عمرو الشاعر
04-17-2008, 12:12 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى إخوته من الأنبياء البررة الطاهرين, أما بعد :
فسنتناول اليوم بإذن الله وعونه سورة جديدة وهي سورة التين , وهي كما يبدو من أسلوبها مكية وهذا ما تقول به الروايات . وسورة التين ولله الحمد والمنة معروفة المعاني والمباني فلم تغمض منها مفردة واحدة على القارئ , ولكنا وجدنا بعض أعداء الإسلام يستهزؤن بهذه السورة زاعمين أنها سورة سطحية المعاني ساذجتها , خاوية الدلائل والآيات التي تدل على سماوية مصدرها , لذا ارتأينا بإذن الله تعالى أن نتناول هذه السورة الكريمة التي تعرض لقضية جد هامة في الفكر الإنساني ولكن الناس عنها غافلون وهي قضية شكل العلاقة بين الله والإنسان ! , متكلين على الرب القدير لنعرض ما يفتح الله تعالى به علينا . فعلى الله الاتكال : بسم الله الرحمن الرحيم
التقسيم العام للسورة :
تبدأ السورة الكريمة بأربعة أقسام متواليات في ثلاث آيات يتبعها المقسم عليه في ثلاث آيات أخر , ثم تعليق من الله عزوجل على موقف الإنسان من الدين في آيتين إثنتين , ويمكننا القول أن السورة مبنية على الترتيب التنازلي فقد اقسم بأربعة أقسام على مقسمين عليهما , أي أن هناك أربعة أقسام ومقسمان عليهما و ردّان " تعليقان " من الله عزوجل على موقف الإنسان تجاه الصنفين المقسم عليها . والسورة كلها تنتهي بالنون ما عدا الآية الرابعة فانتهت بالميم , ولو كان الأمر مجرد فواصل وسجع لكان من الممكن أن يقال " في أحسن تكوين " ولكن لكل لفظ معنى يؤديه في سياقه .
تبدأ السورة بقوله تعالى " والتين والزيتون " فنجد أن الله تعالى يقسم بالتين والزيتون , والتين والزيتون معروفان لكل الناس , ولقد تحير المفسرون من هذا القسم , فالله لا يقسم إلا بما هو نفيس وعزيز ذو فضل ونعمة سابغة على الإنسان , فيذكره الله تعالى بفضله عليه من خلال هذا القسم الذي لا يستطيع أي إنسان أن يتجاوزه في حياته . فإذا نحن تعرضنا للتين وللزيتون وجدنا أنهما نبتان مثل غيرهما من النبات , وأنا أعرف أن السادة المفسرون قد أخذوا في تفصيل فوائد وأهمية نبتة التين والزيتون الصحية والبدنية بالنسبة للإنسان والبناء الإعجازي للنبتتين وكذلك أوجه التشابه والاختلاف بين النبتتين من كون أحدهما صيفية والأخرى شتوية أو إحداهما فاكهة حلوة والأخرى مرة , أو أن أحدهما تنبت بالدهن وصبغ للآكلين ... إلخ هذه الأوصاف التي تتوفر في كل نبتة منهما – مما ينزع الإنسان من تدبر الكتاب ويشعره أنه في كتاب علوم ! -. ولكن لن أن نتوقف لنسأل : ألا يوجد بعض البشر ليس لهم أي علاقة بالتين أو الزيتون , بل هناك من لم يأكل التين أو الزيتون في حياته ؟ وبغض النظر عن كل هذا فإن الإنسان عندما يسمع القسم بالتين والزيتون لا يرى فيهما شيئا عظيما , ونحن نقر أنه ربما يكون الله تعالى بقسمه بهما مجتمعين يريد أن ينبهنا إلى علاقة بينهما أو أمر هام يحدث عند اجتماعهما أو إلى ضرورتهما , ولكن كما قلنا فالتين والزيتون في فكر الإنسان ليسا بالأمرين الخطيرين , فهل يقسم الله تعالى بما ليس عظيم وذو فضل سابغ على الإنسان ؟
من أجل هذا حاول بعض المفسرين أن يقولوا أنه ليس المراد من التين والزيتون هما النبتتين المعروفتين وإنما المراد منهما الإشارة إلى أشياء أخرى , فقالوا :
هما جبلان في الأرض المقدسة ، يقال لهما : بالسريانية طور تيناً ، وطور زيتاً فقسم الله إشارة إليهما , وقيل أنهما إشارة إلى مساجد مختلفة وقيل أنهما إشارة إلى أماكن أنبياء مشتهرين بعثوا في هذه المناطق , فالتين إشارة إلى الشام مبعث كثير من أنبياء بني إسرائيل , والزيتون إشارة إلى فلسطين مبعث عيسى عليه السلام . وقيل أن التين إشارة إلى بوذا , فكما يرى كثير من الباحيثين فإن بوذا كان نبي من أنبياء الله الصالحين ولكن رسالته حُرفت بعد وفاته كما حرف كثير من الأديان , ولقد بدأت الحكمة مع بوذ أو تلقي الوحي ! عندما كان جالسا تحت شجرة التين ! فيكون التين إشارة إلى بوذا والزيتون إشارة إلى عيسى . وقيل أن الزيتون إشارة إلى النور والوحي الإلهي كما جاء في قوله تعالى في سورة النور " اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور : 35] "
ولكن لنا أن نتوقف هنا لنسأل :
لم الحديث عن الفهم الإشارة للنص لم لا نأخذ النص على ظاهره , أليس هذا هو الأولى حتى لا يتقول على الله ما لم يقله ؟
نقول : نعم , الأولى الأخذ على الظاهر ونحن أخذنا به , ولكن السورة تحتم علينا أن نجعل القسم بالتين والزيتون من باب الإشارة , وتتبع معي السورة فستعلم أن المسلك الذي سلكه المفسرون هو المسلك السليم الواجب في تعاملهم مع القسم الأول , وليس أنه محاولة جوفاء من علماء المسلمين لتفخيم المقسم به ! فإذا نحن نظرنا في المقسمين بهما بعد هذا القسم وجدنا قوله تعالى " وطور سينين وهذا البلد الأمين " وطور سينين هو الجبل الذي كلم الله موسى عليه , وبغض النظر عن مكان جبل الطور سواء كان في سيناء المصرية أو في فلسطين في القدس والمعروف بجبل الزيتون أو هو جبل ممدود من مصر إلى أيلة أو حتى في الأردن في جبال البتراء كما يرى بعض الباحيثين , فالمتفق عليه أن طور سينين هو الجبل الذي كلم الله موسى عليه , والبلد الأمين هي مكة المكرمة بلا خلاف , فما هو الرابط بين هذه الأشياء ؟ يفترض فيمن يقسم أقسام مختلفة على مقسم به أن تكون هذه الأقسام مرتبطة فما هو وجه الترابط بين هذه الأقسام ؟ لا يوجد وجه صريح للترابط إلا القول بأن التين والزيتون أيضا إشارة إلى أنبياء كما أشار طور سينين إلى موسى والبلد الأمين إلى مكة والرسول الخاتم ! فيكون القول بأن التين والزيتون إشارة إلى الأنبياء مثل الآيتين التاليتين ليس من باب التكلف بل هو المفترض .
قد يقول قائل : هذه محاولة منكم أيها المسلمون من أجل أن توفقوا بين الفوضى التي أتى بها محمد , نريد دليلا قاطعا !
فنقول : المسألة ليست محاولة توفيق أو تلفيق بل هو النص الحاتم بذلك , ونقول الدليل القاطع على وجود الإشارة في قوله تعالى " والتين والزيتون " هو قوله تعالى " فما يكذبك بعد بالدين " فالله تعالى بعد أن تكلم عن حال الإنسان خاطبه قائلا : فما يكذبك بعد بالدين ؟ فيفترض أن يكون ما سبق من المقسم به من الدين , حتى يفرع الله عليه بالفاء " فما " , فتكون هذه الآية هي النص القاطع على أن ما ذكر من أول السورة هو من باب الإشارة .
يتبع ...............
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى إخوته من الأنبياء البررة الطاهرين, أما بعد :
فسنتناول اليوم بإذن الله وعونه سورة جديدة وهي سورة التين , وهي كما يبدو من أسلوبها مكية وهذا ما تقول به الروايات . وسورة التين ولله الحمد والمنة معروفة المعاني والمباني فلم تغمض منها مفردة واحدة على القارئ , ولكنا وجدنا بعض أعداء الإسلام يستهزؤن بهذه السورة زاعمين أنها سورة سطحية المعاني ساذجتها , خاوية الدلائل والآيات التي تدل على سماوية مصدرها , لذا ارتأينا بإذن الله تعالى أن نتناول هذه السورة الكريمة التي تعرض لقضية جد هامة في الفكر الإنساني ولكن الناس عنها غافلون وهي قضية شكل العلاقة بين الله والإنسان ! , متكلين على الرب القدير لنعرض ما يفتح الله تعالى به علينا . فعلى الله الاتكال : بسم الله الرحمن الرحيم
التقسيم العام للسورة :
تبدأ السورة الكريمة بأربعة أقسام متواليات في ثلاث آيات يتبعها المقسم عليه في ثلاث آيات أخر , ثم تعليق من الله عزوجل على موقف الإنسان من الدين في آيتين إثنتين , ويمكننا القول أن السورة مبنية على الترتيب التنازلي فقد اقسم بأربعة أقسام على مقسمين عليهما , أي أن هناك أربعة أقسام ومقسمان عليهما و ردّان " تعليقان " من الله عزوجل على موقف الإنسان تجاه الصنفين المقسم عليها . والسورة كلها تنتهي بالنون ما عدا الآية الرابعة فانتهت بالميم , ولو كان الأمر مجرد فواصل وسجع لكان من الممكن أن يقال " في أحسن تكوين " ولكن لكل لفظ معنى يؤديه في سياقه .
تبدأ السورة بقوله تعالى " والتين والزيتون " فنجد أن الله تعالى يقسم بالتين والزيتون , والتين والزيتون معروفان لكل الناس , ولقد تحير المفسرون من هذا القسم , فالله لا يقسم إلا بما هو نفيس وعزيز ذو فضل ونعمة سابغة على الإنسان , فيذكره الله تعالى بفضله عليه من خلال هذا القسم الذي لا يستطيع أي إنسان أن يتجاوزه في حياته . فإذا نحن تعرضنا للتين وللزيتون وجدنا أنهما نبتان مثل غيرهما من النبات , وأنا أعرف أن السادة المفسرون قد أخذوا في تفصيل فوائد وأهمية نبتة التين والزيتون الصحية والبدنية بالنسبة للإنسان والبناء الإعجازي للنبتتين وكذلك أوجه التشابه والاختلاف بين النبتتين من كون أحدهما صيفية والأخرى شتوية أو إحداهما فاكهة حلوة والأخرى مرة , أو أن أحدهما تنبت بالدهن وصبغ للآكلين ... إلخ هذه الأوصاف التي تتوفر في كل نبتة منهما – مما ينزع الإنسان من تدبر الكتاب ويشعره أنه في كتاب علوم ! -. ولكن لن أن نتوقف لنسأل : ألا يوجد بعض البشر ليس لهم أي علاقة بالتين أو الزيتون , بل هناك من لم يأكل التين أو الزيتون في حياته ؟ وبغض النظر عن كل هذا فإن الإنسان عندما يسمع القسم بالتين والزيتون لا يرى فيهما شيئا عظيما , ونحن نقر أنه ربما يكون الله تعالى بقسمه بهما مجتمعين يريد أن ينبهنا إلى علاقة بينهما أو أمر هام يحدث عند اجتماعهما أو إلى ضرورتهما , ولكن كما قلنا فالتين والزيتون في فكر الإنسان ليسا بالأمرين الخطيرين , فهل يقسم الله تعالى بما ليس عظيم وذو فضل سابغ على الإنسان ؟
من أجل هذا حاول بعض المفسرين أن يقولوا أنه ليس المراد من التين والزيتون هما النبتتين المعروفتين وإنما المراد منهما الإشارة إلى أشياء أخرى , فقالوا :
هما جبلان في الأرض المقدسة ، يقال لهما : بالسريانية طور تيناً ، وطور زيتاً فقسم الله إشارة إليهما , وقيل أنهما إشارة إلى مساجد مختلفة وقيل أنهما إشارة إلى أماكن أنبياء مشتهرين بعثوا في هذه المناطق , فالتين إشارة إلى الشام مبعث كثير من أنبياء بني إسرائيل , والزيتون إشارة إلى فلسطين مبعث عيسى عليه السلام . وقيل أن التين إشارة إلى بوذا , فكما يرى كثير من الباحيثين فإن بوذا كان نبي من أنبياء الله الصالحين ولكن رسالته حُرفت بعد وفاته كما حرف كثير من الأديان , ولقد بدأت الحكمة مع بوذ أو تلقي الوحي ! عندما كان جالسا تحت شجرة التين ! فيكون التين إشارة إلى بوذا والزيتون إشارة إلى عيسى . وقيل أن الزيتون إشارة إلى النور والوحي الإلهي كما جاء في قوله تعالى في سورة النور " اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور : 35] "
ولكن لنا أن نتوقف هنا لنسأل :
لم الحديث عن الفهم الإشارة للنص لم لا نأخذ النص على ظاهره , أليس هذا هو الأولى حتى لا يتقول على الله ما لم يقله ؟
نقول : نعم , الأولى الأخذ على الظاهر ونحن أخذنا به , ولكن السورة تحتم علينا أن نجعل القسم بالتين والزيتون من باب الإشارة , وتتبع معي السورة فستعلم أن المسلك الذي سلكه المفسرون هو المسلك السليم الواجب في تعاملهم مع القسم الأول , وليس أنه محاولة جوفاء من علماء المسلمين لتفخيم المقسم به ! فإذا نحن نظرنا في المقسمين بهما بعد هذا القسم وجدنا قوله تعالى " وطور سينين وهذا البلد الأمين " وطور سينين هو الجبل الذي كلم الله موسى عليه , وبغض النظر عن مكان جبل الطور سواء كان في سيناء المصرية أو في فلسطين في القدس والمعروف بجبل الزيتون أو هو جبل ممدود من مصر إلى أيلة أو حتى في الأردن في جبال البتراء كما يرى بعض الباحيثين , فالمتفق عليه أن طور سينين هو الجبل الذي كلم الله موسى عليه , والبلد الأمين هي مكة المكرمة بلا خلاف , فما هو الرابط بين هذه الأشياء ؟ يفترض فيمن يقسم أقسام مختلفة على مقسم به أن تكون هذه الأقسام مرتبطة فما هو وجه الترابط بين هذه الأقسام ؟ لا يوجد وجه صريح للترابط إلا القول بأن التين والزيتون أيضا إشارة إلى أنبياء كما أشار طور سينين إلى موسى والبلد الأمين إلى مكة والرسول الخاتم ! فيكون القول بأن التين والزيتون إشارة إلى الأنبياء مثل الآيتين التاليتين ليس من باب التكلف بل هو المفترض .
قد يقول قائل : هذه محاولة منكم أيها المسلمون من أجل أن توفقوا بين الفوضى التي أتى بها محمد , نريد دليلا قاطعا !
فنقول : المسألة ليست محاولة توفيق أو تلفيق بل هو النص الحاتم بذلك , ونقول الدليل القاطع على وجود الإشارة في قوله تعالى " والتين والزيتون " هو قوله تعالى " فما يكذبك بعد بالدين " فالله تعالى بعد أن تكلم عن حال الإنسان خاطبه قائلا : فما يكذبك بعد بالدين ؟ فيفترض أن يكون ما سبق من المقسم به من الدين , حتى يفرع الله عليه بالفاء " فما " , فتكون هذه الآية هي النص القاطع على أن ما ذكر من أول السورة هو من باب الإشارة .
يتبع ...............