عمرو الشاعر
04-02-2008, 08:41 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
نتناول اليوم بإذن الله سورة الضحى وهي من سور المخاطبات التي خوطب بها النبي المصطفى لذاته مثل الكوثر والكافرون والفتح , ومثل آيات أخر كثيرات في سور أخر والتي يمكن أن يدخل فيها تباعا باقي المسلمين من باب التوسع والتجوز !
وبما أن السورة من المخاطبات للنبي فلا بد من وجود حادثة أو واقعة أو سبب معين سبق هذه السورة فجاءت هذه السورة تعقيبا عليه , ويورد أهل الحديث في سبب نزول هذه السورة العديد من الروايات أهمها :
أخرج الشيخان وغيرهما عن جندب قال اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلة اوليلتين فأتته امرأة فقالت يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فأنزل الله والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى . واخرج سعيد بن منصور والفريابي عن جندب قالأبطأ جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال المشركون قد ودع محمد فنزلت ك وأخرجالحاكم عن زيد بن أرقم قال مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما لا ينزل عليه جبريل فقالت أم جميل امرأة أبي لهب ما أرى صاحبك إلا قد ودعك وقلاك فأنزل الله والضحى الآيات "
والمضمون العام للروايات يتفق مع المناجاة الموجودة في السورة ومع الطمأنة المبثوثة بين ثناياها , لذا فإنا نرى أنه لا مانع أبدا من قبول هذه الروايات كسبب لنزول السورة , وإن كان يمكن أن يفهم السبب المجمل من خلال قوله تعالى " ما ودعك ربك وما قلى "
ونبدأ فنقول : بدأ الله تعالى السورة بقوله " والضحى " وهي آية كاملة , والضحى معروف فهو صدر النهار حين ترتفع الشمس وتلقي شعاعها , وهو آية كاملة , ثم قال في الآية التالية " والليل إذا سجى " وسجى تأتي في اللغة بمعان عدة أشهرها التغطية والإظلام وهما في المضمون واحد وقيل أنه بمعنى السكون وهو بعيد في هذا السياق .
إذا فالله تعالى يقسم في أول السورة بقوله بوقت ارتفاع الشمس وظهور الضوء وكذلك بالليل عندما يظلم وشتد سواده فيغطي الأشياء كلها , فما علاقة هذه الأشياء بالسورة وبالرسول ؟
قلنا أن الرسول كان قد اشتكى فتور الوحي عنه لفترة من الزمان الله أعلم طالت أو قصرت ( وفي هذا دليل على أن القرآن ليس من عند محمد إذا لو كان يؤلفه لألف شيئا وأضافه إلى ما قاله سابقا !) فنزلت هذه السورة بقوله تعالى والضحى والليل . واختلف المفسرون هل المراد من الضحى هو الضحى فقط أم أنه إشارة إلى النهار كله لأن الله تعالى قابله بالليل ؟ ولكن المتيقن أن المراد من الضحى هو الضحى فقط لأن الله تعالى قال " الضحى " ولم يقل النهار كما قال في سورة الشمس , ثم إن الله تعالى لم يقابل الضحى بالليل كله وإنما قابله بالليل في حالة مخصوصة وهي إذا سجى أي غطى وأظلم واشتد ظلامه , فهذه حالة في النهار يقابلها حالة في الليل فلا إشكال .
نعود إلى مناسبة ذكر الله تعالى هاتين الآيتين في أول السورة فنقول وبالله التوفيق : عندما فتر الوحي عن النبي الكريم لفترة من الزمان اشتد ذلك عليه وعاب عليه المشركون ذلك وسخروا منه , فنزلت هذه الآيات تواسي النبي الكريم وتعرفه أنه لا ينبغي عليه أن يحزن ويتأثر بأقوال هؤلاء القوم وأنه عليه أن يعلم أن الأمور كلها بيد الله , يجريها متى يشاء من الأوقات والأزمان , فليس الوحي ينزل متى يريد الرسول ولكن الوحي ينزل في الزمن الذي يريد الله عزوجل ! فكأن الآيات تقول : إذا كنت حزنت أن الوحي انقطع لفترة من الزمن فوالضحى والليل ( واللذان هما من عناصر الزمن وعلامته ) ما ودعك ربك وما قلى !
قد يقول قائل : نعم , فهمنا الآن لم ذكر الضحى والليل في أول السورة والعلاقة بينهما وبين انقطاع الوحي لفترة زمنية , ولكن لم خص الله تعالى الضحى والليل بالذات , فقد كان من الممكن أن يذكر أي وقت آخر أو كان من الممكن أن يذكر النهار كله والليل كله , فما الحكمة من التخصيص ؟
نقول : الله أعلم بالحكمة تحديدا ولا أحد يستطيع أن يجزم بها ولكن الكل يجتهد في تحديدها , فنقول وعلى الله التوكل : الضحى كما قلنا هو صدر النهار أي أول بداية ظهر الضوء الواضح المشرق الذي يجلي الأشياء بدون أي لبس أو خداع , كما أنه هو الضوء الجميل الذي لا حر فيه ولا معاناة كما في ضوء الظهر الذي يجلي ولكنه يؤذي ويتعب ! وسجي الليل هو تغطيه الأشياء أعلى درجات التغطية بالإظلام الشديد , وبين الإثنين طباق , فالضحى يجلي والليل يسجي , فكأن المراد أن الله تعالى يوضح للنبي أنه رب الزمان كله من أقصاه إشراقا إلى أقصاه ظلاما , كما أنه رب ما بينهما بداهة ! والإنسان بطبيعة الحال يتقلب بين الإثنين , كما أن في الآيتين إشارة لطيفة وهي أن الضحى إشارة إلى الإسلام وإلى الرسول نفسه والليل إشارة إلى الكفر والشرك , فالإسلام والرسول نور من عند الله ظهر وأشرق فأنار " قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين " , والإسلام لا يزال في بدايته ولكنه سيصير نهارا عاما , والضحى هو بداية النهار, فهو إشارة إلى أن الإسلام سيظهر وسيعم على الرغم من عناد الكافرين , فبعد الضحى حتما يأتي النهار ! ويقابلهما الكفر والشرك وهو ظلام يحاول أن يغطي هذا النور ولكن الله تعالى ناصر دينه " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " , فكأن الله تعالى يقول للنبي لا تحزن على ما معك فلن يضيعك ولن يضيعه الله فعلى الرغم من عناد الكافرين فأنت ظاهر عليهم ظاهر , منصور بإذن الله منصور .
وبعد هذا التأكيد والجزم من الله العليم يأتي المجزوم والمقطوع به وهو قوله تعالى " ما ودعك ربك وما قلى " والودع معروف وهو كما جاء في المقاييس : أصل واحد يدل على الترك والتخلية ! فما هو القلو ؟
هو كما جاء في المقاييس :
" القاف واللام والحرف المعتلّ أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على خِفّةٍ وسرعة .... وكلُّ نابٍ عن شيء متجافٍ عنه: مُقْلَوْلٍ .... ومن الباب القِلَى، وهو البُغض. يقال منه: قَلَيْتُه أقلِيه قِلىً. وقد قالوا: قَلَيتُهُ أَقلاه. والقِلَى تجافٍ عن الشّيء وذَهابٌ عنه " . اهـ
ولقد قال المفسرون أن القلو هو البغض ولو كان كذلك فقط لقال الله " وما أبغض" و لكن القلو هو البغض المقرون بالتباعد والتجاف عن الشيء , فكما قلنا القلو أصل يدل على خفة وسرعة , فكأن الله تعالى يقول : لم يسرع ربك في الإعراض عنك يا محمد ولم يتجاف عنك مبغضا !
إذا فالله تعالى يجزم للرسول أنه ما تركه ولا أبغضه وتجافى عنه ! ونلاحظ أن السادة المفسرون قالوا أن المراد " وما قلاك " ! ولكنه حذف الكاف اكتفاءا بالكاف الموجودة في " ودعك " ولكي تتناسب رؤوس الآيات ! ولكنا طبعا نأخذ الآيات كما هي ولا نقول بحذف حرف من أجل تناسب رؤوس الآيات ونرى أن المعنى عام في هذا الكلمة , يدخل فيه كل ما يتناسب معه ويمكن إدخاله ! ولئن ذكرنا بعضها فليس هذا مانعا مو وجود غيرها قابلا للدخول بشرط التوافق مع الآيات وعدم التنافر , فنقول المراد والله أعلم أن الله عزوجل يقول للنبي أنني ما تركتك يا محمد ولا تخليت عنك " ما ودعك " وكذلك فأنا لم أبغض أو أتجافى عامة سواء عنك أو عن الدين والوحي أوالمسلمين من الصحابة أوعن مؤازرتك فكل هذه المعاني وغيرها قابلة للدخول تحت الكلمة ولا حاجة لنا بالتخصيص وحصرها في النبي الكريم .
يتبع ................
نتناول اليوم بإذن الله سورة الضحى وهي من سور المخاطبات التي خوطب بها النبي المصطفى لذاته مثل الكوثر والكافرون والفتح , ومثل آيات أخر كثيرات في سور أخر والتي يمكن أن يدخل فيها تباعا باقي المسلمين من باب التوسع والتجوز !
وبما أن السورة من المخاطبات للنبي فلا بد من وجود حادثة أو واقعة أو سبب معين سبق هذه السورة فجاءت هذه السورة تعقيبا عليه , ويورد أهل الحديث في سبب نزول هذه السورة العديد من الروايات أهمها :
أخرج الشيخان وغيرهما عن جندب قال اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلة اوليلتين فأتته امرأة فقالت يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فأنزل الله والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى . واخرج سعيد بن منصور والفريابي عن جندب قالأبطأ جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال المشركون قد ودع محمد فنزلت ك وأخرجالحاكم عن زيد بن أرقم قال مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما لا ينزل عليه جبريل فقالت أم جميل امرأة أبي لهب ما أرى صاحبك إلا قد ودعك وقلاك فأنزل الله والضحى الآيات "
والمضمون العام للروايات يتفق مع المناجاة الموجودة في السورة ومع الطمأنة المبثوثة بين ثناياها , لذا فإنا نرى أنه لا مانع أبدا من قبول هذه الروايات كسبب لنزول السورة , وإن كان يمكن أن يفهم السبب المجمل من خلال قوله تعالى " ما ودعك ربك وما قلى "
ونبدأ فنقول : بدأ الله تعالى السورة بقوله " والضحى " وهي آية كاملة , والضحى معروف فهو صدر النهار حين ترتفع الشمس وتلقي شعاعها , وهو آية كاملة , ثم قال في الآية التالية " والليل إذا سجى " وسجى تأتي في اللغة بمعان عدة أشهرها التغطية والإظلام وهما في المضمون واحد وقيل أنه بمعنى السكون وهو بعيد في هذا السياق .
إذا فالله تعالى يقسم في أول السورة بقوله بوقت ارتفاع الشمس وظهور الضوء وكذلك بالليل عندما يظلم وشتد سواده فيغطي الأشياء كلها , فما علاقة هذه الأشياء بالسورة وبالرسول ؟
قلنا أن الرسول كان قد اشتكى فتور الوحي عنه لفترة من الزمان الله أعلم طالت أو قصرت ( وفي هذا دليل على أن القرآن ليس من عند محمد إذا لو كان يؤلفه لألف شيئا وأضافه إلى ما قاله سابقا !) فنزلت هذه السورة بقوله تعالى والضحى والليل . واختلف المفسرون هل المراد من الضحى هو الضحى فقط أم أنه إشارة إلى النهار كله لأن الله تعالى قابله بالليل ؟ ولكن المتيقن أن المراد من الضحى هو الضحى فقط لأن الله تعالى قال " الضحى " ولم يقل النهار كما قال في سورة الشمس , ثم إن الله تعالى لم يقابل الضحى بالليل كله وإنما قابله بالليل في حالة مخصوصة وهي إذا سجى أي غطى وأظلم واشتد ظلامه , فهذه حالة في النهار يقابلها حالة في الليل فلا إشكال .
نعود إلى مناسبة ذكر الله تعالى هاتين الآيتين في أول السورة فنقول وبالله التوفيق : عندما فتر الوحي عن النبي الكريم لفترة من الزمان اشتد ذلك عليه وعاب عليه المشركون ذلك وسخروا منه , فنزلت هذه الآيات تواسي النبي الكريم وتعرفه أنه لا ينبغي عليه أن يحزن ويتأثر بأقوال هؤلاء القوم وأنه عليه أن يعلم أن الأمور كلها بيد الله , يجريها متى يشاء من الأوقات والأزمان , فليس الوحي ينزل متى يريد الرسول ولكن الوحي ينزل في الزمن الذي يريد الله عزوجل ! فكأن الآيات تقول : إذا كنت حزنت أن الوحي انقطع لفترة من الزمن فوالضحى والليل ( واللذان هما من عناصر الزمن وعلامته ) ما ودعك ربك وما قلى !
قد يقول قائل : نعم , فهمنا الآن لم ذكر الضحى والليل في أول السورة والعلاقة بينهما وبين انقطاع الوحي لفترة زمنية , ولكن لم خص الله تعالى الضحى والليل بالذات , فقد كان من الممكن أن يذكر أي وقت آخر أو كان من الممكن أن يذكر النهار كله والليل كله , فما الحكمة من التخصيص ؟
نقول : الله أعلم بالحكمة تحديدا ولا أحد يستطيع أن يجزم بها ولكن الكل يجتهد في تحديدها , فنقول وعلى الله التوكل : الضحى كما قلنا هو صدر النهار أي أول بداية ظهر الضوء الواضح المشرق الذي يجلي الأشياء بدون أي لبس أو خداع , كما أنه هو الضوء الجميل الذي لا حر فيه ولا معاناة كما في ضوء الظهر الذي يجلي ولكنه يؤذي ويتعب ! وسجي الليل هو تغطيه الأشياء أعلى درجات التغطية بالإظلام الشديد , وبين الإثنين طباق , فالضحى يجلي والليل يسجي , فكأن المراد أن الله تعالى يوضح للنبي أنه رب الزمان كله من أقصاه إشراقا إلى أقصاه ظلاما , كما أنه رب ما بينهما بداهة ! والإنسان بطبيعة الحال يتقلب بين الإثنين , كما أن في الآيتين إشارة لطيفة وهي أن الضحى إشارة إلى الإسلام وإلى الرسول نفسه والليل إشارة إلى الكفر والشرك , فالإسلام والرسول نور من عند الله ظهر وأشرق فأنار " قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين " , والإسلام لا يزال في بدايته ولكنه سيصير نهارا عاما , والضحى هو بداية النهار, فهو إشارة إلى أن الإسلام سيظهر وسيعم على الرغم من عناد الكافرين , فبعد الضحى حتما يأتي النهار ! ويقابلهما الكفر والشرك وهو ظلام يحاول أن يغطي هذا النور ولكن الله تعالى ناصر دينه " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " , فكأن الله تعالى يقول للنبي لا تحزن على ما معك فلن يضيعك ولن يضيعه الله فعلى الرغم من عناد الكافرين فأنت ظاهر عليهم ظاهر , منصور بإذن الله منصور .
وبعد هذا التأكيد والجزم من الله العليم يأتي المجزوم والمقطوع به وهو قوله تعالى " ما ودعك ربك وما قلى " والودع معروف وهو كما جاء في المقاييس : أصل واحد يدل على الترك والتخلية ! فما هو القلو ؟
هو كما جاء في المقاييس :
" القاف واللام والحرف المعتلّ أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على خِفّةٍ وسرعة .... وكلُّ نابٍ عن شيء متجافٍ عنه: مُقْلَوْلٍ .... ومن الباب القِلَى، وهو البُغض. يقال منه: قَلَيْتُه أقلِيه قِلىً. وقد قالوا: قَلَيتُهُ أَقلاه. والقِلَى تجافٍ عن الشّيء وذَهابٌ عنه " . اهـ
ولقد قال المفسرون أن القلو هو البغض ولو كان كذلك فقط لقال الله " وما أبغض" و لكن القلو هو البغض المقرون بالتباعد والتجاف عن الشيء , فكما قلنا القلو أصل يدل على خفة وسرعة , فكأن الله تعالى يقول : لم يسرع ربك في الإعراض عنك يا محمد ولم يتجاف عنك مبغضا !
إذا فالله تعالى يجزم للرسول أنه ما تركه ولا أبغضه وتجافى عنه ! ونلاحظ أن السادة المفسرون قالوا أن المراد " وما قلاك " ! ولكنه حذف الكاف اكتفاءا بالكاف الموجودة في " ودعك " ولكي تتناسب رؤوس الآيات ! ولكنا طبعا نأخذ الآيات كما هي ولا نقول بحذف حرف من أجل تناسب رؤوس الآيات ونرى أن المعنى عام في هذا الكلمة , يدخل فيه كل ما يتناسب معه ويمكن إدخاله ! ولئن ذكرنا بعضها فليس هذا مانعا مو وجود غيرها قابلا للدخول بشرط التوافق مع الآيات وعدم التنافر , فنقول المراد والله أعلم أن الله عزوجل يقول للنبي أنني ما تركتك يا محمد ولا تخليت عنك " ما ودعك " وكذلك فأنا لم أبغض أو أتجافى عامة سواء عنك أو عن الدين والوحي أوالمسلمين من الصحابة أوعن مؤازرتك فكل هذه المعاني وغيرها قابلة للدخول تحت الكلمة ولا حاجة لنا بالتخصيص وحصرها في النبي الكريم .
يتبع ................