عمرو الشاعر
04-15-2008, 08:16 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين وصلاة وسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد , أما بعد فننتناول اليوم بإذن الله تعالى سورة عظيمة شاملة تحتوي الإنسان وكونه وأحداثه ولكنها كالعادة لم تلق هذا الاهتمام من المتعاملين معها وفهمت فهما جزئيا ضيع الكثير والكثير من أوجه عظمتها , وهذه السورة هي سورة الفلق ! والعجيب أن يتهم بعض أعداء الإسلام أن القرآن كتاب خرافي غير علمي لأنه احتوى هذه السورة التي تحدثت عن السحر وعن الحسد ! فهل هذه السورة تحتوي فعلا أي قدر من الخرافة ؟ هذا ما سيراه القارئ الكريم بإذن الله تعالى !
وأول ما نبدأ به عند تعرضنا لهذه السورة هو التذكير بأن هذه السورة مكية وليست مدنية كما يعتقد الكثيرون , فالسورة مكية رواية – كما جاء في الأثر – وأسلوبا , أما مسألة أنها نزلت كرقية للرسول الكريم عندما سُحر , فهذا ما نرفضه تماما , فلم يسحر الرسول الكريم وحاشا له أن يسحر , ثم إن القرآن ينفي تأثير السحر من أوله إلى آخره – ما عدا السحر التخييلي وهذا لا يؤثر في الإنسان في شيء – فهل يأتي في السورة قبل الأخيرة منه فيثبته ! ثم يثبته بصورة غير صحيحة تماما وهذا ما سنراه عند التعرض لآية النفاثات ! أما الآن فسنقدم المنظور العام للسورة ليرأى القارئ الكريم كيف أن السورة تقدم تصورا علميا فكريا عظيما مصاغا بصياغة أدبية جبارة لا يرقى إليها البشر :
المنظور العام للسورة :
الناظر في السورة الكريمة يجد فيها معان شاملة يمكن أن تتمثل في كلمة واحدة وهي الواردة في الآية الأولى منها والتي شملت السورة كلها وهي الاستعاذة من الانقسام والشقاق ونتائجه ! ونلاحظ أن السورة تسير على نسق تنازلي يبدأ بالاستعاذة برب القانون العام الجامع لكل الأفراد المندرجة تحته ثم يبدأ بعد ذلك سرد أفراده بدأ من الأشمل إلى الفرد الواحد . فتبدأ الأفراد بالخلق كله ثم بعد ذلك بما فيه خير ولكنه بكثرته يصبح شرا , ثم بالمسببين للفصل والقطع المفتتين للمجتمع عن طريق تعقيده ثم تُختم السورة بالضرر الفردي المتمثل في الحاسد إذا حسد . و تتمثل عظمة السورة في تنبيه الإنسان المسلم على أهمية الوحدة والتعاون والتواد والتحاب والشفافية والصراحة .
تقسيم السورة :
تتكون السورة من خمس آيات , آية استعاذة بالرب تتبعها أربعة آيات تحتوي المستعاذ منه , فإذا نحن نظرنا في المستعاذ منه وجدناه ينقسم تقسمين إثنين , قسم طبيعي وقسم بشري ثم قسم مطلق وقسم معلق . فإذا نحن نظرنا وجدنا أن القسم الطبيعي متمثل في قوله تعالى " من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب " والقسم البشري متمثل في قوله تعالى " ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد " . أما القسم المطلق فقوله تعالى " من شر ما خلق ومن شر النفاثات في العقد " أما القسم المعلق فهو قوله تعالى " ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر حاسد إذا حسد " .
ونبدأ في تناول السورة معلقين على ما فيها من معان جليلة , والناظر في السورة يجد أن كل ألفاظها معروفة مألوفة ما عدا كلمتين واردتين في الآية الثالثة وهي قوله تعالى " غاسق , وقب " فهاتان الكلمتان غفل عن معانيهما كثير من الناس , ونبدأ بسم الله الرحمن الرحيم :
تبدأ السورة بأمر النبي الكريم بأن يقول " قل " ولن نتوقف كثيرا مع هذه الكلمة ولكنا نشير إلى أهمية هذه الكلمة في الدور التواصلي التعليمي لرسالة القرآن , فالقارئ لهذه السورة يقرأها لنفسها ويقوم بتبليغ نفس الأمر إلى غيره بأن يأمره بأن يقول كذا وكذا ! وليتصور القارئ كيف سيكون الحال لو حذفت كلمة " قل " فسيقضي هذا على التواصلية بين القارئ والسامعين ويصبح الأمر كمجرد استعاذة أو طلب فردي من القارئ نفسه لنفسه فقط !
إذا فالآية تأمر النبي والمؤمنين أن يقولوا " قل أعوذ برب الفلق " وهنا نتوقف لنسأل : لما قال الله تعالى " رب الفلق " , فمن المعلوم أن الأصل أن يقال " الله " فلم عدل الله عن اسمه الأعظم إلى اسم من أسمائه الحسنى عرف أن هذا الاسم متعلق بالأوصاف والآيات الواردة في هذه السورة ! ونلاحظ أن هذه الكلمة " فلق " هي العامل المشترك بين كل أنواع الشرور الواردة في هذه السورة , فما هو الفلق ؟ قد يتوقف القارئ قليلا أمام هذه الكلمة ظانا أنه لا يعرف معناها ويحتاج الأمر إلى الرجوع إلى القواميس من أجل فهم معناها ! وهو في هذا واهم , فالمعنى معروف وهو متبادر إلى ذهن أي قارئ , فإذا نحن نظرنا في المقاييس لابن فارس وجدناه يقول :
الفاء واللام والقاف أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على فُرْجةٍ وبَيْنُونةٍ في الشيء، وعلى تعظيمِ شيء. من ذلك: فَلَقْتُ الشّيءَ أَفْلِقُه فَلْقاً.
والفَلَق الصُّبح؛ لأنَّ الظَّلام يَنْفلِقُ عنه.
والفَلَق مطمئنٌّ من الأرض كأنَّه انفلَقَ، وجمعه فِلْقانٌ.
والفَلق الخَلْق كله، كأنَّه شيءٌ فُلِق عنه شيء حَتَّى أُبرِزَ وأظْهِر.اهـ
فكما نفهم نحن الفلق استعملها القرآن , انظر إلى قول الله تعالى " فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء : 63] " فإذا نحن نظرنا في أقوال المفسرين في تفسيرهم ! للفلق وجدناهم مختلفين في تحديد وتضييق وتخصيص الفلق فوجدناهم يقولون أنه الصبح لأن الليل يفلق عنه الصبح ويفرق ولأنه ورد هكذا في قوله تعالى " فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [الأنعام : 96] " وقيل أنه عبارة عن كل ما يفلقه الله كالأرض عن النبات : { إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى } [ الأنعام : 95 ] والجبال عن العيون : { وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأَنهار } [ البقرة : 74 ] والسحاب عن الأمطار والأرحام عن الأولاد والبيض عن الفرخ "
والذي أراه أن الفلق هو عملية الفلق نفسها , فهذه العملية من أهم العمليات التي يقوم عليها بناء الكون ونظام الطبيعة , فالصبح يفلق والحب يفلق والعلاقات تفلق ! إلخ ما يفلق من حولنا . بل إن الكون كله قد بدأ ب " فتق " َأوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ [الأنبياء : 30] " ولاحظ الشبه الكبير بين الفلق والفتق في المبنى والمعنى وهذا من إعجاز اللغة العربية الجارية التابعة على النظام الكوني ! وليس في الآية أي إشارة إلى أن الفلق نفسه شيء ضار أو سلبي وإنما هو من أهم الأنظمة والسنن الكونية والتي من دونها لا يستمر الكون , فلولا الانقسامات ما كان إنسان ولا نبات ولا حيوان ! ولكن ليس كل انقسام خير مُنّم , فهناك انقسامات ماحقة مضمرة ضارة . إذا فالإنسان المسلم يستعيذ برب الفلق الحاكم المسيطر على الكون كله . من شر ما خلق ! والآية لا تحتاج إلى أي تعليق فالإنسان يستعيذ من أي شر موجود فيما خلقه الله تعالى , ولا يقولن إنسان أن الله تعالى يخلق الشر استدلالا بهذه الآية , فلم يقل سبحانه أنه خلق الشر أو أن كل ما خلقه شر أو فيه شر وإنما أمرنا أن نستعيذ من شر ما خلق , فإذا كان هناك خلق فلا يخلو هذا الخلق من أن يحتوي شرا بأي شكل من الأشكال , فالشر والخير موجودان في الكون بقضاء الله تعالى وإرادته وهو كما قال سبحانه " ........... وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء : 35] " فلا بد من وجود الخير والشر في الكون حتى يكون هناك معنى للامتحان وللابتلاء , أما ذلك الكون الذي يخلو من الشر فهو الجنة أو ذلك الكون الوهمي الذي يريده الملاحدة ويرفضون من أجله فكرة الامتحان الإلهي فوصل بهم الأمر إلى رفض وجود الرب القدير !
إذا فالإنسان المسلم يستعيذ بالله تعالى من كل شر لأي خلق خلقه الله تعالى وبعد أن استعاذ بالله من العام ينتقل في الاستعاذة إلى الخاص ( وكما قلنا فإن السورة كلها تسير على نسق تنازلي ) فكذلك يستعيذ به من شر غاسق إذا وقب ! وهنا نجد أن في هذه الآية اجتمعت كلمتان غاب معرفة معناهما عن كثير من الناس حتى المفسرين واللغويين منهم , لذلك نجد أنهم تحيروا في تحديد معنى هذا الغاسق الذي وقب ! لأن اجتماع كليهما في تصور واحد أمر مستعبد لذلك نجد أنهم كانوا في حيرة من الجزم بتحديد هذا الغاسق الواقب , ونبدأ أولا بعرض الأصل اللغوي لهاتين الكلمتين لنعرف لم تحير المفسرون عند تحديد المداليل الخاصة بهما , فإذا نحن نظرنا في المقاييس وجدنا ابن فارس يقول :
غسق : الغين والسين والقاف أصلٌ صحيح يدل على ظُلْمة. فالغَسَق: الظلمة.
والغاسِق: الليل. ويقال: غَسَقت عينُه: أظلمت.
وأغْسَقَ المؤذِّن، إذا أخَّر صلاةَ المغرب إلى غَسَق اللَّيل. ...
وقب : الواو والقاف والباء: كلمةٌ تدلُّ على غَيبةِ شيءٍ في مَغَاب. يقال وَقب الشَّيءُ: دخَلَ في وَقْبة، وهي كالنُّقْرة في الشَّيء.
ووقَبَتْ عيْناه: غارتا. [و] وقَبَ الشَّيءُ: نَزَلَ ووَقَع. قال الله تعالى: ومِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إذَا وَقَبَ[الفلق 3]، قالوا: هو اللَّيل إذا نَزَل .....
يتبع .............
الحمدلله رب العالمين وصلاة وسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد , أما بعد فننتناول اليوم بإذن الله تعالى سورة عظيمة شاملة تحتوي الإنسان وكونه وأحداثه ولكنها كالعادة لم تلق هذا الاهتمام من المتعاملين معها وفهمت فهما جزئيا ضيع الكثير والكثير من أوجه عظمتها , وهذه السورة هي سورة الفلق ! والعجيب أن يتهم بعض أعداء الإسلام أن القرآن كتاب خرافي غير علمي لأنه احتوى هذه السورة التي تحدثت عن السحر وعن الحسد ! فهل هذه السورة تحتوي فعلا أي قدر من الخرافة ؟ هذا ما سيراه القارئ الكريم بإذن الله تعالى !
وأول ما نبدأ به عند تعرضنا لهذه السورة هو التذكير بأن هذه السورة مكية وليست مدنية كما يعتقد الكثيرون , فالسورة مكية رواية – كما جاء في الأثر – وأسلوبا , أما مسألة أنها نزلت كرقية للرسول الكريم عندما سُحر , فهذا ما نرفضه تماما , فلم يسحر الرسول الكريم وحاشا له أن يسحر , ثم إن القرآن ينفي تأثير السحر من أوله إلى آخره – ما عدا السحر التخييلي وهذا لا يؤثر في الإنسان في شيء – فهل يأتي في السورة قبل الأخيرة منه فيثبته ! ثم يثبته بصورة غير صحيحة تماما وهذا ما سنراه عند التعرض لآية النفاثات ! أما الآن فسنقدم المنظور العام للسورة ليرأى القارئ الكريم كيف أن السورة تقدم تصورا علميا فكريا عظيما مصاغا بصياغة أدبية جبارة لا يرقى إليها البشر :
المنظور العام للسورة :
الناظر في السورة الكريمة يجد فيها معان شاملة يمكن أن تتمثل في كلمة واحدة وهي الواردة في الآية الأولى منها والتي شملت السورة كلها وهي الاستعاذة من الانقسام والشقاق ونتائجه ! ونلاحظ أن السورة تسير على نسق تنازلي يبدأ بالاستعاذة برب القانون العام الجامع لكل الأفراد المندرجة تحته ثم يبدأ بعد ذلك سرد أفراده بدأ من الأشمل إلى الفرد الواحد . فتبدأ الأفراد بالخلق كله ثم بعد ذلك بما فيه خير ولكنه بكثرته يصبح شرا , ثم بالمسببين للفصل والقطع المفتتين للمجتمع عن طريق تعقيده ثم تُختم السورة بالضرر الفردي المتمثل في الحاسد إذا حسد . و تتمثل عظمة السورة في تنبيه الإنسان المسلم على أهمية الوحدة والتعاون والتواد والتحاب والشفافية والصراحة .
تقسيم السورة :
تتكون السورة من خمس آيات , آية استعاذة بالرب تتبعها أربعة آيات تحتوي المستعاذ منه , فإذا نحن نظرنا في المستعاذ منه وجدناه ينقسم تقسمين إثنين , قسم طبيعي وقسم بشري ثم قسم مطلق وقسم معلق . فإذا نحن نظرنا وجدنا أن القسم الطبيعي متمثل في قوله تعالى " من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب " والقسم البشري متمثل في قوله تعالى " ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد " . أما القسم المطلق فقوله تعالى " من شر ما خلق ومن شر النفاثات في العقد " أما القسم المعلق فهو قوله تعالى " ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر حاسد إذا حسد " .
ونبدأ في تناول السورة معلقين على ما فيها من معان جليلة , والناظر في السورة يجد أن كل ألفاظها معروفة مألوفة ما عدا كلمتين واردتين في الآية الثالثة وهي قوله تعالى " غاسق , وقب " فهاتان الكلمتان غفل عن معانيهما كثير من الناس , ونبدأ بسم الله الرحمن الرحيم :
تبدأ السورة بأمر النبي الكريم بأن يقول " قل " ولن نتوقف كثيرا مع هذه الكلمة ولكنا نشير إلى أهمية هذه الكلمة في الدور التواصلي التعليمي لرسالة القرآن , فالقارئ لهذه السورة يقرأها لنفسها ويقوم بتبليغ نفس الأمر إلى غيره بأن يأمره بأن يقول كذا وكذا ! وليتصور القارئ كيف سيكون الحال لو حذفت كلمة " قل " فسيقضي هذا على التواصلية بين القارئ والسامعين ويصبح الأمر كمجرد استعاذة أو طلب فردي من القارئ نفسه لنفسه فقط !
إذا فالآية تأمر النبي والمؤمنين أن يقولوا " قل أعوذ برب الفلق " وهنا نتوقف لنسأل : لما قال الله تعالى " رب الفلق " , فمن المعلوم أن الأصل أن يقال " الله " فلم عدل الله عن اسمه الأعظم إلى اسم من أسمائه الحسنى عرف أن هذا الاسم متعلق بالأوصاف والآيات الواردة في هذه السورة ! ونلاحظ أن هذه الكلمة " فلق " هي العامل المشترك بين كل أنواع الشرور الواردة في هذه السورة , فما هو الفلق ؟ قد يتوقف القارئ قليلا أمام هذه الكلمة ظانا أنه لا يعرف معناها ويحتاج الأمر إلى الرجوع إلى القواميس من أجل فهم معناها ! وهو في هذا واهم , فالمعنى معروف وهو متبادر إلى ذهن أي قارئ , فإذا نحن نظرنا في المقاييس لابن فارس وجدناه يقول :
الفاء واللام والقاف أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على فُرْجةٍ وبَيْنُونةٍ في الشيء، وعلى تعظيمِ شيء. من ذلك: فَلَقْتُ الشّيءَ أَفْلِقُه فَلْقاً.
والفَلَق الصُّبح؛ لأنَّ الظَّلام يَنْفلِقُ عنه.
والفَلَق مطمئنٌّ من الأرض كأنَّه انفلَقَ، وجمعه فِلْقانٌ.
والفَلق الخَلْق كله، كأنَّه شيءٌ فُلِق عنه شيء حَتَّى أُبرِزَ وأظْهِر.اهـ
فكما نفهم نحن الفلق استعملها القرآن , انظر إلى قول الله تعالى " فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء : 63] " فإذا نحن نظرنا في أقوال المفسرين في تفسيرهم ! للفلق وجدناهم مختلفين في تحديد وتضييق وتخصيص الفلق فوجدناهم يقولون أنه الصبح لأن الليل يفلق عنه الصبح ويفرق ولأنه ورد هكذا في قوله تعالى " فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [الأنعام : 96] " وقيل أنه عبارة عن كل ما يفلقه الله كالأرض عن النبات : { إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى } [ الأنعام : 95 ] والجبال عن العيون : { وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأَنهار } [ البقرة : 74 ] والسحاب عن الأمطار والأرحام عن الأولاد والبيض عن الفرخ "
والذي أراه أن الفلق هو عملية الفلق نفسها , فهذه العملية من أهم العمليات التي يقوم عليها بناء الكون ونظام الطبيعة , فالصبح يفلق والحب يفلق والعلاقات تفلق ! إلخ ما يفلق من حولنا . بل إن الكون كله قد بدأ ب " فتق " َأوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ [الأنبياء : 30] " ولاحظ الشبه الكبير بين الفلق والفتق في المبنى والمعنى وهذا من إعجاز اللغة العربية الجارية التابعة على النظام الكوني ! وليس في الآية أي إشارة إلى أن الفلق نفسه شيء ضار أو سلبي وإنما هو من أهم الأنظمة والسنن الكونية والتي من دونها لا يستمر الكون , فلولا الانقسامات ما كان إنسان ولا نبات ولا حيوان ! ولكن ليس كل انقسام خير مُنّم , فهناك انقسامات ماحقة مضمرة ضارة . إذا فالإنسان المسلم يستعيذ برب الفلق الحاكم المسيطر على الكون كله . من شر ما خلق ! والآية لا تحتاج إلى أي تعليق فالإنسان يستعيذ من أي شر موجود فيما خلقه الله تعالى , ولا يقولن إنسان أن الله تعالى يخلق الشر استدلالا بهذه الآية , فلم يقل سبحانه أنه خلق الشر أو أن كل ما خلقه شر أو فيه شر وإنما أمرنا أن نستعيذ من شر ما خلق , فإذا كان هناك خلق فلا يخلو هذا الخلق من أن يحتوي شرا بأي شكل من الأشكال , فالشر والخير موجودان في الكون بقضاء الله تعالى وإرادته وهو كما قال سبحانه " ........... وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء : 35] " فلا بد من وجود الخير والشر في الكون حتى يكون هناك معنى للامتحان وللابتلاء , أما ذلك الكون الذي يخلو من الشر فهو الجنة أو ذلك الكون الوهمي الذي يريده الملاحدة ويرفضون من أجله فكرة الامتحان الإلهي فوصل بهم الأمر إلى رفض وجود الرب القدير !
إذا فالإنسان المسلم يستعيذ بالله تعالى من كل شر لأي خلق خلقه الله تعالى وبعد أن استعاذ بالله من العام ينتقل في الاستعاذة إلى الخاص ( وكما قلنا فإن السورة كلها تسير على نسق تنازلي ) فكذلك يستعيذ به من شر غاسق إذا وقب ! وهنا نجد أن في هذه الآية اجتمعت كلمتان غاب معرفة معناهما عن كثير من الناس حتى المفسرين واللغويين منهم , لذلك نجد أنهم تحيروا في تحديد معنى هذا الغاسق الذي وقب ! لأن اجتماع كليهما في تصور واحد أمر مستعبد لذلك نجد أنهم كانوا في حيرة من الجزم بتحديد هذا الغاسق الواقب , ونبدأ أولا بعرض الأصل اللغوي لهاتين الكلمتين لنعرف لم تحير المفسرون عند تحديد المداليل الخاصة بهما , فإذا نحن نظرنا في المقاييس وجدنا ابن فارس يقول :
غسق : الغين والسين والقاف أصلٌ صحيح يدل على ظُلْمة. فالغَسَق: الظلمة.
والغاسِق: الليل. ويقال: غَسَقت عينُه: أظلمت.
وأغْسَقَ المؤذِّن، إذا أخَّر صلاةَ المغرب إلى غَسَق اللَّيل. ...
وقب : الواو والقاف والباء: كلمةٌ تدلُّ على غَيبةِ شيءٍ في مَغَاب. يقال وَقب الشَّيءُ: دخَلَ في وَقْبة، وهي كالنُّقْرة في الشَّيء.
ووقَبَتْ عيْناه: غارتا. [و] وقَبَ الشَّيءُ: نَزَلَ ووَقَع. قال الله تعالى: ومِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إذَا وَقَبَ[الفلق 3]، قالوا: هو اللَّيل إذا نَزَل .....
يتبع .............