عمرو الشاعر
06-25-2010, 07:00 AM
المقال من كتابي: السوبرمان بين نيتشه والقرآن!
بسم الله الرحمن الرحيم
إذا قلنا أن هناك منهج صالح لكل زمان ومكان, يُطرح مباشرة السؤال المعهود: كيف يكون هناك كتاب صالح لكل زمان ومكان؟ فمن المعروف أن المجتمعات البشرية تختلف من بيئة لأخرى, فليس مجتمع أدغال أفريقيا مثل القطب الشمالي أو الجنوبي, وليست القبائل البدوية مثل المدن اليابانية, بغض الطرف عن التغيرات التي تطرأ بسبب تقدم الزمان وتغير العادات, ناهيك عن التطورات العلمية الكبيرة التي شهدتها البشرية في القرنين الآخرين, والاكتشافات التي غيرت بنية المجتمع وأولويات الإنسان, فكيف يكون الكتاب مناسبا في زماننا وفي الأزمان القادمة ولكل البيئات على وجه الأرض, فهل الكتاب مناسب للمجتمعات التي ظهر فيها الحاسوب والجوال والمرئيات؟
نقول: إن من يطرح مثل هذا السؤال يقدم لنا اعترافا صريحا, أنه لا يعرف من وما هو الإنسان, كما يُظهر أنه يجهل جهلا بيّنا على ماهية الخطاب القرآني.
وبما أنه إنسان غير عالم, نوضح له كيف يكون الكتاب مناسبا لكل إنسان في أي مكان وزمان:
الإنسان -منذ أن تركته الملائكة بعد أن علمته ما يحتاج-, هو الإنسان إلى قيام الساعة, ولا فارق بين إنسان القرن الأول والقرن الأخير, يفعل نفس الأفعال ويحتاج نفس الاحتياجات, والفارق الوحيد هو في مظهر الاحتياجات والأفعال, ليس أكثر!
فالإنسان كائن في مجتمع يتفاعل ويتعامل مع غيره, على أرض هذا الكوكب وتحت سماءه, يحتاج مأكلا وملبسا ومشربا, وغذاء الروح؛ والمتمثل في التقديس, وبعض الاحتياجات النفسية الأخرى مثل الأمن والتقدير والحب! ولست أدري حقا ما الفارق بين إنساننا وإنسان القرون الغابرة, هل أقلعنا عن قرب الطعام أم توقفنا عن ممارسة الجنس, أم لم نعد بحاجة إلى المأوى أم استغنينا عن التقديس, أم هل انعزلنا عن غيرنا وأصبحنا نعيش في بروج مشيدة, هل أقلعنا عن الحب والكره والخداع؟!
كل ما هنالك أن أدوات ووسائل هذه الأمور أصبحت أكثر نعومة وليونة, -والذي ترتب عليه ميوعة الإنسان أيضا!- وأصبحت أكثر سهولة وسرعة وزخرفة, ما عدا ذلك فلا اختلاف, فالإنسان لا يزال يقتل ويزني ويغش في الموازين –المتطورة- ويشهد زورا ويزور ويحتال وينتحر.
وأتساءل: ما هي الجريمة الحديثة التي ظهرت في زماننا هذا ولم يكن لها وجود مسبق؟ هل هي سرقة الأعضاء مثلا؟ ما هي إلا نوع من السرقة, نوع حديث ولكنها في نهاية المطاف سرقة! هل البنوك مسألة حديثة؟ ما هي إلا نوع من الربا بتوحش! ما هو الجديد في حياة الإنسان؟ الإنسان كان يلوث بيئته فيما مضى ببساطة, أصبح التلويث الآن معقدا هائل الحجم والكم! ما هو الجديد؟ بعض الإمكانيات الطبية الجراحية, ينطبق عليها ما جاء في النصوص الكلية, فإذا كانت نافعة فلا حرج فيها, وإذا كانت ضارة فهي محرمة, إذا فلا جديد بحال في أفعال الإنسان, ويعلق الدكتور القرضاوي على هذه النقطة فيقول:
"إن معظم النصوص جاءت في صورة مبادئ كلية وأحكام عامة, ولم تتعرض للجزئيات والتفصيلات والكيفيات, إلا فيما كان شأنه الثبات والدوام, برغم تغير الزمان والمكان, كشئون العبادات والزواج والطلاق والمواريث ونحوها من شئون الأسرة, فقد عالجته الشريعة بالتفصيل الملائم, سدا لباب الابتداع والتحريف في أمور العبادة وحسما للنزاع والصراع في أمور الأسرة, وإرساء لدعائم الاستقرار في الجانبين معا, وهما أخطر أمور الحياة. أما فيما عدا ذلك مما يحتلف تطبيقه باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والعوائد, فكانت النصوص فيه –غالبا- عامة ومرنة إلى حد بعيد, لئلا يضيق الشارع على الناس إذا ألزمهم بصورة جزئية معينة قد تصلح لعصر دون عصر, أو لإقليم دون إقليم, أو لحال دون آخر[1]." اهـ
إذا فالإنسان في القطب الشمالي منهي عن السرقة ومأمور بالصدق وبالأمانة, سواء كان يتعامل بميزان إليكتروني أو يعتمد على الأحجار!
قد يقول قائل: إن مسألة المنظومة الأخلاقية القانونية قد لا يختلف فيها عامة البشر, فهم متفقون في معظمها, والاختلاف في نقاط بسيطة فيها, وإن كانت جوهرية!, وإنما النقطة الرئيسة في الباب, هي مسألة: كيفية خطاب الإنسان بلغة تناسب عقله وفكره في القرن الحالي وفي القرون القادمة, بحيث لا يشعر أنه يتعامل مع كتاب تاريخي قديم لا يشبع نهمه الفكري ويريح فضوله؟
نقول: وهنا تكمن العبقرية في الخطاب القرآني, فلقد استغل القرآن العنصر الذي لا يمكن أن يحدث فيه اختلاف أو تغير, وهو الكون والتاريخ, أضف إلى ذلك الاحتياجات الإنسانية الأساسية!
فنجد أن الكتاب قد استغل الكون المحيط بالإنسان كعنصر أولي في خطابه للإنسان, فهو يدعوه إلى التفكر والنظر فيه: " قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ [يونس:101]"
وأمره بالسير في الأرض ليرى الآيات البينات, ويتفكر في طبيعتها وكيف تسير وكيف تعمل: " قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [العنكبوت : 20]"
ففي هذا كله إشارات إلى خالق واحد, وإلى حكمة في الخلق!
والناظر يجد أن الإنسان سيظل إلى قيام الساعة يسير في الأرض, يكتشف جديدا في خلق الله, ويحاول أن يستغل ما أودعه الله من قوانين طبيعية في حياته, ليجعلها أفضل وأيسر.
كما أنه مأمور بالتفكر والتدبر في آثار الآخرين, حتى لا يهلك المجتمع بما هلك به سابقوه, فالمجتمعات هي التي تردي بنفسها إلى مواطن الهلاك:
" أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [الروم : 9]"
لذلك فالكتاب يعجب ممن يسير في الأرض بدون نظر أو تدبر, ويعتبر هذا من العمى: "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج : 46]"
إذا فمهما تطور الإنسان فكريا, فهو محصور في فلك الطبيعة المحيطة به, يأخذ منها ويقلدها ويستفيد بها, والكتاب يأمره بذلك. كما أن الكتاب عمل على إثارة الحس الجمالي عند المتبع من خلال عرض الظواهر الطبيعية المحيطة بالإنسان وعرض آثارها عليه بصورة أدبية بديعة في آيات عدة؛ فنجد أن الله تعالى يتحدث عن الرياح في سورة المرسلات, ويعرض مشهد سير السحاب واحتكاكها ونزول الماء بما يحتاجه الإنسان عرضا بديعا في سورة العاديات[2]! ويعرض عملية نزول المطر وإحياء الأرض وخروج الزرع في كثير من الآيات:
"وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأنعام : 99]", وفي هذا دعوة إلى النظر والتفكر في التغير, وفي عملية الإحياء التي تحدث أمام الإنسان بتكرار كبير!
ويكثر من ذكر الشمس والقمر والنجوم, وسباحتهم في أفلاكهم في آيات عدة: "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء : 33]",
ويتحدث عن الليل والنهار وسباحتهما في فلك الأرض وتداخلهما: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [لقمان : 29]", إلى غير ذلك من كثير آيات, تتخذ الطبيعة والكون محورا لها.
---------------------------------
[1] يوسف القرضاوي, عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية, ص.40.
[2] من المشتهر أن مطلع سورة العاديات يتحدث عن الخيول أو الجمال! ولكنا نرى أنه يتحدث عن السحاب وعن عملية سقوط المطر, لمزيد من التفاصيل: انظر كتابنا: قرآءة لسور الطعن, أو على صفحات موقعنا: www.amrallah.com (http://www.amrallah.com).
بسم الله الرحمن الرحيم
إذا قلنا أن هناك منهج صالح لكل زمان ومكان, يُطرح مباشرة السؤال المعهود: كيف يكون هناك كتاب صالح لكل زمان ومكان؟ فمن المعروف أن المجتمعات البشرية تختلف من بيئة لأخرى, فليس مجتمع أدغال أفريقيا مثل القطب الشمالي أو الجنوبي, وليست القبائل البدوية مثل المدن اليابانية, بغض الطرف عن التغيرات التي تطرأ بسبب تقدم الزمان وتغير العادات, ناهيك عن التطورات العلمية الكبيرة التي شهدتها البشرية في القرنين الآخرين, والاكتشافات التي غيرت بنية المجتمع وأولويات الإنسان, فكيف يكون الكتاب مناسبا في زماننا وفي الأزمان القادمة ولكل البيئات على وجه الأرض, فهل الكتاب مناسب للمجتمعات التي ظهر فيها الحاسوب والجوال والمرئيات؟
نقول: إن من يطرح مثل هذا السؤال يقدم لنا اعترافا صريحا, أنه لا يعرف من وما هو الإنسان, كما يُظهر أنه يجهل جهلا بيّنا على ماهية الخطاب القرآني.
وبما أنه إنسان غير عالم, نوضح له كيف يكون الكتاب مناسبا لكل إنسان في أي مكان وزمان:
الإنسان -منذ أن تركته الملائكة بعد أن علمته ما يحتاج-, هو الإنسان إلى قيام الساعة, ولا فارق بين إنسان القرن الأول والقرن الأخير, يفعل نفس الأفعال ويحتاج نفس الاحتياجات, والفارق الوحيد هو في مظهر الاحتياجات والأفعال, ليس أكثر!
فالإنسان كائن في مجتمع يتفاعل ويتعامل مع غيره, على أرض هذا الكوكب وتحت سماءه, يحتاج مأكلا وملبسا ومشربا, وغذاء الروح؛ والمتمثل في التقديس, وبعض الاحتياجات النفسية الأخرى مثل الأمن والتقدير والحب! ولست أدري حقا ما الفارق بين إنساننا وإنسان القرون الغابرة, هل أقلعنا عن قرب الطعام أم توقفنا عن ممارسة الجنس, أم لم نعد بحاجة إلى المأوى أم استغنينا عن التقديس, أم هل انعزلنا عن غيرنا وأصبحنا نعيش في بروج مشيدة, هل أقلعنا عن الحب والكره والخداع؟!
كل ما هنالك أن أدوات ووسائل هذه الأمور أصبحت أكثر نعومة وليونة, -والذي ترتب عليه ميوعة الإنسان أيضا!- وأصبحت أكثر سهولة وسرعة وزخرفة, ما عدا ذلك فلا اختلاف, فالإنسان لا يزال يقتل ويزني ويغش في الموازين –المتطورة- ويشهد زورا ويزور ويحتال وينتحر.
وأتساءل: ما هي الجريمة الحديثة التي ظهرت في زماننا هذا ولم يكن لها وجود مسبق؟ هل هي سرقة الأعضاء مثلا؟ ما هي إلا نوع من السرقة, نوع حديث ولكنها في نهاية المطاف سرقة! هل البنوك مسألة حديثة؟ ما هي إلا نوع من الربا بتوحش! ما هو الجديد في حياة الإنسان؟ الإنسان كان يلوث بيئته فيما مضى ببساطة, أصبح التلويث الآن معقدا هائل الحجم والكم! ما هو الجديد؟ بعض الإمكانيات الطبية الجراحية, ينطبق عليها ما جاء في النصوص الكلية, فإذا كانت نافعة فلا حرج فيها, وإذا كانت ضارة فهي محرمة, إذا فلا جديد بحال في أفعال الإنسان, ويعلق الدكتور القرضاوي على هذه النقطة فيقول:
"إن معظم النصوص جاءت في صورة مبادئ كلية وأحكام عامة, ولم تتعرض للجزئيات والتفصيلات والكيفيات, إلا فيما كان شأنه الثبات والدوام, برغم تغير الزمان والمكان, كشئون العبادات والزواج والطلاق والمواريث ونحوها من شئون الأسرة, فقد عالجته الشريعة بالتفصيل الملائم, سدا لباب الابتداع والتحريف في أمور العبادة وحسما للنزاع والصراع في أمور الأسرة, وإرساء لدعائم الاستقرار في الجانبين معا, وهما أخطر أمور الحياة. أما فيما عدا ذلك مما يحتلف تطبيقه باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والعوائد, فكانت النصوص فيه –غالبا- عامة ومرنة إلى حد بعيد, لئلا يضيق الشارع على الناس إذا ألزمهم بصورة جزئية معينة قد تصلح لعصر دون عصر, أو لإقليم دون إقليم, أو لحال دون آخر[1]." اهـ
إذا فالإنسان في القطب الشمالي منهي عن السرقة ومأمور بالصدق وبالأمانة, سواء كان يتعامل بميزان إليكتروني أو يعتمد على الأحجار!
قد يقول قائل: إن مسألة المنظومة الأخلاقية القانونية قد لا يختلف فيها عامة البشر, فهم متفقون في معظمها, والاختلاف في نقاط بسيطة فيها, وإن كانت جوهرية!, وإنما النقطة الرئيسة في الباب, هي مسألة: كيفية خطاب الإنسان بلغة تناسب عقله وفكره في القرن الحالي وفي القرون القادمة, بحيث لا يشعر أنه يتعامل مع كتاب تاريخي قديم لا يشبع نهمه الفكري ويريح فضوله؟
نقول: وهنا تكمن العبقرية في الخطاب القرآني, فلقد استغل القرآن العنصر الذي لا يمكن أن يحدث فيه اختلاف أو تغير, وهو الكون والتاريخ, أضف إلى ذلك الاحتياجات الإنسانية الأساسية!
فنجد أن الكتاب قد استغل الكون المحيط بالإنسان كعنصر أولي في خطابه للإنسان, فهو يدعوه إلى التفكر والنظر فيه: " قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ [يونس:101]"
وأمره بالسير في الأرض ليرى الآيات البينات, ويتفكر في طبيعتها وكيف تسير وكيف تعمل: " قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [العنكبوت : 20]"
ففي هذا كله إشارات إلى خالق واحد, وإلى حكمة في الخلق!
والناظر يجد أن الإنسان سيظل إلى قيام الساعة يسير في الأرض, يكتشف جديدا في خلق الله, ويحاول أن يستغل ما أودعه الله من قوانين طبيعية في حياته, ليجعلها أفضل وأيسر.
كما أنه مأمور بالتفكر والتدبر في آثار الآخرين, حتى لا يهلك المجتمع بما هلك به سابقوه, فالمجتمعات هي التي تردي بنفسها إلى مواطن الهلاك:
" أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [الروم : 9]"
لذلك فالكتاب يعجب ممن يسير في الأرض بدون نظر أو تدبر, ويعتبر هذا من العمى: "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج : 46]"
إذا فمهما تطور الإنسان فكريا, فهو محصور في فلك الطبيعة المحيطة به, يأخذ منها ويقلدها ويستفيد بها, والكتاب يأمره بذلك. كما أن الكتاب عمل على إثارة الحس الجمالي عند المتبع من خلال عرض الظواهر الطبيعية المحيطة بالإنسان وعرض آثارها عليه بصورة أدبية بديعة في آيات عدة؛ فنجد أن الله تعالى يتحدث عن الرياح في سورة المرسلات, ويعرض مشهد سير السحاب واحتكاكها ونزول الماء بما يحتاجه الإنسان عرضا بديعا في سورة العاديات[2]! ويعرض عملية نزول المطر وإحياء الأرض وخروج الزرع في كثير من الآيات:
"وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأنعام : 99]", وفي هذا دعوة إلى النظر والتفكر في التغير, وفي عملية الإحياء التي تحدث أمام الإنسان بتكرار كبير!
ويكثر من ذكر الشمس والقمر والنجوم, وسباحتهم في أفلاكهم في آيات عدة: "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء : 33]",
ويتحدث عن الليل والنهار وسباحتهما في فلك الأرض وتداخلهما: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [لقمان : 29]", إلى غير ذلك من كثير آيات, تتخذ الطبيعة والكون محورا لها.
---------------------------------
[1] يوسف القرضاوي, عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية, ص.40.
[2] من المشتهر أن مطلع سورة العاديات يتحدث عن الخيول أو الجمال! ولكنا نرى أنه يتحدث عن السحاب وعن عملية سقوط المطر, لمزيد من التفاصيل: انظر كتابنا: قرآءة لسور الطعن, أو على صفحات موقعنا: www.amrallah.com (http://www.amrallah.com).