مشاهدة النسخة كاملة : القرآن وأميّة بن أبى الصلت: أيهما أخذ من الآخر؟!
عمرو الشاعر
05-18-2010, 07:59 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
المقال للدكتور إبراهيم عوض
أمية بن أبى الصلت شاعر مخضرم من قبيلة ثقيف، التى كانت تسكن الطائف. وكان أبوه أيضا شاعرا، كما كانت له أخت تُسَمَّى: "الفارعة"، وبنتان وعدة أبناء بعضهم شعراء، وأخٌ اسمه "هذيل" أُسِر وقُتِل مشركا فى حصار الطائف. وهو من الحنفاء الذين ثاروا على عبادة الأصنام وآمنوا بالله الواحد واليوم الآخر، وأزعجهم التردِّى الخلقى الذى كان شائعا فى الجزيرة العربية، وتطلعوا إلى نبى يُبْعَث من بين العرب، بل إنه هو بالذات كان يرجو أن يكون ذلك النبى. وكان أمية يخالط رجال الدين ويقرأ كتبهم ويقتبس منها فى أشعاره. وكان رجل أسفار وتجارة، كما كان يمدح بعض كبار القوم كعبد الله بن جدعان وينال عطاياهم وينادمهم على الخمر، وإن قيل إنه قد حرَّمهابعد ذلك على نفسه. وتُجْمِع المصادر على أنه مات كافرا حَسَدًا منه وبَغْيًا،إذ ما إن بلغه مبعث النبى محمد حتى ترك الطائف فارًّا إلى اليمن ومعه بنتاه اللتان تركهما هناك، وأخذ يجول فى أرجاء الجزيرة ما بين اليمن والبحرينومكة والشام والمدينة والطائف. وتذكر لنا الروايات مع ذلك أنه وفد على النبى ذات مرة وهو لا يزال فى أم القرى واستمع منه إلى سورة "يس" وأبدى تصديقه به مؤكدا لمن سأله من المشركين أنه على الحق. بَيْدَ أن حقده الدفين منعه من أن يعلن دخوله فى الإسلام رسميا وبصورة نهائية رغم أنه،كما جاء فى إحدى الروايات، كان قد اعتزم أن يذهب إلى المدينة للقاء الرسول مرة أخرى وإعلان دخوله فى الدين الجديد، لكن الكفار خذّلوه وأثاروا نار حقده على محمد من خلال تذكيره بأنه قتل أقاربه فى بدر ورماهم فى القليب،فما كان منه إلا أن عاد أدراجه بعد أن شقّ هدومه وبكى وعقر ناقته مثلمايصنع الجاهليون. ثم لم يكتف بهذا، بل رثى هؤلاء القتلى وأخذ يحرض المشركينعلى الثأر لهم منضمًّا بذلك إلى جبهة الشرك والوثنية ضد الإسلام، وظل هكذاحتى لقى حتفه على خلاف فى السنة التى مات فيها ما بين الثانية للهجرة إلىالتاسعة منها قبل فتح النبى الطائف بقليل، وهو الأرجح (شعراء النصرانيةقبل الإسلام/ ط2/ دار المشرق/ بيروت/219 وما بعدها، ود. جواد على/ المفصَّل فى تاريخ العرب قبل الإسلام/ ط2/ دار العلم للملايين/ 1978م/ 6/ 478- 500،وبهجة عبد الغفور الحديثى/ أمية بن أبى الصلت- حياته وشعره/ مطبوعات وزارةالإعلام/ بغداد/ 1975م/ 46 فصاعدا. وله تراجم فى "طبقات الشعراء"، و"الشعر والشعراء"، و"الأغانى" وغيرها).ولأمية ديوان شعر يختلط فيه الشعر الصحيح النسبة له بالشعر المنسوب لهولغيره بالشعر الذى لا يبعث على الاطمئنان إلى أنه من نظمه، وهذا القسمالأخير هو الغالب. وأكثر شعر الديوان فى المسائل الدينية: تأمّلاً فى الكونودلالته على ربوبية الله، ووصفًا للملائكة وعكوفهم على تسبيح ربهم والعملعلى مرضاته، وإخبارًا عن اليوم الآخر وما فيه من حساب وثواب وعقاب، وحكايةًلقصص الأنبياء مع أقوامهم، إلى جانب أشعاره فى مدح عبد الله بن جدعان والفخربنفسه وقبيلته وما إلى ذلك. ومن الشعر الدينى المنسو ب إليه ما يقترب اقتراباشديدا من القرآن الكريم معنًى ولفظًا وكأننا بإزاء شاعرٍ وَضَع القرآنَبين يديه وجَهَدَ فى نظم آياته شعرا. ومن هذه الأشعار الشواهد التالية:
لك الحمد والنعماء والمُلْك ربنا * فلا شىء أعلى منك جَدًّا وأَمْجَدُمليكٌ على عرش السماء مهيمنٌ * لعزّته تَعْنُو الجباه وتسجدُمليك السماوات الشِّدَاد وأرضها * وليس بشىء فوقنا يتأودُتسبِّحه الطير الكوامن فى الخفا * وإذ هى فى جو السماء تَصَعَّدُومن خوف ربى سبّح الرعدُ حمده* وسبّحه الأشجار والوحش أُبَّدُمن الحقد نيران العداوة بيننا * لأن قال ربى للملائكة: اسجدوالآدم لمّا كمّل الله خلقه * فخَرُّوا له طوعًا سجودا وكدّدواوقال عَدُوُّ الله للكِبْر والشَّقا: * لطينٍ على نار السموم فسوَّدوافأَخْرَجَه العصيان من خير منزلٍ * فذاك الذى فى سالف الدهر يحقدُ
* * *
ويوم موعدهم أن يُحْشَروا زُمَرًا * يوم التغابن إذ لاينفع الحَذَرُمستوسقين مع الداعى كأنهمو * رِجْل الجراد زفتْه الريح تنتشرُوأُبْرِزوا بصعيدٍ مستوٍ جُرُزٍ * وأُنـْزِل العرش والميزان والزُّبُرُوحوسبوا بالذى لم يُحْصِه أحدٌ * منهم، وفى مثل ذاك اليوم مُعْتبَرُفمنهمو فَرِحُ راضٍ بمبعثه * وآخرون عَصَوْا، مأواهم السَّقَرُيقول خُزّانها: ما كان عندكمو؟ * ألم يكن جاءكم من ربكم نُذُرُ؟قالوا: بلى، فأطعنا سادةً بَطِروا * وغرَّنا طولُ هذا العيشِ والعُمُرُقالوا: امكثوا فى عذاب الله، ما لكمو* إلا السلاسل والأغلال والسُّعُرُفذاك محبسهم لا يبرحون به * طول المقام، وإن ضجّوا وإن صبرواوآخرون على الأعراف قد طمعوا * بجنةٍ حفّها الرُّمّان والخُضَرُيُسْقَوْن فيها بكأسٍ لذةٍ أُنُفٍ * صفراء لا ثرقبٌ فيها ولا سَكَرُمِزاجها سلسبيلُ ماؤها غَدِقٌ * عذب المذاقة لا مِلْحٌ ولا كدرُوليس ذو العلم بالتقوى كجاهلها * ولا البصير كأعمى ما له بَصَرُفاسْتَخْبِرِ الناسَ عما أنت جاهلهُ * إذا عَمِيتَ، فقد يجلو العمى الخبرُكأَيِّنْ خلتْ فيهمو من أمّةٍ ظَلَمَتْ * قد كان جاءهمو من قبلهم نُذُرُفصدِّقوا بلقاء الله ربِّكمو * ولا يصُدَّنَّكم عن ذكره البَطَرُ
* * *
قال: ربى، إنى دعوتك فى ا لفـــــــــــــــ*ــجر، فاصْلِحْ علىَّ اعتمالىإننى زاردُ الحديد على النــــــــــــــــــــــــ*ــاس دروعًا سوابغالأذيالِلا أرى من يُعِينُنِى فى حياتى * غير نفسى إلا بنى إسْرالِ
وقد ظنت طوائف المبشرين ممن فقدوا رشدهم وحياءهم أن بمستطاعهم الإجلابعلى الإسلام ورسوله وكتابه بالباطل فأخذوا يزعمون أن القرآن مسروق من شعرأمية بن أبى الصلت لهذه المشابهات. والواقع أن عددا من كبار دارسى الأدبالجاهلى، من المستشرقين قبل العرب والمسلمين، قد رَأَوْا عكس هذا الذىيزعمه المبشرون، إذ قالوا بأن هذه الأشعار التى تُنْسَب لأمية مما يتشابهمع ما ورد فى القرآن عن خلق الكون والسماوات والأرض، وعن العالم الآخروما فيه من حساب وثواب وعقاب وجنة ونار، وعن الأنبياء السابقين وأقوامهموما إلى ذلك، هى أشعار منحولة عليه. قال ذلك على سبيل المثال تور أندريهوبروكلمان وبراو من المستشرقين، ود. طه حسين والشيخ محمد عرفة ود.عمر فروخود.شوقى ضيف ود. جواد على وبهجة الحديثى من العلماء العرب، وإن كان منالمستشرقين مع ذلك من يدعى أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد أخذ بعض قرآنهمن شعر هذا المتحنّف كالمستشرق الفرنسى كليمان هوار، ومنهم من قال إن الرسولوورقة قد استمدا كلاهما من مصدر واحد.
وإلى القارئ تفصيلا بهذا: فالمستشرق الألمانى كارل بروكلمان يؤكد أن أكثرما يُرْوَى من شعر أمية هو فى الواقع منحول عليه، ماعدا مرثيته فى قتلىالمشركين ببدر، وأنه إذا كان كليمن هوار المستشرق الفرنسى قد زعم أن شعرهكان مصدرا من مصادر القرآن، فإن الحق ما قال تور أندريه من أن الأشعارالتى نظر إليها هوار فى اتهامه هذا إنما هى نَظْمٌ جَمَع القُصَّاصُ فيهما استخرجه المفسرون من مواد القصص القرآنى، وأن هذه الأشعار لا بد أنتكون قد نُحِلَتْ لأمية منذ عهد مبكر لا يتجاوز القرن الأول للهجرة، فقدسماه الأصمعى: "شاعر الآخرة"، كما أراد محمد بن داود الأنطاكىأن يفتتح القسم الثانى فى الدِّينِيّات من كتابه "الزهرة" بأشعارأمية (كارل بروكلمان/ تاريخ الأدب العربى/ ترجمة د. عبد الحليم النجار/ ط4/ دار المعارف/ 1/ 113). يريد بروكلمان أن يقول: لولا أنه كان هناك شعريدور حول الموضوعات الدينية التى ذكرناها قبلا منسوب لأمية منذ ذلك الوقتالمبكر لما أطلق عليه الأصمعى هذه التسمية ولما فكر الأنطاكى أن يورد لهأشعارا دينية فى كتابه المذكور. ويقول المستشرق براو كاتب مادة "أميةبن أبى الصلت" بـالطبعة الأولى من "دائرة المعارف الإسلامية"،تعليقا على اتهام هوار للقرآن بأنه قد استمد بعض مواده من أشعار أمية،إن صحة القصائد المنسوبة لهذا الشاعر أمر مشكوك فيه، شأنها شأن أشعار الجاهليينبوجه عام، وإن القول بأن محمدا قد اقتبس شيئا من قصائد أمية هو زعم بعيدالاحتمال لسبب بسيط، هو أن أمية كان على معرفة أوسع بالأساطير التى نحنبصددها، كما كانت أساطيره تختلف فى تفصيلاتها عما ورد فى القرآن. ثم أضافأنه، وإن استبعد أن يكون أمية قد اقتبس شيئا من القرآن، لا يرى ذلك أمرامستحيلا. وهو يعلل التشابه بين أشعار أمية وما جاء فى القرآن الكريم بالقولبأنه قد انتشرت فى أيام البعثة وقبلها بقليل نزعات فكرية شبيهة بآراء الحنفاءاستهوت الكثيرين من أهل المدن كمكّة والطائف، وغذّتها ونشّطتها كلٌّ منتفاسير اليهود للتوراة وأساطير المسلمين. ثم يخبرنا براو بما توصَّل إليهتور أندريه من أنه ليس فى قصائد أمية الدينية ما هو صحيح النسبة إليه،وأن هذا اللون من شعره هو من انتحال المفسرين (دائرة المعارف الإسلامية/ الترجمة العربية/ 4/ 463- 464).وعند طه حسين أن "هذا الشعر الذى يضاف إلى أمية بن أبى الصلت وإلىغيره من المتحنفين الذين عاصروا النبى (ص) وجاؤوا قبله إنما نُحِلَ نَحْلاً. نحله المسلمون ليثبتوا أن للإسلام قُدْمَةً وسابقةً فى البلاد" (فىالأدب الجاهلى/ دار المعارف/ 1958م/ 145). ويرى الشيخ محمد عرفة أنه لوكانت هناك مشابهةٌ فعلا بين شعر أمية والقرآن الكريم لقال المشركون، الذينتحداهم الرسول بأن يأتوا بآية من مثله، إن أمية قد سبق أن قال فى شعرهما أورده هو فى القرآن زاعمًا أنه من لدن الله. لكنهم لم يقولوا هذا، بلاتهموه بأنه إنما يعلّمه عبد أعجمى فى مكة. كذلك يؤكد أن شعر أمية لا يشبهفى نسيجه شعر الجاهلية القوى المحكم، إذ هو شعر بيِّن الصنعة والضعف علىغرار شعر المولَّدين. ومن هنا كان هذا الشعر المنسوب لذلك المتحنف الطائفىهو شعر منحول عليه ومنسوب زورا إليه (من تعليق الشيخ محمد عرفة على مادة "أمية بن أبى الصلت" فى "دائرة المعارف الإسلامية"/4/465 ).أما د. عمر فروخ فيؤكد أن القسم الأوفر من شعر أمية قد ضاع، وأنه لم يثبتله على سبيل القطع سوى قصيدته فى رثاء قتلى بدر من المشركين. وبالمثل نراهيؤكد أن كثيرا من الشعر الدينى المنسوب لذلك الشاعر هو شعر ضعيف النسجلا رونق له (د.عمر فروخ/ تاريخ الأدب العربى/ ط5/ دار العلم للملايين/ 1948م/ 1/ 217- 218). ويرى د. شوقى ضيف أن المعانى التى يتضمنها شعر أميةمستمدة من القرآن بصورة واضحة، إلا أنه لا يرتب على ذلك أن يكون أمية قدتأثر بالقرآن، بل يؤكد أن الشعر الذى يحمل اسمه هو شعر ركيك مصنوعٌ نَظَمَهبعضُ القُصّاص والوُعّاظ فى عصور متأخرة عن الجاهلية. وردًّا على دعوىهوار بأن القرآن قد استمد بعض مادته من أشعار أمية يقول الأستاذ الدكتورإن ذلك المستشرق لا علم له بالعربية وأساليب الجاهليين، وإلا لتبين لهأنها أشعار منحولةٌ بيِّنة النحل، ولما وقع فى هذا الحكم الخاطئ (د. شوقىضيف/ العصر الجاهلى/ ط10/ دار المعارف/ 395- 396).
عمرو الشاعر
05-18-2010, 08:05 AM
نواصل المقال:
ويؤكد د. جواد على فى كتابه "المفصل فى تاريخ العرب" أن بعضأشعار أمية الدينية مدسوسة عليه، ومن ثَمّ لا يمكن أن يكون أميّة قد اقتبسشيئا من القرآن، وإلا لقام النبى عليه الصلاة والسلام والمسلمون بفضحه. وعلى هذا فهو أيضا يرى أن شعره الذى يوافق فيه القرآنَ إنما صُنِع بعدالإسلام صنعا لأنه ليس موجودا فى التوراة ولا فى الإنجيل ولا غيرهما منالكتب الدينية، اللهم إلا القرآن الكريم، وأن أكثره قد وُضِع فى عهد الحجاجتقربا إليه، وبخاصة أن شعره الدينى يختلف عن شعره المَدْحِىّ والرثائىوغيره، إذ يقترب من أسلوب الفقهاء والمتصوفة ونُسّاك النصارى، كما تكررتإشارات الرواة إلى أن هذا الشعر أو ذاك مما يُعْزَى له قد نُسِب لغيرهمن الشعراء. ثم إنه قد مدح الرسول عليه السلام، كما أن فى الشعر المنسوبله ما يدل على أنه قد آمن به، فكيف يتسق هذا مع رثائه لقتلى بدر من المشركين؟ (المفصَّل فى تاريخ العرب قبل الإسلام/ 6/ 491- 496). أما بهجة عبد الغفورالحديثى فإنه يقسم شعر أمية الدينى إلى قسمين: قسم يظهر عليه أثر الحنيفيةوكتب اليهود والنصارى، وقسم يظهر عليه أثر القرآن. وهو يميل إلى أن يكونالقسم الأول له كما يظهر من أسلوبه ومعانيه، أما الثانى فمنحول عليه بدليلما يبدو عليه من ركاكة لغته وضعف صياغته، ومن أسلوبه المستمد من القرآن (أمية بن أبى الصلت- حياته وشعره/ 127).
وقد بحثت عن طريق المشباك (النِّتّ) فى كتب الأحاديث النبوية الشريفة عنروايات تذكر شيئا من شعر أمية فلم أجد إلا ثلاثة أبيات له فى مُسْنَد أحمديتحدث فيها عن الشمس وعرش الله بما لم يأت شىء منه فى القرآن، وأن الرسولعليه السلام قد صدّقه فيها، وهذا نصها:
رجلٌ وثورٌ تحت رجْل يمينه * والنسر لليسرى، وليثٌ مُرْصَدُ
والشمس تطلع كل آخر ليلة * حمراءَ يصبح لونها يتورّدُ
تأبَى فلا تبدو لنا فى رِسْلها * إلا مُعَذَّبَةً وإلا تُجْلَدُ
كما جاء أيضا فى مُسْنَدَىْ ابن ماجة وأحمد أن الشريد بن الصامت قد أنشدالنبىَّ ذات مرة مائة بيت من شعر أمية، وكان كلما انتهى من إنشاد بيتٍقال النبى عليه الصلاة والسلام: "هِيهْ"، يستحثه على الاستمرارفى الإنشاد، ثم عقّب صلى الله عليه وسلم فى النهاية قائلا: "كاد أنيُسْلِم"، وفى رواية أخرى فى مسند أحمد أن النبى لم يعلّق فى نهايةالإنشاد بشىء، بل سكت فسكت الشريد بدوره. وهذا كل ماهنالك، فلم نعرف منالحديث ما هى الأبيات التى أنشدها الصحابى الكريم على مسامع رسول الله،ولا مدى مشابهتها للقرآن. على أن هاهنا نقطة لا بد من تجليتها قبل الانتقالإلى شىء آخر، إذ لا أظن الصحابى الجليل قد قصد عدد المائة تحديدا، فليسمن المعقول أنه كان يعدّ الأبيات التى كان ينشدها على مسامع النبى أوّلاًبأوّل وهو يتلوها. ذلك أمر غير متخيَّل، والأرجح بل الصواب الذى لا أستطيعأن أفكر فى غيره أنه أراد الإشارة إلى أنه قد أنشد سيّدَ الأنبياء عددا غير قليل من الأبيات.كذلك رجعتُ إلى تخريجات القصائد المشابهة للقرآن الكريم التى قام بها بهجةالحديثى فى رسالته عن أمية، فلفت انتباهى أن هذه القصائد، أو على الأقلالأبيات التى يوجد فيها ذلك التشابه، لم تَرِدْ فى أىٍّ من كتب الأدب واللغةوالتاريخ والتفسير المعتبرة ككتاب "جمهرة أشعار العرب" لأبىزيد القرشى، أو "طبقات الشعراء" لابن سلام، أو "الشعر والشعراء" لابن قتيبة، أو "الأغانى" للأصفهانى، أو "تاريخ الرسل والملوك" أو "جامع البيان فى تفسير القرآن" للطبرى مثلا. بل إن كثيرامن هذه الأشعار لم تَرِدْ فى طبعة الديوان الأولى، فضلا عن أن بعضها قدنُسِب فى ذات الوقت إلى غيره من الشعراء. ونقطة أخرى مهمة جدا: لماذا لميُثِرْ علماؤنا المتقدمون قضية التشابه بين شعر أمية والقرآن الكريم باستثناءمحمد بن داود الأنطاكى، الذى كان يردّ، فيما يبدو، على من اتهم القرآنبالأخذ عن أمية بأن ذلك غير صحيح لأنه عليه السلام لا يمكن أن يستعين فىكتابه بشعر رجل أقر بنبوته وصدّق بدعوته، وأنه لو كان صحيحا رغم ذلك لسارعأمية إلى اتهام الرسول بالسرقة من شعره، وبذلك تسقط دعوته صلى الله عليهوسلم بأيسر مجهود وأقلّه؟ (الزهرة/ تحقيق د. إبراهيم السامرائى ود. نورحمود القيسى/ ط2/ مكتبة المنار/ الزرقاء/ 1406هـ- 1985م/ 2/ 503). لقدكان ابن داود الأنطاكى من أهل القرن الثالث الهجرى، فى حين أن صاحب "الأغانى" قد جاء بعده بقرن، فكيف اطمأن المتقدم وشكّ المتأخر، أو فلنقل: كيف أوردالمتقدمُ الشعرَ المنسوب لأمية، بينما لم يورده الأصفهانى، الذى جاء بعدهبقرن كما قلنا؟ والأحرى أن يكون الوضع بالعكس حيث يكون المتقدم أقرب زمناإلى صاحب الشعر فيستطيع من ثم أن يحسم الحكم فى مسألة نسبة الشعر إليه،على الأقل قبل تراكم الروايات وازدياد صعوبة غربلتها وإصدار حكم بشأنها. بَيْدَ أن مثل هذا الوضع لا غرابة فيه، فعندنا مثلا ابن إسحاق وابن هشاماللذان اشتركا فى كتابة "سيرة رسول الله": تأليفًا بالنسبة لابنإسحاق، ومراجعةً وتعليقًا وتنقيةً بالنسبة لابن هشام، وجاء الأول قبل الثانىبزمن غير قصير كما هو معروف، ومع هذا لم يمنع ابنَ هشام تأخُّرُ زمنه عنالنظر فى السيرة التى كتبها سَلَفُه وإجالة قلمه فيما يرى أنه لا بد منتغييره أو تصحيحه أو التعليق عليه بما يرى أنه الصواب أو الأقرب للحق،مثلما فعل عندما أنكر على ابن إسحاق مثلا إيراد أشعار لآدم وثمود والجن،بل لأفراد من قريش ذاتها ممن قال إن أهل العلم لا يعرفون لهم شعرًا أصلاأو ينكرون ما ينسب إليهم من شعر. والمسألة بَعْدُ هى مسألة اختلاف فى شخصيةالباحث ما بين مطمئنٍ يقبل ما يُرْوَى له ومدقِّقٍ لا يقبل إلا بعد تمحيصوتقليب...وهكذا. ومعروف أن ابن سلام وابن قتيبة وأبا الفرج الأصفهانى هممن النقاد ومؤرخى الأدب القدماء المشهود لهم بالتمحيص والتنقيب وعدم قبولأى شىء على علاته، بينما لا يزيد ما فعله ابن داود الأنطاكى فى كتابه "الزهرة" عن جمع الأشعار وتنسيقها، إلا حين يعلّق بكلمة هنا أو هناك تدور عادةًعلى شرح لفظة صعبة أو تحليل جانب من جوانب عاطفة الحب التى ألف كتابه عنها. إن هذا كله من شأنه أن يعضّد القول الذى سمعنا كبار دارسى الأدب العربىمن مستشرقين وعرب يرددونه من أن القصائد التى تتشابه مع القرآن من الشعرالمنسوب لأمية هى فى الواقع قصائد منحولة. ولقد نبهنى هذا الاكتشاف إلىما أحسست به عند مراجعتى لديوان أمية مؤخرا من أنى لا أستطيع أن أتذكرقراءتى لأىٍّ من هذه الأشعار فى الكتب التى أومأتُ إليها لِتَوِّى. وهذاهو السبب فى أننى قد استبدّ بى الاستغراب أثناء مطالعتى لذلك النوع منقصائد أمية حين فكرت فى الكتابة عن هذه القضية بالرغم من كثرة ما قرأتعن الرجل من قبل فى "الأغانى" و"طبقات الشعراء" و"الشعروالشعراء" مثلا، وكذلك فى كتب تاريخ الأدب العربى التى ألفها باحثونمعاصرون ممن تكلموا فى هذه القضية، لكنهم لم يوردوا شيئا من الأشعار محلالخلاف والمناقشة مكتفين بالكلام النظرى فيها. وبالمثل كان الانطباع الذىشعرتُ به بمجرد قراءة تلك الأشعار هو أنها أقرب إلى النظم الذى وضع صاحبُهأمام عينيه آياتِ القرآن الكريم وأخذ يجتهد فى تضمينها ما ينظم من أبيات: فالكلام مهلهل وغير مستوٍ، وفيه فجوات يملؤها الناظم بما يكمّل البيت بأىطريقة والسلام، على عكس شعر أمية فى رثاء قتلى المشركين ببدر مثلا أو مدائحهلعبد الله بن جدعان. وغنى عن القول ألاّ وجه لمقارنة هذا الشعر بأسلوبالقرآن وما يتسم به من فحولة وجلال وشدة أسر وسحر ينفذ إلى القلوب نفوذاغلابا قاهرا، وهو ما يجعل القول بتأثر شعر أمية بالقرآن لا العكس هو مايمليه المنطق وتَهَشّ له العقول والضمائر إذا صحَّت نسبة هذه الأشعار له. ومع ذلك كله فلسوف أسلك الطريق الصعب فأفترض أن تلك الأشعار محلَّ الخلافهى أشعار صحيحة قالها أمية فعلا، وأن الأحداث التى رافقت نظم هذه القصائدهى بالتالى أحداث صحيحة وقعت هى أيضا.والآن لو تتبعنا أهم الأحداث فى حياة المصطفى وأمية مما يتصل بهذه القضيةفماذا نجد؟ أول كل شىء أن شاعرنا كان، كما جاء فى الروايات التى تحدثتعنه، يتوقع أن يكون هو النبى المنتظر، وأنه حين علم أن النبوة تجاوزتهلم يستطع صبرا على المُقام بالطائف على مقربة من الرجل الذى كان حُكْمالقدر أن ينزل عليه وحى السماء، فأخذ ابنتيه وهرب إلى اليمن. ومعنى ذلكأنه هو الذى كان مشغولا بمحمد لا العكس. وهذا أحرى أن يجعله متنبها لكلما يتعلق بمحمد، وعلى رأسه القرآن، الذى كان يتمنى بخلع الضرس بل بِفَقْءِالعين أن يكون هو النبى الذى يتلقاه ويبلغه للناس، حرصا منه على الشهرةوالسمعة والمكانة بين قومه، جاهلا فى غمرة حماقته وحسده الأسود العقيمأنه سبحانه وتعالى "أعلم حيث يجعل رسالته". ومن المنطقى جدا،كما أومأنا، القول بأنه لم يستطع أن يتجاهل الرسول رغم غيظه، بل قل: بسببغيظه من عدم اختياره هو نبيا للعرب، وأنه كان يتصيد الآيات والسُّوَر التىتنزل على الرسول ويضعها نصب عينيه وهو يَنْظِم شعره، جَرْيًا على المثلالشعبى القائل: "إن فاتك المِيرِىّ تمرَّغْ فى ترابه". إنه "عبده مشتاق" الجاهلى، الذى يمكن أن نرى فيه رائدا لـنظيره فى كاريكاتير جريدة "الأخبار" القاهرية، مع بعض التلوينات المختلفة هنا وهناك تبعا لاختلاف طبيعة الدور الذى يريد كل من هذين العبدين أن يؤديه والظروف التى يتحرك فى نطاقها! ولقد فاتته النبوة، فليضمّن نصوصَ وحيها إذن شعره،فهذا أفضل من أن "يخرج من المولد بلا حمّص"! وهو حين يصنع هذاإنما كان يجرى على عادته قبل سطوع بدر الإسلام من العكوف على الكتب الدينية السابقة والاقتباس منها فيما يَنْظِم من أشعار. فهو إذن لا يفترع طريقا جديدا حين يقتبس من القرآن، بل يستمر فى سبيله القديم. والطبع غلاب كمايقولون! ولا أدرى فى الواقع لماذا، بدلا من هذا الهروب غير المجدى من الطائف، لم يواجه محمدا ويقول له فى وجهه إنه قد سبقه فى شعره إلى ما يقوله هو فى قرآنه، وإن هذا دليل على أنه ليس نبيا حقيقيا، ومن ثم فهو أفضل منه، على الأقل من ناحية العلم والحكمة. ألم يكن هذا هو ما يقتضيه المنطق لوكان عند أمية ذلك الدليل القاهر الذى يلوّح به بعض المستشرقين ويتابعهم عليه، فى غباءٍ لا يليق بمن عنده مسكة من عقل، مبشّرو آخر الزمان، ومن خلفهم ذيول المسلمين الذين فقدوا كل معنى من معانى الكرامة والرجولة؟ ومنالواضح أن الرجل كان يحب الظهور بمظهر العالم الحكيم، هذا الوصف الذى وصفهبه خطأً بعض من ترجموا له من القدماء، إذ لو كانت الحكمة من صفاته حقا لما ترك الحسدَ يطوّحه ويقلقله فى بلاد العرب جنوبا وشمالا وشرقا وغرباكراهيةَ أن يكون على مقربة من الرجل الذى آثرته السماء عليه فى مسألة النبوة (وإن ذكرتْ بعضُ الروايات، حسبما رأينا، أنه وفد عليه فى مكة واستمع إلى ما تلاه عليه من قرآن وقال كلاما طيبا فى حقه)، ولأَقْبَلَ بدلا من ذلكعليه بجْمْع قلبه وإخلاصه ما دام يرى أنه على الحق كما يشير إلى ذلك الشعرالذى يتحدث فيه، قبل البعثة النبوية، عن حاجة البلاد لنبى يأخذ بيدها فى طريق الهداية، وكذلك القصيدة التى قالها فى مدحه عليه الصلاة والسلام والدين الذى أتى به. بَيْدَ أنه، لحَِظّه التعيس، لم يحزم أمره، وظل مترددا يقترببقلبه حينًا بعد حينٍ من الدين الجديد، لكنه سرعان ما تثور به عقارب الحقدفيبتعد عنه...إلى أن أقبل أخيرا فى نوبة قوية بعض الشىء من نوبات يقظته الخلقية والروحية ليعلن إسلامه رسميا، فوقفت قريش فى طريقه وأخبرته بأن المسلمين قتلوا عُتْبة وشَيْبة ابنى ربيعة وغيرهما من رجالات الطائف ممن كانوا يمتّون إليه بواشجة القرابة، فما كان منه إلا أن لوى عِنَان فرسه مبتعدا عن طريق النور والسعادة حاكما بذلك على نفسه ببؤس المصير إلى الأبد، وهو ما يدل بأجلى بيان على أنه لم يحزم أمره يوما، وهذه هى مشكلته المزمنة مع نفسه، فأين الحكمة هنا إذن؟ أما العلم فإن نصيبه منه لا يخرج، فيما هو واضح، عن نقل النصوص والقصص من كتب الأمم السابقة إلى شعره دون الانتفاع الحق بها، فهو إذن كالحمار يحمل أسفارا، وإلا فلماذا لم يستفد بها فى اتّباعالحق الذى كان يؤمن به فى أعماق قلبه، وفضّل عليه الانحياز إلى الوثنية ممثلةً فى أقاربه الذين رثاهم ومجَّدهم حين سقطوا وهم يحاربون تحت رايتها ضد التوحيد، وزاد فشقّ جيوبه عليهم وبكى وجدع أنف ناقته كما كان يفعل أهل الجاهلية الجهلاء حسبما ذكرت كتب السيرة وتاريخ الأدب (د.جواد على/ المفصَّل فى تاريخ العرب قبل الإسلام/ 6/ 479)، وهو الذى طالما صدّع أدمغتنا من قبل بالحديث عن الحنيفية؟ ولْنقارن بين موقفه هذا وموقف النبى عليه السلام حين أسلم وَحْشِىّ قاتل عمه الغالى وأخيه من الرضاع حمزة بن عبد المطلب، وكذلك هندٌ آكلة الأكباد ومدبّرة مقتله المأساوى رضى الله عنه. لقد قَبِلهماالنبى فى دينه، وكأن شيئا لم يكن، رغم الجرح الغائر الذى خلّفه موت سيدالشهداء فى قلبه، وذلك نزولا على مبدئه العظيم القائل بأن "الإسلاميَجُبّ ما قبله". أو لماذا لم يقم هو بالدعوة إلى ما كان يؤمن به (حسبما نقرأ فى الشعر المنسوب إليه)، ولو فى أضيق نطاق بين قومه فى الطائففقط ما دام ادعاء النبوة سهلا إلى هذا الحد كما فعل محمد، الذى لم يكنقارئا كاتبا مثله؟ فانظر وقارن يتبين لك الفرق بين النبوة والحسد الذىيأكل قلب صاحبه أكلاً فلا يتركه يهنأ بحياته أبدا!أما المحطة الثانية التى نحب أن نقف عندها فهى ذهاب رسول الله إلى الطائفحين شعر أن مكة تستعصى على دعوته بغباء غريب ما عدا القليلين الذين دخلوافى دعوته رغم التضييق والعنت الشديد والأذى المتواصل، فحَسِبَ أن الطائفقد تكون أحسن استقبالا للدين الجديد، لكن أهلهاللأسف لم يكونوا أفضل حالامن قومه فى مكة. ترى لو كان أمية قد سبق القرآن إلى تناول الموضوعات التىنقرؤها فى ذلك الكتاب بنفس الألفاظ والعبارات فى كثير من الأحيان، ومنثم أخذ محمد بعض قرآنه من شعره، أكان يفكر مجرد تفكير فى السفر إلى بلدذلك الشاعر معرضا نفسه للسخرية والاتهام من جانب أهلها بدلا من إقبالهمعليه ودخولهم فى دينه؟ إنه إذن لـ"كالمستجير من الرمضاء بالنار" كما جاء فى أمثال العرب، أو كمن "جاء يُكَحِّلها فأعماها" كمايقول المثل الشعبى! ولم يكن الرسول يوما بالشخص الذى يمكن أن يقع فى مثلهذا التصرف الأخرق العجيب، بل لم يتهمه أحد من أَعْدَى أعدائه بشىء منذلك قط! ثم فلنفترض بعد هذا أنه قد ارتكب هذا التصرف الأحمق (وأستغفر اللهالعظيم على هذا التعبير الذى اقترفتُه لأكون فى غاية السماحة مع "الأنعام" الذين لهم قلوب لكن لا يعقلون بها، ولهم أعين لكن لا يبصرون بها، ولهمآذان لكن لا يسمعون بها!)، فكيف فات الطائفيين الأمرُ فلم يجابهوه ويجبهوهبهذه السرقة التى كانت كفيلة بقصم ظهر الدعوة التى أتى بها بدلا من إغرائهمصبيانهم وعبيدهم وسفهاءهم بمطاردته بالحجارة فى شوارع المدينة حتى أخرجوهمنها منتهكين بتصرفهم الوحشىّ هذا ما توجبه التقاليد العربية الراسخة القاضيةبإكرام الضيف الوافد، واضطروه إلى اللجوء إلى بستانٍ لعُتْبة وشَيْبة ابنىربيعة حيث قابل هناك خادمهما عداس، الذى قدّم له قِطْفا من العنب يتقوّتبه ويزيل عن نفسه التعب، ثم أقبل عليه فى حب وإجلال حين رآه يسمّى اللهقبل الطعام وعرف شيئا من دينه على ما هو معروف لقارئى السيرة النبوية؟
ثم هناك قدوم أمية على النبى ومدحه إياه بقصيدة يقرّه فيها على دعوته ويثنىعليه ويصدّق به. ويبدو أن ذلك كان بتأثير الأسئلة التى من المؤكد أنهاكانت توجَّه له ممن حوله، إذ لا بد أن يثور فى أذهانهم التساؤل عن السبب،يا ترى، الذى يمنعه من الإيمان بمحمد ما دام يردد ما يقوله تقريبا ويضمّنشعره بعض ما جاء فى قرآنه! أقول هذا رغم أن فى نفسى من صحة هذه القصيدةشيئا للأسباب التى سأذكرها من فورى، لكننى قلتُه على الشرط الذى وضعتُهحين بينتُ أنه لكى نقبل أشعار أمية التى تشابه القرآن الكريم لا بد أننقبل معها الأحداث التى صاحبتها حسبما أوردتها الروايات.
عمرو الشاعر
05-18-2010, 08:07 AM
على أية حال هأنذاأورد جُلّ أبيات القصيدة أولا، ثم ننظر فيها بعد ذلك:
لك الحمد والمنّ رب العبا * د. أنت المليك وأنت الحَكَمْودِنْ دين ربك حتى التُّقَى * واجتنبنّ الهوى والضَّجَمْمحمدًا ارْسَلَه بالهدى * فعاش غنيا ولم يُهْتَضَمْعطاءً من الله أُعْطِيتَه * وخصَّ به الله أهل الحرمْوقد علموا أنه خيرهم * وفى بيتهم ذى الندى والكرمْنبىُّ هدًى صادقٌ طيبٌ * رحيمٌ رءوف بوصل الرَّحِمْبه ختم الله من قبله * ومن بعده من نبىٍّ ختمْيموت كما مات من قد مضى* يُرَدّ إلى الله بارى النَّسَمْمع الأنبيا فى جِنَان الخلو * دِ، هُمُو أهلها غير حلّ القَسَمْوقدّس فينا بحب الصلاة * جميعا، وعلّم خطّ القلمْكتابًا من الله نقرا به * فمن يعتريه فقدْمًا أَثِمْ
(أمية بن أبى الصلت- حياته وشعره" لبهجة عبد الغفور الحديثى/ 260- 264)
وقد رفض د. جواد على هذه القصيدة على أساس أن ما فيها من إيمان قوى بالنبىودينه يتناقض مع ما نعرفه من تردد أمية بالنسبة للإسلام وافتقار قلبه إلىالإيمان العميق، وأنه يشير فيها إلى وفاة الرسول التى لم تقع إلا بعد موتأمية أوّلا (المفصَّل فى تاريخ العرب قبل الإسلام/ 6/ 497- 498). لكن بهجةالحديثى لا يشك فى القصيدة، بل يرى أنها تمثل خطرة من الخطرات التى كانتتنتاب أمية، فالمعروف أنه لم يكفر بالرسول تكذيبا بل حسدا، إذ كان فى دخيلةنفسه مصدِّقا بما جاء به، بل همّ أن يعلن إسلامه فعلا. كما أن الأنطاكى،الذى كان يعيش فى القرن الثالث الهجرى، قد أكد أنها موجودة فى شعره ومفهومةعند أهل الخبرة به (أمية بن أبى الصلت/ 78- 79). والحق أن الحجة الأخيرةتكاد تكون العقبة الوحيدة التى تمنعنى من القطع بزيف هذه القصيدة رغم مافيها مما يدابر المنطق: فهى تتحدث عن اختتام النبوة بمحمد عليه السلام،وهى قضية لم تكن قد طُرِحَت بعد، لأن القصيدة لا بد أن تكون قد سبقت غزوةبدر على آخر تقدير حيث حسم أمية أمره بعد تلك الغزوة وشقَّ جيوبه وعقرناقته وتراجع نهائيا عن الدخول فى الإسلام، على حين أن الإشارة إلى أننبوة محمد هى خاتمة النبوات قد وردت فى سورة "الأحزاب"، التىنزلت بعد ذلك بزمن طويل على ما هو معروف. أما ما جاء فى القصيدة من ذكرموت النبى فلا يعنى بالضرورة أنه قد مات فعلا، إذ الكلام يحتمل هذا، كمايحتمل أنه سيموت كسائر البشر حسبما جاء فى قوله تعالى: "إنك ميتٌ،وإنهم ميتون" (الزُّمَر/ 30)، إذ أتى الفعلُ الدالّ على الموت فىالقصيدة فى صيغة المضارع لا الماضى كما لا بد أن يكون القارئ قد لاحظ،رغم أن فى ذكر الموت فى حد ذاته فى هذا السياق كثيرا من الغرابة والخروجعلى مقتضيات المديح. كذلك فوصف الرسول بأنه "رحيم رءوف" هو صَدًىلوصفه فى القرآن فى الآية قبل الأخيرة من سورة "التوبة" بهاتينالصفتين، وإن جاءتا فى القصيدتين بعكس ترتيبهما فى السورة، والآية المذكورةتنتمى لمرحلة زمنية متأخرة عن تاريخ نظم القصيدة. كذلك ففى القصيدة صَدًىلقول رسول الله فى حديث أبى هريرة: "لا يموت لمسلم ثلاثة من الولدفيَلِج النار إلا تحلَّة القسم"، والمقصود الإشارة إلى قوله تعالىفى الآية 71 من سورة "مريم": "وإنْ منكم إلا وارِدُها.كانعلى ربك حتما مقضيًّا"، ومعروف أن أبا هريرة إنما أسلم فى المدينةفى السنة السابعة للهجرة، أى بعد نظم أمية قصيدته بأعوام، فكيف يمكن أنيتأثر أمية بحديث كهذا لم يكن قد قيل إلا بعد ذلك ببضع سنوات؟ وأنا هنا،كما يلاحظ القارئ، أنطلق من أن القصيدة هى التى تأثرت بالقرآن لا العكسما دام أمية قالها فى مدح النبى والتصديق بدعوته، إذ معنى هذا أنه لم يكنيرى فى القرآن أى أثر لشعره، وإلا ما فكر فى مدحه عليه السلام بتاتًا،بل فى هجائه وفَضْحه. ثم إن فى النظم هَنَاتٍ لا يقع فيها جاهلىٌّ عادة: فقد جاءت كل من كلمتى "أرسله" و"الأنبياء" فى القصيدةبهمزة، وهو ما يحدث اضطرابا فى موسيقى البيتين اللذين وردت الكلمتان فيهما،إلا إذا حذفنا الهمزتين كما فعلت أنا هنا، فعندئذ نشعر على الفور أننابإزاء شعر إسلامى صوفى مما يصعب انتماؤه للعصر الأموى أو حتى بدايات العباسى. لكن هل يمكن أن يكون هذا قد فات ابن داود الأنطاكى؟ تلك هى المعضلة. إلاأننا لو استحضرنا فى المقابل أن كبار مؤرخى الأدب ونقاده فى تلك الفترة،وهم العلماء الذين شغلتهم قضية الانتحال فى الشعر الجاهلى والمخضرم كابنسلام وابن قتيبة والجاحظ وأبى الفرج وابن هشام، لم يَرْوُوا شيئا من هذاالشعر لأمية، لوجدنا أنها ليست بالمعضلة التى تستعصى على الحل. وأيا مايكن الأمر فكما قلت: إن من يريد منا أن نقبل نسبة الأشعار محل الدراسةلأمية فلا بد أن يقبل معها الأحداث المصاحبة لها فى الروايات التى أوردتْهالنا.
ومما تقوله الروايات عن النبى وأمية أيضا ذلك اللقاء الذى تم بينه صلىالله عليه وسلم وفارعة أخت الشاعر حينما جاءته عند دخوله الطائف فى السنةالتاسعة للهجرة وحكت له قصة أخيها وأنشدته من شعره بناءً على طلبه، وماعقَّب به عليه السلام قائلا: "يا فارعة، إن مَثَل أخيك كمَثَل منآتاه الله آياته فانسلخ منها" (ابن حجر/ الإصابة فى معرفة الصحابة/ مطبعة مصطفى محمد/ القاهرة/ 1939م/ 4/ 363، والاستيعاب فى معرفة الأصحاب/ مطبعة مصطفى محمد/ القاهرة/ 1939م/ 4/ 379). هل يعقل أنه صلى الله عليهوسلم يسعى إلى فتح ملفّ أمية ويقول فيه هذه الكلمة القارصة، وعلى مسمعمن أخته، وفى أشد اللحظات على أهل الطائف وطأةً لأنها لحظة انكسار وانهزام،لو كان قد استمد شيئا من قرآنه من شعر الرجل؟ إنه فى هذه الحالة كمن يمديده فى جحر الثعابين والعقارب معرِّضا نفسه لخطر الهلاك الوَحِىّ دونماأدنى داع، ومعاذَ الذكاء المحمدى أن يفوته عليه السلام ما ينتظره من الخطرفيقدم على التصرف بمثل هذا التهور! ونفس الشىء نقوله عن موقفه من الشريدبن الصامت، إذ لماذا يشجعه صلى الله علي وسلم على الاستمرار فى إنشاد الشعرالذى من شأنه أن يفضح دعواه لو كان أمية قد قاله فعلا قبل القرآن، واستمدهو قرآنه منه؟ بل لماذا ينشد سويد أمامه شعر أمية أصلا لو كان متطابقامع القرآن هذا التطابق الذى يدل على استمداده منه؟ بل كيف لم يتنبه لهذاالتشابه ولم يختلج على الأقل ضميره بالشكوك والوساوس؟ ولنفترض بعد ذلككله أنه صلى الله عليه وسلم قد أقدم على هذا التصرف الخاطئ فى الحالين،فكيف لم يصدر عن الطرف الآخر أى شىء يُلْمِح إلى أسبقية شعر أمية على القرآنأو حتى إلى مجرد المشابهة بين النصين ولو على سبيل فلتات اللسان؟وعندنا من الثقفيين، غير فارعة أخت شاعرنا، كنانة بن عبد ياليل، وكان رئيسثقيف فى زمانه، واشترك مع أبى عامر الراهب العدو اللدود للإسلام فى التآمرعلى الدين الجديد وصاحبه، ولم يتركا سبيلا إلا وسلكاه لبلوغ هذه الغايةحتى إنهما ذهبا إلى قيصر للاستعانة به ضد الإسلام. ولما فشلا بقى أبو عامرفى الشام، وعاد ابن عبد ياليل بعد تطواف هنا وهناك وأعلن إسلامه. ويقالإنه كان من بين المرتدين، ثم رجع إلى الإسلام مرة أخرى. والسؤال الذى يتبادرإلى الذهن لو كان الرسول قد أخذ شيئا من شعر أمية هو: كيف سكت مِثْلُ كنانةفلم يتخذ من هذا الأمر سلاحا يوجهه إلى قلب الإسلام فى مقتل فيريح نفسهوقومه والعرب جميعا من هذا البلاء الذى أرَّقهم وأزعجهم بدلا من الضربفى الآفاق والاستعانة بمن يساوى ومن لا يساوى؟ أليس هذا هو ما كان ينبغىأن يمليه المنطق على مثل ذلك الزعيم القبلى؟ لكنه لم يفعل، فعلام يدل هذا؟أيعقل أن يكون بيده ذلك السلاح الحاسم ولا يفكر فى استخدامه على طول ماحارب الإسلام وكثرة ما تآمر ضده؟ (ابن حجر/ الإصابة فى معرفة الصحابة/ 2/ 496، و3/ 305).
وكان عروة بن مسعود الثقفى قد بكَّر بالدخول فى الإسلام قبل قومه بزمن،فأراد من حبه لهم أن يهديهم الله على يديه، فاستأذن الرسولَ عليه السلامأن يأتيهم فيدعوهم إلى الدخول فى دين التوحيد، لكنه صلى الله عليه وسلمحذره من أنهم سيقتلونه. إلا أنه لم يكن يتصور أنهم يمكن أن يعادوه ويتأبَّوْاعليه اعتقادا منه أنهم يحبونه ويكرمونه أشد الإكرام، فعاود الاستئذان،والرسول يحذره، ثم أذن له فى الثالثة ليذهب إليهم ويلقى المصير الذى حاولالرسول أن يجنبه إياه، إذ ما إن بدأ يدعوهم إلى الإسلام حتى اجتمعوا إليهمن كل جانب ورَمَوْه بالنبل فقتلوه، رضى الله عنه (أبو نعيم الأصفهانى/ دلائل النبوة/ ط2/ حيدر أباد الدكن/ 1950م/ 467). أولو كان الرسول قد أخذقرآنه من أمية ابن الطائف التى طال استعصاؤها على الإسلام إلى وقت متأخر،أكان عروة يدخل فى دينه مخالفا قومه بهذه البساطة؟ بل أكان الرسول يرضىأن يذهب إليهم هذا المندفع الذى لا يفكر فى العواقب، ومعروف أن أول ماسيجيبونهبه هو: أوقد نسيت أن الرسول الذى تدعونا إلى الإيمان بدينه ليس سوى سارقلشعر شاعرنا، أخذه وزعم أنه قرآن يُوحَى إليه من السماء؟ وحتى لو لم يفكرأى منهما فى تلك النتيجة التى لا يمكن أن يتجه الذهن إلى أى شىء غيرها،أكانت ثقيف تدع تلك الفرصة السانحة دون أن تتهكم بعروة على غفلته وتحمسهلدين يقوم على هَبْش النصوص الشعرية من الشعراء الآخرين والزعم بأنه وحىمن عند رب العالين؟وهناك أيضا من مشاهير الثقفيين الشاعر أبو محجن، الذى كان مدمنا للشراب،وكان يتأرجح بين عشقه المتوله للخمر وتحرجه الدينى، وإن كان للعشق الغلبةفى بداية أمره حتى لقد حُدَّ فيها مرارا، ونفاه عمر إلى إحدى الجزر...إلىأن جاءت حرب القادسية، وقصته فيها معروفة، إذ كان ساعتها فى القيد فى بيتسعد بن أبى وقاص (قائد المسلمين فى تلك المعركة) بسبب الخمر انتظارا لإيقاعالحدّ عليه، فأخذ يلحّ على امرأة سعد من وراء زوجها أن تحل وثاقه كى يستطيعالمشاركة فى الجهاد فى سبيل الله، ولها عليه عهد الله أن يعود من تلقاءنفسه بعد المعركة فيضع رجليه فى القيد كرة ثانية، حتى نجح فى إقناعها فأطلقتهفحارب وأبلى فى الحرب بلاء حسنا وانتصر المسلمون، فكان عند كلمته وعادفوضع رجليه فى القيد، ثم أعلن توبته النهائية عن أم الخبائث بعد أن أبدىسعد إعجابه به ووعده أنه لن يحده أبدا، إذ صرَّح قائلا إنه يستطيع الآنأن يقلع عنها دون الخوف من أن يقول أحد عنه إنه تركها خشية العقاب. ولايزال ديوانه يمتلئ بالأشعار التى يتغزل فيها فى بنت الكَرْم متمردا علىتحريمها فى دين محمد. بل إنه كان أحد الذين دافعوا عن الطائف أثناء حصارالمسلمين لها عقب فتح مكة، وأصاب سهمه فيها ابنًا لأبى بكر (الزركلى/ الأعلام/ ط3/ 5/ 243، ودائرة المعارف الإسلامية/ الترجمة العربية/ 2/ 597- 598،وديوان الشاعر، وبهجة عبد الغفور الحديثى/ أمية بن أبى الصلت/ 42- 43). والسؤال هنا أيضا: كيف لم يتحدث مثل هذا الشاعر عن استعانة الرسول بشعرابن قبيلته ولو فى نوبة من نوبات تهتكه وتمرده على تحريم الإسلام الصارملأم الخبائث، أو فى شعره قبل دخوله فى الإسلام؟
عمرو الشاعر
05-18-2010, 08:10 AM
ثم لدينا من الثقفيين أيضا الحجاج بن يوسف، الذى كان معلما للقرآن فى بدايةحياته كأبيه لا يبتغى بذلك مالا، بل احتسابًا عند الله، ثم أصبح فيما بعدأحد عمال بنى أمية الكبار. وهو الذى أدخل على نظام الكتابة العربية المزيدمن الإتقان والضبط، إذ عهد إلى نصر بن عاصم بإعجام الخط، أى وَضْع النقاطللتمييز بين الأحرف المتشابهة كالباء والتاء والثاء، والجيم والحاء والخاء...طلبًالمزيد من الدقة والتسهيل فى قراءة القرآن، الذى يدَّعى بعض الرُّقَعاءأنه مقتبَس فى بعض مواضعه من شعر أمية. كما كان، رغم كل ما قيل عن قسوتهأيام ولايته على العراق، من المداومين على قراءة القرآن. وكذلك كان يشجعبكل وسيلة على حِفْظه، ويُدْنِى منه حُفّاظه (أحمد صدقى العَمَد/ الحجاجبن يوسف الثقفى- حياته وآراؤه السياسية/ دار الثقافة/ بيروت/ 1975م/ 86- 87، 96، 474، 477- 478، وهزاع بن عيد الشّمّرى/ الحجاج بن يوسف الثقفى- وجه حضارى فى تاريخ الإسلام/ دار أمية/ الرياض/ 44). والآن ألا يحق لناأن نتساءل: ما الذى جعل الحجاج يتحمس لدين محمد كل هذا التحمس لو كان هناكولو ذرة واحدة من الشك تحوم حول مصدر هذا الكتاب، وبخاصة أن المصدر فىهذه الحالة لن يكون شيئا آخر غير شعر ابن القبيلة التى يعتزى هو إليها؟لا ليس ابن قبيلته فقط، بل هو ابن خالة جده الرابع لأمه: معتب بن مالك (انظر فى نَسَبه "الحجاج بن يوسف الثقفى- وجه حضارى فى تاريخ الإسلام" لهزاع بن عيد الشّمّرى/ 15). ولا يظنَّنّ أحد أن شعر أمية لم يكن يهم الحجاجلانشغاله بالسياسة وما يتصل بها، فقد رُوِىَ عنه قوله: "ذهب قوم يعرفونشعر أمية، وكذلك اندراس الكلام" (د. جواد على/ المفصَّل فى تاريخالعرب قبل الإسلام/ 6/ 483 )، أى أن نصوص الشعر والأدب إنما تضيع بذهابمن يحفظونها. وههنا نقطة مهمة جدا، ألا وهى أن شعر أمية قد ضاع، على أقلّتقدير،ٍ جانبٌ كبير منه قبل الحجاج، فكيف وصلنا إذن كل هذا الشعر الذىيشابه القرآن إذا كان واحد من أقرب من تصله به رابطة الدم يشكو من ضياعهعلى هذا النحو؟وأهم من ذلك كله دلالةً على ما نريد من أن القضية التى يثيرها الفارغونالجهّال من المبشرين ومَنْ لَفَّ لفَّهم من أبناء المسلمين الذين ختم اللهعلى قلوبهم وعقولهم وأعينهم، فهم لا يفكرون ولا يستمعون إلا لكل مغرض ممنيريد أن يقضى عليهم وعلى أمتهم، إنما هى زوبعة فى كستبان لا أكثر، أن الفارعةأخت أمية، وأبناءه القاسم وأمية وربيعة ووَهْبًا، قد دخلوا مع ثقيف كلهافى الإسلام، وكان القاسم وأمية وربيعة يقولون الشعر، ولم يُؤْثَر عن أىمنهم ولا من غيرهم ممن كان يمتّ بصلة نسب إلى أميّة أية كلمة تومئ مجردإيماء إلى أن الرسول يمكن (يمكن فقط) أن يكون قد استفاد من شعر ذلك الشاعرعلى أى نحو من الأنحاء، ودعك من أن مجرد اعتناقهم الإسلام هو فى حد ذاتهبرهان على تكذيبهم بأبيهم وانحيازهم إلى محمد، وهو ما ينقض ما يهرف بهالأغبياء المحترقون حقدًا على دين محمد من أن القرآن هو فى بعض جوانبهاقتباس من شعر متحنّف الطائف. كما أن كثيرا من العرب قد ارتدّ بعد وفاتهصلى الله عليه وسلم، وكان لكل قبيلة تعلاتها السخيفة التى تحاول أن تسوّغبها هذه الردة، لكننا لم نسمع قطّ أن أحدا ممن ارتدّ قد فتح هذا الموضوع. بل إن قبيلة ثقيف قد هَمَّتْ بالارتداد، لولا أن عثمان بن العاص كرّه إليهمالإقدام على مثل ذلك التصرف الذى لا يليق، فما كان منهم إلا أن فاؤوا إلىرشدهم ولم يعودوا إليها، بل كان منهم كثيرون حاربوا المرتدّين بكل إخلاص. وهنا أيضا لم نسمع أية نأمة حول الاستفادة المحمدية المزعومة من شعر أمية! ليس ذلك فحسب، فهناك، كما أشار د. جواد على (فى كتابه: "المفصَّلفى تاريخ العرب قبل الإسلام"/ 6/ 493)، يوحنا الدمشقى مثلا، وهو منأوائل من كتب من النصارى مهاجما الإسلام، وكان معاصرا لدولة بنى أمية. أفلو كان لهذه الشبهة أىّ ظل من الحقيقة مهما ضَؤُل، أكان هذا الراهب المتعصبعلى الإسلام، والذى يريد أن يهدمه على رؤوس أصحابه ويثبت بكل وسيلة أنمحمدا لم يكن نبيًّا صادقًا، يُفْلِت تلك السانحة الغالية ويسكت فلا يستخدمهذه الورقة الجاهزة والرابحة بكل يقين؟بهذا تكون القضية قد ظهرت على وجهها الحقيقى: فلا أمية ولا أى واحد منأبنائه أو أقاربه أو قبيلته أو حتى من العرب، بل ولا من النصارى واليهودالذين عاصروا النبى أو جاؤوا بعده بقليل، قد أثار هذا الأمر على أى وضع. أليس لنا الحق بعدئذ فى أن نصف من يفتح هذا الموضوع الآن بالرقاعة والوقاحة؟إن ذلك بمثابة رفع دعوى من غير ذى صفة، بل من شخص لا يستند إلى أى توكيلمن أىٍّ من أصحاب الشأن رغم أن الظروف كلها من شأنها أن تدفع أصحاب الشأنهؤلاء إلى الكلام لو كان لتلك المزاعم أساسٌ أىّ أساس! خلاصة القول إنهليس أمامنا فى هذه المسالة إلا أمران: فإما قلنا بزيف نسبة هذه الأشعارإلى أمية، وإما قلنا إنه قد نظمها تقليدا لما جاء فى القرآن. لكن د. جوادعلى يرفض الاحتمال الثانى ولا يرى إلا احتمالا واحدا هو زيف الأشعار المعزوّةإلى أمية. ومن بين ما اعتمد عليه فى هذا الرأى أن النبى عليه السلام لميتهم أمية بالأخذ منه (المفصَّل فى تاريخ العرب قبل الإسلام/ 6/491). وأنا،وإن كنت أميل إلى رأى الأستاذ الدكتور، لا أستطيع أن أنبذ الرأى الآخرمائة فى المائة لعدم توفر دليل قاطع على صحته، ولكيلا أترك فرصة لأى جَعْجَاعيريد أن يُجْلِب على القرآن والرسول، فكان لا بد أن أسدّ هذه الثغرة. ومنهنا فإنى أجيب على الحجة التى ساقها د. جواد بالقول إن النبى عليه السلامأكبر من أن يقف عند هذه الأشياء، وبخاصة أنه قد نزل عليه القرآن كى يفيدمنه الناسُ أيا كان نوع تلك الإفادة لا ليشمخ به عليهم. ثم إن القرآن ليسملكا للرسول بل هو كتاب الله، فماذا كان يمكن للرسول أن يقول لأمية فىهذه الحالة، وبالذات إذا علمنا أن أمية لم يواجهه بل اكتفى بالازورار؟وحتى هذا الازورار لم يكن كاملا، فقد جاء فى بعض الروايات أنه وفد عليهذات مرة واستمع منه إلى سورة "يس"، وشهد له بالحق، وأنه، عندعودته من الشام، قد أخذ طريقه إلى المدينة ليعلن الدخول فى دين محمد لولاتحريض المشركين له بإثارة نقمته على الرسول جرّاء مقتل بعض أقاربه علىيد المسلمين فى بدر حسبما جاء فى "الإصابة" لابن حجر و"مجمعالبيان" للطَّبَرْسِىّ وغيرهما (د. جواد على/ المفصَّل فى تاريخ العربقبل الإسلام/ 6/ 486). أما إذا كان لا بد من أن يردّ عليه النبى رغم ذلككله، أفلا يكفينا ما رُوِىَ عنه صلى الله عليه وسلم من قوله فيه: "آمنشعره، وكفر قلبه" أو "آمن لسانه، وكفر قلبه" (صحيح مسلممن كتاب "الشعر". وقد أورده الدكتور جواد نفسه فى "المفصّلفى تاريخ العرب قبل الإسلام "/ 485)؟ إذ معنى "آمن شعره أو لسانه" أنه كان يأخذ ما جاء فى القرآن ويردّده فى شعره ترديد المؤمن به، لكن حسدهله عليه السلام قد منعه أن يعلن ذلك بصفة رسمية ونهائية، وهذا معنى كفرانقلبه. أما الاحتمال الثالث الذى طرحه بعض المستشرقين، كالمستشرق الألمانىشولتس ناشر ديوان أمية، من أن النبى وأمية قد استقيا كلاهما من مصدر ثالثمشترك فهو احتمال ليس له رِجْلان يمشى عليهما، إذ أين ذلك المصدر المشترك؟ولِمَ لَمْ يظهر طوال كل هاتيك القرون؟ وكيف وقع كل منهما عليه، وبينهماكل هذا البعد المكانى والنفسى؟ ثم لماذا هما وحدهما بالذات من دون العربكلهم بل من دون العالم أجمع؟
النسخة الماسية الإصدار vBulletin 3.6.8
nabdh-alm3ani.net bdr130.net