عمرو الشاعر
06-19-2010, 01:56 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم وسلام على عباده المرسلين ثم أما بعد:
حديثنا اليوم بإذن الله وعونه عن قوم عاد, أولئك القوم الذين زادهم الله في الخلق بسطة, فطغوا وتجبروا!
وعلى الرغم من أن المحور الرئيس لحديثنا عن قوم عاد هو كيفية إهلاكهم, فإننا سنمر مرورا سريعا على الآيات التي عرضت لهم, حتى يتكون لدى القارئ الكريم تصور حولهم.
أول ذكر لقوم عاد جاء في سورة الأعراف, حيث قال الله تعالى فيها:
وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (72)
ونجد أن نبيهم هوداً عليه السلام يذكرهم بأنهم خلفاء قوم نوح, وهذا يعني أنهم في نفس المنطقة التي عاش فيها سيدنا نوح أو بالقرب منها! وهذا يبطل قول من قال أن نوح عاش في العراق!!! ويذكرهم بأن الله تعالى زادهم في الخلق بسطة!
والنقطة التي يغفل عنها المفسرون أو المتناولون لهذه الآيات هي أن الله تعالى قد بسط لقوم نوح في الخلق, وزاد قوم عاد بسطة! فالله تعالى لم يقل أنه بسط لهم في الخلق, وإنما زادهم, وهذا يعني أن هناك من أُعطي سابقا, ولكن بشكل أقل!
ثم تُختم الآيات بأن الله العزيز أهلكهم فاستئصل شأفتهم فلم يبق منهم أحدا, لأنهم لم يؤمنوا ولم يكونوا ليؤمنوا في يوم من الأيام!!
ثم يأتي الذكر الثاني لقوم عاد في السورة المسماة باسم نبيهم, وهي سورة هود, وفيها يقول المولى العلي:
"وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠) يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) "
هنا نجد أن سيدنا هود يبين لقومه أنه ليس له دافع فيما يقول إلا الحرص عليهم, فهو لا يطلب منهم أجرا, ثم يدعوهم إلى استغفار الله والتوبة, لكي يرسل الله تعالى السماء عليهم مدرارا, وهذا يعني أنهم كانوا يعيشون في منطقة تعتمد في حياتهما على سقوط الأمطار بالدرجة الأولى, فإذا أضفنا إليها الناقة المذكورة في قصة سيدنا صالح تأكد لنا أنهم –وقوم نوح السابقين- كانوا في منطقة من بلاد العرب, التي تركب النوق وتعتمد على الأمطار! وليس العراق الذي يعتمد على الأنهار!!
وهنا نرى أن قوم عاد خاطبوا نبيهم بأنه ما جاء ببينة على أنه مرسل من الله العليم! ونلاحظ اختلاف الخطاب عن قوم نوح, فقوم نوح قالوا له أنه بشر وأنهم ما سمعوا أن الله يرسل بشرا وإنما كان يرسل ملائكة!
أما قوم هود الذين عرفوا قصة نوح وما حدث لقومه, لم يكرروا نفس المطلب, وإنما احتجوا بأنه لم يأت ببينة على أنه مرسل من الله, وعلى أن المطر سينزل إذا هم فعلوا ذلك, وأن قوله وحده لا يكفي لترك آلهتهم, ثم رموه بأن بعض آلهتهم اعتراه بسوء, فأصبح مصابا في عقله (سفيه)!
وهكذا أصبح الذين يعبدون الأصنام أو الأرباب المخلوقة المختلقة هم العقلاء, والذي يدعوا إلى عبادة الرب الخالق هو المصاب السفيه!
واستمر سيدنا هود في دعوتهم, فلما أصروا على ما هم فيه, أعلن براءته مما يشركون!
وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)
ثم يقول الله الرحيم أنه نجى هودا والذين آمنوا معه من عذاب الدنيا, وكذلك أنجاهم من عذاب غليظ وهو عذاب الآخرة, وأنه بعداً لعاد قوم هود, لأنها عاد الأولى وهي المهلكة, وهناك عاد ثانية لم تُهلك!
ونحن نخالف المفسرين الذين جعلوا الإهلاك هو العذاب الغليظ في الدنيا, لأنه لم يأت في كتاب الله نعت العذاب بالغليظ إلا مع عذاب الآخرة, كما أن الله العزيز ذكر أنه أنجاهم مرتين, مرة برحمة ومرة من عذاب غليظ! كما أن الرب العزيز ذكر أن عاداً أتبعوا بلعنة في الدنيا وفي يوم القيامة, فيكون مؤكدا لقولنا ومضعفا لقول القائلين بأن الإنجاء مرة واحدة والكلام مكرورٌ!
والذكر الثالث لقوم عاد جاء في سورة الشعراء, والتي يقول فيها الرب العليم:
"كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (136) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140)"
وهنا تقدم لنا هذه الآيات مزيداً من التعريف بهؤلاء القوم, فتقول أنهم كانوا يبنون بكل ريع آية يعبثون, ويتخذون مصانع ويبطشون جبارين! وننظر ما قاله الإمام الفخر الرازي في تفسيره عند تناوله هذه الآيات:
"قوله : { أَتَبْنُونَ بِكُلّ رِيعٍ ءايَةً تَعْبَثُونَ } قرىء { بِكُلّ رِيعٍ } بالكسر والفتح وهو المكان المرتفع، ومنه قوله كم ريع أرضك وهو ارتفاعها، والآية العلم، ثم فيه وجوه : أحدها : عن ابن عباس أنهم كانوا يبنون بكل ريع علماً يعبثون فيه بمن يمر في الطريق إلى هود عليه السلام.
والثاني : أنهم كانوا يبنون في الأماكن المرتفعة ليعرف بذلك غناهم تفاخراً فنهوا عنه ونسبوا إلى العبث.
والثالث: أنهم كانوا ممن يهتدون بالنجوم في أسفارهم فاتخذوا في طريقهم أعلاماً طوالاً فكان ذلك عبثاً لأنهم كانوا مستغنين عنها بالنجوم.
الرابع : بنوا بكل ريع بروج الحمام.
وثانيها : قوله : { وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} المصانع مآخذ الماء، وقيل القصور المشيدة والحصون {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} ترجون الخلد في الدنيا أو يشبه حالكم حال من يخلد ، وفي مصحف أبي: ( كأنكم ) ، وقرىء ( تخلدون ) بضم التاء مخففاً ومشدداً ، واعلم أن الأول إنما صار مذموماً لدلالته إما على السرف ، أو على الخيلاء ، والثاني : إنما صار مذموماً لدلالته على الأمل الطويل والغفلة عن أن الدنيا دار ممر لا دار مقر." ا.هـ
والشاهد أنهم كانوا يبنون بالأماكن المرتفعة الأبنية العظيمة ليس لغرض, وإنما من باب العبث! كما أنهم كانوا يبنون المصانع طلبا للخلود!
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم وسلام على عباده المرسلين ثم أما بعد:
حديثنا اليوم بإذن الله وعونه عن قوم عاد, أولئك القوم الذين زادهم الله في الخلق بسطة, فطغوا وتجبروا!
وعلى الرغم من أن المحور الرئيس لحديثنا عن قوم عاد هو كيفية إهلاكهم, فإننا سنمر مرورا سريعا على الآيات التي عرضت لهم, حتى يتكون لدى القارئ الكريم تصور حولهم.
أول ذكر لقوم عاد جاء في سورة الأعراف, حيث قال الله تعالى فيها:
وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (72)
ونجد أن نبيهم هوداً عليه السلام يذكرهم بأنهم خلفاء قوم نوح, وهذا يعني أنهم في نفس المنطقة التي عاش فيها سيدنا نوح أو بالقرب منها! وهذا يبطل قول من قال أن نوح عاش في العراق!!! ويذكرهم بأن الله تعالى زادهم في الخلق بسطة!
والنقطة التي يغفل عنها المفسرون أو المتناولون لهذه الآيات هي أن الله تعالى قد بسط لقوم نوح في الخلق, وزاد قوم عاد بسطة! فالله تعالى لم يقل أنه بسط لهم في الخلق, وإنما زادهم, وهذا يعني أن هناك من أُعطي سابقا, ولكن بشكل أقل!
ثم تُختم الآيات بأن الله العزيز أهلكهم فاستئصل شأفتهم فلم يبق منهم أحدا, لأنهم لم يؤمنوا ولم يكونوا ليؤمنوا في يوم من الأيام!!
ثم يأتي الذكر الثاني لقوم عاد في السورة المسماة باسم نبيهم, وهي سورة هود, وفيها يقول المولى العلي:
"وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠) يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) "
هنا نجد أن سيدنا هود يبين لقومه أنه ليس له دافع فيما يقول إلا الحرص عليهم, فهو لا يطلب منهم أجرا, ثم يدعوهم إلى استغفار الله والتوبة, لكي يرسل الله تعالى السماء عليهم مدرارا, وهذا يعني أنهم كانوا يعيشون في منطقة تعتمد في حياتهما على سقوط الأمطار بالدرجة الأولى, فإذا أضفنا إليها الناقة المذكورة في قصة سيدنا صالح تأكد لنا أنهم –وقوم نوح السابقين- كانوا في منطقة من بلاد العرب, التي تركب النوق وتعتمد على الأمطار! وليس العراق الذي يعتمد على الأنهار!!
وهنا نرى أن قوم عاد خاطبوا نبيهم بأنه ما جاء ببينة على أنه مرسل من الله العليم! ونلاحظ اختلاف الخطاب عن قوم نوح, فقوم نوح قالوا له أنه بشر وأنهم ما سمعوا أن الله يرسل بشرا وإنما كان يرسل ملائكة!
أما قوم هود الذين عرفوا قصة نوح وما حدث لقومه, لم يكرروا نفس المطلب, وإنما احتجوا بأنه لم يأت ببينة على أنه مرسل من الله, وعلى أن المطر سينزل إذا هم فعلوا ذلك, وأن قوله وحده لا يكفي لترك آلهتهم, ثم رموه بأن بعض آلهتهم اعتراه بسوء, فأصبح مصابا في عقله (سفيه)!
وهكذا أصبح الذين يعبدون الأصنام أو الأرباب المخلوقة المختلقة هم العقلاء, والذي يدعوا إلى عبادة الرب الخالق هو المصاب السفيه!
واستمر سيدنا هود في دعوتهم, فلما أصروا على ما هم فيه, أعلن براءته مما يشركون!
وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)
ثم يقول الله الرحيم أنه نجى هودا والذين آمنوا معه من عذاب الدنيا, وكذلك أنجاهم من عذاب غليظ وهو عذاب الآخرة, وأنه بعداً لعاد قوم هود, لأنها عاد الأولى وهي المهلكة, وهناك عاد ثانية لم تُهلك!
ونحن نخالف المفسرين الذين جعلوا الإهلاك هو العذاب الغليظ في الدنيا, لأنه لم يأت في كتاب الله نعت العذاب بالغليظ إلا مع عذاب الآخرة, كما أن الله العزيز ذكر أنه أنجاهم مرتين, مرة برحمة ومرة من عذاب غليظ! كما أن الرب العزيز ذكر أن عاداً أتبعوا بلعنة في الدنيا وفي يوم القيامة, فيكون مؤكدا لقولنا ومضعفا لقول القائلين بأن الإنجاء مرة واحدة والكلام مكرورٌ!
والذكر الثالث لقوم عاد جاء في سورة الشعراء, والتي يقول فيها الرب العليم:
"كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (136) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140)"
وهنا تقدم لنا هذه الآيات مزيداً من التعريف بهؤلاء القوم, فتقول أنهم كانوا يبنون بكل ريع آية يعبثون, ويتخذون مصانع ويبطشون جبارين! وننظر ما قاله الإمام الفخر الرازي في تفسيره عند تناوله هذه الآيات:
"قوله : { أَتَبْنُونَ بِكُلّ رِيعٍ ءايَةً تَعْبَثُونَ } قرىء { بِكُلّ رِيعٍ } بالكسر والفتح وهو المكان المرتفع، ومنه قوله كم ريع أرضك وهو ارتفاعها، والآية العلم، ثم فيه وجوه : أحدها : عن ابن عباس أنهم كانوا يبنون بكل ريع علماً يعبثون فيه بمن يمر في الطريق إلى هود عليه السلام.
والثاني : أنهم كانوا يبنون في الأماكن المرتفعة ليعرف بذلك غناهم تفاخراً فنهوا عنه ونسبوا إلى العبث.
والثالث: أنهم كانوا ممن يهتدون بالنجوم في أسفارهم فاتخذوا في طريقهم أعلاماً طوالاً فكان ذلك عبثاً لأنهم كانوا مستغنين عنها بالنجوم.
الرابع : بنوا بكل ريع بروج الحمام.
وثانيها : قوله : { وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} المصانع مآخذ الماء، وقيل القصور المشيدة والحصون {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} ترجون الخلد في الدنيا أو يشبه حالكم حال من يخلد ، وفي مصحف أبي: ( كأنكم ) ، وقرىء ( تخلدون ) بضم التاء مخففاً ومشدداً ، واعلم أن الأول إنما صار مذموماً لدلالته إما على السرف ، أو على الخيلاء ، والثاني : إنما صار مذموماً لدلالته على الأمل الطويل والغفلة عن أن الدنيا دار ممر لا دار مقر." ا.هـ
والشاهد أنهم كانوا يبنون بالأماكن المرتفعة الأبنية العظيمة ليس لغرض, وإنما من باب العبث! كما أنهم كانوا يبنون المصانع طلبا للخلود!