عمرو الشاعر
05-27-2010, 08:09 AM
محاضرة
العقل والتفكير وأثرهما في النهوض الحضاري
أمين نايف ذياب
في قاعة
جمعية الدراسات والبحوث الإسلامية
و
المعهد العالمي للفكر الإسلامي
9/10/1995
بسم الله الرحمن الرحيم
بداية لابد من إزجاء الشكر للقائمين على جمعية الدراسات والبحوث الإسلامية، والمعهد العالمي للفكر الإسلامي/مكتب الأردن، وعلى التخصيص الدكتور فتحي ملكاوي، أمّا الحضور فلهم شكران، الشكر الأول لاهتمامهم في حضور الندوات الثقافية، والثاني لحضورهم هذه المحاضرة بالذات.
أما الجند المجهولون في هذه المحاضرة وغيرها، فهم العاملون في جمعية الدراسات والبحوث الإسلامية، والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، إذ لجهدهم الطيب العملي نحن مدينون.
عنوان هذه المحاضرة، يحوي خمس كلمات هي: العقل/التفكير/الأثر/النهوض/الحضاري، وهذه الكلمات من مواضيع الجدال بين المثقفين، إذ لا تستحضر هذه الكلمات معنى وحداً في الذهن، وإنما تستحضر معان متباينة في الأذهان، فكلمة عقل والترجمة الإنجليزية لها هي: mind فهل يتطابقان في المعنى والاستعمال؟ وهل اتفق العرب الأعراب أو العرب العاربة على معنى لها؟
إن كلمة عقل العربية اللغة، الإسلامية المضمون، أثارت سابقاً جدلاً عنيفاً بين المدارس الفكرية الإسلامية، ولا زال هذا الجدل شديداً داخل التوجهات الإسلامية، وهي الآن تثير جدلاً محتدماً وعنيفاً بين تيارات التغريب –على اختلاف أنواعها- والتيار الإسلامي، فالغرب ودعاته في هذه المنطقة، يحكم لأفكاره بأنها عقلية، وأنها علمية، ويحكم على الفكر الإسلامي بأنه فكر حدسي.
إن كلمات: عقل ولب وحجر ونهى وحلم وفؤاد في سياقات وتراكيب معينة، إنما يراد بها العملية العقلية، ومع أنها تشترك في دلالاتها على العملية العقلية، إلا أنها تختلف في الدرجة اختلافاً ظاهراً.
كلمة العقل ليست من أسماء الذوات، كرسي قلم إنسان شجرة جاموس …الخ، وليست من كلمات المعاني المدركة إدراكاً مادياً ظاهرياً، حراثة زراعة هجوم حصيد وليست من كلمات المعاني المدركة إدراكاً شعورياً، رضا حب حنان غضب عطش وليست من كلمات المعاني المجردة المطلقة، التي لا يُحَدُّ مداها، الكمال المطلق ، الأزل في معناه المطلق، الأبد ، السرمد ، الخلود ، العدم عندما يراد بها المطلق وهي ليست من كلمات العلاقات، جنب، مع، فوق، تحت، في، أيضاً ولهذا لم تأت في القرآن الكريم كلمة عقل، وإنما وردت عقلوه/تعقلون نعقل/يعقلها/يعقلون في تسع وأربعين موضعاً.
لا يستطيع واحد أن يقول لآخر (أين عقلك؟) سائلاً عن ماهية اسمها العقل، ومع أنه يستطيع أن يسأله ذلك على المجاز، أي كيف عقلت هذا الأمر، ويستطيع أن يقول: كيف يعقل الإنسان أمراً؟ مثل ما أنه يستطيع أن يقول للآخر، كيف تضحك؟ أي يسألُ سؤالاً في محل التعلم، ويستطيع الآخر الذي يجيب، أن يفسر كيف يضحك تفسيراً فسيولوجياً، أي تفسير يرتكز على آلات الضحك، إلا أنه لا يمكن له أن يفسر كيف يعقل تفسيراً فسيولوجياً، مع أنه حقيقةٌ تحدث أمورٌ فسيولوجية، في خلايا الدماغ حين عملية التعقل، ولكنها جزئيةٌ لا تُفَسِّرُ عملية التعقل.
الإنسان كائن عاقل، تقال عند محاولة تمييز الإنسان عن غيره من الكائنات، ولكن هل يمكن أن نقول الملائكة عقلاء؟ أو نقول الجن مجموعة عقلاء؟ أي يعقلون الأمور أو أن نقول الله عاقل؟
يجزم الباحث أن الملائكة تعرف بالضرورة، ولا تعرف بالعملية العقلية، ويجزم الباحث أيضاً أن الجن تعرف بالضرورة مع تخييرها في الانحياز إلى ما تعرف سلباً أو إيجاباً ولكنها لا تعرف بواسطة العملية العقلية، ويُعلم أن الله عالمٌ لا يجهل، ولا نقول عنه عارف.
ما يستطيع الباحث أن يقوله أن الإنسان وحده دون خلق الله أجمعين مميز بالعقل، فالكائن الوحيد العاقل هو الإنسان، وبسبب عقله أنيطت به مهمة الاستخلاف في الأرض. "معنى المعرفة ضرورةً خلق الله المعرفة للكائن لا اكتسابها".
ماذا يعني أن الإنسان هو الكائن الوحيد العاقل؟ هل معنى ذلك أنه مخلوق منذ يومه الأول أي منذ الولادة عاقلاً؟ والجواب طبعاً لا، وإنما العقل عنده لا وجود له أبداً، وإنما كل ما هو موجود منذ ولادته وبسبب من جين (مُوَرِّث) فيه هو جهازه العصبي، بخلاياه الملايين، والدماغ يباشر مهمته التي هي السيطرة على الوظائف الفسيولوجية الحيوية، من مدركات حسية متعلقة بالحياة والحفاظ عليها منذ الولادة، ولكنه لا يباشر العملية العقلية أبداً، فالطفل لا عقل له فالعقل مكتسب ولا يوجد إلا بالاكتساب {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون}.
يبدأ تكوين العقل عند الطفل من بدايات التمييز، حين يتجاوز صور الأشياء (الإدراك الحسي)، وصور الأشياء التي تشبع، والأشياء التي تؤلم، إلى معرفة الأشياء، وإطلاق أسماء على هذه الأشياء، وهكذا فهو يكتسب العقل من والديه وبيئته، والناس حوله من مدرسة ومجتمع، وهو هنا يختزن في خلايا دماغه معلومات عن الأشياء، فإذا حصل على جملة من المعلومات التي تمكنه من القدرة على النظر والاستدلال، وصف بالعقل، وبهذه القدرة يتمكن من إعادة النظر في كونه الذي يعيش فيه، وفي المقولات التي تلقنها، ليدرك صحتها وصدقها، وهذا العقل يسمى العقل الناظر، والعقل الناظر هو العقل المكلف، ولهذا فإن الحديث "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه" لا يبحث عن إيمان فطري، وإنما يبحث عن أن التلقين بموضوع الإيمان، يعني الوقوع بالخطأ.
كيف يعقل الإنسان؟ وماذا يعقل؟ وماذا لا يعقل؟
يعقل الإنسان من خلال عملية عقلية مركبة، لا يمكن الفصل بين أي أمر منها والآخر، فلا يوجد في العملية العقلية عنصر أساسي وعنصر ثانوي وآخر مشتق، بل هي عملية مركبة، هي: واقع أو حادث أو شيء يقع حس الإنسان عليه، وحواس تنقل صورة الواقع إلى خلايا الدماغ، وعملية ربط بين ذلك الواقع والمعلومات المتعلقة بهذا الواقع، وهي معلومات مختزنة بخلايا الدماغ (خلايا خاصة)، هذه هي العملية العقلية بصورتها البسيطة وهذه العملية العقلية موجودة عند كل إنسان، من سن التمييز إلى الوفاة، ما لم يحدث حادث يعطل العقل، هذا العقل البسيط جداً موجود عند البدائي، والذي قطع أشواطاً عديدة في سلم الارتقاء.
أمّا ماذا يعقل الإنسان، فهو لا يعقل إلا ما يقع تحت حسه، ويصدر أحكاماً حول هذه الأشياء، أي إثبات وجود الأشياء، والصفة الوجودية التي هي عليها، ثم ماهيات هذه الأشياء، وينبثق عن فهم الماهيات تصرف الإنسان تجاهها، من تسخير أو اتقاء، ثم تُدرك علاقات هذه الأشياء ببعضها أو بالإنسان.
العقل والتفكير وأثرهما في النهوض الحضاري
أمين نايف ذياب
في قاعة
جمعية الدراسات والبحوث الإسلامية
و
المعهد العالمي للفكر الإسلامي
9/10/1995
بسم الله الرحمن الرحيم
بداية لابد من إزجاء الشكر للقائمين على جمعية الدراسات والبحوث الإسلامية، والمعهد العالمي للفكر الإسلامي/مكتب الأردن، وعلى التخصيص الدكتور فتحي ملكاوي، أمّا الحضور فلهم شكران، الشكر الأول لاهتمامهم في حضور الندوات الثقافية، والثاني لحضورهم هذه المحاضرة بالذات.
أما الجند المجهولون في هذه المحاضرة وغيرها، فهم العاملون في جمعية الدراسات والبحوث الإسلامية، والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، إذ لجهدهم الطيب العملي نحن مدينون.
عنوان هذه المحاضرة، يحوي خمس كلمات هي: العقل/التفكير/الأثر/النهوض/الحضاري، وهذه الكلمات من مواضيع الجدال بين المثقفين، إذ لا تستحضر هذه الكلمات معنى وحداً في الذهن، وإنما تستحضر معان متباينة في الأذهان، فكلمة عقل والترجمة الإنجليزية لها هي: mind فهل يتطابقان في المعنى والاستعمال؟ وهل اتفق العرب الأعراب أو العرب العاربة على معنى لها؟
إن كلمة عقل العربية اللغة، الإسلامية المضمون، أثارت سابقاً جدلاً عنيفاً بين المدارس الفكرية الإسلامية، ولا زال هذا الجدل شديداً داخل التوجهات الإسلامية، وهي الآن تثير جدلاً محتدماً وعنيفاً بين تيارات التغريب –على اختلاف أنواعها- والتيار الإسلامي، فالغرب ودعاته في هذه المنطقة، يحكم لأفكاره بأنها عقلية، وأنها علمية، ويحكم على الفكر الإسلامي بأنه فكر حدسي.
إن كلمات: عقل ولب وحجر ونهى وحلم وفؤاد في سياقات وتراكيب معينة، إنما يراد بها العملية العقلية، ومع أنها تشترك في دلالاتها على العملية العقلية، إلا أنها تختلف في الدرجة اختلافاً ظاهراً.
كلمة العقل ليست من أسماء الذوات، كرسي قلم إنسان شجرة جاموس …الخ، وليست من كلمات المعاني المدركة إدراكاً مادياً ظاهرياً، حراثة زراعة هجوم حصيد وليست من كلمات المعاني المدركة إدراكاً شعورياً، رضا حب حنان غضب عطش وليست من كلمات المعاني المجردة المطلقة، التي لا يُحَدُّ مداها، الكمال المطلق ، الأزل في معناه المطلق، الأبد ، السرمد ، الخلود ، العدم عندما يراد بها المطلق وهي ليست من كلمات العلاقات، جنب، مع، فوق، تحت، في، أيضاً ولهذا لم تأت في القرآن الكريم كلمة عقل، وإنما وردت عقلوه/تعقلون نعقل/يعقلها/يعقلون في تسع وأربعين موضعاً.
لا يستطيع واحد أن يقول لآخر (أين عقلك؟) سائلاً عن ماهية اسمها العقل، ومع أنه يستطيع أن يسأله ذلك على المجاز، أي كيف عقلت هذا الأمر، ويستطيع أن يقول: كيف يعقل الإنسان أمراً؟ مثل ما أنه يستطيع أن يقول للآخر، كيف تضحك؟ أي يسألُ سؤالاً في محل التعلم، ويستطيع الآخر الذي يجيب، أن يفسر كيف يضحك تفسيراً فسيولوجياً، أي تفسير يرتكز على آلات الضحك، إلا أنه لا يمكن له أن يفسر كيف يعقل تفسيراً فسيولوجياً، مع أنه حقيقةٌ تحدث أمورٌ فسيولوجية، في خلايا الدماغ حين عملية التعقل، ولكنها جزئيةٌ لا تُفَسِّرُ عملية التعقل.
الإنسان كائن عاقل، تقال عند محاولة تمييز الإنسان عن غيره من الكائنات، ولكن هل يمكن أن نقول الملائكة عقلاء؟ أو نقول الجن مجموعة عقلاء؟ أي يعقلون الأمور أو أن نقول الله عاقل؟
يجزم الباحث أن الملائكة تعرف بالضرورة، ولا تعرف بالعملية العقلية، ويجزم الباحث أيضاً أن الجن تعرف بالضرورة مع تخييرها في الانحياز إلى ما تعرف سلباً أو إيجاباً ولكنها لا تعرف بواسطة العملية العقلية، ويُعلم أن الله عالمٌ لا يجهل، ولا نقول عنه عارف.
ما يستطيع الباحث أن يقوله أن الإنسان وحده دون خلق الله أجمعين مميز بالعقل، فالكائن الوحيد العاقل هو الإنسان، وبسبب عقله أنيطت به مهمة الاستخلاف في الأرض. "معنى المعرفة ضرورةً خلق الله المعرفة للكائن لا اكتسابها".
ماذا يعني أن الإنسان هو الكائن الوحيد العاقل؟ هل معنى ذلك أنه مخلوق منذ يومه الأول أي منذ الولادة عاقلاً؟ والجواب طبعاً لا، وإنما العقل عنده لا وجود له أبداً، وإنما كل ما هو موجود منذ ولادته وبسبب من جين (مُوَرِّث) فيه هو جهازه العصبي، بخلاياه الملايين، والدماغ يباشر مهمته التي هي السيطرة على الوظائف الفسيولوجية الحيوية، من مدركات حسية متعلقة بالحياة والحفاظ عليها منذ الولادة، ولكنه لا يباشر العملية العقلية أبداً، فالطفل لا عقل له فالعقل مكتسب ولا يوجد إلا بالاكتساب {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون}.
يبدأ تكوين العقل عند الطفل من بدايات التمييز، حين يتجاوز صور الأشياء (الإدراك الحسي)، وصور الأشياء التي تشبع، والأشياء التي تؤلم، إلى معرفة الأشياء، وإطلاق أسماء على هذه الأشياء، وهكذا فهو يكتسب العقل من والديه وبيئته، والناس حوله من مدرسة ومجتمع، وهو هنا يختزن في خلايا دماغه معلومات عن الأشياء، فإذا حصل على جملة من المعلومات التي تمكنه من القدرة على النظر والاستدلال، وصف بالعقل، وبهذه القدرة يتمكن من إعادة النظر في كونه الذي يعيش فيه، وفي المقولات التي تلقنها، ليدرك صحتها وصدقها، وهذا العقل يسمى العقل الناظر، والعقل الناظر هو العقل المكلف، ولهذا فإن الحديث "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه" لا يبحث عن إيمان فطري، وإنما يبحث عن أن التلقين بموضوع الإيمان، يعني الوقوع بالخطأ.
كيف يعقل الإنسان؟ وماذا يعقل؟ وماذا لا يعقل؟
يعقل الإنسان من خلال عملية عقلية مركبة، لا يمكن الفصل بين أي أمر منها والآخر، فلا يوجد في العملية العقلية عنصر أساسي وعنصر ثانوي وآخر مشتق، بل هي عملية مركبة، هي: واقع أو حادث أو شيء يقع حس الإنسان عليه، وحواس تنقل صورة الواقع إلى خلايا الدماغ، وعملية ربط بين ذلك الواقع والمعلومات المتعلقة بهذا الواقع، وهي معلومات مختزنة بخلايا الدماغ (خلايا خاصة)، هذه هي العملية العقلية بصورتها البسيطة وهذه العملية العقلية موجودة عند كل إنسان، من سن التمييز إلى الوفاة، ما لم يحدث حادث يعطل العقل، هذا العقل البسيط جداً موجود عند البدائي، والذي قطع أشواطاً عديدة في سلم الارتقاء.
أمّا ماذا يعقل الإنسان، فهو لا يعقل إلا ما يقع تحت حسه، ويصدر أحكاماً حول هذه الأشياء، أي إثبات وجود الأشياء، والصفة الوجودية التي هي عليها، ثم ماهيات هذه الأشياء، وينبثق عن فهم الماهيات تصرف الإنسان تجاهها، من تسخير أو اتقاء، ثم تُدرك علاقات هذه الأشياء ببعضها أو بالإنسان.