[5] ابن سطادا / ابن بانديرا / ابن مريم
نظرتان متطرفتان ونظرة وسطية
هناك نظرتان متطرفتان ومتباينتان فيما يتعلق بالمسيح. النظرة المتطرفة الأولى هي نظرة النصارى له أنه ـ في زعمهم ـ يمثل الأقنوم الثاني (الكلمة Logos) من مثلث أقانيمهم. النظرة المتطرفة الثانية هي نظرة اليهود له أنه ـ في زعمهم ـ يمثل الخائن لله وللوطن. بين تلك النظرتين الشاذتين توجد نظرة ثالثة وسطية ترفض وصف المسيح بأنه أقنوم كما ترفض وصف المسيح بأنه خائن، وتبين أن المسيح هو عبد الله ورسوله إلى بني اسرائيل، وتلك هي نظرة المسلمين المنطلقة من الكتاب المبين. من هذا المنطلق كان يجب على النصارى إيثار المسلمين الذين يحترمون شخص المسيح عليه السلام على اليهود الذين يحقرون شخص المسيح عليه السلام، لكن ما حدث كان العكس، حيث آثر النصارى اليهود الذين قتلوا إلههم ـ على زعمهم ـ على المسلمين. وليت الأمر توقف عند الإيثار بل تعداه للدفاع والمحاماة عنهم فأظهروا بذلك مبلغ ضلالهم وأنهم قوم لا خلاق لهم. استمعت يوما ما في أحد الغرف الشهيرة للنصارى على برنامج للمحادثات الإلكترونية المباشرة لأحدهم وهو يدافع عمن قتل إلهه المزعوم وهو ينفث سمه الزعاف قائلا: "من قال إن اليهود افتروا على مريم؟ أبدا لم يفترِ اليهود على مريم، ولكن الذي افترى على اليهود هو قرآن المسلمين" (انتهى). يتهم ذلك النصراني المتهود والمتصهين القرآن الكريم بأنه افترى على اليهود أنهم أفتروا على مريم وأشار إلى الآيات التالية من البلاغ المبين:
(... وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا) (النساء : 156)
(فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا. يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) (مريم : 27 - 28)
وأقره كل من كان بالغرفة من النصارى على سمه الزعاف وما تقاطر من فمه من دم رعاف. أقول: صدق الله تعالى فيما قال وكذب وخسأ ذلك الصهيوني الأفاك فيما تقيأه من كلمات حاول بها تبرئة قاتلي إلهه المزعوم من قذفهم مريم عليها السلام في شرفها. السؤال الذي أوجهه إلى ذلك الصهيوني ومن على شاكلته من الكفار: هل يوجد لديكم مانع عقلي يحيل إمكان قذفهم مريم عليها السلام في شرفها بعد ولادتها المسيح أم لا؟ إن كان لديهم مانع عقلي يحيل إمكان ذلك فليقدموه، وإلا فليخرسوا ولتنقطع ألسنتهم المتقاطرة بالسم ما دامت إمكانية ذلك الإفتراء ممكنة عقلا. برغم ذلك لن أطيل الوقوف عند باب أحكام العقل لأن هؤلاء لا عقول لديهم، وسأنتقل بدلا من ذلك لبيان حدوث ذلك من الناحية النقلية.
مصادر المعلومات
الوثائق الرسمية الأولى المسجل بها تعاليم اليهود - أسفار العهد القديم - تخلو من أي إشارة للمسيح أو أمه لكونها دونت قبل عصر المسيح. أما الوثائق الرسمية للنصارى - أسفار العهد الجديد ـ فهي غير معتمدة عند اليهود ولا تتحدث بلسان مقالهم وإن كانت تتحدث عن أحوالهم. إن من يقرأ العهد الجديد يعلم تماما أن الكتبة والفرسيين اليهود قاموا بحرب شعواء ضد المسيح انتهت بمصرعه ـ على زعمهم الكاذب ـ فما العجب إذن في إمكان قيام اليهود بالطعن في شرف أم المسيح عليها السلام؟ لنترك الكتاب المقدس لديهم بقسميه جانبا ولنذهب إلى المصدر الثاني من مصادر اليهود ـ بعد أسفار العهد القديم ـ وهو أدب الحاخامات.
أدب الحاخامات
يشمل أدب الحاخامات كتبا كثيرة منها التلمود الأورشليمي والتلمود البابلي بقسميهما المشنا والجمارا، كما يشمل التوسفتا والمدراشيم والترجوميم وغيرها. هناك صعوبتان تكتنفان البحث في كتب أدب الحاخامات أولاهما: الحجم الكبير لهذه الكتب والذي يصل لعشرات المجلدات من القطع الكبير (رأيت نسخة من التلموديم مع الشروح لدى مكتبة الدراسات اليهودية بكلية اللاهوت الإنجيلي مكونة من 64 مجلدا كبيرا ضخما). ثانيهما: تعدد الألسنة واللهجات المدون بها تلك الكتب وهي ما بين العبرانية القديمة والآرامية وما يتوفران عليه من لهجات. لذلك يصعب على الباحث أن يقوم بدراسة شاملة في تلك الكتب. برغم ذلك قام كثير من العلماء المتخصصين بدراسة موضوع هام ودقيق جدا وهو (أدب الحاخامات والمسيح).
أدب الحاخامات والمسيح
ذكر الحاخام الألماني الكبير البروفيسور دكتور دكتور تريب أن التلمود تعرض لإضطهاد كبير من قبل الكنيسة الكاثوليكية مما أدى لتدخل الرقيب لحذف كثير من المواضيع. لعل ذلك يفسر لنا سر الندرة النسبية للحديث عن المسيح في التلمود، وأنه إنما يشير إليه بالصفة وليس بالإسم. سأفترض أن القارئ الكريم لديه فكرة مبسطة عن التلمودתלמדים فإن لم يكن الأمر كذلك فيمكن الرجوع لأحد الكتب التي تقدم تعريفا شاملا للمبتدئين مثل كتاب Mielziner بالإنجليزية أو كتاب Stemberger بالألمانية وهما من الكتب الأكاديمية القيمة. أما فيما يتعلق بموضوع "يسوع" في التلمود فهناك كتابان رائدان في هذا المجال أولهما كتاب مائير بالألمانية (1978) والثاني كتاب شيفر (2007) بالإنجليزية. يتحدث الكاتب Peter Schaefer في كتابه القيم Jesus in the Talmud والذي نشرته جامعة برنستون / أكسفورد عام (2007) في فصل بعنوان Jesus' family عن تلك الحقيقة قائلا:
Since neither source mentions, however, the name "Jesus" but instead resorts to the enigmatic names "Ben Stada" and "Ben Pandera/Pantera" respectively, their relationship to Jesus in hotly disputed
تدل تلك الفقرة على أمور منها: عدم التصريح بذكر اسم "يسوع" في أي من المصادر (وهذا ربما يؤكد ما سبق وذكرته في مداخلة سابقة حول عدم تعيين المصادر لإسم المسيح فكيف يدعي النصارى أن اسمه "يسوع"؟)، ومنها: اللجوء إلى أسلوب التورية باستخدام أسماء مبهمة مثل ابن سطادا وابن بنديرا، ومنها: الجدل الساخن حول مدى ارتباط الوصفين المتقدمين بيسوع. برغم ذلك خاض بيتر شيفر خضم ذلك البحر وأخرج وثيقة أكاديمية من 210 صفحة تمثلت في كتابه ذاك للدلالة على ارتباط تلك الأصاف وغيرها بيسوعهم.
ابن بانديرا و ابن سطادا
كشف بيتر شيفر في كتابه أن التلمود تحدث عن امرأة اسمها مريم أنجبت طفلا غير شرعيا من جندي روماني اسمه Pandera ولذلك سمي المولود "ابن بانديرا". كما وصف التلمود ذلك المولود باسم آخر هو "ابن سطادا" فماذا يعني ذلك الإسم. يذكر البروفيسور الألماني Carl Siegfried في قاموسه العبري (1893) أقرب المشتقات لتلك الكلمة وهو الفعل العبري القديم سطا שָׂטָה والذي يعني Untreue des Eheweibs أي خيانة الزوجة (السفاح) فكأن ذلك اللفظ يعني "ابن العاهرة".
ليس هناك تصريح كامل كما ذكرنا وذلك لسبب ذكره الكتاب وهو الرقابة الكاثوليكية على التلمود، ولسبب آخر أذكره وهو تعرض التلمود اليروشالمي (الأورشليمي) للضياع بعد هدم هيكل (معبد) سليمان عام 70 م على يد Titus الروماني، وبدء إعادة التدوين بعد ذلك بفترة طويلة، وكذلك تعرض التلمود البافلي (البابلي) للضياع أثناء فترة الأسر البابلي لليهود. برغم ذلك بقيت آثار اكتشفها الأكاديميون النصارى أنفسهم تدل بوضوح على أنه ما كانت أم المسيح عليها السلام لتسلم من لسان اليهود الذي يقطر بهتانا وإفكا وهذا ما أكدت عليه الوثيقة الأصلية الأساسية التي يؤمن بها المسلمون أي: القرآن الكريم.
[6] وقفة تحليلية مع مطلع إنجيل لوقا
بدأ لوقا الإنجيلي كتابه بالجمل التالية:
(إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا، 2 كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ، 3 رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ، 4 لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلاَمِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ) (لوقا 1 : 1 - 4)
والتي تدل دلالة قاطعة على أمور هامة يجب أن يتوقف عندها كل باحث عن الحق.
[1] (إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا ...)
يقصد لوقا بقوله (قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا ...) قصة عيسى المسيح الذي سماه لوقا وغيره "يسوع" وهي تسمية خاطئة كما علمنا، أي قصة حياة عيسى وسيرته الذاتية. لكن من يقصد بضمير الجر ( نا ) في قوله (المتيقنة عندنا)؟ هل يقصد جمهور النصارى أم يقصد طائفة منهم؟ وإذا كان يقصد جمهورهم فهل يعني المتقدمين من الذين شهدوا الأحداث أم من التابعين لهم مثله؟ إن متعلق الضمير من الناحية اللسانية غير واضح، لكن دعونا نتخطى تلك النقطة إلى نقطة أكثر أهمية. من هم الـ (كثيرون) الذين (قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ ...) عندهم؟ إننا إذا استعرضنا أسماء كتاب الأناجيل المعتمدين ـ إضافة للوقا نفسه ـ نجد ثلاثة أسماء فقط لا غير هي: (متى) و(مرقص) و(يوحنا) فهل يصح وصف ثلاثة نفر بوصف (كثيرون)؟ لقد ذكر لوقا أن هناك كثيرين (قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ ...) عنده وغيره أي لا يمكن أن يكون المقصود هنا الكتاب الذين صنفت الكنيسة لاحقا قصتهم ضمن الأبوكريفا لأن لوقا يذكر بدقة أن تلك القصص هي فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ ...) عنده وغيره فأين هي تلك الكثرة؟ إما أن لوقا لا يعي ما يقول فلا يميز بين (الكثير) و(القليل) وهذا مستبعد وإما أن تكون الكنيسة قد تعاملت مع المؤلفات التي أشار لوقا إليها من الباب الخلفي وسمحت بتمرير أربع قصص فقط وهذا هو الأرجح.
[2] (كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ)
في الفقرة الأولى تحدث لوقا عن (قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ)، وفي الفقرة الثانية يقول (كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) وهي فقرة تدل على شيئين هامين للغاية:
i. يعود ضمير الغائب المؤنث ( ها ) في قوله (كما سلمها إلينا) إما على (قصة) وإما على (الأمور المتيقنة) وهذا الأقرب لأن ضمير الغائب جاء مباشرة بعد متعلقه بلا فاصل، وهذا معناه أن لوقا وغيره من معاصريه تسلموا (الأمور المتيقنة) أي العقائد النصرانية تسلما. هم لم يصلوا إلى تلك العقائد بطريق (الإستدلال العقلي) ولكنهم تلقوها تلقيا بطريق (الآثار).
ii. الفاعل في الجملة هو لفظ (الذين) وهو إسم موصول مبني وفي محل رفع، وصلة الموصول هي (كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ). تدل هذه الفقرة دلالة قاطعة على أن لوقا ـ وغيره ـ لم يكن منذ البدء (معاينا) لكلمة الله المسيح عيسى بن مريم أي أنه لم يكن (شاهد عين) ولكنه (شاهد سمع) تلقى (قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ) من (الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ).
إن شهود العين هم الحواريين Juenger الذين حاوروا المسيح وحاورهم، وحيرهم وحيروه، من أمثال بطرس وبرنابا وتوماس ويهوذا وغيرهم فأين شهادة هؤلاء التي سلموها لأولئك؟ إن لغة الحوار بين عيسى وحوارييه كانت العبرانية الآرامية بينما اللغة التي دون بها إنجيل لوقا هي اليونانية المفقودة، مما يعني أن هناك حاجز لساني هام جدا يحجز بين القصة (الأصلية) والقصة (المترجمة).
[3] (رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ، 4 لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلاَمِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ)
نفهم مما تقدم ما يلي:
- سلم (الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) عقائد ويقينيات للذين لم يكونوا (مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ).
- أخذ ( كثيرون) من الذين لم يكونوا (مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) (بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ) (كما سلمها) إليهم (الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ).
- بعد أن أخذ ( كثيرون) من الذين لم يكونوا (مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) (بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ) (كما سلمها) إليهم (الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) رأى لوقا أن يكتب هو أيضا وقد تتبع كل شيئ من الأول بتدقيق إلى (ثَاوُفِيلُسُ). إن قول لوقا عن نفسه (إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق) لا يدل على أنه كان شاهد عين على العقيدة لإنه سبق وأن أوضح (كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ) أي أنه لم يكن من هؤلاء، ولكنه يدل على تتبعه سيرة المسيح منذ بدايتها بتدقيق أي تتبع الآثار المروية والأسانيد التي وقف عليها بتدقيق. إن لفظ (تدقيق) لا يعني بضرورة الحال أن عمله ذلك معصوما ولكنه يعني أنه استفرغ وسعه في تدقيق أساطير الأولين كما سلمت إليه ولا يوجد مانع عقلي أن يكون تدقيقه ذاك قد فاته كثير أو قليل من الحقائق.
الخلاصة
لم يكن لوقا الإنجيلي شاهد عين على سيرة المسيح لإنه لم يكن من أفراد عائلته ولا من حوارييه المقربين، وإنما كان تابعا نمت إلي مسامعه قصة العقيدة النصرانية كما نقلها الأولون، فأخذ يتتبع تلك القصة من بدايتها إلى نهايتها ودون جهده ذاك في كتاب اعتمدته الكنيسة لاحقا كأحد أربعة أناجيل رسمية ضاربة عرض الحائط بعشرات من الأناجيل المخالفة للتعاليم البولسية (نسبة إلى قديسهم بولس) عرض الحائط. وحتى لا نظلم لوقا هذا نقر صراحة بأن الرجل لم يزعم أنه كان شاهد عين ولكنه أوضح أنه مجرد شاهد سمع، كما أنه بين أن كثيرين قد سبقوه في هذا المجال، ولم يزعم لنفسه أن قصته تلك تمت بمباركة "الروح القدس" ولكنه أبان بوضوح شديد بأن مجهوده ذاك هو جهد بشري خالص بذل فيه غاية وسعه في التتبع والتدقيق. إن الرجل لم يزعم لنفسه عصمة ولا تأييدا قدسيا فما بال الكنيسة قد أمست ملكية أكثر من الملك فادعت له ما لم يدعيه لنفسه؟