المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الوهم أفيون الشعوب!!


عمرو الشاعر
07-08-2010, 10:21 AM
هذا الموضوع مأخوذ من كتابي السوبرمان بين نيتشه والقرآن!

بسم الله الرحمن الرحيم

منذ ما يزيد على المائة وخمسين عاما أطلق كارل ماركس مقولته الشهيرة "الدين أفيون الشعوب!", وعلى الرغم من أننا نتفق معه كثيرا في أن الدين في أوروبا –المسيحية/اليهودية" هي أفيون ومسكنات خطرة, إلا أننا نرى أن الدين عامة ليس هو الأفيون, وإنما الأفيون الحقيقي هو منظومة الوهم[1] التي أُحلت محل الدين, والتي كان لزاما أن تصاحب مسخ الإلحاد والرأسمالية والشيوعية, وبدون هذه المنظومة ما كان للإلحاد ولا للرأسمالية ولا للشيوعية أن يظهروا وينتشروا هذا الانتشار الكبير بين بني آدم. لولا الوهم المنظم المغلف لسقطت الرأسمالية بعد بدايتها بفترة قصيرة, ولولا منظومة الوهم لما استمرت الاشتراكية فترتها التي قضت, ولولا الوهم لتقلصت أذرعة الإلحاد كثيرا. ولأن المنظومة نُظمت بإتقان فلقد نجحت في غسل أدمغة الناس, فما عاد الناس يرون إلا ما تريد أن يرون, بالشكل الذي تريدهم أن يرونه عليه, حتى أصبح إنساننا أعمى مُسير بجدارة, ويجادل في عماه ويدعي البصر!

وحتى لا يكون في كلامنا إبهام, نوضح ما نقصده بمنظومة الوهم هذه:
يمكننا القول أن العالم كان دينيا إلى ما قبل القرن العشرين, ولا يعني هذا أن البشر كانوا متدينين, وإنما أن الدين كان هو الحاكم والمسيطر والموجه لأفعال الناس وتصوراتهم. إلا أن الأديان لم تكن متساوية في سيطرتها وفي معقوليتها, فهناك أديان حُشيت بالخرافة ومنها من قلت فيه الخرافة, وكان من الطبيعي أن يحاول الإنسان التحرر من هذه الخرافات والبحث لنفسه عن طريق سليم, فكان أن تمرد الإنسان الغربي على الدين –المسيحي/اليهودي- وأعلن أنه سبب التخلف, وأعلن أن الدين لم يعد صالحا للعصر الحديث, وأن العصر عصر العلم, فحارب الدين والإله وهمّشه, وقدم منظومة جديدة لا مكان فيها للإله وإنما الإنسان هو الإله فيها, واختلفت النظرة إلى الإنسان الإله, فكان في الغرب الرأسمالي هو الفرد, وكان في الشرق الشيوعي هو الدولة والحزب. ولكن هذه الآلهة الجديدة لم تقنع الإنسان ولم تحفزه للعمل, ولم تسد حاجات الإنسان إلى التخيل, فليس الإنسان هو ذلك الكائن المادي الجسد, وإنما هو كائن مكون من قلب وفؤاد وجسد, وكان الدين عامة فالحا بشدة في معالجة مسائل القلوب. ولم تفلح التوجهات المادية في المنظومتين في إراحة الإنسان, على الرغم مما وفرا له من احتياجات مادية, ما كان يحلم بها أجداده. وهنا كان على المنظومتين البحث عن محفز للحركة والعمل وعن مُعالج لقلب الإنسان, وكان الحل الأمثل لكليهما هو منظومة الوهم والمتمثلة في الإعلام المُوجَه المُوجِه.
منظومة تحاصر الإنسان في كل مكان, فلا يجد فرصة للتخلص منها, تسوقه حيث يريد أصحابها! منظومة لا تعطيه الفرصة للتفكر, بل وتأمره صراحة بعدم التفكر في نفسه أو فيما حوله, فلم يفكر, فعليه أن يغمض عينيه ويسلم ناصيته لها وهي ستوجهه؟![2]
منظومة تدعي العلمية والبعد عن الخرافة والحيادية! على الرغم من فقدانها لهذه الإدعاءات جملة وأفرادا. ولأن هذه المنظومة كانت أمرا حتميا, رأينا تنازل الدولة الشيوعية في تعاملها مع الفنانين, فأعطتهم مزيات لم تُعط لغيرهم, ولو كان دور هؤلاء مجرد التسرية لأعطوهم مثلما يُعطى الآخرون.

وككل جديد توجس الناس منها حذرا في مبتدأ الأمر, ثم أقبلوا عليها بكل جد وسلموا لها أنفسهم بدون أدنى مقاومة, لأنها نجحت في اللعب على الوتر الحساس وهو الكشف والخيال.
فالإنسان بطبعه كائن اجتماعي, يحب التواصل مع الآخرين بقدر الاستطاعة ويكره العزلة والوحدة, وهو فضولي يحب استكشاف الجديد دوما, لأسباب عدة ولقد مكنت المنظومة الإنسان من التواصل مع غيره من بني البشر في مختلف أرجاء المعمورة والمهجورة كذلك! ومكنته كذلك أن يرى العالم كله وهو في داره آمنا مطمئنا! فأعطته نظرة أكثر رحابة, وذلك لرفعها الحجب! حجب الحواجز وحجب المستقبل, فأعطته نظرة شمولية لا يمتلكها في الواقع –إلا إذا كان متبعا للمنهج-, إلا أنها سرعان ما أخذتها منه مرة أخرى, عندما لعبت على العنصر الآخر وهو الخيال, فالإنسان كذلك كائن حالم متخيل, لا يحصر نفسه في نطاق الواقع وإنما ينطلق دوما في رحاب الخيال, يتخيل مستقبله, يفكر في ماضيه, يتخيل أشياءا يعلم يقينا أنها لن تحدث, مثل أن يمتلك القدرة على الطيران أو القوة الخارقة أو الثراء الفاحش, ثم ينام الإنسان وهو يمني نفسه بهذا أو ذاك, مصحوبا باللذة التي وجدها عندما تخيل نفسه قويا. وفي سالف الزمان كان الإنسان لا يتجاوز حلمه وخياله حدود رأسه, أما في هذه المنظومة فتجاوز الخيال والوهم حدود الرأس وأصبح مجسما أمام الإنسان, يراه بعينيه, ويلمسه بيديه أحيانا! وهكذا استطاع الإنسان أن يعيش كل معان الحياة وهو في داره! فأصبح يحزن بدون أن يخسر شيئا في حياته هو! ويفرح بدون أن يكسب شيئا, و يتوتر لما لن يحدث لغيره في الغد! وهكذا انقلبت مشاعر الإنسان كلها إلى انفعالات مع الوهم, انفعالات أصبح معها الإنسان ذلك الجبان, الذي يريد أن يرى الوحش أمامه ويصرخ ويصرخ, وهو يعلم أن لا وجود له وأنه لن يؤذيه, ثم يلتقط أنفاسه ويهدئ نبضات قلبه ثم يخلد إلى الفراش شاعرا بلذة الأمن بعد المغامرة! ذلك الخنع الذي يشاهد الأبطال يتصارعون ويتقاتلون ثم يخلد إلى فراشه ظانا أنه ذلك المغوار الذي أنقذ البشرية! ذلك العاجز الذي يشاهد الرياضيين ويحسب نفسه أفضلهم, ذلك الذي يشاهد أي شيء فيأخذ لذة صفوته بدون أن يتملكه أو يقدر عليه! ذلك الذي يحيى حيوات عدة وهو لا يزال شابا, ذلك الذي يرى المستقبل قبل أن يقع!
واستمرأ الإنسان هذه اللذة, ورضي بها, فلم تظل لحظات معدودة في أوقات الصفاء, لم لا تكون طوع أمره, يصل إليها كلما أراد كيفما أراد؟!
وبعد أن كان الخيال تنفيسا للإنسان عن واقعه, يريح به نفسه, وكان خيالا واقعيا راقيا! حيث الفرد نفسه هو العنصر الرئيس فيه, فيتخيل الإنسان نفسه في مواطن قد يصل إليها أو يحلم بالوصول إليها من معان راقية سامية, أصبح الخيال وهميا, أصبح خيالا مريضا يحلم الإنسان فيه بالتصرف تبعا للنموذج الفوضوي الكارثي العنيف الذي يقدمه الإعلام! بل فقد الإنسان دوره في الخيال, فبات البشري لا يحلم بنفسه كثيرا, وإنما يحلم ويتخيل الأبطال –الوهميين الآخرين- الذين يخربون ولا يصلحون! وأدمن الإنسان الوهم, وغدى الوهم المرئي حاجةٌ أم من حاجيات الإنسان, يسعى ويشقى من أجل الحصول عليه, وأصبح الابتعاد عنه أمرا يشق, بل يستحيل, على الإنسان القيام به!

وهكذا تلاشى البرزخ بين الواقع والوهم, واختلط الإثنان ببعض حتى ماجا, ولم يعد الإنسان يميز كثيرا بين الإثنين؛ بين الواقع والوهم! وبدلا من أن يصبح الوهم مهربا للإنسان, أصبح هو الواقع الذي يعيشه الإنسان ويدمنه, وما أضحى يستطيع التخلى عنه! ذلك الواقع/الوهم الذي لا يجعله ينتبه إلى أنه تائه حائر, ينقصه الكثير من الحاجات الرئيسة, فالأهم إشباع الوحش .. أعني الوهم! ويعلق الدكتور إريش فروم على مسألة "تغوّل" الوهم هذه, فيقول:
"وفي الحضارة التي نعيش فيها حيل وأساليب تخفي عن الناس ما بهم من نقص اجتماعي فلا يرونه ولا يحسونه. وأهم هذه الحيل السينما والراديو والتليفزيون والمباريات الرياضية العامة والصحف. إنها مخارج يهرب إليها المرء من واقعه, ولست أشك في أنك لو أغلقت دور السينما وأسكت صوت الراديو وطمست لوحة التليفزيون وحرمت إقامة المباريات الرياضية قرابة شهر من الزمان, لو فعلت ذلك لانهارت أعصاب الألوف من البشر ممن ألفوا هذه الحيل في هذا الوقت الوجيز, وأصيبت ألوف أخرى بالقلق والاضطراب الشديد الذي يدنيهم من حالة النورستانيا. (وهن الأعصاب –المؤلف-) إن هذه الحيل أشبه بالمخدرات, التي يخفى عمن يتناولها كثيرا من عيوبه, فإن هو كف عنها أدرك ما بنفسه من نقص, وظهرت عليه أعراض الشذوذ أو المرض. ولقد أجرى إريش فروم التجربة الآتية مع عدد من طلاب الجامعة التي يعمل أستاذا فيها. طلب إلى كل طالب منهم أن يتصور أنه قد حكم عليه بالحبس منفردا في غرفته لمدة ثلاثة أيام, لا يستمع فيها إلى إذاعة أو يقرأ أدبا خفيفا, مع إمداده بالكتب الأدبية الدسمة والطعام الجيد وأسباب الراحة البدنية, فكيف يستجيب إلى هذا الموقف؟ وقد أجاب تسعون في المائة من الطلاب أنهم يحسون بالضجر الشديد والقلق المتزايد الذي يتغلبون عليه إما بالنوم العميق أو بالأعمال التافهة حتى تنتهي فترة الحبس الانفرادي. ولم تتخيل إلا قلة منهم الإحساس بالطمأنينة والمتعة التي تبعثها خلوتهم إلى نفوسهم. أي أن الإنسان في عصر الحضارة الحديثة لا يستطيع أن يكتفي بذاته وأن يستغرق في تأملاته, بدون أن يخضع لمؤثر خارجي يلهيه عن نفسه ويصرفه عن تفكره."اهـ[3]

----------------------------------------------
[1] أرجو أن يلاحظ القارئ البناء الصوتي لكلمة "وهم", والتي بدأت بالواو والهاء وهما حرفان هوائيان ضعيفان, يشيران إلى وهن الموصوف, أُتبعا بالميم والتي تدل على جمع متصل, وأرجو أن يلحظ كذلك التشابه في المبنى والمعنى بين: وهم, وهن, وهى, وهت "أنتن".
[2] عزيزي الحر: كل ما تبغيه لدينا, ستحضر لك المنظومة الخبراء, يقدمون لك التصور الأمثل في حياتك وأفعالك. لم تجهد نفسه وتحلم؟! كل ما تحلم به, ولا تحلم به, ركن رئيس في المنظومة, فهناك متخصصون في الأحلام والأوهام, سيصممونها لك ويعرضونها له على شاشات متحركة, وكل ما عليك فعله أن تدفع أقل القليل, لتحصل على .. الوهم!
[3] إريش فروم, المجتمع السليم, تعريب: محمود محمود. ص.16,15.

عمرو الشاعر
07-08-2010, 10:25 AM
ولنا أن نتساءل: من يستطيع حقا الابتعاد عن الوحش ليومين أوثلاثة؟ لقد أصبح جزءا رئيسا في حياتنا: يعود البشري من العمل, وقبل أن يفعل أي شيء يدير المرئية أو الحاسوب! يأكل وهو يشاهد, ينام وهو يستمع. أصبح البشري يفعل كل شيء وهو يشاهد أو يستمع! فإذا انقطع التيار شعر الإنسان السلبي بالملل وأخذ يبحث عما يضيع به وقته ونفسه! حتى يعود التيار, ويعود التيار وتعود معه البهجة والسرور فسيعود البشري إلى دوره العظيم .. السلبي.. المشاهدة! مشاهدة أي شيء وكل شيء, ولأن هناك دوما الجديد والغريب فسيظل البشري دوما متسمرا ليشاهد الجديد, بدون أن يستفيد! ليثبت أنه لا يزال ذلك البدائي الذي تجذبه الغرائب ولا يسعى للانتفاع بها أو استكشافها, فالأهم عند البشري هو الاستثارة والنشوة البدائية!

ولم يلحظ ذلك المجذوب ما يُقدم له مع هذه الإثارة, فعلى الرغم من وضوح السم في الأسل,[1] إلا أن الإنسان استجاب للسم وبجدارة, ونجح الإعلام في تغيير الإنسان كلا وجزءا, وأصبح الحسن ما حسنّه الإعلام والقبيح ما قبحه الإعلام! فلم يعد هناك عقل ولا شرع يُحسن أو يقبح, وإنما هو ذلك الإله الجديد... الوهم. وهكذا أصبح التدخين عادة الأبطال, ومسافحة النساء فعل المخضرمين, ومعاقرة الخمور فعل المحنكين, فهذه هي الحياة الحقة!
ولم يدرك الإنسان خطورة تجسد الوهم, فلقد قضى على الخيال, فقديما كان الإنسان يسمع القصة فيتخيل أحداثها ويتصورها, وعندما يقرأ الكتاب أو الرواية يتخيل أحداثها, أما مع المرئيات فلقد قُضي على التخيل, ولم يبق إلا الخيال المريض وتصور الشهوات الشاذة والأدوار المختلة, التي يقدمها الإعلام!

ونحن إذ ننقد منظومة الوهم العظمى الممثلة في الإعلام, فإننا لا نرمي نقد الإعلام ذاته, أو أننا ندعو إلى إلغائه! فالإعلام والفن الهادف لا حرج منهما بل هما مطلوبان وضرورة بقدر, وإنما نبغي التركيز على الخلل الذي أصاب هذه المنظومة, فانحرفت به عن مسارها المفترض, بأن أصبحت أكبر صارف للإنسان عن التعرف على نفسه, بأن أعطته جرعات عالية الكثافة من الوهم, وجعلت هذا الوهم حاجة رئيسة لا يُتنازل عنه, وبأن أوهمته أن الاستجابة لشهواته هو معنى الحياة وهدفها, فلم يقاوم أو يحرم نفسه؟! فليفعل ما يعنُّ له, وهناك دوما الحل, لئلا يضر البشري نفسه بشهواته, ولكي يستمر بلا أمراض (وليس في خير صحة وحال!) ... ولكن عليه أن يدفع مقابل الشهوة, ومقابل رفع أذاها! وهكذا جعلت المنظومة الهدف الأكبر للإنسان هو المادة .. المزخرفة, بجميع أشكالها, فلا بد أن يتحرك ليكتسب المزيد والمزيد من المادة, ثم تفتح له المصارف الهائلة التي تمتص ما اكتسب وأكثر, فكل يوم شكل جديد وتغيير للمظهر والمخبر, والاستعمال واحد, ولكن لا بد من إثارة شهوة الاستهلاك عند البشري, ف: أنت إنسان متطور بقدر ما تشتري وتستهلك! أما السلبية –في الاستهلاك فقط!- فهي من أكبر الكبائر! فليكن شعارك: أنا استهلك إذن فأنا موجود! فحياتك أيها البشري متوقفة على هذه الأغراض, ولسنا ندري كيف تعيش بدونها! فهي التي ستجعل حياتك أسهل وتوفر وقتك.

وجلاء أن كذب هؤلاء مفضوح مكشوف, إلا أن سيول وفيضانات الإعلانات أكثر من كافية ليصدق المرء أن أصابعه أربعة! فالإعلانات تحاصره في كل مكان, في التلفاز, على الإنترنت, ملصقات في الشوارع, حوائط كاملة دعائية, لافتات إليكترونية مضيئة ومتحركة! وللإعلان خبرائه ومؤسساته العملاقة[2] التي تتفنن في محو عقل الزبائن من أجل شراء السلعة, لا أنهم يقنعونهم بها. فما أصدق المثل الذي يقول: تكرار الكلام أمام الأذن أقوى من السحر! وخاصة إذا وافق الأمر هوى الإنسان! ولأن الغرض هو تغييب العقل وإقناع الزبون بالسلعة, فليكن المحور الأم للإعلانات هو تغييب العقل! فليعمل الإعلان على إثارة الشهوة وجذب النظر إلى كل ما يلمع, وإقناعه أنه حتما ذهب! وأنه فرصة لا تعوض وعلى الإنسان اهتبالها وإلا فأنه سيخسر الكثير!
والذي أعجب له أن جل الإعلانات تصرح أن منتجها يسلب العقل ويخلبه! فهل مقياس جودة الشيء وتفرده أن يذهب العقل؟! والعجيب أن البشر لا يزالون يبحثون عما يذهب عقولهم! ويحنّون إلى الأيام الغابرة. فيا حسرة على البشري الذي يستثقل العقل ... حقا كم هو ظلوم جهول!
ويدخل البشري سباق الاستهلاك المحموم, لا يعرف لماذا يشتري, وما الذي سيستفيده بوقته الذي سيوفره عند شراء هذا الجديد! فهو إما سيقضيه في النوم أو في متابعة المزيد والمزيد من الوهم! ويعلق الدكتور إريش فروم على هذا الجنون الشرائي فيقول:
"ومما يؤسف له أن فقدان الأمل والتوحش المتزايد ليسا بالشرين الوحيدين اللذين نزلا بالمدنية الغربية منذ سنة 1914. إن سبباً آخر يتعلق تماما بأعظم منجزاتها. فالثورة الصناعية زادت الإنتاج المادي بحيث أتيح لأكثرية سكان الغرب مستوى معاشي كان قد عده معظم الناس قبل مئة سنة أمرا بعيدا عن التصور. على أن إشباع حاجات واقعية مشروعة أدى إلى إشباع دافع قوي هو دافع "اشتهاء السلع" أو "النهم السلعي". وإن لدى الإنسان المعاصر رغبة قوية في امتلاك أشياء جديدة واستعمالها, وهي اشتهاء يسوغه بأنه تعبير عن رغبة في حياة أفضل, مثله في ذلك مثل بشر يعانون من اكتئاب وكثيرا ما تتملكهم الرغبة التي لا تقاوم في اقتناء أشياء, أو في حالات أخرى الرغبة في أن يأكلوا شيئا ما. ومع أن الأشياء التي يشتريها الإنسان المعاصر لا تغني حياته بصورة غير مباشرة فإنها –كما يُدعى- تخدمه لكي يوفر وقتا. على أنه لا يعرف في مثل هذه الأحوال ما ينبغي عليه أن يفعل بالزمن الذي يوفره, وينفق قسما كبيرا من دخله لكي يقتل الوقت الذي وفره بملء الاعتزاز! ونرى هذه الظاهرة في أوضح صورة في أغنى بلاد العالم, أي في الولايات المتحدة, على أننا نجد من دون شك الاتجاه نفسه في كل البلدان الأخرى أيضا. ويعني الهدف اليوم وفي كل مكان إنتاجا أعلى واستهلاكا أعلى. وإن مستوى الاستهلاك مقياس النجاح. وينطبق هذا على الاتحاد السوفييتي كما ينطبق على الدول الرأسمالية.[3]" اهـ
وليت مسألة الاستهلاك اقتصرت على الأشياء, وإنما تعدى الأمر إلى الإنسان, فأصبح الإنسان من أكبر السلع المستهلَكة! والمرأة الحرة الطليقة هي الأكثر استهلاكا, فهي عنصر الإعلانات الأكثر جذبا, فبجسدها يُلغى عقل المشاهد ويُخاطب أجزاء أخرى! وهي عنصر عمل جيد, تجذب الزبائن بجسدها وبحركاتها بداهة! وهي وهي ... إلخ طرق استغلال المرأة المحررة! وليت الأمر اقتصر على الأعمال العادية المعتمدة على الإثارة البريئة المباحة المطلوبة!!! وإنما تعداه إلى صناعة الدعارة, وتغولت الدعارة وتشعبت أفرع تجارتها بين مرئية ومصورة وفي الطبيعة, مدعومة بالمدافعين عنها والمروجين لها إعلاميا, فمن حق الإنسان/الحيوان أن يمارس حاجته البيولوجية متى شاء كيفما يشاء! [4]
لذلك رأينا أن الأمم المتحدة قد قدرت في عام 1998أن حوالي أربعة ملايين شخص يتحولون سنويا إلى موضوع متاجرة. وتؤكد الأمم المتحدة أن عدد النساء اللاتي يمثلن ضحايا النخاسة الجنسية, يتجاوز بكثير عدد النساء اللاتي يخضعن للاتجار لغايات استغلالهن في أعمال البيوت أو اليد العاملة الرخيصة. ولأن الإنسان عندهم ما هو إلا حيوان, وجدنا أن بعض الحكومات! تستغل الإنسان كسلعة تروج لها, ولهذا قامت الحكومة التايلاندية في سنة 1987 بالترويج للسياحة الجنسية باستعمال هذه الكلمات: «الفاكهة التايلاندية الوحيدة الأكثر لذة من فاكهة الدوريان [فاكهة محلية تايلاندية], هي نساء التايلاند[5]».
ولأن الجنس عملية مكررة, يُصاب الإنسان معها ومنها بالملل, كان لزاما أن تُبتكر طرقا جديدة –شاذة بداهة- للمارسة, تُعرض على أنها الفن الحقيقي واللذة الغامرة, يُخرج فيها الحيوان البشري كل خيالاته المريضة في طرق, وأشكال, وأدوات وأعداد الممارسة الجنسية, ويجري الحيوان وراء الشكل الجديد ظانا أنه سيجد فيه لذة أفضل, وهكذا يستمر في الهرش بلا نهاية ولا يزول الجرب[1]!
وهكذا نجحت المنظومتان بجداره في إلهاء الإنسان عن التفكير في أهم سؤال, وهو الغاية من حياته والهدف منها, فلقد أصبح الهدف والغاية واضحين: فعلى الإنسان أن يعمل كالحمار ليكسب مالا أكثر, ثم يتفنن في إنفاق هذا المال على احتياجاته المادية, من مأكل ومشرب ووهم وحب, فحتى الحب أصبح ماديا حينما أصبح محصورا في الجنس, فأصبحنا نسمع من الغربيين مصطلح "ممارسة الحب"! وأعجب كيف حُصر هذا الشعور الجميل والمعنى الراقي في الجنس, والذي هو مجرد مظهر من مظاهره! ولكن التوجه العام لمنظومة الوهم هو: يمكنك أن تحصل على كل شيء, ولكن اطلب الآن!
ولما كان الحب لا يُطلب ولا يباع, كان الحل في أن يتحول الحب إلى جنس! وما أسهل الحصول على هذا النوع من الحب! وليت المنظومة اقتصرت على هذه الدرجة من الوهم, على الرغم من الخلل الشديد فيها, فلقد وفرت السرقات الغربية من الشرق مستوى مادي عالٍ لا يفلح معه الوهم العادي ووهم الحاجات, فكان لا بد من اختراع وهم جديد, يسعى الناس من أجل الوصول إليه, وكان هذا الوهم هو وهم "الماركة!". فليس الأهم الآن الحصول على الاحتياج بقدر ما هو مهم أن تحصل عليه من مصنع أو منتج معين, فهذا المنتِج هو الذي سيوفر لك المنتج في أجود حالة, فلم ترضى بدرجة أقل؟! لتحصل على الشيء في أفضل حالة ولتتميز عن غيرك, وبهذا تعيش صحيحا متمتعا بمالك متميزا عن غيرك! فلماذا تكون كالآخرين, أنت متميز وتستحق التميز؟ ولن يكلفك إلا القليل! ويصدق الأحمق أنه متميز! ويشقى الأحمق ويكدح من أن أجل أن يحصل على احتياجاته ب "ماركة" معينة, لكي يتميز, فإذا حصل عليها حصل له الإشباع والاقتناع! فقد أصبحت الماركة هي الغاية لا الحاجة! ولست أدري ما الذي جناه بتميزه في ماديات, أضاع فيها عمره؟! ويعلق الدكتور إريش فروم على هذا التنافس العقيم, فيقول:
"كيف نستخدم الأشياء التي نحصل عليها؟ دعنا نبدأ بالطعام والشراب. إنا نأكل الخبز الذي لا طعم له ولا يغذي لمجرد أنه "أبيض" أو "طازج" أو من محل كذا المشهور, لكي نوهم أنفسنا بالثراء والامتياز عن كافة أفراد الشعب. إننا في الواقع نشبع بالوهم, وقد لا تكون لأبداننا صلة فسيولوجية حقيقية بالطعام الذي نتناوله. إننا نستبعد من عملية الاستهلاك لذاته, التي تهمنا قبل كل شيء, الاستمراء والتغذية الحقيقية لأبداننا. وكثيرا ما يهمنا في الشراب اسم المصنع الذي ينتجه (أي الماركة) أكثر مما يهمنا طعمه."اهـ[2]
فلا بد من هذا الوهم الجديد وإلا سيفيق كثير من البشر ويتساءلون, وهذا غير مطلوب فلا بد أن يساق البشر سوقا إلى ما يريده السائقون! وتنوعت أشكال الوهم وألوانه, فهناك وهم متوفر لكل الطبقات, فهناك التحف المليونية والتي يتملكها العلية العالة, وهناك دوما ما هو أقل, المناسب للمستوى الأقل, وهكذا يضيع الإنسان المال الذي اكتسبه بالسرقة وبامتصاص دماء الآخرين في لوحة يعلقها في منزله, ولا يفهم ما تعني أو ما يقوله راسمها! أو يضيعه في متابعة وهم لا يقدم أو يؤخر في حياة الإنسان وإنما يزيده مرضا.

--------------------------------------
[1] لا يستحق أن يوصف عامة ما يقدمه الإعلام ب "العسل", فهو عديم الطعم والفائدة وأقصى ما يصل إليه هو "الأسل" وهو نبات تستخدم عيدانه في صنع السلال أو الحصر أو الحبال.
[2] هناك مؤسسات اقتصادية إعلانية عملاقة مثل WPP بريطانيا, تضم 75 شركة مختلفة تحت قطاعها وعندها 1000 مكتب موزع على 100 دولة بالعالم, وحققت الشركة أرباح 3.5 بليون$ في عام1999.
[3] إريش فروم, ما وراء الأوهام, تعريب: صلاح حاتم, ص. 164.
[4] طالب وزير العدل الهولندي في عام 2000بضرورة تخصيص حصة قانونية لـ « ممتهنات الجنس» الأجنبيات, ما دام أن سوق الدعارة « يتطلب» تنوعا في « الأجساد المعروضة للبيع»!
[5] قدرت المنظمة الدولية للعمل في عام 1998أن الدعارة تمثل ما بين 2% و 14% من الناتج الداخلي الخام لتايلاند وأندونيسيا وماليزيا والفيليبين.وتمثل الصناعة الجنسية 5% من الاقتصاد الهولندي.

-------------------------------------
[1] من أجل الحصول على الجديد كان لزاما الحصول على عناصر بشرية جديدة من قارات مختلفة, ذات ثقافات متخلفة ترفض التحضر الحيواني, بأي شكل كان, وقد كان! فلقد كان الإنسان الغربي المتحضر يختطف الأفريقيين المتخلفين في القرون الوسطى من أجل أن يصيروا عبيدا له, وأصبح الغربي المعاصر يختطف النساء الأوروبيات والأسيويات أو يجبرهن لكي يعملن في هذه التجارة. وإنا نجزم أن أكثر من تعملن في هذه التجارة بدأن بنوعٍ من الإجبار, بدني أو مادي أو نفسي! فالمرأة بطبيعتها تبحث بالدرجة الأولى عن الحب, وقد يصل الأمر بالمرأ ة إلى أن تضحي بجسدها في معادلة حمقاء من أجل الوصول إلى لحظات من الحب, ومما يؤسف له أن الحب أصبح مرادفا للجنس في الغرب, مما سهل وقوع كثير من النساء في شراك شباك الدعارة, ففيها ستجد المرأة الحب!
[2] إريش فروم, المجتمع السليم, تعريب: محمود محمود. ص.98.

عمرو الشاعر
07-08-2010, 10:27 AM
وكما دخل الوهم في كل تعاملات الإنسان كان لزاما أن يدخل الوهم في مجاله الرئيس وهو اللهو! فأُقطعت المساحات الشاسعة لإقامة مدن الملاهي, ولإقامة المراقص والمطاعم الفاخرة التي تمتص أموال الزوار بشكل لا يتناسب بحال مع ما تقدمه. وإني إذ أنظر في الألعاب التي تقدمها مدن الملاهي الكبرى,[1] أجدها كلها بدائية الأفكار والأهداف, مهولة الأحجام والتزيين, لإعطاء الإنسان .. الجبان الشعور بالإثارة .. الآمنة!
ونحن لن ندعو بحال إلى منطَقة اللهو, وإلا سندعو إلى إلغاءه, فلا منطقية فيه! وإنما ندعو إلى التأكد من أنه مجرد زخرف مكبر, وأن لذته لا تختلف عن أي لذة أخرى, بل إنه من الممكن الحصول على لذة أكبر من خلال أدوات لهو لا تكلف شيئا يُذكر, ومن خلال اللعب مع البشر لا مع الآلات الجامدة!
ولأن الهدف الجديد الذي وُضع أمام الإنسان ليسعى إليه هو المادة, تفنن البشر في امتصاص المال من غيرهم بأي وسيلة كانت, ومن ضمن هذه الوسائل التي تقضي على حوافز العمل عند الإنسان هي المسابقات! فيكفي الإنسان أن يجري عدة اتصالات ليكسب آلافا عدة أو منزل أو سيارة أو ... وهكذا سيصبح من المرفهين بدون تعب أو نصَب! وعلى الرغم من أن البشر يدركون جيدا أن المقدم هو الرابح الأول من المسابقة, إلا أن كلٌ يمني نفسه أن يكون هو الرابح فرب خسارة صغيرة تجلب ربحا كبيرا. وبهذا العنصر البسيط الذي لا يبدو ضره واضحا لكثير من الناس تهاوى الترابط والتلازم بين العمل والجني, فلم أعمل حتى أجني؟ فهناك طرق أخرى أسهل, لماذا لا أشترك في أي برنامج تسابقي وقد أصبح من الفائزين؛ وتنفق المبالغ الطائلة في إعداد حلقات التسابق, ويبذل المشترك الجهد اليسير ويحصل مقابل ذلك على ما قد لا يحصل عليه من عمله طوال حياته!
ولم يقتصر الأمر على هذا بل تعداه إلى الرياضة, فلم تعد الرياضة ذلك العنصر الذي تُستخرج به صفوة النتاج البشري, وإنما أصبحت هي الأخرى وسيلة للإلهاء والكسب, وظهرت الطوائف العريضة من البشر الذين يبذلون مجهودات افتراضية لا نفع منها! فالمفترض في الرياضة أن تكون ذلك الجهد الذي يبذل عرضا في حياة الإنسان, من أجل التسرية وتقويم البنيان, ولكن انقلب الحال, فأصبحت الرياضة عنصر إلهاء عظيم, فالرياضي يضيع عمره كله في ممارسة الرياضة وهذا شيء جيد لنفسه! ولكن ماذا استفادت البشرية الكسيحة من هؤلاء الرياضيين؟ لحظات من التسلية وإضاعة الوقت, بدون نفع حقيقي, وأرى أن العامل والفلاح أكثر نفعا من أي رياضي! وخرج علينا ذلك الجيل من محترفي الرياضة توهما! فأصبحنا نرى المتعصبين لرياضة من الرياضات وللاعبيها, على الرغم من أنهم لم يمارسوها في يوم من الأيام, وأصبح فهم الرياضة ومتابعتها دليل ثقافة! وأنا لا أفهم الرياضة إلا جهدا بدنيا! أما الحديث والمشاهدة الطوال بدون ممارسة فعبث عقيم!
وحتى هذا العبث أصبح حكرا على من يدفع, فلكي تشاهد لا بد أن تدفع! ولكي تشاهد على الطبيعة! لا بد أن تدفع أكثر وأكثر! وهكذا ظهر جنون الرياضة عند جيل من الكساحى. ولم يقتصر الأمر على الرياضات النافعة التي تقوي البدن وإنما تعداه إلى الهمجية! وكما كان يفعل الرومانيون قديما عندما يخرجون العبيد لكي يتصارعون حتى يقتل بعضهم بعضا ومن يظل هو المنتصر, أصبحنا نرى نفس الأمر ولكن مع تعديل بسيط وهو أن القتال لا يستمر حتى الموت! فرأينا رياضة المصارعة! ولست أدري أي نوع من الرياضة هذه؟ ما هي إلا نوع من القتال الدموي عند المتصارعين, وإشباع لشهوة الإنسان المعاصر البدائي لرؤية الدماء, فلم يعد الأمر يحتاج لأن تكون سيدا رومانيا لكي ترى العبيد يتقاتلون, فيمكن لكل إنسان أن يصبح سيدا مدنيا! ولكن اختلف الأمر هذا الزمان, فالمتقاتلون ليسوا عبيدا ولكنهم جد أثرياء! ولزيادة المتعة نقلوا المصارعة إلى خارج الحلبة وتحول الأمر إلى مشاجرات لمجموعة من الثيران يدفع الإنسان لكي يشاهدها, ولست أدري أين قرون المدنية التي يتحدث عنها الغرب والتي تفصلنا عن الرومان والعبيد؟!
إني لأجزم أن مجموعة المشاهدين الذين يصرخون من فرط الإثارة, ما هم إلا جماعة من السفاحين المتعطشين للدماء, أو المختلين عقليا! أما أن يصرخ إنسان متوازن إعجابا بهذا التناطح, فهذا ما لا يُعقل!

ثم كانت الطامة الكبرى بابتداع الرسوم المتحركة, والتي أتت على كل البدهيات والمسلمات عند كل البشر! ففي هذه الرسوم وبها استطاع الراسمون أن يصنعوا عوالم متكاملة من الوهم والخيال لا يحكمهم فيها حاكم من قانون طبيعي أو منطقي, وأخرج كل صاحب شطح وهوى شطحه وهواه في هذه الرسوم, فأُنسنت جميع الكائنات الحية وغير الحية! واختلط الحابل بالنابل في عقول الأطفال والشيوخ, وأصبح الجيد رديئا والعكس, وابتدع الراسم كائنات حية وآلية جديدة, ولم تختلف تصورات إنسان القرن العشرين والحادي والعشرين عند ابتكار الكائنات عن الرسوم المنقوشة على كهوف الإنسان الأول, مجرد خيالات سطحية عقيمة, تدل على فراغ ذهني عميق![2]
ولأنه بدهية بشرية أن توجه كل صغيرة وكبيرة إلى الربح مادي, كان لزاما ابتكار ألعاب الفيديو, حيث يتحكم الإنسان هو في التوجيه. وكما هو متوقع من بشر عاشوا في عوالم الوهم, أن يقبلوا على هذا الوهم الجديد الخالص الذي لا مكان للواقع فيه! وانتشرت ألعاب الفيديو بطريقة مهولة, تجعل المرء يظن أن من أهم أهداف وجود الإنسان على سطح الأرض هو ممارسة هذه الألعاب! وأضاع كثير من الشباب أعمارهم أرباعها أو أثلاثها في هذه الألعاب ولم يجنوا إلا تخلفاً عقليا وتوترا عصبيا وعزلة عن البشر, وأصبحوا يمثلون صفرا كبيرا في معادلة البشرية!

ولأن المنظومة استهلكت, لتنافس أفرادها وتفننهم, كل أشكال التغيير, فلقد نوعت وزينت وزخرفت المضمون الواحد, فاستشعرت هروب الأتباع, فكان لا بد من أن ابتداع الجديد, وكان عنصر الإثارة الجديد هو الإنسان في الواقع.
فبعد أن كانت المنظومة تقدم نفسها على أنها عالم افتراضي يُعد ويُؤدى في أماكن مخصوصة, نزل الوهم إلى الإنسان, وأصبحنا نرى في المرئيات الغربية –وانتقلت العدوى إلى الشرقية على استحياء-, برامج وحلقات يمتزج فيها الإثنان. فإما أن ينشأوا مكانا يعيش فيه أفراد عاديون ويتصرفون بطبيعية, وتراقب الكاميرات المتنوعة كل كبيرة وصغيرة لهم, وينجذب المشاهد إلى هذه الإثارة الجديدة والتي أبطالها أفراد مثله غير ممثلين! وإما أن تنتقل الكاميرات إلى الأفراد العامة في بيوتهم, ويصورنهم في مواقف مختلفة وتجمع وتُعرض للمشاهد, وكان من البدهي أن يختلق البرنامج بعض المواقف التي تجذب المشاهد وإلا سيصيبه الملل من أول يوم, فالحياة ملل في تكرار!
واجتذب الوهم الواقعي الإنسان لفترة, ولكن سرعان ما سيمله ويعافه, وستبحث المنظومة عن وهم جديد ربما يصل إلى مرحلة القتل, فإذا كانوا يفتعلون المشاكل في حياة الفرد الضحية الذي يصورونه, لتكون إثارة ومتعة وتشويق, فلم لا تزداد؟! فإذا كان هذا يحدث على أرض الواقع, ويُستغل الإعلام في ذل, فلم لا يحدث في الوهم؟!
فمن المعلوم أن الإعلام هو العنصر الأكثر تأثيرا في تهييج الشعوب وتهيئتهم لقبول أسباب الدخول في حروب, ضد أعداء وهميين! وهكذا يذهب إليهم الإنسان المتحضر ظانا أنه سيؤدبهم ويطوّرهم, فيجد نفسه يقتلهم ويبيدهم بدون أن يدري! ويستمر الإعلام في دوره في التبرير لهذه الإبادات ويتقبل البشري المغيب التبريرات, ويستمر في الافتخار بتاريخه المليء بسفك الدماء وبالحضارة! وإني لأعجب من ذلك البشري الغربي الذي تقبل إبادة الهنود واليابانيين وشعوب كثيرة غيرها ولا يرى ذلك عارا في تاريخ الشعوب والحضارة لا يُمحى أبدا![3]
ولا بأس من أن تُباد أجناس كاملة, فالأهم هو أن تستمر مصانع الأسلحة الكبرى في العمل! ويغنم أرباب المال والاقتصاد الأموال الطائلة التي يُسخرونها لمزيد من استعباد البشر وتغييبهم, فهذا أسهل وأقصر طرق الربح! ويُبرر ذلك للمواطن أنه من باب الدفاع عن الأمة وردع الأعداء – وهما مباحان لكل البشر إلا للمسلمين!- ويصدق الإنسان المغيب الموهوم, الذي اعتاد أن يرى الدماء والقتل يوميا على شاشات الوهم, فما عاد الفارق عنده كبيرا, بين أن يسقط الإنسان صريعا في فيلم أو في أرض الواقع!

-----------------------------------------------
[1] إذا كان تجديد مدينة ملاهٍ عالمية شهيرة قد تكلف1,1 مليار دولا, فكم تكلف إنشاءها ابتداءا؟!
[2] الحق يقال أني أضحك كثيرا عندما أتابع أفلام الرعب والفزع الكارتونية أو غير الكارتونية, من تفاهة المحتوى وضحالة التصورات, وأعد هذه الأفلام هي الأفلام الهزلية الحقة وليست تلك الأفلام المبتذلة الأخرى "الكوميدية"!
[3] يحق للمسلم أن يفخر بأن الجيوش الإسلامية والدول الإسلامية هي الدول الإنسانية المتحضرة الوحيدة التي وجدت في تاريخ البشرية! فلم يقدم جيش إسلامي على ارتكاب مذابح ضد المقاتلين أو المدنيين, ولم تقدم دولة إسلامية على إبادة أناس آخرين لاختلافهم في الجنس! وذلك لاستحالة وجود اختلافات عرقية بين المسلم وإخوانه من البشر!

عمرو الشاعر
07-08-2010, 10:29 AM
وعلى الرغم من هول هذه المنظومة إلا أنها لم تنجح في استيعاب البشر وتوجيههم بالضبط كما تريد! فلأن المنظومة لا تُحرك الإنسان في المسار المفترض له, لم يجد الإنسان السعادة في كل الوهم والثراء الذي يحيا فيه, وأصبح يشعر بعدم الانسجام بينه وبين عالمه, ويجزم بوجود خلل ما! ولكنه لا يستطيع تحديد موطنه, على الرغم من وضوحه؛ وهو أنه أصبح واهما كبيرا سلبيا مسوقا حيث يريد الآخرون, وبدلا من أن يسعى لاكتشاف الخلل والقضاء عليه, آثر الهروب والخوض في مزيد من الوهم, وهذا هو المنتظر ممن تربى ونشأ في مملكة الوهم, فكان الهروب والانسحاب, والدخول في عوالم الوهم الصريحة: المخدرات.
وهكذا أصبحت الحياة العادية والعمل عبئا ثقيلا بالنسبة لكثير من البشر, يحسبون الثواني لانقضاءه, وينتظرون بتلهف تلك اللحظات التي سيحيونها في بحار الوهم والشهوات. وهكذا أصبح جل هدف وحركة الإنسان المعاصر المتخلف! هو الوهم والشهوات وتوارت من أفقه كثير من المعاني مثل: الآخر والعدل والحب والمسؤولية, فهذه لمن يعيش حيا صاحيا! لا لمن عاش في الوحل وغرق في الوهم. وهكذا ضاع الإنسان في بحار الوهم, عاش من أجله ومات عليه, وسيصحو على الحقيقة المطلقة حيث لا وهم! وسيندم ولكن لا ندم لمن اختار أن يحيى ميتا!

وحتى يعرف القارئ مقدار الوحل الذي يحيى فيه الإنسان والوهم الذي أحاط بالرؤوس, نقدم له بعض الأرقام ليؤمن يقينا أن الإنسان قد مات!
نشر "مكتب مكافحة الجريمة والمخدرات" التابع لمنظمة الأمم المتحدة، أن حجم تجارة المخدرات بلغ عام 2006: 322 مليار دولار سنويّاً, وهو مايعادل الناتج المحلي ل 90% من دول العالم. ولنا أن نتساءل: كم من البشر يعملون في هذه الصناعة والتجارة, التي تنتج كل هذا الانتاج؟! وكم ينفق لمحاربتها وفي علاج المبتلين بها؟! هذا إذا غضضنا الطرف عن أعداد المتعاطين لها, الذين فقدتهم البشرية كأفراد نافعين وعاملين, فإذا قدمنا للقارئ أرقاما قديمة للمتعاطين, تاركين له حرية التخيل كم يبلغ عددهم الآن, فسيجد أن الأمر كارثي:
(والأرقام المذكورة هي من إحصاء عام 1999)
هناك 13 مليون مدمن كوكايين في العالم. 40 مليون مدمن مخدرات في أوروبا. 140 مليون بشري يستهلكون حبوب الهلوسة في العالم. 10 ملايين روسي مدمن للمخدرات والعقاقير المخدرة. ثلث الشعب الهولندي مدمن للمخدرات.
ولنا أن نتساءل عن الأسباب التي دعت هذه الأعداد الهائلة –التي تضاعفت في أيامنا هذه لزاما- إلى اللجوء إلى المخدرات؟

فإذا تركنا المخدرات واتجهنا إلى شبيه لها وهو التدخين وجدنا أرقاما هائلة, ففي أول إحصائية عن التدخين في الولايات المتحدة الأمريكية[1], والتي ظهرت في عام 1880 وكان تعداد السكان خمسين مليونا فقط, تبين أنهم يدخنون 1,3 بليون سيجارة سنويا, وحينما ارتفع عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية إلى 204 مليون ارتفع عدد السجائر المدخنة إلى 536 بليون سيجارة سنويا. فإذا انتقلنا إلى عصرنا هذا وجدنا أن عدد المدخنين في العالم يصل إلى ‏1,3‏ مليار شخص, وهذا يعني أن خُمس العالم تقريبا من المدخنين! فإذا نحن استبعدنا الأطفال الذين يقل سنهم عن عشر سنوات, واستبعدنا النساء, لأن أكثرهن غير مدخنات, فهذا يعني تقريبا أن ثلث العالم يدخن![2]

فإذا نحن تركنا المخدرات والتدخين وانتقلنا إلى عنصر الوهم الصريح وهو ألعاب الفيديو أو الحاسوب, فإننا سنجد أنه صناعة ضخمة منظمة يبلغ حجم أعمالها حوالي 40 مليار دولا سنويا. إلا أن الإشكال الأكبر لا يكمن في حجم الصناعة وإنما في علاقة البشر بالمنتج! فلا وصف لعلاقة البشر بهذه الألعاب إلا بأنه كارثي! فلاعبوها لا يمكن وصفهم إلا بأنهم مدمنون بامتياز! فبما يمكن وصف فعل هواة! ألعاب الكمبيوتر في أمريكا الشمالية من أجل شراء الإصدار الجديد من لعبة بلاي سيتيشن3 اليابانية. فقد اصطف المشترون, وفيهم مرضى في طوابير لساعات وأحيانا لبضعة أيام للحصول على لعبتهم التي ينتظرونها بفارغ الصبر! وبلغ عدد الوحدات التي تم بيعها في اليابان أكثر من 100 ألف وحدة, واضطر بعض الراغبين في شراء اللعبة إلى استئجار أشخاص من المشردين للوقوف في الطابور الطويل. وبما يمكننا تفسير أن حوالي 145 مليون شخص في أميركا، أي قرابة50%، يلعبون ألعاب الفيديو على الأجهزة المحمولة أو على جهاز الحاسوب!
ولن نتحدث هنا عن العنف الناتج عن هذه الألعاب, أو عن العزلة الاجتماعية الناجمة عنها أو عن فقدان التواصل الأسري أو عن الأمراض النفسية والبدنية, وإنما سنطرح سؤالين إثنين:
كم يضيع الإنسان المدمن لهذه الألعاب من عمره, وماذا استفاد؟
ماذا ينتظر المجتمع من أمثال هؤلاء المدمنين؟ هل سيخرج من بينهم من يغير وجه العالم؟
إن من عاش في الوهم سيظل طيلة عمره مكبلا به ولن يفلح أبدا في مجابهة الواقع ... الأليم!

ولنترك عنصر الوهم الصريح وننتقل إلى عنصر الوهم الأعظم: التلفاز, ذلك السيد الجديد الذي أصبح عامة الناس له عبيدا لا مجرد مدمنين, يظلون أمامه الساعات الطوال لا يفيدون ولا يستفيدون! ولنر كم نضيع من أعمارنا أمام هذا الجهاز المقيت:
ذكرت دراسة حديثة أن البيت الأمريكي المتوسط يحوي تلفزيونات أكثر من أفراد العائلة، وتشاهد العائلة الأمريكية المتوسطة التلفاز لأكثر من ثلث اليوم. ويبلغ إجمالي متوسط المشاهدة حوالي أربع ساعات و35 دقيقة يومياً. وهذا يعني أن الإنسان يضيع ما بين سدس وثلث عمره في مشاهدة التلفاز! وثلث آخر أو أكثر في النوم![3]
فإذا نحن نظرنا في هذه الإحصائيات الإجمالية حول التلفاز, وجدنا التالي:
هناك قرابة 250 بليون ساعة مشاهدة في السنة, ولك أن تتخيل كم سيبلغ النفع لو عمل المشاهدون أو قرأوا أو مارسوا الرياضة نصف عدد هذه الساعات!
عدد الدقائق التي يقضيها الآباء أسبوعيا في مناقشة ذات معنى مع أطفالهم هي ثلاث دقائق. ويظلون باقي الوقت نائمين أو أمام المرئيات متسمرين! ولا يجد الأطفال من يحدثونه إلا ألعابهم, لذلك تبلغ عدد الدقائق التي يقضيها الأطفال أسبوعيا في محادثة ألعابهم من الحيوانات المحشوة حوالي 186 دقيقة. لذلك ليس من العجيب أن يفضل 54% من الأطفال بين الرابعة والسادسة مشاهدة التلفاز على الجلوس مع الآباء.
تبلغ نسبة الآباء والأمهات القادرين على تقييد مشاهدة أطفالهم للتلفزيون هي 43%. أما الباقون فيتركون الحبل على الغارب للأولاد يشاهدون ما يحلو لهم!
تبلغ عدد مشاهد القتل التي يشاهدها الأطفال في التلفزيون عند انتهائه من المدرسة الابتدائية حوالي 8000 مشهد قتل.
يبلغ عدد الإعلانات التي يشاهدها الإنسان عند بلوغه 65 عاماً حوالي مليونا إعلان.
وهذه الأرقام تحتم دق ناقوس التنبيه, إنها نذير شؤم وتفتيت الأسرة وضياع النشأ, فكم يقضي الزوجان من الوقت بدون تلفاز في حوارات أو نقاشات؟ وماذا ننتظرمن هذا الجيل الذي نشأ متابعا لقنوات الرسوم المتحركة وغيرها, والتي تحتوي كافة أنواع العنف من قتل وخطف ووحوش وآليين وخلافه؟! هذا الجيل الذي يُحدث ألعابه ولا يجد والديه ليحدثهما. إني لنذير بين يدي كارثة بدأت بوادرها في الظهور, إذا لم يترك الآباء التلفاز ويلتفتوا إلى أبناءهم فيجلسون معهم الأوقات الطوال يلاعبونهم ويحدثونهم ويربونهم!

-----------------------------------------------
[1] توجد في مصر نسبة استهلاك للتبغ جد عالية،‏ حيث ارتفعت من‏12‏ مليار سيجارة في السبعينيات إلى ‏52‏ مليارا عام ‏1997‏, ووصلت حاليا إلى 85‏ مليار سيجارة سنويا تؤدي إلى فاقد اقتصادي قدره ‏33‏ مليار جنيه سنويا. وفي دراسة أعدها الجهاز المركزي للمحاسبات بينت أن احتراق‏ 39‏ مليون سيجارة يوميا يعادل‏ 14‏ مليار جنيه سنويا وفاقد لعدد ‏88‏ مليون يوم عمل يعادل‏ 8‏ مليارات جنيه‏.‏ أما على مستوى الأسرة فهي تنفق‏ 13%‏ من ميزانيتها على أضرار التدخين, بخلاف ما تنفقه على التدخين نفسه والذي قد يصل إلى خُمس الميزانية.‏ وارتفعت النسبة المئوية لوفيات السرطان الناجم عن التبغ بين الرجال من ‏8,9%‏ عام ‏1974‏ إلي ‏14,85%‏ عام ‏1987‏ ويتسبب التدخين في‏90%‏ من حالات سرطان الرئة في مصر‏.‏ وتصل التكلفة السنوية المباشرة في مصر لمعالجة الأمراض الناجمة عن استخدام التبغ تصل إلى ‏545‏ مليون دولار. ولست أدري ما الذي يمنع بعد كل هذا العناء من تجريم الدخان؟ إن ما تأخذه الدولة على هيئة ضرائب من شركات التدخين تدفع أضاعفا مضاعفة له في تطبيب المرضى, ومعالجة لتلوث البيئة, بخلاف إهدار ساعات العمل.
[2] قد يعجب بعض القارئين من ذكر التدخين في عنصر الوهم, إلا أن هذا أمر جد منطقي, فليس التدخين من حاجات الإنسان أو شهواته, أو هو من المبتكرات اللذيذة أو النافعة أو المقوية, وإنما كله أضرار وخسارة, لذا فكان من المنطقي ألا يوجد عليه إلا إقبال ضعيف, وعلى الرغم من ذلك فإننا نجد إقبالا متزايدا على التدخين, وذلك راجع إلى الإعلام الذي يُظهر الأبطال مدخنين, وكأن التبغ من لوازم البطولة والرجولة, فأقبل البشر على التدخين مقرين بضرره وبانعدام نفعه إلا أنهم يستمرون ويستمرون حتى يقتلون أنفسهم, وبهذا يوصلهم الدخان إلى الجحيم! وأعتقد أن النار هي المستقر المنطقي المقبول لمن عشق الدخان!


[3] نحن إذ نقدم للقارئ العربي إحصائيات أمريكية, فإن هذا راجع إلى تقارب العدد بين الوطن العربي والشعب الأمريكي, وكذلك العادات الاستهلاكية المتقاربة, إلا أننا نفوقهم بالتأكيد في الاستهلاك! كما أن الولايات المتحدة هي المصدر الأم لصناعة الوهم الذي يُصدر إلى العالم كله.

عمرو الشاعر
07-08-2010, 10:32 AM
فإذا أعرضنا عن التلفاز وانتقلنا إلى قرينته وهي السينما فسنجد أن الوضع لا يقل سوءا, ونحن إذ نتكلم عن السينما فإننا سننظر إليها من منظور مختلف وهو منظور التكاليف المادية وليس عدد الساعات. وإذا نحن تحدثنا عن السينما فلزاما أن يتركز حديثنا في الولايات المتحدة معقل السينما والوهم في العالم, لنبين كيف أن السينما ما هي إلا صناعة خاضعة لمبدأ العرض والطلب لا أكثر ولا أقل, وأن الحديث عن الرسالة هو نوع من تسكين الضمير! أو فعل لجزء ضئيل لا يكاد يبان أثره في معمعة الإفساد العظمى:
في عام 1909 كان عدد صالات العرض في العالم كله يتراوح بين ألفين وثلاثة آلاف صالة, وكان عدد الصالات في الولايات المتحدة عشر صالات فقط, إلا أن هذا العدد ارتفع في غضون ثلاثة أعوام فقط إلى عشرة آلاف صالة! مما أدى إلى طرح مليار ونصف دولار –تصور قيمتها في ذلك الوقت- للاستثمار في مجال السينما, ودخلت العديد من الشركات الكبرى في الصناعة مثل كبرى شركات السجائر! وغيرها, وهكذا أصبحت السينما من كبرى الصناعات الأمريكية, ومن المعروف بداهة أن مؤشر نجاح الصناعة في الحضارات المادية هو المكسب المادي, وهذا ما تحققه السينما الأمريكية بغض النظر عن البله أو التوتر أو حدة الأعصاب الذي تسببه للمشاهد, فالمنتج لا يهمه كمّ الأضرار الذي سيصيب المشاهد جراء مشاهد العنف أو الجنس الذي يحتويه الفيلم, فالأهم بالدرجة الأولى هو كم سيجني الفيلم من الأرباح. ولأن المنتجين ما هم إلا تجار فإنهم يعرفون أنه كلما زادت تكلفة إنتاج الفيلم, بأن يُهتم بالمؤثرات الصوتية والبصرية, مع الوصول إلى أكبر درجة من الفانتازية, فسيحقق الفيلم أرباحا أكبر بكثير, لذا لا حرج من إنفاق مئات الملايين ما دامت ستعود مليارات! فلهذا شاهدنا ارتفاعا هائلا في تكاليف إنتاج الفيلم الواحد, فبينما كان متوسط تكلفة إنتاج الفيلم في هوليوود في عام 1995 حوالي 36 مليون دولار وفقاً لـ "موشون بكشراسويشن أوف أمريكا"، بلغ بحلول عام 2005 متوسط تكلفة إنتاج الفيلم 60 مليون دولار. وهذا يعني أن تكلفة دقيقة المشاهدة الواحدة تبلغ حوالي نصف مليون دولار! ولا بد أن يتذكر القارئ أن هذا هو المتوسط فهناك الكثير من الأفلام التي تتعدى ذلك بعشرة أضعاف! وهذا يعني أن تكلفة الدقيقة الواحدة قد تبلغ خمسة ملايين دولار!
وتنتج السينما الأميريكية حوالي 400 فيلما روائيا سنويا ، يُقدر النقاد الجادون منها حوالي 15%، أما 85% الباقية فهي أفلام ساقطة لا وزن لها! ولنا أن نتساءل: كم تكلفت وبأي قدر نفعت؟
فإذا نحن أخذنا فيلمي "Water world" و "Titanic" كمثال, والذين أنتجا في القرن الماضي, فإنا نجد أن تكلفتهما مجتمعين قاربتا المليار والمائة مليون دولار! وأتساءل: ماذا استفاد العالم مقابل هذه المبالغ الطائلة التي أنفقت من أجل إخراج هذين الفيلمين؟! من أجل أربع أو خمس ساعات من الوهم ينفق البشر ما يزيد عن المليار دولار, وينفق أضاعفهما من أجل مشاهدة هذه الساعات من الوهم!
وإني لأتساءل: كم عدد البشر الذين كان يمكن إطعامهم أو كسوتهم أو تحرير رأسهم من الجهل بهذا المبلغ, أو بتلك المبالغ الطائلة التي أنفقت من أجل إخراج أفلام من عينة حرب النجوم وملك الخواتم, وقراصنة الكاريبي وهاري بوتر وسوبرمان وإخوانه من الخارقين الوهميين, على رأس القائمة؟!
يحق لي أن أصرخ: ماذا استفادت البشرية من هذا الوهم الباهظ التكلفة؟! وتأتي الإجابة المرة: لحظات إثارة تتكلف مليارات, وكان من الممكن الحصول على مثلها أو أفضل منها بقراءة كتاب أو رواية يحتوي نفس المضمون, يثير الخيال ولا يكلف هذه التكلفة العجيبة!

ونترك السينما المباحة بما لها وعليها وننتقل إلى أهم وأخطر وأكبر وأقذر فرع في منظومة الوهم وهو صناعة الجنس, ليشاهد القارئ بنفسه كيف أن أباطرة الوهم قد نجحوا بامتياز في إغراق البشر في بحار الأوهام والخيالات الجنسية المريضة, حتى أن عامة حديث البشر في كل العالم أصبح منصبا على الجنس, -أكثر مما كان في الماضي!- وظهرت العديد من الممارسات الجنسية الشاذة, التي ما كان لنا أن نسمع عنها, لولا ذلك السعار الذي أصاب البشر جراء خوضهم في بحار الوهم الجنسي, ونبدأ في عرض الأرقام الهائلة:
تأتي صناعة الجنس العالمية في مرتبة متقدمة في عالم الجريمة,[1] بعد المخدرات والقمار –والذين هما من أهم عناصر الوهم كذلك-, وتحتل صناعة الجنس على شبكة الانترنت مرتبة متقدمة ضمن صناعة الجنس العالميّة التي يقترب حجمها من 100بليون دولار، (وصل حجم تجارة الجنس على الإنترنت فقط خلال عام 2006 حوالي 70مليار دولار!) ويكفي أن نعلم أنه يوجد في كل ثانية حوالي ثلاثون ألف مستخدم للإنترنت, يتصفحون المواقع الإباحيّة, التي تشكل ما نسبته 12% من مجموع مواقع الانترنت. وتبلغ عدد مرات البحث عن المواقع الإباحية بمحركات البحث 68 مليون طلب يوميا!
و تزيد نسبة المتصفحين للمواقع الإباحية عن نسبة المواقع نفسها, فتبلغ
نسبة زوار المواقع الإباحية من مستخدمي الانترنت 42.7% من إجمالي زوار الشبكة. كما تبلغ نسبة تحميل المواد الإباحية عبر الانترنت 35% من إجمالي المواد المحملة. لذا فليس من العجب أن يبلغ إجمالي عدد الزوار الشهري للمواقع الإباحية على الشبكة أكثر من 72 مليون زائر (من بينهم حوالي 9.4مليون امرأة!), وأن تبلغ نسبة المتحدثين في المواضيع الجنسية 89% من زوار غرف الدردشة.
يبلغ عدد المواقع الإباحية على شبكة الإنترنت 4.2 ملايين موقعا, من بينها ما يزيد عن 100,000 موقع تحتوي على مواد إباحية لأطفال. وتأتي الولايات المتحدة في مقدمة قائمة أكثر البلدان امتلاكا لصفحات جنسية[2] بنصيب يتعدى 244.5 مليون صفحة –من حوالي 420 مليون صفحة والتي هي مجمل عدد
الصفحات الإباحية في العالم كله!- تليها ألمانيا بنصيب يبلغ أكثر من 10 ملايين صفحة ثم المملكة المتحدة بنصيب 8.5 ملايين صفحة ثم أستراليا واليابان وهولندا ثم روسيا وبولندا وإسبانيا. ويبلغ عدد الرسائل الالكترونية الإباحية 2.5 مليار رسالة يوميا. وتنتج الولايات المتحدة شريط فيديو إباحي كل 39 دقيقة. ويُنفق في الثانية الواحدة ما يزيد عن ثلاثة آلاف دولار على المواقع والأفلام الإباحية!
فإذا انتقلنا إلى الضحايا البشريين الذين يظهرون في هذه الأفلام, نعرف كم من البشر ضُيّعوا من أجل صناعة هذا الوهم الوسخ, الذي يعرضونه كنموذج قياسي لطرق التلذذ!
قدرت منظمة العمل الدولية » I.L.O « في تقرير لها أن حوالي 27 مليون شخص في العالم يعيشون من تجارة البشر، وأن حوالي80 % منهم من النساء، والأطفال. وتؤكد المنظمة أن 98 % من ضحايا الاستغلال التجاري الإجباري للجنس هم من النساء والفتيات، ويتعرض حوالي ثلاثة ملايين شخص سنوياً للاتجار، من بينهم 1.2 مليون طفل، ويُنقل ما بين 45 ألف و50 ألف من الضحايا إلى الولايات المتحدة الأمريكية سنويا للعمل في الدعارة[3], وتشير إحصائية أمريكية إلى أن حجم تجارة الرقيق في الولايات المتحدة فقط بلغ 7 مليارات دولار سنوياً. كما يتوجه كل عام زهاء 50000 امرأة من الدومينيك للعمل في الدعارة في الخارج، لا سيما في هولندا، حيث يشكلن 70 % من عاهرات الواجهة الزجاجية الأربع مائة في أمستردام .
ولا تدخل هذه الأعداد هذه التجارة طواعية وإنما تتعرض لإجبار وإكراه منظم حتى تستمر فيها, وتشير الإحصائيات إلى تعرض ما بين 75 % إلى80 % من العاهرات لاستغلال جنسي في مرحلة الطفولة. ويخضع أكثر من90 % منهن لتحكم الوسطاء، فهن لا يعملن حبا في الدعارة وإنما تبعا لقوادين يسيطرون عليهن! ويعملون على جني أكبر قدر ممكن من الأرباح عن طريق توسعة التجارة وتنظيمها, ونلقي نظرة أقرب على هذه التجارة المنظمة:
يُقدر عدد العاهرات في تايلاند بـ 2 مليون، و 500000 في إندونيسيا، و زهاء 8 ملايين في الهند، و ما بين 1 إلى 2 مليون عاهرة في كوريا، ومليون في الولايات المتحدة الأمريكية، و200000 في بولونيا، ويرجح أن عدد العاهرات في ألمانيا يصل إلى 200000، واللواتي تبعن الخدمات الجنسية إلى 1,2 مليون زبون يوميا[4].
تقدر منظمة اليونسيف عدد الأطفال الذين يُدخلون لصناعة التجارة الجنسية كل سنة بمليون طفل. وتستغل صناعة دعارة الأطفال ما بين 100000و300000 طفل في الولايات المتحدة الأمريكية، وتتحدث التقديرات في البرازيل عن استغلال ما بين 500000 و 2 مليون طفل في السياحة الجنسية! و ترى بعض الدراسات أن طفلا داعرا يبيع خدماته الجنسية لـ 2000 شخص كل سنة.
ولا يقتصر الأمر على مجرد الإجبار, وإنما يصل إلى مرحلة البيع والشراء الصريحين, والتعامل مع الإنسان! كأنه بضاعة متملكة ولا فارق, ضاربين بكل حقوق الإنسان عرض الحائط[5].
ولأن الإنسان بطبعه يرفض الاستعباد فإن التحول للعمل في هذه القذارات, والرضى بالهوان يقوم بالدرجة الأولى على العنف, وذلك لأن العنف عامل حاسم في إنتاج "البضائع الجنسية", وبدونه ما كنا سنرى هذه الأعداد الرهيبة! وليس هذا العنف أمرا فرديا وإنما عمل منظم يستغرق وقتا طويلا, حتى يتم ترويض البضاعة للقبول بالعمل وألفته! فعلى سبيل المثال يوجد في البلقان معسكرات إذلال حقيقية, تتعرض فيها النساء للاغتصاب والترويض. وفي البرازيل يتم الاحتفاظ بالفتيات معتقلات في ما يشبه السجن, وذلك في أماكن بعيدة يصعب الوصول إليها. والواقع أن مقصورات الدعارة في هولندا وبلجيكا, أو غرف اللذة الجنسية في ألمانيا تشبه بدورها الأقفاص.[6]
ولا تعليق سوى: لقد رمى ماركس ومن شاكله من العلمانيين الدين بأنه أفيون الشعوب, وحاربوا الأفيون وأزاحوه, فماذا قدموا عوضا عنه؟ قدموا عالما متكاملا من الوهم والوسخ والتوحش! وهكذا أخرجوا لنا بشرا متوحشا ذا خيال مريض, نكّسوا الإنسان أيما انتكاسة, وعلى الرغم من ذلك لا يزالون يتبجحون بأن الدين أفيون, ونسوا أن منظومتهم بأكملها بارود! لذا فإنا نختم مقالنا هذا بكلمة مضادة وهي: "الوهم بارود الشعوب!"
بارود نسف ما تبقى من إنسانية ... ذلك البشري, فقتله باقتدار!

--------------------------------------------------------------------------------
[1] يُقدر الناتج الإجرامي العالمي الخام بحوالي 1200 مليار دولار في العام, ويمثل 15% من حجم التجارة العالمية. وتؤكد كل الدراسات أن الجريمة المنظمة بدأت تلعب دورا رئيسيا في الاقتصاد العالمي منذ أن تم تحرير الأسواق ورأسملتها.
[2] تتصدر الولايات المتحدة صناعة الجنس عالميا انتاجا واستهلاكا, ففيها –كما ذكرت وزارة العدل الأمريكية- أكثر من 900 دار سينما متخصصة في الأفلام الإباحية، وأكثر من 15000 مكتبة ومحل فيديو تتاجر بأفلام ومجلات إباحية ، وهى تصدر سنويا 150 مجلة من هذا النوع أو8000 عددا سنويا، وتجارة تأجير الأفلام الإباحية قد زادت من 75 مليون سنة 1985 إلى 665 مليون سنة 1996. كما أنها أكثر دول العالم تصفحا للمواقع الإباحية بفارق كبير عما يليها, حيث تبلغ نسبة زيارة المواقع الإباحية حوالي 25% من نسبة التصفح, تليها إيران بنسبة تصل إلى 7% ثم الإمارات العربية ثم مصر.
[3] صُدعت رؤوسنا بالحديث عن الحريات وكرامة الإنسان وجنة الله على الأرض في الغرب, ولكن الواقع أن الغربي المادي لا يزال يحمل في طيات نفسه ذلك النخاس القديم!
[4] لك أن تتصور المستوى الأخلاقي والحالة الاجتماعية والنفسية للمترددين بانتظام على هذا النوع من الوهم! ونذكر بأن نيتشه كان واحدا منهم!
[5] نعرف القارئ ببعض الحقائق حول هذا الاستعباد في زمان الحريات –المستعبِدة!-:
يجري كل عام في تايلاند شراء زهاء ربع مليون امرأة وطفل من بلدان جنوب شرق آسيا "بيرمانيا، وإقليم يونان في الصين الشعبية، و لاووس، و كامبودج" وذلك بسعر يتراوح بين 6000 و10000 دولار أمريكي. أما في كندا فإن الوسطاء يدفعون 8000 دولار لقاء فتاة من الفليبين أو تايلاند أو ماليزيا أو تايوان، قصد إعادة بيعها لوسيط ب 15000 دولار .
أما في أوروبا الغربية فيتراوح ثمن العاهرات المنحدرات من بلدان أوروبا الاشتراكية سابقا بين مبلغ 25000 و 30000 دولار أمريكي.
[6] تبلغ المهزلة مداها عندما تُجبر المومس على دفع إيجار باهظ للغرفة التي تقيم فيها في بيت الدعارة -حتى يغطي الضرائب- من النسبة التي تأخذها من عملها, ولأن المومس لا تكاد تخرج من الوكر فإنها تنفق جل ما تكسبه في بيت الدعارة! وبهذا لا تخرج الضحية حتى بمكسب مادي مقبول!