عمرو الشاعر
04-13-2008, 08:49 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
نبدأ اليوم في تناول سورة التكاثر لنحاول أن نستخرج منها الصورة العامة الشاملة التي احتوت حياة الإنسان وسلوكه على وجه هذه البسيطة ! لنوضح أن السورة على صغر مبناها فعظيم وجليل هو معناها وجد هام للإنسان , لأن السورة تمثل رسالة تحذير من رب البرية إلى خلقه من البشر ! لذا لنبدأ مع هذه الرسالة لنر ماذا يقول الرب القدير للعبد الغافل :
تبدأ السورة بقوله تعالى " ألهاكم التكاثر " ونلاحظ أن الخطاب في هذه الآية أتى بصورة الماضي في صيغة خبرية عامة لم يحدد من المخاطب منها , فيتم تعميم الخطاب إلى البشرية كلها وليس إلى المسلمين فقط وكذلك في كل الأزمنة وليس في زمان واحد ! وهو خبر صادق صدقه ويصدقه وسيصدقه الواقع فما من إنسان إلا وهو مشغول بشكل من أشكال التكاثر لا محالة ! وكلمات هذه السورة كلها معروفة ومفهومة للعوام وللخواص فليس في السورة كلمة واحدة غامضة أو مما قد يغفل عنه الإنسان , ولكنا على الرغم من ذلك نقوم بالتعرض للكلمة من باب إعطاء القارئ المعنى الجامع للمفردات , فنقول :
" لهو " كما جاء في المقاييس : اللام والهاء والحرف المعتلّ أصلانِ صحيحان: أحدهما يدلُّ على شُغْل عن شَيءٍ بشيء، والآخر على نَبْذِ شيءٍ من اليد . فالأوَّل اللَّهْو، وهو كلُّ شيءٍ شَغَلك عن شيء، فقد ألهاك ....... "اهـ
والكثرة أصل صحيح يدل على خلاف القلة ! , والتكاثر صيغة تفاعل من كثر وهي صيغة تدل على الاشتراك والتداخل بين الأطراف في فعل الشيء ! وإذا نحن نظرنا في الآية وجدنا أن التكاثر ورد هكذا مطلقا بدون تحديد فلا ينبغي علينا أن نحدده نحن بل نتركه كما هو مطلقا , فيدخل تحته أي شكل من أشكال التكاثر الدنيوي التي يتحرك من أجلها البشر ! فسواء كان تكاثرا في المال أو العيال , وهذان هما أكثر ما يصدق عليهما التكاثر لاحتياج المكاثر فيهما إلى غيره لا محالة بخلاف أي شكل آخر من أشكال التكاثر والتي قد يستكثر فيها الإنسان بنفسه !
ومما يعجب منه المرء ما أورده المفسرون في تفسيرهم لمعنى التكاثر , فنجد أنهم أوردوا احتمالات لهذا المعنى لا تتناسب مع السياق بأي حال مثلما ذكره الإمام الفخر الرازي في تفسيره حيث قال :
" والتكاثر التباهي بكثرة المال والجاه والمناقب يقال : تكاثر القوم تكاثراً إذا تعادلوا مالهم من كثرة المناقب ، وقال أبو مسلم : التكاثر تفاعل عن الكثرة والتفاعل يقع على أحد وجوه ثلاثة يحتمل أن يكون بين الإثنين فيكون مفاعله ، ويحتمل تكلف الفعل تقول : تكارهت على كذا إذا فعلته وأنت كاره ، وتقول : تباعدت عن الأمر إذا تكلفت العمى عنه وتقول : تغافلت ، ويحتمل أيضاً الفعل بنفسه كما تقول : تباعدت عن الأمر أي بعدت عنه ، ولفظ التكاثر في هذه الآية يحتمل الوجهين الأولين ، فيحتمل التكاثر بمعنى المفاعلة لأنه كم من إثنين يقول كل واحد منهما لصاحبه : { أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً } [ الكهف : 34 ] ويحتمل تكلف الكثرة فإن الحريص يتكلف جميع عمره تكثير ماله ، واعلم أن التفاخر والتكاثر شيء واحد ونظير هذه الآية قوله تعالى : { وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ } [ الحديد : 20 ] . " اهـ
أما مسألة أن التكاثر بمعنى الكثرة فقط فمردودة بداهة لأن هناك فارق في المبنى بين الإثنين لذا فلا اعتبار لهذا القول , وأما مسألة أن التفاعل بمعنى التكلف فقول متكلف ! لأن الله تعالى يقول أن التكاثر ألهانا والشيء الذي يلهي يكون موافقا لطبيعة الإنسان حتى أنه يلهيه عن غيره من الأشياء بخلاف الشيء المتكلف !
إذن فالله تعالى يخبرنا في هذه الآية بجانب نفسي عظيم من جوانب الإنسان وهو أن الاستكثار هو مما جبل عليه الإنسان في طبعه ! ونجد هذا الطبع في الطفل الصغير قبل الرجل الكبير ! فنجد أن الطفل على الرغم من أنه قد يكون في يده لعبة أو لعبتان إلا أنه يريد أن يأخذ اللعب الأخرى الموجودة مع باقي الأطفال أو يريد أن يجمع باقي اللعب الموجودة والمتناثرة في الغرفة لتكون تحت يده , فالتكاثر مما فطر الله الناس عليه , لأن الإنسان يشعر في ذاته دوما وأبدأ بالنقص فيحاول أن يجبر هذا النقص لا شعوريا عن طريق الاستكثار مما قد يتملك عله يجبر نقصه وأنى له هذا ! ويدخل تحت هذه الآية كل أشكال وتحركات الإنسان منذ أن وجد على هذه البسيطة , فالإنسان يريد أن يتكاثر فيبحث عن المرأة والعيال ويريد أن يزيد ماله فيتجر ويريد أن يصير ذا منعة فيبحث عن الأعوان والأصدقاء والمعارف ويريد أن يزيد قوته وعافيته عن طريق منع أسباب المرض ! ويريد أن يزيد من علمه الدنيوي فنجد أن هذه الآية شملت كل ما يقوم به الإنسان منذ مولده إلى موته لا يخرج عنها قدر أنملة فالإنسان في رحلة تكاثر , وإن لم يكن مكاثرا في أي مجال كان إنسانا خاملا لا غرض له في هذه الحياة ! ونتوقف هنا مع ما ذكره الإمام الفخر الرازي في تفسيره حيث قال : " الآية دلت على أن التكاثر والتفاخر مذموم والعقل دل على أن التكاثر والتفاخر في السعادات الحقيقية غير مذموم " اهـ
ولست أدري صراحة أين دلت الآية على أن التكاثر مذموم , الآية تتحدث عن ملهاة التكاثر لنا , لا أن التكاثر في حد ذاته مذموم , فإذا أنت كاثرت كما يحلو لك ولم يلهك ذلك عن الآخرة كان ذلك محمودا بل مأمورا به ! فأين ذم التكاثر في الآية ؟!
وهنا نسأل : عما ألهانا التكاثر ؟ نلاحظ أن القرآن لم يذكر صراحة مفعولا لألهى على الرغم من كونه متعديا , وإنما جعل باقي السورة دليلا جليا على المفعول المتروك , فوضح حال الإنسان وفعله بآيتين ثم رد عليه كيف سيكون حاله وكيف ينبغي أن يكونه بباقي السورة !
إذا فلقد جعلنا التكاثر لاهين غافلين مشغولين , ولكن إلى أي درجة وصلت هذه الغفلة ؟ يوضح القرآن لنا في قوله تعالى " حتى زرتم المقابر " أن درجة غفلتنا عن الآخرة وصلت إلى أننا زرنا المقابر ! والمعنى المتبادر إلى الذهن من زيارة المقابر هو زيارة المقابر ! ولكنا نجد أن بعض السادة المفسرين ذكروا أن المراد من زيارة المقابر هو الموت ! وقالوا أن في هذا المعنى إشارة بديعة من القرآن فالإنسان عندما يموت ويدخل القبر لن يستقر فيه ولكنه سيبعث مرة أخرى وسيخرج منه , فيكون على طول استقراره فيه زائرا حتى تقوم الساعة فيكون فيها دار القرار ! وهنا نتوقف لنرجح أي المعنيين هو المراد في هذه الآية :
أول ما يلحظه المرء في هذه الآية أن الآية استعملت لفظ المقابر بدلا من القبور , وهذا اللفظ لم يستعمل إلا في هذه السورة فقط , فهو لم يرد في القرآن كله إلا مرة واحدة وما عدا ذلك وردت لفظة " قبور" وهي خمس مرات في القرآن كله :
َ" وأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ [الحج : 7]
وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ [فاطر : 22]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ [الممتحنة : 13]
وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الإنفطار : 4]
أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ [العاديات : 9] "
إذا مع الأموات استعمل " قبور " وهنا استعمل كلمة أخرى فيكون المراد مختلفا ! الله عزوجل نسب الفعل حقيقة إلى فاعله وهو المخاطب وهو بنو الإنسان ! فلم نجعله من باب المجاز فالإنسان الميت لا يزور القبر وإنما يُدخل ويُحمل إليه , ثم كيف ننزع نحن هذه الكلمة من السياق ونقول أن المراد من الخطاب في أول السورة هو كل البشرية أما في هذه الآية فالمراد منها من مات منهم ! فما الدليل على التخصيص ؟ لا دليل على ذلك , بل إن الآية التالية تعود فتخاطب نفس المخاطبين في الآيتين الماضيتين فتقول " كلا سوف تعلمون " , فهل هذا الخطاب في هذه الآية والآيات التاليات إلى آخر السورة إلى الأموات والأحياء أم أنها إلى الأحياء فقط ؟ بداهة هي للأحياء فقط ! ثم إن السياق العام يوجب أن يكون الفعل المذكور من الإنسان على سبيل المبالغة في اللهو والغفلة هو من فعل الإنسان , أي أنكم اي البشر غافلون لدرجة أن المقابر أصبحت مزارات بالنسبة لكم ! أما أن يقال : ألهاكم التكاثر حتى متم كلا سوف تعلمون ! فلا يستقيم المعنى بحال , ثم إن الفعل الوارد في الجملة هو فعل ماض مخبر عما حدث من الإنسان فعلا , فكيف أخاطب الإنسان بفعل لما يحدث له بعد بصيغة الماضي ؟ فيصبح هذا الخطاب مثل قولي لمن لم يدخل الامتحان بعد : ألهاك اللعب حتى أنك رسبت !
يتبع ....................
نبدأ اليوم في تناول سورة التكاثر لنحاول أن نستخرج منها الصورة العامة الشاملة التي احتوت حياة الإنسان وسلوكه على وجه هذه البسيطة ! لنوضح أن السورة على صغر مبناها فعظيم وجليل هو معناها وجد هام للإنسان , لأن السورة تمثل رسالة تحذير من رب البرية إلى خلقه من البشر ! لذا لنبدأ مع هذه الرسالة لنر ماذا يقول الرب القدير للعبد الغافل :
تبدأ السورة بقوله تعالى " ألهاكم التكاثر " ونلاحظ أن الخطاب في هذه الآية أتى بصورة الماضي في صيغة خبرية عامة لم يحدد من المخاطب منها , فيتم تعميم الخطاب إلى البشرية كلها وليس إلى المسلمين فقط وكذلك في كل الأزمنة وليس في زمان واحد ! وهو خبر صادق صدقه ويصدقه وسيصدقه الواقع فما من إنسان إلا وهو مشغول بشكل من أشكال التكاثر لا محالة ! وكلمات هذه السورة كلها معروفة ومفهومة للعوام وللخواص فليس في السورة كلمة واحدة غامضة أو مما قد يغفل عنه الإنسان , ولكنا على الرغم من ذلك نقوم بالتعرض للكلمة من باب إعطاء القارئ المعنى الجامع للمفردات , فنقول :
" لهو " كما جاء في المقاييس : اللام والهاء والحرف المعتلّ أصلانِ صحيحان: أحدهما يدلُّ على شُغْل عن شَيءٍ بشيء، والآخر على نَبْذِ شيءٍ من اليد . فالأوَّل اللَّهْو، وهو كلُّ شيءٍ شَغَلك عن شيء، فقد ألهاك ....... "اهـ
والكثرة أصل صحيح يدل على خلاف القلة ! , والتكاثر صيغة تفاعل من كثر وهي صيغة تدل على الاشتراك والتداخل بين الأطراف في فعل الشيء ! وإذا نحن نظرنا في الآية وجدنا أن التكاثر ورد هكذا مطلقا بدون تحديد فلا ينبغي علينا أن نحدده نحن بل نتركه كما هو مطلقا , فيدخل تحته أي شكل من أشكال التكاثر الدنيوي التي يتحرك من أجلها البشر ! فسواء كان تكاثرا في المال أو العيال , وهذان هما أكثر ما يصدق عليهما التكاثر لاحتياج المكاثر فيهما إلى غيره لا محالة بخلاف أي شكل آخر من أشكال التكاثر والتي قد يستكثر فيها الإنسان بنفسه !
ومما يعجب منه المرء ما أورده المفسرون في تفسيرهم لمعنى التكاثر , فنجد أنهم أوردوا احتمالات لهذا المعنى لا تتناسب مع السياق بأي حال مثلما ذكره الإمام الفخر الرازي في تفسيره حيث قال :
" والتكاثر التباهي بكثرة المال والجاه والمناقب يقال : تكاثر القوم تكاثراً إذا تعادلوا مالهم من كثرة المناقب ، وقال أبو مسلم : التكاثر تفاعل عن الكثرة والتفاعل يقع على أحد وجوه ثلاثة يحتمل أن يكون بين الإثنين فيكون مفاعله ، ويحتمل تكلف الفعل تقول : تكارهت على كذا إذا فعلته وأنت كاره ، وتقول : تباعدت عن الأمر إذا تكلفت العمى عنه وتقول : تغافلت ، ويحتمل أيضاً الفعل بنفسه كما تقول : تباعدت عن الأمر أي بعدت عنه ، ولفظ التكاثر في هذه الآية يحتمل الوجهين الأولين ، فيحتمل التكاثر بمعنى المفاعلة لأنه كم من إثنين يقول كل واحد منهما لصاحبه : { أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً } [ الكهف : 34 ] ويحتمل تكلف الكثرة فإن الحريص يتكلف جميع عمره تكثير ماله ، واعلم أن التفاخر والتكاثر شيء واحد ونظير هذه الآية قوله تعالى : { وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ } [ الحديد : 20 ] . " اهـ
أما مسألة أن التكاثر بمعنى الكثرة فقط فمردودة بداهة لأن هناك فارق في المبنى بين الإثنين لذا فلا اعتبار لهذا القول , وأما مسألة أن التفاعل بمعنى التكلف فقول متكلف ! لأن الله تعالى يقول أن التكاثر ألهانا والشيء الذي يلهي يكون موافقا لطبيعة الإنسان حتى أنه يلهيه عن غيره من الأشياء بخلاف الشيء المتكلف !
إذن فالله تعالى يخبرنا في هذه الآية بجانب نفسي عظيم من جوانب الإنسان وهو أن الاستكثار هو مما جبل عليه الإنسان في طبعه ! ونجد هذا الطبع في الطفل الصغير قبل الرجل الكبير ! فنجد أن الطفل على الرغم من أنه قد يكون في يده لعبة أو لعبتان إلا أنه يريد أن يأخذ اللعب الأخرى الموجودة مع باقي الأطفال أو يريد أن يجمع باقي اللعب الموجودة والمتناثرة في الغرفة لتكون تحت يده , فالتكاثر مما فطر الله الناس عليه , لأن الإنسان يشعر في ذاته دوما وأبدأ بالنقص فيحاول أن يجبر هذا النقص لا شعوريا عن طريق الاستكثار مما قد يتملك عله يجبر نقصه وأنى له هذا ! ويدخل تحت هذه الآية كل أشكال وتحركات الإنسان منذ أن وجد على هذه البسيطة , فالإنسان يريد أن يتكاثر فيبحث عن المرأة والعيال ويريد أن يزيد ماله فيتجر ويريد أن يصير ذا منعة فيبحث عن الأعوان والأصدقاء والمعارف ويريد أن يزيد قوته وعافيته عن طريق منع أسباب المرض ! ويريد أن يزيد من علمه الدنيوي فنجد أن هذه الآية شملت كل ما يقوم به الإنسان منذ مولده إلى موته لا يخرج عنها قدر أنملة فالإنسان في رحلة تكاثر , وإن لم يكن مكاثرا في أي مجال كان إنسانا خاملا لا غرض له في هذه الحياة ! ونتوقف هنا مع ما ذكره الإمام الفخر الرازي في تفسيره حيث قال : " الآية دلت على أن التكاثر والتفاخر مذموم والعقل دل على أن التكاثر والتفاخر في السعادات الحقيقية غير مذموم " اهـ
ولست أدري صراحة أين دلت الآية على أن التكاثر مذموم , الآية تتحدث عن ملهاة التكاثر لنا , لا أن التكاثر في حد ذاته مذموم , فإذا أنت كاثرت كما يحلو لك ولم يلهك ذلك عن الآخرة كان ذلك محمودا بل مأمورا به ! فأين ذم التكاثر في الآية ؟!
وهنا نسأل : عما ألهانا التكاثر ؟ نلاحظ أن القرآن لم يذكر صراحة مفعولا لألهى على الرغم من كونه متعديا , وإنما جعل باقي السورة دليلا جليا على المفعول المتروك , فوضح حال الإنسان وفعله بآيتين ثم رد عليه كيف سيكون حاله وكيف ينبغي أن يكونه بباقي السورة !
إذا فلقد جعلنا التكاثر لاهين غافلين مشغولين , ولكن إلى أي درجة وصلت هذه الغفلة ؟ يوضح القرآن لنا في قوله تعالى " حتى زرتم المقابر " أن درجة غفلتنا عن الآخرة وصلت إلى أننا زرنا المقابر ! والمعنى المتبادر إلى الذهن من زيارة المقابر هو زيارة المقابر ! ولكنا نجد أن بعض السادة المفسرين ذكروا أن المراد من زيارة المقابر هو الموت ! وقالوا أن في هذا المعنى إشارة بديعة من القرآن فالإنسان عندما يموت ويدخل القبر لن يستقر فيه ولكنه سيبعث مرة أخرى وسيخرج منه , فيكون على طول استقراره فيه زائرا حتى تقوم الساعة فيكون فيها دار القرار ! وهنا نتوقف لنرجح أي المعنيين هو المراد في هذه الآية :
أول ما يلحظه المرء في هذه الآية أن الآية استعملت لفظ المقابر بدلا من القبور , وهذا اللفظ لم يستعمل إلا في هذه السورة فقط , فهو لم يرد في القرآن كله إلا مرة واحدة وما عدا ذلك وردت لفظة " قبور" وهي خمس مرات في القرآن كله :
َ" وأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ [الحج : 7]
وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ [فاطر : 22]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ [الممتحنة : 13]
وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الإنفطار : 4]
أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ [العاديات : 9] "
إذا مع الأموات استعمل " قبور " وهنا استعمل كلمة أخرى فيكون المراد مختلفا ! الله عزوجل نسب الفعل حقيقة إلى فاعله وهو المخاطب وهو بنو الإنسان ! فلم نجعله من باب المجاز فالإنسان الميت لا يزور القبر وإنما يُدخل ويُحمل إليه , ثم كيف ننزع نحن هذه الكلمة من السياق ونقول أن المراد من الخطاب في أول السورة هو كل البشرية أما في هذه الآية فالمراد منها من مات منهم ! فما الدليل على التخصيص ؟ لا دليل على ذلك , بل إن الآية التالية تعود فتخاطب نفس المخاطبين في الآيتين الماضيتين فتقول " كلا سوف تعلمون " , فهل هذا الخطاب في هذه الآية والآيات التاليات إلى آخر السورة إلى الأموات والأحياء أم أنها إلى الأحياء فقط ؟ بداهة هي للأحياء فقط ! ثم إن السياق العام يوجب أن يكون الفعل المذكور من الإنسان على سبيل المبالغة في اللهو والغفلة هو من فعل الإنسان , أي أنكم اي البشر غافلون لدرجة أن المقابر أصبحت مزارات بالنسبة لكم ! أما أن يقال : ألهاكم التكاثر حتى متم كلا سوف تعلمون ! فلا يستقيم المعنى بحال , ثم إن الفعل الوارد في الجملة هو فعل ماض مخبر عما حدث من الإنسان فعلا , فكيف أخاطب الإنسان بفعل لما يحدث له بعد بصيغة الماضي ؟ فيصبح هذا الخطاب مثل قولي لمن لم يدخل الامتحان بعد : ألهاك اللعب حتى أنك رسبت !
يتبع ....................