المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف يكون القرآن صالحا لكل زمان ومكان؟!


عمرو الشاعر
06-25-2010, 07:00 AM
المقال من كتابي: السوبرمان بين نيتشه والقرآن!
بسم الله الرحمن الرحيم

إذا قلنا أن هناك منهج صالح لكل زمان ومكان, يُطرح مباشرة السؤال المعهود: كيف يكون هناك كتاب صالح لكل زمان ومكان؟ فمن المعروف أن المجتمعات البشرية تختلف من بيئة لأخرى, فليس مجتمع أدغال أفريقيا مثل القطب الشمالي أو الجنوبي, وليست القبائل البدوية مثل المدن اليابانية, بغض الطرف عن التغيرات التي تطرأ بسبب تقدم الزمان وتغير العادات, ناهيك عن التطورات العلمية الكبيرة التي شهدتها البشرية في القرنين الآخرين, والاكتشافات التي غيرت بنية المجتمع وأولويات الإنسان, فكيف يكون الكتاب مناسبا في زماننا وفي الأزمان القادمة ولكل البيئات على وجه الأرض, فهل الكتاب مناسب للمجتمعات التي ظهر فيها الحاسوب والجوال والمرئيات؟
نقول: إن من يطرح مثل هذا السؤال يقدم لنا اعترافا صريحا, أنه لا يعرف من وما هو الإنسان, كما يُظهر أنه يجهل جهلا بيّنا على ماهية الخطاب القرآني.
وبما أنه إنسان غير عالم, نوضح له كيف يكون الكتاب مناسبا لكل إنسان في أي مكان وزمان:
الإنسان -منذ أن تركته الملائكة بعد أن علمته ما يحتاج-, هو الإنسان إلى قيام الساعة, ولا فارق بين إنسان القرن الأول والقرن الأخير, يفعل نفس الأفعال ويحتاج نفس الاحتياجات, والفارق الوحيد هو في مظهر الاحتياجات والأفعال, ليس أكثر!
فالإنسان كائن في مجتمع يتفاعل ويتعامل مع غيره, على أرض هذا الكوكب وتحت سماءه, يحتاج مأكلا وملبسا ومشربا, وغذاء الروح؛ والمتمثل في التقديس, وبعض الاحتياجات النفسية الأخرى مثل الأمن والتقدير والحب! ولست أدري حقا ما الفارق بين إنساننا وإنسان القرون الغابرة, هل أقلعنا عن قرب الطعام أم توقفنا عن ممارسة الجنس, أم لم نعد بحاجة إلى المأوى أم استغنينا عن التقديس, أم هل انعزلنا عن غيرنا وأصبحنا نعيش في بروج مشيدة, هل أقلعنا عن الحب والكره والخداع؟!
كل ما هنالك أن أدوات ووسائل هذه الأمور أصبحت أكثر نعومة وليونة, -والذي ترتب عليه ميوعة الإنسان أيضا!- وأصبحت أكثر سهولة وسرعة وزخرفة, ما عدا ذلك فلا اختلاف, فالإنسان لا يزال يقتل ويزني ويغش في الموازين –المتطورة- ويشهد زورا ويزور ويحتال وينتحر.
وأتساءل: ما هي الجريمة الحديثة التي ظهرت في زماننا هذا ولم يكن لها وجود مسبق؟ هل هي سرقة الأعضاء مثلا؟ ما هي إلا نوع من السرقة, نوع حديث ولكنها في نهاية المطاف سرقة! هل البنوك مسألة حديثة؟ ما هي إلا نوع من الربا بتوحش! ما هو الجديد في حياة الإنسان؟ الإنسان كان يلوث بيئته فيما مضى ببساطة, أصبح التلويث الآن معقدا هائل الحجم والكم! ما هو الجديد؟ بعض الإمكانيات الطبية الجراحية, ينطبق عليها ما جاء في النصوص الكلية, فإذا كانت نافعة فلا حرج فيها, وإذا كانت ضارة فهي محرمة, إذا فلا جديد بحال في أفعال الإنسان, ويعلق الدكتور القرضاوي على هذه النقطة فيقول:
"إن معظم النصوص جاءت في صورة مبادئ كلية وأحكام عامة, ولم تتعرض للجزئيات والتفصيلات والكيفيات, إلا فيما كان شأنه الثبات والدوام, برغم تغير الزمان والمكان, كشئون العبادات والزواج والطلاق والمواريث ونحوها من شئون الأسرة, فقد عالجته الشريعة بالتفصيل الملائم, سدا لباب الابتداع والتحريف في أمور العبادة وحسما للنزاع والصراع في أمور الأسرة, وإرساء لدعائم الاستقرار في الجانبين معا, وهما أخطر أمور الحياة. أما فيما عدا ذلك مما يحتلف تطبيقه باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والعوائد, فكانت النصوص فيه –غالبا- عامة ومرنة إلى حد بعيد, لئلا يضيق الشارع على الناس إذا ألزمهم بصورة جزئية معينة قد تصلح لعصر دون عصر, أو لإقليم دون إقليم, أو لحال دون آخر[1]." اهـ
إذا فالإنسان في القطب الشمالي منهي عن السرقة ومأمور بالصدق وبالأمانة, سواء كان يتعامل بميزان إليكتروني أو يعتمد على الأحجار!

قد يقول قائل: إن مسألة المنظومة الأخلاقية القانونية قد لا يختلف فيها عامة البشر, فهم متفقون في معظمها, والاختلاف في نقاط بسيطة فيها, وإن كانت جوهرية!, وإنما النقطة الرئيسة في الباب, هي مسألة: كيفية خطاب الإنسان بلغة تناسب عقله وفكره في القرن الحالي وفي القرون القادمة, بحيث لا يشعر أنه يتعامل مع كتاب تاريخي قديم لا يشبع نهمه الفكري ويريح فضوله؟
نقول: وهنا تكمن العبقرية في الخطاب القرآني, فلقد استغل القرآن العنصر الذي لا يمكن أن يحدث فيه اختلاف أو تغير, وهو الكون والتاريخ, أضف إلى ذلك الاحتياجات الإنسانية الأساسية!
فنجد أن الكتاب قد استغل الكون المحيط بالإنسان كعنصر أولي في خطابه للإنسان, فهو يدعوه إلى التفكر والنظر فيه: " قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ [يونس:101]"
وأمره بالسير في الأرض ليرى الآيات البينات, ويتفكر في طبيعتها وكيف تسير وكيف تعمل: " قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [العنكبوت : 20]"
ففي هذا كله إشارات إلى خالق واحد, وإلى حكمة في الخلق!
والناظر يجد أن الإنسان سيظل إلى قيام الساعة يسير في الأرض, يكتشف جديدا في خلق الله, ويحاول أن يستغل ما أودعه الله من قوانين طبيعية في حياته, ليجعلها أفضل وأيسر.
كما أنه مأمور بالتفكر والتدبر في آثار الآخرين, حتى لا يهلك المجتمع بما هلك به سابقوه, فالمجتمعات هي التي تردي بنفسها إلى مواطن الهلاك:
" أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [الروم : 9]"
لذلك فالكتاب يعجب ممن يسير في الأرض بدون نظر أو تدبر, ويعتبر هذا من العمى: "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج : 46]"
إذا فمهما تطور الإنسان فكريا, فهو محصور في فلك الطبيعة المحيطة به, يأخذ منها ويقلدها ويستفيد بها, والكتاب يأمره بذلك. كما أن الكتاب عمل على إثارة الحس الجمالي عند المتبع من خلال عرض الظواهر الطبيعية المحيطة بالإنسان وعرض آثارها عليه بصورة أدبية بديعة في آيات عدة؛ فنجد أن الله تعالى يتحدث عن الرياح في سورة المرسلات, ويعرض مشهد سير السحاب واحتكاكها ونزول الماء بما يحتاجه الإنسان عرضا بديعا في سورة العاديات[2]! ويعرض عملية نزول المطر وإحياء الأرض وخروج الزرع في كثير من الآيات:
"وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأنعام : 99]", وفي هذا دعوة إلى النظر والتفكر في التغير, وفي عملية الإحياء التي تحدث أمام الإنسان بتكرار كبير!
ويكثر من ذكر الشمس والقمر والنجوم, وسباحتهم في أفلاكهم في آيات عدة: "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء : 33]",
ويتحدث عن الليل والنهار وسباحتهما في فلك الأرض وتداخلهما: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [لقمان : 29]", إلى غير ذلك من كثير آيات, تتخذ الطبيعة والكون محورا لها.

---------------------------------
[1] يوسف القرضاوي, عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية, ص.40.
[2] من المشتهر أن مطلع سورة العاديات يتحدث عن الخيول أو الجمال! ولكنا نرى أنه يتحدث عن السحاب وعن عملية سقوط المطر, لمزيد من التفاصيل: انظر كتابنا: قرآءة لسور الطعن, أو على صفحات موقعنا: www.amrallah.com (http://www.amrallah.com).

عمرو الشاعر
06-25-2010, 07:04 AM
والغاية من ذلك كله حس الإنسان على التفكر والرقي والتجريد, باستنتاج العناصر المشتركة الموجودة بينها, وتحويل آلية عمل الطبيعة إلى آلية عمل في أدوات الإنسان تُيسر حياته! لذا, ففي أي بيئة أو زمان كان الإنسان, فسيكون محاطا بها من رياح وسحب وسماء وشمس وقمر ونجوم وليل ونهار وأرض وأنهار! وعليه أن ينظر فيها ويسخرها!
فإذا انتقلنا إلى العنصر الآخر الذي استخدمه الكتاب في مخاطبة الإنسان نجد أنه عنصر الاحتياجات الرئيسة, وأهمها بالنسبة للبشر هو الطعام! فقد يستغنون عن كثير من الاحتياجات الأخرى, وهذا ما حدث ويحدث, ولكن لا يمكن الاستغناء عن الطعام والشراب, وإلا ستنتهي الحياة. لذلك استخدم الكتاب هذا العنصر الهام في تذكير الإنسان باحتياجه إلى الله الخالق, الذي أوجد له هذا الطعام وأمده به[1].
والعجيب أن البشر يأكلون ولا يتساءلون ويشربون ولا يحمدون! فإذا نحن نظرنا في طعام الإنسان وجدناه لا يخرج عن عنصرين إثنين, وهما النبات أو الحيوان! ويعتمد الإنسان والحيوان على النبات في طعامه, لذلك أمره الله بالنظر في كيفية إنشاء هذا الطعام, فقال تعالى:
"فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا(30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا(31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ(32)" [عبس:24-32]
ونجد أن النصيب الأكبر من الغذاء الحيواني للإنسان يكاد بنحصر في الأنعام "الإبل, البقر, الضأن, الماعز", فالإنسان يربيها ويستخدمها استخدمات عدة بخلاف أكلها: "وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [النحل : 5]" والأنعام من أكبر النعم! –لاحظ التشابه بين مبنى الكلمتين!- التي أنعم الله بها على الإنسان, فالإنسان منذ قديم الزمان يربيها ويستخدمها[2]!
ولعظم نعمة الأنعام على الإنسان, نجد أن من بين أغراض الحج الرئيسة, شكر الله عزوجل على بهيمة الأنعام: "لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج : 28]"
فمن منا ذهب إلى الحج وتذكر أن يذكر الله ويشكره على ما رزقه من بهيمة الأنعام؟! هذه الآية وكثير غيرها تحتم علينا التفكر في هذه الأنعام! ما هو هذا السر الرهيب المرتبط بها, الذي يجعل الله عزوجل يكثر من تذكيرنا بها, حتى أنها تتقدم على الإنسان أحيانا؟!: "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ [السجدة : 27]"
بل إن الله عزوجل يأمرنا بتربية الأنعام, ويدعونا إلى التفكر في إمداده الأرض بما يناسبنا ويناسب الأنعام: "الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى [طه : 54,53]"
فهو يربط بين أكلنا لما تخرجه الأرض من النباتات المختلفة وبين رعي الأنعام بالحشائش التي تحتاجها, وبعد ذلك ننتفع نحن بها!
وقد تبدو مسألة الأنعام هذه هينة عند كثير من البشر! ولكنا ندعوك عزيزي القارئ إلى تصور حياة البشر بدون أنعام! هل تتصور وجود حضارات بشرية أولى بدون أنعام؟ هناك الكثير والكثير من الدواب على وجه الأرض, ولكن الحضارات البشرية قامت مرتبطة بهذه الأنعام, ولو لم توجد لاختلف شكل الأرض تماما, ولتخلفت الجماعات البشرية ولما كانت هناك حضارات على الإطلاق, نعم فحضارة الإنسان ارتبطت وترتبط بالأنعام:
" فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى : 11]",
فوجودنا وتكاثرنا وانتشارنا مرتبط بالأنعام! ولقد لاحظ الإنسان القديم المرتبط بالطبيعة أهمية وخطورة هذه الأنعام لطعامه ولحياته عامة! –على عكس إنساننا الأخرق الذي عُزل عن الطبيعة تماما, وأصبح يعتقد أن الطعام يأتي من السوبرماركت, حيث يُخلق هناك!!!- حتى أنه من عظم شعوره بأهميتها, وقع في فخ تقديسها وعبادتها!
لذلك على الإنسان ألا يستهين بها أبدا, فالبقرة هي أول إله أشرك به الإنسان في الأرض, وكانت أول مخلوق يعبده بنو إسرائيل بعدما خرجوا من مصر, على الرغم من وجود نبيي الله معهم! والبقرة لا تزال تُعبد حتى الآن, فهي ثاني إله يُعبد في الأرض بعد الله تعالى! لذلك لا عجب أن تكون أكبر سورة في القرآن هي سورة البقرة[3]!
ولقد استغل القرآن الأنعام في مخاطبة الإنسان مذكره بنعمة الله عليه, وآمره بالنظر فيها والتفكر في حالها وفي خلقها, ففيها الدليل البين على الخالق وفيه الفوائد الجمة للإنسان!
وكما رأينا فلقد خاطب القرآن الإنسان بما هو فيه دوما "الطبيعة والكون", وبما هو في حاجة إليه "الطعام والشراب", وهما أكبر عنصر ثبات في حياة الإنسان, فلن ينقطع الإنسان عن اكتشاف الكون ولن ينفك عن احتياجه إلى الطعام.

وقد لا يشعر الإنسان المعاصر –والغربي خاصة- بخطورة مسألة الطعام هذه, لأنه يجد الطعام في السوبرماركت, ولأنه نسى أن هناك الملايين والملايين لا يزالون يحتاجون إلى الطعام, وأن هناك الكثير من المجاعات التي تجتاح العالم. فقضية الطعام هي مفصل صراع البشر الأكبر, والذين لا يزالون يسعون للسيطرة على موارده! فيُذكرهم الكتاب بالرب خالق الطعام ليلجأوا إليه!
ولا يعني هذا أن الكتاب أغفل باقي جوانب الاحتياجات الإنسانية, لا فلقد خاطبه بكل احتياجاته الثابتة والباقية, مثل الجنس والزينة والتطلع إلى الجديد والتفاخر بالأبنية والتعالي فيها, والارتباط بينه وبين بعض الحيوانات, ولكن هذا الخطاب كان أقل كمّاً من الآخر:" زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء[4] وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران : 14]"
فهذه خصال ثابتة في الإنسان لن تتغير, -وإن تغيرت أشكال حدوثها- لذلك كان لزاماً أن يحوي الكتاب أصولها, وهذا ما كان فعلا!
ويبقى الاحتياج الأخير الرئيس عند الإنسان وهو الحاجة إلى التقديس والعبادة, وهو لُب أي دين, وهو ما وفره الكتاب للإنسان بدرجة لا يحتاج معها إلى النظر في أي كتاب آخر, توفيرا يربط العقل بالقلب, وليس ذلك القاضي على العقل من أجل القلب! ونحن في غنى عن ذكر أي آية عن حديث الكتاب عن الله رب السماوات والأرض وما بينهما!
إذا لقد خاطب القرآن الإنسان –كائنا من وأين ومتى كان- بكل احتياجاته, مادية كانت أو روحية أو فكرية, وعليه أن يبتكر هو في الأدوات والوسائل, فما قدمه الكتاب هو الثابت, أما الأدوات والوسائل فهي خاضعة للتغير والتطور, وعلى الإنسان أن يُطور بقدر ما يستطيع. ولكن الإنسان لا يزال ذلك الطفل الرضيع, الذي يريد أن يجد في الكتاب كل شيء بالاسم وليس بالإشارة والرمز!
فيريد أن يجد العربة والحاسوب وكل ما يخترعه, مهتديا بما في الكون وبما ذُكر في الكتاب! وهذا مطلب مرفوض بداهة, ولو حدث ووُجد هذا في الكتاب لكان معناه أنه ينهاه ويعطله عن التفكر, ويعطيه كل الحلول والأجوبة التي تساعد على التبلد, -والذي أصبح السمة الغالبة في مجتمعاتنا الحديثة, حيث لا يُراد للإنسان أن يجهد نفسه في أي شيء! وإنما عليه أن يكون ذلك المستهلك الذي يشتري كل شيء حتى التفكير, فاسترح عزيزي القارئ فسنفكر لك!- والكتاب يريد للإنسان أن يتفكر وينظر, ويأبى الإنسان إلا ألا يتفكر, فلا يزال يعتبر العقل منحة ثقيلة التبعة, ويريد أن يركن إلى تلبية ذلك الحيوان الرابض فيه والمسيطر عليه!

--------------------------------------
[1] ليست قضية الطعام بالأمر الهين الذي أنهاه الإنسان, وإنما ستظل إلى قرب قيام الساعة مسألة رئيس يسعى الإنسان إلى حلها, ونحن لا نزال نعاني في زماننا هذا من هذه النقطة –على الرغم من كميات الطعام التي تلقى في البحر حتى لا ينخفض سعره, فهناك: 60 مليون شخصا في 13 دولة بالعالم يعانون من نقص الأغذية. وهناك 11 دولة آسيوية تواجه أوضاعاً غذائية حرجة، مثل كوريا الشمالية وأرمينيا وطاجيكستان وجورجيا. وهناك في بلدان منظمة التعاون والتنمية الأكثر تقدماً حوالي 100مليون شخص تحت خط الفقر. فهل حل المجتمع المدني, الذي يضم 358 مليارديراً - حسب تقارير الأمم المتحدة - تعادل أصولهم المالية مجموع الدخول السنوية لبلدان تمثل نصف سكان العالم, أزمة الطعام؟!

[2] من نعم الله على الإنسان أنه لا تنشأ بين الإنسان والأنعام علاقة قلبية, فنحن نجد أن بعض البشر يرتبطون قلبيا بالقطط أو الكلاب أو العصافير ... إلخ الكائنات, فإذا مات أو مرض حزن له وعليه حزنا شديدا, أما الأنعام فالإنسان يربيها ويذبحها ولا يتحرج من ذلك, وهي نفسها تقف تنتظر الذبح بدون اعتراض أو محاولة تفلت! لأن الله تعالى أعدها لهذا الغرض وسد باب العلاقة بينها وبين الإنسان, لذا فنحن نذبحها ولا نحزن لذلك!
[3] أصل البقر هو التوسع والتفتح في الشيء, وكان يقال لمحمد بن علي بن الحسين بن علي الباقر، لأَنه بقر العلم وعرف أَصله واستنبط فرعه وتَبقَّر في العلم. ومن ينظر يجد في البقرة فوائد عظمى, ومن يرد أن يتعرف عليها فلينظر إلى الأسباب التي دعت الهندوس إلى عبادتها.
[4] من المشتهر أن المراد من النساء في الآية هو النسوة! وهذا عجيب, فمعنى هذا أن السحاق حلال مباح, فالناس يشتملون الذكور والإناث, ولا يمكن أن يكون المراد منهم الذكور! والذي نراه أن المراد من النساء هنا هو المستجدات والمتأخرات, فالنسأ أصلا بمعنى التأخير, فالمراد منه شهوة التطلع إلى الجديد والملل من القديم المتوفر, والتي يلعب عليها كل التجار بتوفير أشكال جديدة للسلع. وكذلك نرى أن المراد من البنين في الآية هو الأبنية!

عمرو الشاعر
06-25-2010, 07:07 AM
قلنا أن الكتاب كتاب شامل جامع, خاطب الإنسان بكل ما يحتاجه, وبما يناسبه في أي بيئة وزمان كان, ولكنا نعود فنقول: خاطب الكتاب الإنسان بما يحتاجه لإثارة عقله ويحثه على البحث والتفكر! فقدم له الأجوبة على كل ما يحتاجه, ولكن ليس بشكل تفصيلي لكل صغيرة وكبيرة, بحيث يصبح معها الإنسان ذلك المتلقي الغبي, الذي لا يُعمل فكره في أي مسألة, فإذا صادفه أي أمر هرع إلى الكنز الخارق, يبحث فيه عن الإجابة ثم يعود منتشيا منتفخ الصدر بما لم يجهد فيه!
وإنما قدم له الإجابات بشكل عام كلي, بحيث تندرج تحت هذه الكليات والعمومات كل ما يحتاجه الإنسان, وعليه أن يجتهد هو في إسقاطها على أرض الواقع –القيام بتأويلها!- كما أنه حدّ له الحدود الذي ينبغي عليه السير عليها أو تجنبها, إذا أراد الوصول إلى ما يقصد!
ونحن نتفق مع الدكتور العلامة يوسف القرضاوي في حديثه عن منطقة العفو في القرآن والتشريع, -وإن كنا نختلف معه في التسمية-! إذ يقول:
"إن أول هذه العوامل ما يلمسه الدارس لهذه الشريعة وفقهها من اتساع منطقة "العفو" أو الفراغ التي تركتها النصوص قصدا, لاجتهاد المجتهدين في الأمة ليملؤوها بما هو أصلح لهم, وأليق بزمانهم وحالهم, مراعين في ذلك المقاصد العامة للشريعة, مهتدين بروحها ومحكمات نصوصها.[1]" اهـ
لذا فيمكننا القول أن الكتاب قد أرضع الإنسان وفطمه في عين الوقت, ففيه كل شيء, ولكن لمن يعمل عقله ويقرأ الكتاب ويقرأ الكون, أما من ينتظر اللبن السائب فلن يصله بحال! فلقد خُتمت الرسالات فليس هناك رسول يأتي فيأول القرآن, وإنما علينا نحن القيام بذلك:
"ما كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً [الأحزاب : 40]"
وتمت كلمة الله إلى البشر واكتملت, فليس هناك كلمة سليمة صحيحة إلا القرآن, لذلك على الإنسان أن يقلع عن الانتظار, فعليه حمل الرسالة والانطلاق لنشرها وتبليغها البشر جميعا, ومجاهدتهم كلهم –عقلا- بها, وإبطال حججهم بما ورد في الكتاب الشافي الكافي ... الأخير:
"وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً [الفرقان : 52,51]"
فالكتاب إعلان لانتهاء مرحلة الإعداد الرباني للبشرية, وعليها, من الآن فصاعدا, أن تعتمد على نفسها في حياتها وإنتاجها وابداعها المادي والفكري[2], مسترشدة بهدي ربها في مسيرها, فإن أعرضت فلتبحث بنفسها لنفسها, مثلما يفعل أي ابنٍ عاق!
لذا, فمن أكبر الفروق بيننا وبين نيتشه؛ أننا نؤمن أن السوبرمان الأعظم قد أتى وخُتمت به الرسالات, فبه انتهى عصر وبدأ عصر جديد, نعيشه وعاشه من سبقنا, وعلينا أن نعتمد على أنفسنا في إنشاء مجتمعات وحكومات قوية, تسير تبعا للمنهج, أما نيتشه فيرى أن السوبرمان سيظهر عندما تختفي الحكومات:
"لا يظهر الإنسان الأصيل في الحياة إلا حيث تنتهي حدود الحكومات, فهنالك يتعالى نشيد الضرورة بنغماته المحررة من كل مطاوعة وتقييد .. هنالك عند آخر حدود الحكومات, قفوا وتطلعوا, يا أخوتي, أفما ترون تحت قوس قزح المعبر الذي يجتازه الإنسان المتفوق؟[3]"
والعالم كله لم ير سوبرمان نيتشه ولن يراه, وإنما رأى السوبرمان الأعظم وشهد أعماله, وأقر أنه أعظم من ظهر في التاريخ, إلا أنهم يأبون اتباعه!

---------------------------
[1] يوسف القرضاوي, عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية, ص.15.
[2] أبدعت البشرية ماديا وفكريا جيدا, إلا في الجانب الروحي فلقد انتكست فيه انتكاسة كبيرة, وذلك لعدم رغبتها في إخضاع الجانب الروحي للعقل!
[3] فريدريش نيتشه, هكذا تكلم زرادشت, تعريب: فليكس فارس, ص.41.

مهيب الأرنؤوطى
08-25-2010, 03:43 PM
أحسنت أخي الكريم المفضال الشيخ عمرو الشاعر، وأرجو ألا تتعجب حينما أقول لك أن كل ما كتبته تقريباً كان يجيش في نفسي وأريد أن أعبر عنه بقلمي ولكنني لم أستطع، فأنت تمتاز بمزية قد أنعم الله تعالي عليك بها وهي ليست موجودة عند الكثير من الناس ألا وهي التعبير عما يجيش في نفسك وعما يريد أن يقوله الآخرون ولكن ألسنتهم تعجز مثل أقلامهم عن هذا التعبير.

جزاك الله تعالي كل الخير والسلام عليكم ورحمة الله تعالي وبركاته

عمرو الشاعر
08-26-2010, 08:41 AM
وجزاك الله مثله أخي! وجعلنا وإياك من العاملين لهذا الدين العظيم والخادمين له!