلة على ذلك هو قوله تعالى " أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [النحل : 1] " , فالأخوة المفسرون لما لم يفهموا ال "أمر " فهما صحيحا , فتحركوا على هذا الأساس وقالوا أن معنى " أتى " مؤول والمراد " يأتي أو سيأتي " واقرأ عزيزي القارئ ما أورده الإمام الفخر الرازي في تفسيره في سبب نزول هذه الآية :
" اعلم أن معرفة تفسير هذه الآية مرتبة على سؤالات ثلاثة :
فالسؤال الأول : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم بعذاب الدنيا تارة وهو القتل والاستيلاء عليهم كما حصل في يوم بدر ، وتارة بعذاب يوم القيامة ، وهو الذي يحصل عند قيام الساعة ، ثم إن القوم لما لم يشاهدوا شيئاً من ذلك احتجوا بذلك على تكذيبه وطلبوا منه الإتيان بذلك العذاب وقالوا له ائتنا به . وروي أنه لما نزل قوله تعالى : { اقتربت الساعة وانشق القمر } [ القمر : 1 ] قال الكفار فيما بينهم إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن ، فلما تأخرت قالوا ما نرى شيئاً مما تخوفنا به ، فنزل قوله : { اقترب لِلنَّاسِ حسابهم } [ الأنبياء : 1 ] فأشفقوا وانتظروا يومها فلما امتدت الأيام قالوا : يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به فنزل قوله : { أتى أَمْرُ الله } فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رؤوسهم فنزل قوله : { فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } والحاصل أنه عليه السلام لما أكثر من تهديدهم بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة ولم يروا شيئاً نسبوه إلى الكذب "
فانظر إلى هذه الرواية الغثة التي لا تستحق أن يتعب المرء نفسه في ردها فهي رواية متناقضة المبنى فهي تصور أن المشركين كانوا مؤمنين مصدقين بكلام الرسول ولكنهم على الرغم من ذلك لم يؤمنوا به ! مع أن التهديد هذه المرة كان بالقيامة وليس بأي عذاب آخر , فبدلا من أن يقولو " أمسكوا عن بعض ما تعملون " لم لم يؤمنوا حتى يروا ؟!
وبغض النظر عن هذا التصرف الغير منطقي والذي قد لا يرى بعض القراء فيه عجبا ! تقول الرواية أنه لما نزل قول الله تعالى " أتى أمر الله " وثب الرسول ! وإذا افترضنا جدلا أن هذا حدث فلماذا رفع الناس رؤوسهم ؟ هل كان القرآن ينزل على الرسول والصحابة والكفار في نفس الوقت ؟! أم أن الرسول أخبرهم بذلك بعد أن نزل نصف هذه الآية ؟! – وهذا مبني على قولهم الفاسد بأن آيات القرآن كان تنزل مقطعة أو ناقصة كما قالوا في آية الصيام أنها نزلت " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود " بدون " من الفجر " ثم لما حدثت الحادثة الشهيرة من عدي بن حاتم نزل قوله تعالى " من الفجر " ! , ولست أدري ماذا تركوا من الشبهات والأقوال الباطلة لم يقدموها على طبق من ذهب وزبرجد إلى أعداء دين الله والمتشككين ! – فإذا كان نصف الآية ! نزل عليه ولم يحدث شيء حتى ذهب إليهم فأخبرهم , فهذا وحده أكثر من كاف للقول أن هذا الخبر كاذب , وأكثر من مسبب للسخرية والاستهزاء بصاحبه ! فلا يبقى أمامهم إلا القول أن القرآن كان ينزل على الرسول ويسمعه الصحابة والكفار ساعة نزوله !! وعلى حد علمي لم يقل بهذا القول أحد حتى الآن !
فنخرج من هذا ببطلان هذه الرواية وأشباهها .
وسبب هذا الإشكال كله هو أن السادة المفسرين مقتنعون أن الأمر في الآية هو العذاب ! مع أن " أمر الله " أتى في القرآن بمعان عدة , منها العذاب ومنها غيره , فلم الإصرار على هذا المعنى الذي يؤدي إلى تغيير باقي ألفاظ الآية , ولقد لف المفسرون وداروا من أجل إثبات هذا المعنى , فعلى سبيل المثال يورد الإمام القرطبي في تفسيره التالي :
" أتى أمر الله فلا تستعجلوه" قيل: " أتى " بمعنى يأتي؛ فهو كقولك : إن أكرمتني أكرمتك!!! . وقد تقدم أن أخبار الله تعالى في الماضي والمستقبل سواء!! ؛ لأنه آت لا محالة، كقوله: "ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار" [الأعراف: 44]. و" أمر الله " عقابه لمن أقام على الشرك وتكذيب رسوله. قال الحسن وابن جريج والضحاك : إنه ما جاء به القرآن من فرائضه وأحكامه. وفيه بعد؛ لأنه لم ينقل أن أحدا من الصحابة استعجل فرائض الله من قبل أن تفرض عليهم، وأما مستعجلو العذاب والعقاب فذلك منقول عن كثير من كفار قريش وغيرهم، حتى قال النضر بن الحارث: " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك" الآية، فاستعجل العذاب.
قلت: قد يستدل الضحاك بقول عمر رضي الله عنه: وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر؛ خرجه مسلم والبخاري. وقال الزجاج: هو ما وعدهم به من المجازاة على كفرهم، وهو كقوله: "حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور" [هود: 40]. وقيل: هو يوم القيامة أو ما يدل على قربها من أشراطها " اهـ
إذا فالإمام القرطبي لا يرجح أن أمر الله هوما جاء به القرآن من الفرائض ويراه بعيدا .
وكذلك نجد أن الإمام الطبري هو الآخر بعد أن ذكر الروايات التي تذكر الرأيين عاد فرجح مثل ترجيح الأمام القرطبي فقال " وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب، قول من قال: هو تهديد من أهل الكفر به وبرسوله، وإعلام منه لهم قرب العذاب منهم والهلاك وذلك أنه عقّب ذلك بقوله سبحانه وتعالـى: عَمّا يُشْرِكُونَ فدلّ بذلك علـى تقريعه الـمشركين ووعيده لهم. وبعد، فإنه لـم يبلغنا أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم استعجل فرائض قبل أن تُفرض علـيهم فـيقال لهم من أجل ذلك: قد جاءتكم فرائض الله فلا تستعجلوها. وأما مستعجلو العذاب من الـمشركين، فقد كانوا كثـيرا " اهـ
يتبع ....................