العودة   Amrallah > أحسن القصص
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #31  
قديم 01-26-2012, 05:48 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة الثلاثون

سليمان عليه السلام
كما ذُكر سيدنا داود عليه السلام ست عشرة مرة ذكر كذلك ابنه سليمان عليه السلام, وكذلك كان آخر ذكر له مثل داود في سورة ص. وكما تحدث الرب عن النعم التي أنعمها على داود تحدث كذلك عن النعم التي أنعمها على سليمان وعن إحكام ملكه, ولقد زاد الله في النعم التي أنعم بها على سليمان استجابة لدعاء دعاه: "وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [ص : 34-35]", فأعطاه الله عطاء واسعا: "فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاص [ص: 36-37]"
ولأن الله ذكر ملكاً عجيباً لسليمان, ولأن المفسرين لم يحسنوا التعامل مع الآيات الواردة بشأن هذا الملك ظهرت العديد من الروايات التي صبغت هذا الملك بصبغة خرافية تامة, فجاءت بعض الراويات التي تقول أن سيدنا سليمان كان من الملوك الذين حكموا الأرض! على الرغم من أن القرآن قال أن سليمان لم يكن يعلم بأحوال مملكة سبأ وأخبره بها هدهد من أجناده! ومن ثم فإن تمكينه في حدود ملكه وليس على كل العالم. ومن ذلك ما ذكره الله بحق تسخير الريح لسليمان, فلقد قال الرب في سورة سبأ: "وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ .. (١٢)", فكانت هذه الرياح تجري شهرا إلى الأرض التي بورك فيها شهرا وتعود شهرا, "وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ [الأنبياء : 81]"
والعجيب أن المفسرين قالوا أن المراد من "غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ" أنها تجري في الغداة مسيرة شهر وفي الروحة مسيرة شهر! وهكذا جعلوا الغُدُو بمعنى الغَدْو, والرواح بمعنى الروحة! بل وزاد بعضهم أنه كان لسيدنا سليمان بساطٌ كبير يجلس عليه وتحمله الريح حيث يشاء! ومن هذه الروايات ظهرت خرافة بساط الريح! وبغض النظر عن هذه الخرافة التي لم يعول عليها كثيرٌ من المفسرين, فلست أدري كيف لم ينتبهوا إلى أن "الغُدُو" جمع وليس مصدرا! وكذلك الرواح جمع! ومفردهما الغدوة والروحة كما جاء في حديث النبي الشهير: ".. واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة!" ولقد وردت كلمة الغُدُو صريحة في بعض آيات في الكتاب الكريم, منها: "وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ [الأعراف : 205], وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ [الرعد : 15]", فالمعنى أنها تجري شهرا ذاهبة وشهرا آيبة, لا أن جريها في الغدوة الواحدة مسيرة شهر –بمقياس الإنسان!-
ومن النعم التي أنعم الله بها على سيدنا سليمان كذلك –وإن لم تكن خاصة به- إسالة عين القطر! ومن العجب كذلك أن المفسرين يقولون أن القطر هو النحاس! ولست أدري كيف يكون النحاس عينا؟! إن النحاس لا يوجد بأي حال بشكل سائل في الطبيعة, والله عز وجل لا يقول أنه جعل له النحاس سائلا –حتى نقول أنها آية له- وإنما يتكلم عن إسالة عين القطر, وهذا يعني أنها كانت أصلا عينا والله تعالى أسالها لسيدنا سليمان! والذي أراه والله أعلم أن عين القطر هي إما "البترول" عامة أو القطران خاصة, فالبترول يوجد في الأرض على شكل سائل, ومن الممكن استعماله في صناعات عدة!
وفصّل الله في النعم التي أنعم بها على سيدنا سليمان في سورة سبأ, فقال: "... وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣) فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)"
وليس الموطن موطن الحديث المستفيض عن المحاريب والتماثيل والجفان والقدور الراسيات, لأنه مما يحتاج إلى تفصيل طويل يخرجنا من السياق الذي نتحدث عنه , لذا نكتفي بالتعليق على مكانة هذه الآية بالنسبة للدعوة والإيمان, فنقول أن الملاحظ أن هذه النعم كلها لم تكن آيات ليؤمن بنو إسرائيل, وإنما نِعم أنعم الله بها على سليمان تحقيقاً لطلبه, ومن ثم فإن سليمان عليه السلام لم يأت كذلك بآيات ليؤمن قومه أو غيرهم, فهو كذلك كان أولاً نبياً لجماعة المسلمين ويدعو غيرهم لعبادة الله.

خاتم سليمان
إذا كان القصاصون قد اختلقوا الخرافات فيما لا مظنة له, فمن غير المنطقي ألا تُختلق الخرافات بشأن هذا النبي الذي أمده الله بالكثير الفائق! ولن نعرض لهذه الخرافات كلها وإنما نكتفي بإبطال خرافة شهيرة وهي خرافة خاتم سليمان! وهي التي ذكرها المفسرون في تفسيرهم لقوله: "و َلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [ص: 35]", حيث أوردوا روايات مفادها: أن سليمان عليه السلام تزوج امرأة مشركة اسمها "جرادة" وعلى الرغم من إسلامها فإنها ظلت تبكي أباها فأمر سليمان فمثل لها صورة أبيها –ورُوي أنها صنعت التمثال بدون علم سليمان– وكانت تسجد له هي والجواري, فلما علم سليمان كسر التمثال وعاقبها. وحدث ذات يوم أنه دخل الخلاء, فخلع الخاتم وأعطاه للجني المرافق له, فأخذه الجني ولبسه وتشكل بشكل سليمان, إلى آخر القصة المعروفة بين سليمان والجني والخاتم الذي وجده في السمكة.
وأصل هذه الروايات كتاب (عهد سليمان) الذي يعود للقرن الأول الميلادي , والذي يقول: "أن خادم سليمان في الهيكل يأتيه الشيطان أورنياس ويأكل أكله، وأن سليمان الملك أعطى هذا الخادم خاتمه, وطلب منه أن يضرب به الشياطين ويختمهم به ليسخرهم لخدمته "
وهذه الروايات بمجموعها مستحيلة عقلا وتصلح كقصة عظيمة لفيلم أسطوري خرافي شائق, وبالفعل ظهرت بعض الأفلام تتناول هذه الأسطورة! إلا أنها كواقع غير مقبولة ولا معقولة, وفيها نكارة شديدة, ولقد علّق الإمام ابن كثير على هذه الروايات في البداية والنهاية, فقال: "ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما من المفسرين هنا أثارا كثيرة عن جماعة من السلف وأكثرها أو كلها متلقاة من الإسرائيليات وفي كثير منها نكارة شديدة وقد نبهنا على ذلك في كتابنا التفسير " ا.هـ
وبغض النظر عن الاستحالة العقلية فيها فلقد وقع مبتدعوها في تناقض كبير, فلقد رووا أن الجني لما جلس على الكرسي اجتمع عليه الطير والإنس والجن, ونسى هؤلاء أن تسخير الطير والجن والريح كان بعد الفتنة لا قبلها فلم يكن الجن قد سُخر بعد فتأمل وتعجب! والكذاب يأتي دوما بما يكشف كذبه! والقول بأن سليمان صنع التمثال لزوجه مأخوذ من التوراة التي رمته بالكفر وإتباع آلهة غير الرب, وهو ما نفاه القرآن عن سيدنا سليمان: "وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ ... [البقرة : 102]", وإذا كان الأمر قد حدث بدون علمه فلا ذنب عليه يعاقب من أجله هذا العقاب الشديد.
أمّا قوله تعالى "وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ [ص : 34]", فنحن نتوقف فيه, على الرغم من وجود عدة أفهام مقبولة لها, مثل ما ذكره الإمام الرازي في تفسيره: "أن سليمان ابتلي بمرض شديد ضني منه جسده حتى صار لشدة المرض كأنه جسد بلا روح ثم أناب أي رجع إلى الصحة", ومثل ما قيل أن أخاه كان قد استولى على كرسي الملك من سليمان لفترة من الزمان ثم عاد سليمان إلى الحكم مرة أخرى, فلذلك دعا ربه بالتمكين في الملك وأن لا ينبغي لأحد من بعده مثل هذا الملك. ولكني لا أشعر بتطابق أيٍ منها مع النص, لذا نتوقف في هذه الجملة حتى يظهر لنا أو لغيرنا فيها قول مطابق, والله أعلم.

سليمان والنمل
يقص القرآن أن سليمان في أثناء إحدى الغزوات وصلوا إلى وادي النمل, وهناك قالت نملة: "يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [النمل : 18]", وكنا قد توقفنا في هذه الآية في الماضي, فلم نجزم بكون النمل المذكور في الآية الحشرات المعروفة أو بشر, لأسباب عدة أهمها أن الآية قالت: "يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم", فاستعملت الآية ضمائر جمع المذكر السالم, وهذه الضمائر لا تستعمل إلا مع العاقل, فلو كانت هذه الكائنات من الحشرات أو من غير العاقل لقالت الآية: "يا نمل ادخلن بيوتكن", فغير العاقل لا يتخذ مسكنا ولكنه يتخذ بيتا: "وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ [النحل : 68]" بالإضافة إلى أن القرآن لم يقل أن سيدنا سليمان عُلم منطق كل الكائنات, وإنما قال أنه عُلم منطق الطير فقط, وثمة من قال أن النملة هذه كانت زعيمة قبيلة موجودة بالقرب من اليمن, وهذه القبيلة موجودة في مكان يسمى وادي النمل. ونحن نسلم بوجود وادي النمل, ولكنه من البعيد جدا أن يكون المكان اسمه وادي النمل, والقبيلة تسمى النمل, والزعيمة أو المراقبة اسمها نملة, فتوقفنا في تحديد المراد من هذه الآية.
أما الآن فنقول أن النمل كان حشرات وليس بشراً, والله أعلم سليمان ماذا قالت النملة فتبسم ضاحكاً, أما الضمائر فلا إشكال فيها لأن الحديث ليس عنها وإنما منها, وأما مسألة المسكن والبيت فليست كل الحشرات سواء, وليس النحل كالنمل! أما الحديث عن منطق الطير فليس له علاقة بالنطق واللغة وإنما كيفية تحريكها وإرسالها والسيطرة عليها! ويبدو أني كنت قد نسيت قوله تعالى: "وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ [النمل : 16]", فلا مانع من أن يكون من بين كل شيء الذي أوتاه سليمان معرفة لغة الدواب -والذي بيّنا في كتابنا السابق "الجن واختلاق الأرباب" أنه أوتي من العلم كثير فائق, احتاج معه إلى عمال خارقين "الجن", لكي يستطيعوا تنفيذ ما يبتكر-, ويكون هذا إشارة إلى أننا سنفهم لغاتها في يوم من الأيام.
ومعرفة سليمان لغة الدواب ليست من المعجزات! وهي مما ستصل إليه البشرية في يوم من الأيام, أما ما اختُص به سليمان ولن تصل إليه البشرية أبداً فهو أن يُسخر لإنسان الريح والجن, وذلك كما جاء في قوله تعالى: "قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ [ص :35- 38]", فهذا ما أعطاه الله إياه إجابة لدعائه, أما ما زاد على ذلك فهو من العلوم المكتسبة.
وسماع سليمان قول النملة ليس معجزة بحال ولا آية لقومه, لأنهم لم يسمعوا ولم يروا شيئاً, ناهيك عن أنهم كانوا مؤمنين أصلا! وما هي إلا نعمة من نعم الله حمد الله عليها, ويذكرها الله للتعريف بالفضل المبين الذي آتاه عبداً من عباده.

الإيمان بالصرح
كأبيه كان حديث القرآن عن سليمان مرتبطاً بالملك, إلا أن القرآن ذكر موقفاً دعوياً لسيدنا سليمان استخدم فيه سلطانه, وذلك عندما عرف بوجود مملكة لا تعبد الله, فأرسل إليهم يدعوهم إلى الدخول في الإسلام: "إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل: 30-31]", فدعاهم إلى ألا يعلو ولا يتكبروا وأن تأتيه الملكة والملأ ليعرفهم بالله وبالدين, فظنت ملكة سبأ أن سليمان ملك طالب دنيا, فرأت أن ترسل إليه هدية لتنظر هل هو يريد المال أم أنه فعلاً داع إلى دين. فلما جاء الرسول بالهدية, التي كانوا بها فرحين وفخورين, لما فيها من العظمة والبهاء, رفضها سيدنا سليمان وأمر برجوع الرسول وتبليغه الملكة أنه سيأتيهم بجنود لا قِبل لهم بها إذا لم يأتوه.
ولمّا علم سيدنا سليمان أنهم قادمون إليه, أراد أن يريهم أن ما آتاه الله خير مما آتاهم, ويعد الآيات التي تجعلهم يؤمنون به ويصدقون أنه رسول من عند الله, فكان من ذلك أن: "قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل : 38]", فأمر ملأه أن يعملوا له عرشها بشكل أعظم, وهذا المعنى من المعاني المشتهرة ل "أتى ب", وذلك مثل قوله تعالى: "قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الأعراف : 106]", ومثل قولنا: "أتيت بالشيء على أمثل وجه" أي قمت به على أمثل وجه. والمفسرون على أن "يأتيني" في "يأتيني بعرشها" أي "يحضر لي", على الرغم من أن هذا قد يعد كسرقة أو تصرف في ملك الغير بدون إذنه, ولست أدري لماذا وكيف لم ينتبهوا إلى المعنى الذي قلنا به. ويدل على هذا قوله: " فَلَمَّا جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ [النمل : 42]", فلو كان المراد إظهار قدرة سليمان على إحضار العرش, لما كان هناك داعي لتنكيره ولما قال لها: أهكذا عرشك؟ وإنما لقال لها: هذا عرشك أحضرته بقدرة الله! ناهيك عن أنه لو كان المراد منه الإيمان بالمعجزة لكان من الأولى والأوقع في النفس أن يجعل سليمان ملكة سبأ ترى العرش يأتيها طائرا!
ولمّا لم يكن وجود عرش كعرشها وأعظم عند سليمان للإيمان, قيل لها ادخلي الصرح. والمشكلة أن النقطة المحورية التي تقدم مثالاً لدعوة سيدنا سليمان غير المسلمين قد أصابها الكثير من التعمية, فبدلاً من أن يبين السادة المفسرون لماذا أسلمت ملكة سبأ بعد أن دخلت الصرح: "قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل : 44]", وجدنا بعضهم يقول أن سليمان بنى هذا الصرح ليرى ساقيها! وقال بعضهم أن الجن كرهوا أن يتزوجها فتفضي إليه بأسرارهم لأنها كانت بنت جنية! وقيل خافوا أن يولد له منها ولد فيجتمع له فطنة الجن والإنس فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشد، فقالوا إن في عقلها نقصاناً وإنها شعراء الساقين ورجلها كحافر حمار فاختبر سليمان عقلها بتنكير العرش، واتخذ الصرح ليتعرف ساقها! و لست أدري أي أسرار هذه التي يخافون أن تكشفها له, وهم مسخرون عنده بإذن الله!! وهل بلغ بنبي مرسل أن يبني صرحا ممرداً من أجل أن يرى ساقي امرأة؟!
ولقد انتبه بعضهم إلى هذه المسألة إلا أنه لم يقدم علّة لإسلامها, فقال: "فلما قيل لها هو صرح ممرد من قوارير استترت، وعجبت من ذلك واستدلت به على التوحيد والنبوة، فقالت: "رَبّ إِنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي" فيما تقدم بالثبات على الكفر, ثم قالت : "وَأَسْلَمْتُ مَعَ سليمان لِلَّهِ رَبّ العالمين".
ولكن هل كون الصرح من قوارير كاف لكي يؤمن الإنسان؟ بداهة لا يؤمن الإنسان لوجود صرح عال ضخم مبني بطراز مختلف على مستوى عالٍ من التقدم, مهما كانت درجة التقدم! فلماذا أسلمت إذا, ما الرسالة التي أرسلها سليمان الحكيم بهذا الصرح؟ نقول: الغرض من إدخالها الصرح –والله أعلم- أن تمر بهذه التجربة, فلقد بني سليمان عليه السلام صرحا من الزجاج الشفاف تجري المياه من تحته, بحيث تعتقد أنها ستمر من فوق الماء, ونظرا لأن الزجاج كان شفافا لا يرى, كشفت عن ساقيها, فهنا قال لها سليمان عليه السلام أنه صرح ممرد من قوارير, ففهمت ملكة سبأ الدرس الذي أراد لها سليمان أن تفهمه, وهو أنه ليس كل ما لا يُرى ليس موجودا, فهي كانت تعبد الشمس لأنها تراها, فأعلمها أن هناك إله وراء الشمس لا نراه بأعيننا ولكنه موجود ونحس كلنا بوجوده وبفعله وبأثره في الكون وهو المستحق العبادة.
وكما رأينا فإن دعوة سيدنا سليمان كانت قائمة كذلك على الإقناع العقلي, نعم هو استخدم ما فتح الله به عليه في إقناع الملكة, ولكنه كان قائما على الإقناع وليس الإبهار, فلم يجعل الجن تظهر لها أو تفعل العجائب ليقول لها أنه مؤيد من رب السماء, وإنما أرسل لها رسالة مباشرة تخاطب العقل فما كانت إلا أن استجابت.

__________________
ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين

رد مع اقتباس
  #32  
قديم 01-26-2012, 05:50 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة الحادية والثلاثون
إلياس عليه السلام

ليس في القرآن –كما نرى والله أعلم- بعد داود وسليمان أي إشارة لترتيب باقي الأنبياء, لذا سنجتهد في عرض الأنبياء حسبما نستخرج من الإشارات!
الناظر في القرآن يجد أن إلياس ذكر مرتين اثنتين فقط, أولاهما بعد آخر ثلاثة أنبياء في بني إسرائيل, وذلك في قوله: "وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ [الأنعام : 85]", والثانية في سورة الصافات, والتي ذكرت المحور الرئيس لدعوته, وهي مقاومة عبادة البعل: "سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢) وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)"
وذُكر هنا بعد رأس أنبياء بني إسرائيل: موسى وهارون, فيكون قد ذكر بعد الأولَين والآخرين, فيكون في هذا إشارة وتأكيد إلى أنه من أنبياء بني إسرائيل. والدارسون للأديان يقولون أن إلياس هو النبي إيليا المذكور في التوراة وهو من كبار أنبياء التوراة, لأن كليهما حارب في دعوته البعل, الذي عُبد من دون الله.
ولم يذكر القرآن تفاصيل أكثر عن نبي الله إلياس, وإن كان يقال أنه هو النبي الذي أنزل الله النار من أجله, والذي عنيه اليهود بقولهم: "الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران : 183]", ولكن القرآن لم يصرح باسم هذا النبي الذي نزلت النار من أجله, ولم يذكر أنه كان لإلياس "آية", ومن ثم لا نقول إلا بما قال به القرآن.




إدريس عليه السلام

ليس في التوراة أي ذكر لإدريس عليه السلام, بينما ذُكر في القرآن في موضعين اثنين, ولهذا احتار المفسرون والمؤرخون الإسلاميون في ترتيبه الزماني, فقال بعضهم –بلا بينة- أنه كان قبل نوح عليه السلام, وأنه أخنوخ المذكور في التوراة! ولست أدري ما العلاقة الصوتية بين "أخنوخ" و "إدريس" حتى يمكن أن يقال أن هذا هو ذاك؟! ليس ثمة علاقة صوتية, ولكن لأن الله تعالى قال في حق إدريس: "وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً [مريم : 57]", وقالت التوراة في حق أخنوخ: "وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه" (تك 5 : 21- 24 )", قالوا أنه هو.
وليس في هذا أي دليل على اتحاد الشخصيتين, ولقد بيّنا سابقاً كيف أن القرآن شدّد على أن نوح عليه السلام هو أول الأنبياء, ووجدنا من يقول أنه كان من أنبياء بني إسرائيل, فنجد ابن كثير يقول: "وقد زعم بعضهم أن إدريس لم يكن قبل نوح بل في زمان بنى إسرائيل. قال البخاري: ويذكر عن ابن مسعود وابن عباس أن إلياس هو إدريس، .. " ا.هـ
ولقد مال بعض الكتاب المعاصرين إلى الأخذ بهذا الرأي مثل الأستاذ حسني يوسف الأطير ودافع عنه, إلا أن قول فلان لا يكفي لجعل شخصين مختلفين شخصاً واحداً, خاصة إذا اختلفت القرائن المحيطة بكل منهما, فالناظر في الموطنين الذين ذُكر فيهما إدريس يجد أن كليهما وردا بعد إسماعيل عليه السلام, فإذا نظرنا في سورة مريم وجدنا الرب يقول: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً [مريم : 54-57]", والموطن الثاني يُذكر في نفس الآية مع إسماعيل: "وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ [الأنبياء : 85]".
وهناك من قال أن إدريس هو أوزوريس, إلا أن هذا الرأي مرفوض عند كثير من الإسلاميين ... لأنه مخالف للتوراة! وليس للقرآن! فنجد الأستاذ رشدي البدراوي يقول: "رجح البعض أن إدريس هو أوزوريس, ولعل تقارب الاسمين هو الذي أوحى بهذه الفكرة, (...) ولا نرى من تشابه بينها وبين قصة إدريس عليه السلام, إلا في ما ينسبونه إلى أوزوريس من أنه هو أول من علم الناس الكتابة والطب وعلم النجوم. مثل ما فعل إدريس عليه السلام. أما ما عدا ذلك فليس هناك من تشابه إطلاقا, فإن الصراع بين الأخوين أوزوريس وست –وإن كان يشبه صراع ابني آدم –هابيل وقابيل- إلا أن سبب الصراع في الحالتين يختلف اختلافا كبيرا, في أحدها صراع على الأخت, وفي الأخرى صراع على العرش. كذلك فإن إدريس عليه السلام بشر رفع إلى السماء, أما أوزوريس فكان بشرا إلها في حياته وبعد قتله وإحيائه مرة ثانية صار إلها! ولكنه لم يرتفع إلى السماء, بل كان يُعني بالعالم السفلي, عالم الأموات! لذلك فإنه من غير المحتمل أن يكون أوزوريس هو نفسه
النبي إدريس عليه السلام. " ا.هـ
ولست أدري حقاً عن أي "لا تشابه" يتحدث! فهل علم قصة إدريس حتى يحكم بعدم التشابه؟! قديما قيل "ثبّت العرش ثم انقش", فهل ثمة ذكر في التوراة أصلاً لنبي اسمه إدريس؟! وأنا أميل إلى أن إدريس كان نبياً من نسل إسماعيل عليه السلام وليس إسحاق, -استناداً إلى ذكره بعده- لذلك لم يرد له ذكر في التوراة.
ولا يعني قول الرب العليم "وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً" أن الله تعالى رفعه إلى السماء, كما ورد في الإسرائيليات: "سأل ابن عباس رضي الله عنهما كعباً عن قوله: (وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً) قال: جاءه خليل له من الملائكة فسأله حتى يكلم ملك الموت حتى يؤخر قبض روحه, فحمله ذلك الملك بين جناحيه فصعد به إلى السماء, فلما كان في السماء الرابعة فإذا ملك الموت يقول: بُعثت وقيل لي اقبض روح إدريس في السماء الرابعة، وأنا أقول كيف ذلك وهو في الأرض. فالتفت إدريس فرآه ملك الموت فقبض روحه هناك ." ا.هـ
ولست أدري كيف يعرف كعب بهذا وليس في التوراة أي ذكر لإدريس! ناهيك عن أن الله تعالى قال: مكانا علياً, ولم يقل: فعرجنا به إلى السماء! ومن ثم فإن هذا الرفع رفع منزلة وليس عروجاً إلى السماء. ولم يزد القرآن عن تسمية إدريس بما سُمّي به جده الخليل من أنه كان صديقا نبيا, ولم يقص القرآن شيئاً عن دعوته, ولم يقل أنه أوتي أي آية! وحتى لو كان عُرج به إلى السماء –وهو ما لا تقول به الآيات- فهو أمر وقع له بشخصه وليس آية لقومه!



اليسع عليه السلام

إذا كان من الممكن أن يكون إدريس نبياً آخر فمن الممكن أن يكون اليسع وليس شخصا آخر, وذلك لأن الله تعالى قال في حق إدريس: "وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ [الأنبياء : 85]", وقال في حق اليسع: "وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنْ الْأَخْيَارِ [ص : 48]", وكذلك اليسع لم يُذكر إلا بعد إسماعيل عليه السلام: "وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ [الأنعام : 86]", ولكننا لا نقول أن إدريس كان شخصا آخر غير نفسه, فلم يكن إلياساً ولا اليسع.
ولم يذكر القرآن أي تفاصيل بشأن دعوة اليسع, فلم يزد عن القول بأن كان من الأخيار وأنه ممن فُضلوا على العالمين.
وهناك من يقول أن اليسع هو النبي اليشع, المذكور في التوراة, والذي كان خلفا لإيليا (إلياس), والذي تحمل النبوة من بعده. وليس في القرآن ما يشير إلى هذا أو ينفيه, فلقد ذُكر مرة بعد إلياس في سورة الأنعام, بينما كان الذكر الثاني لإلياس في الصافات والثاني لليسع في سورة ص, بينما ذكر في كلا الموضعين بعد إسماعيل. فهل في هذا إشارة إلى أنه من نسل إسماعيل أو أنه ينتسب إلى إسماعيل من جهة الأم مثلاً؟! الله أعلم, ونكتفي بما قال القرآن من أن اليسع كان من الأنبياء, أما تفاصيل دعوته فلم يعرض القرآن لها, ولم يقل أنه أوتي آية!


ذو الكفـل

اختلف المفسرون في ذي الكفل هذا, هل هو نبي أم غير نبي؟ وإذا كان نبياً فمن هو؟! والظاهر من المواطن التي ذكره القرآن فيها أنه كان نبيا, فلقد قال الرب في سورة الأنبياء: "وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ [الأنبياء : 85-86]". وقال تعالى في سورة ص: "وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنْ الْأَخْيَارِ [ص :45- 48]".
وقال بعضهم أنه بِشر بن أيوب عليه السلام, وزعم آخرون أنه لم يكن نبيا، وإنما كان رجلا صالحا وحكما مقسطا, ولكن كل هذه الأقوال لا دليل عليها! ولهذا نجد أن الإمام ابن جرير الطبري قد توقف في تحديد "طبيعة" ذي الكفل, هل كان نبياً أم رجلاً صالحا!
وكما رأينا فلا دليل يحتم إخراجه من زمرة الأنبياء بعد أن ذُكر بينهم! والسؤال المنطقي: من هو هذا النبي؟ لم يستطع أحد العلماء أن يقدم إجابة جازمة بشأنه, وذلك لأن التوراة لم تذكر ذا الكفل, ومن ثم أخذوا يجتهدون في تحديد ذي الكفل هذا, فقال بعضهم أنه نبي التوراة دانيال, وقال آخرون أنه النبي حزقيال –استناداً إلى التشابه بين الأسماء-, وقال بعض المحدثين أن ذا الكفل هو سيدنا يوسف لأنه تكفل لأهل مصر بالطعام في فترة المجاعة.
وقيل فيه أقوال أخرى, والله أعلم من كان ذا الكفل, ولكن الذي نراه أن ذا الكفل كان من نسل إسماعيل عليه السلام, لأنه ذُكر في المرتين مسبوقاً بإسماعيل عليه السلام, وفي هذا إشارة إلى أنه من نسله, ولهذا لم يُذكر في التوراة. أما مسألة أن اسمه كان ذا الكفل أم أنه كان لُقب به لعملٍ عمله, فلا نشغل بالنا به ونكتفي بأنه كان نبياً من الصابرين والأخيار.




أيوب عليه السلام

ذكر سيدنا أيوب في القرآن في أربعة مواطن, مرتان في معرض ذكر عدد من الأنبياء, ومرتان تحدثتا عن نداء أيوب ربه لما مسه من الضر, فكانت الأولى في سورة الأنبياء في قوله: "وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84) ", والثانية في سورة ص –والذي جاء الذكر الأخير له فيها كذلك-: "وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)".
ولم يذكر القرآن تفاصيل دعوة سيدنا أيوب, ولم يشر إلى أنه أوتي آية, وإنما تحدث عن صبره على ما نزل به من الضر في كلمات قلائل, لا تشير إلى حدث خارق, إلا أن العقلية الخرافية أبت إلا أن تجعل هذا الضر مأساة نزلت بالنبي الكريم, وأساءوا إليه من حيث لا يشعرون! ولا نثير غثيان القارئ بعرض ما أتت به المخيلة المريضة لهؤلاء, وإنما نكتفي بذكر رد الإمام القرطبي على هذه الترّهات –بعد أن ذكرها-, حيث قال:
"وذكروا كلاما طويلا في سبب بلائه ومراجعته لربه وتبرمه من البلاء الذي نزل به، وأن النفر الثلاثة الذين آمنوا به نهوه عن ذلك واعترضوا عليه، وقيل: استعان به مظلوم فلم ينصره فابتلي بسبب ذلك. وقيل: استضاف يوما الناس فمنع فقيرا الدخول فابتلي بذلك. وقيل: كان أيوب يغزو ملكا وكان له غنم في ولايته، فداهنه لأجلها بترك غزوه فابتلي. وقيل: كان الناس يتعدون امرأته ويقولون نخشى العدوى وكانوا يستقذرونها؛ فلهذا قال: "مسني الشيطان" وامرأته ليا بنت يعقوب. وكان أيوب في زمن يعقوب وكانت أمه ابنة لوط!!
وقيل: كانت زوجة أيوب رحمة بنت إفرائيم بن يوسف بن يعقوب عليهم السلام. ذكر القولين الطبري رحمه الله. قال ابن العربي: ما ذكره المفسرون من أن إبليس كان له مكان في السماء السابعة يوما من العام فقول باطل؛ لأنه أهبط منها بلعنة وسخط إلى الأرض، فكيف يرقى إلى محل الرضا، ويجول في مقامات الأنبياء، ويخترق السموات العلى، ويعلو إلى السماء السابعة إلى منازل الأنبياء، فيقف موقف الخليل؟! إن هذا لخطب من الجهالة عظيم. وأما قولهم: إن الله تعالى قال له: هل قدرت من عبدي أيوب على شيء؟ فباطل قطعا؛ لأن الله عز وجل لا يكلم الكفار الذين هم من جند إبليس الملعون؛ فكيف يكلم من تولى إضلالهم؟! وأما قولهم: إن الله قال قد سلطتك على ماله وولده فذلك ممكن في القدرة، ولكنه بعيد في هذه القصة. وكذلك قولهم: إنه نفخ في جسده حين سلطه عليه فهو أبعد، والباري سبحانه قادر على أن يخلق ذلك كله من غير أن يكون للشيطان فيه كسب حتى تقر له -لعنة الله عليه- عين بالتمكن من الأنبياء في أموالهم وأهليهم وأنفسهم. وأما قولهم: إنه قال لزوجته أنا إله الأرض، ولو تركت ذكر الله وسجدت أنت لي لعافيته. فاعلموا وإنكم لتعلمون أنه لو عرض لأحدكم وبه ألم وقال هذا الكلام ما جاز عنده أن يكون إلها في الأرض، وأنه يسجد له، وأنه يعافي من البلاء، فكيف أن تستريب زوجة نبي؟!
ولو كانت زوجة سوادي أو فدم بربري ما ساغ ذلك عندها. وأما تصويره الأموال والأهل في واد للمرأة فذلك ما لا يقدر عليه إبليس بحال، ولا هو في طريق السحر فيقال إنه من جنسه. ولو تصور لعلمت المرأة أنه سحر كما نعلمه نحن وهي فوقنا في المعرفة بذلك؛ فإنه لم يخل زمان قط من السحر وحديثه وجريه بين الناس وتصويره. قال القاضي: والذي جرأهم على ذلك وتذرعوا به إلى ذكر هذا قوله تعالى : "إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب" فلما رأوه قد شكا مس الشيطان أضافوا إليه من رأيهم ما سبق من التفسير في هذه الأقوال. وليس الأمر كما زعموا والأفعال كلها خيرها وشرها, في إيمانها وكفرها، طاعتها وعصيانها، خالقها هو الله لا شريك له في خلقه، ولا في خلق شيء غيرها، ولكن الشر لا ينسب إليه ذكرا، وإن كان موجودا منه خلقا؛ أدبا أدبنا به، وتحميداً علمناه. (...) وأما قولهم انه استعان به مظلوم فلم ينصره، فمن لنا بصحة هذا القول. ولا يخلو أن يكون قادرا على نصره، فلا يحل لأحد تركه فيلام على أنه عصى وهو منزه عن ذلك، أو كان عاجزا فلا شيء عليه في ذلك، وكذلك قولهم إنه منع فقيرا من الدخول؛ إن كان علم به فهو باطل عليه وإن لم يعلم به فلا شيء عليه فيه. وأما قولهم إنه داهن على غنمه الملك الكافر, فلا تقل داهن ولكن قل دارى. ودفع الكافر والظالم عن النفس أو المال بالمال جائز؛ نعم وبحسن الكلام. قال ابن العربي القاضي أبو بكر رضي الله عنه: ولم يصح عن أيوب في أمره إلا ما أخبرنا الله عنه في كتابه في آيتين؛ الأولى قوله تعالى: "وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر" والثانية في ص: "أني مسني الشيطان بنصب وعذاب". (...) والإسرائيليات مرفوضة عند العلماء على البتات؛ فأعرض عن سطورها بصرك، وأصمم عن سماعها أذنيك، فإنها لا تعطي فكرك إلا خيالا، ولا تزيد فؤادك إلا خبالا " ا.هـ
والآيات غاية في الوضوح, فسيدنا أيوب يشكو مس الشيطان له بنصب وعذاب بسبب عدم إيمان قومه –وغالب الأمراض العضوية أصلها نفسي-, فالنبي كان يتألم لإعراض قومه وأهله حتى مرض, فقال الله له اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب, ولما شفي وهب الله له أهله وآخرين, وليس معنى ذلك أن أهله كانوا قد ماتوا فأحياهم الله له, بل يعني أنهم آمنوا به مع غيرهم رحمة من الله, وذلك مثل قوله تعالى: "وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً [مريم : 53]", ولا يعني هذا أن هارون أحيي لموسى أو ما شابه. وكما رأينا فليس في الآيات حديث عن آية لأيوب, وإنما استجابة الرب لدعائه, وما ذكر من الخرافات المهولة فراجع إلى الإسرائيليات التوراتية ولا مستند لها في الكتاب.

رد مع اقتباس
  #33  
قديم 01-26-2012, 05:51 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة الثانية والثلاثون

يونس عليه السلام
مثل سيدنا أيوب ذكر سيدنا يونس أربع مرات باسمه في القرآن, وذكر بلقبه في غير هذه المواطن الأربعة. وفي ثلاثة من المواطن الأربعة لم يُذكر فعل لسيدنا يونس, فكان في مرتين منهما مذكورا وسط جماعة من الأنبياء, وفي الثالثة كان الحديث عن قومه: "فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [يونس : 98]"
بينما أجملت آيات سورة الصافات وقائع بعثته, فقالت: "وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (148)", ولقد سماه القرآن صراحة بأنه صاحب الحوت: "فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ [القلم : 48-49]"
واستنبط علماء المسلمين أن ذا النون هو كذلك يونس عليه السلام, ووردت بعض الروايات –التي لا تخلو من ضعف في السند- تقول بهذا, وإن كان هناك من يرى أنه من الممكن أن يكون ذو النون هو موسى عليه السلام! فلقد قال الله في حق ذي النون في سورة الأنبياء: "وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)", وسيدنا موسى ذهب مغاضبا لذلك الذي من شيعته, وهو قتل منهم نفساَ, كما أن الله قال في حقه: "إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ ..[طه : 40]", كما كان له ارتباط بالحوت في رحلته مع فتاه خلف الحوت!
وبغض النظر عن كون ذي النون هو موسى أو يونس, فإنه من المتفق عليه أن يونس ألقي في البحر فالتقمه الحوت, ثم نًبذ بالعراء, ولم تحدد الآيات مكان مكثه أو مدته, فلم تقل أنه كان في بطن الحوت أو أنه ظل ثلاثة أيام أو ما شابه, وإنما قالت أن الحوت التقمه, وهذا يعني أنه ربما كان في فم الحوت لفترة الله أعلم بها, ثم لفظه الحوت بعد ذلك!
والناظر في قصص الرسل كلهم يجد أن سيدنا يونس هو الرسول الوحيد الذي أبق, وهو الذي ظن ظناً عجيبا: "فظن أن لن نقدر عليه", فهل هذا الظن كما فهمنا أما أنه بمعنى آخر؟! المتدبر يجد أننا نحن من أسأنا الفهم, فليس المراد من عدم القدر عليه هنا عدم الاستطاعة, وإنما المعنى الآخر لها وهو التضييق, كما جاء في آيات عديدة من سور القرآن, منها قوله تعالى: "وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ [الفجر : 16], لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ..[الطلاق : 7], لهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ .. [الشورى : 12], أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ .. [الزمر : 52]", وهذا ما كان من ذي النون, فلقد ظن أن الله تعالى لن يضيق عليه إذا ما ترك تبليغ الرسالة , فصار حاله إلى أن أصبح في فم حوت! ضيق ليس بعده ضيق, ظلمات بعضها فوق بعض, فسبح الله القدوس وناداه في الظلمات فاستجاب الله تعالى له ونجاه وكذلك ينجي الله المؤمنين! يدعونه فيجيبهم.
وقد يستغرب القارئ أن يستثقل نبيٌ الرسالة, وهذا راجع إلى التصور المثالي الوهمي للأنبياء, والذي لم يقل به القرآن, وإنما تحدث عن بشرٍ هم بمثابة النموذج والقدوة, إلا أن هذا لا يمنع أن يصدر عنهم مخالفات راجعة إلى الطبيعة البشرية. وسيدنا موسى عليه السلام عندما أمره الله تعالى بالذهاب إلى فرعون وقومه, استثقل المهمة وسأل ربه أن يرسل معه أخاه هارون!
أما مسألة أن سيدنا يونس عليه السلام أبق من ربه فهذا ما لم يقله النص وإنما قال أنه أبق إلى الفلك المشحون, فيكون المعنى الأرجح أنه أبق من قومه! وتكون المغاضبة التي صدرت منه "وذا النون إذ ذهب مغاضبا" -والتي لا تكون إلا بين طرفين- بينه وبين قومه لله عز وجل! إذا فالواضح من النص القرآني أن سيدنا يونس لم يصبر على قومه وإنما خرج لذلك قال الله تعالى للرسول الكريم: "فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ .. [القلم : 48]", ونلاحظ أن هذه الآية وردت بعد قوله تعالى: "وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [القلم : 45]" أي أن الله تعالى يؤخر الظالم فإذا أخذه لم يهمله. لذلك قال للرسول: اصبر ولا تتعجل نزول العذاب ولا تكن كصاحب الحوت الذي تعجل نزول العذاب على قومه.
والذي يظهر من الآيات أن يونس إلى قومين, قوم أبق منهم إلى الفلك المشحون, والله أعلم بما صدر منهم حتى أبق, وقوم آخرون أرسل إليهم بعد أن أنبت عليه شجرة اليقطين, وكان هؤلاء مائة ألف أو يزيدون, فآمنوا.


زكريا عليه السلام
ذكر سيدنا زكريا في القرآن ست مرات, ولم يذكر الله تعالى تفاصيل دعوته, وإنما كان الذكر عاماً وسط غيره من الأنبياء, أو للحديث عن دعائه ربه أن يرزقه الولد, وكيف أن الله تعالى أجابه على الرغم من أنه بلغ من الكبر عتياً ومن كون امرأته عاقرا! ولم تكن هذه الإجابة آية لبني إسرائيل, تلعب دورا في إيمانهم أو عدمه, وإنما تحقيق لأمنية نبي الله زكريا وزوجه:
"كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)"
فهو طلب طلباً "شخصيا" متعلقاً بخوفه على الدين فأجابه الله إليه, لأنه: "فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء : 90]".
وإنجاب سيدنا زكريا في هذا العمر وإصلاح زوجه له كان كرامة له وتحقيقاً للرغبة الدفينة في داخل كل إنسان وهي الذرية. ونلاحظ أن سيدنا زكريا هو الذي احتاج إلى آية ليصدق بتحقق وقوع وعد الله, وذلك لما في الأمر من فيض للمشاعر والتي قد لا يتحملها في هذا السن, فأعلمه الله أن الآية ألا يكلم الناس ثلاث ليال سوياً.
ونلاحظ تداخل هذه المواطن مع الآيات التي قصت عن مريم وعيسى ويحيى, وذلك لتقاطع أحداث هؤلاء الأنبياء مع بعضهم بعضا, فما كان يحدث مع مريم هو السبب الدافع لسيدنا زكريا أن يدعو الله القدير أن يرزقه الذرية: "فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء [آل عمران : 37-38]"
إذا فالله العليم لم يقص عن دعوة زكريا, والذي كان نبياً في بني إسرائيل, وإنما خلّده في الكتاب بقصّه عن طلبه الذرية ... لتحمل مسؤولية الدين. وكانت هبة يحيى له نفسه وليس ليخاطب بها قومه أو يدعو بها غيرهم.

يحيى عليه السلام
ذكر يحيى في القرآن خمس مرات, مرة في معرض ذكره بين الأنبياء: "وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ [الأنعام : 85]", وثلاث مرات في معرض تبشير أباه به: "فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ [آل عمران : 39]", "يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً [مريم : 7]", " فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ .. [الأنبياء : 90]", ومرة واحدة كان الخطاب له والحديث عنه: "يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)"
ولم يقص القرآن عن دعوة سيدنا يحيى, وإنما بيّن أن أباه لم يسمه وإنما سُمي تسمية ربانية, وأن يسميه الرب العليم هذا الاسم ففيه إشارة أكيدة إلى تحقق هذا المعنى فيه! كما قال أنه أوتي الحكم صبياً! وهذه مزية كبيرة لم نرها في سابقيه من الأنبياء ولا لاحقيه إلا في عيسى, الذي كان معاصراً له!
والملاحظ أن سيدنا يحيى هو النبي الوحيد الذي قال الله في حقه أنه "سيد وحصور", وعلى الرغم من أن السيد تعني من له السيادة, وأن هذا جاء في معرض طمأنة سيدنا زكريا تجاه خوفه من الموالي, فبشره الرب بأن ابنه سيكون سيداً, إلا أننا وجدنا المفسرين يبعدون بتفسيراتهم عن هذا المعنى, فمنهم من قال أن المراد بالسيد الحليم ومنهم من قال الكريم, ومنهم من قال حسن الخلق, ومنهم من قال التقي ... الخ الأقوال, وذلك لصورة يحيى الموجودة في كتب النصارى, والتي تقول أنه كان يلبس الخشن من الثياب ويأكل الخشن من الطعام, ومن ثم فإن هذه الصورة لا تتفق مع السيادة, ومن ثم أوّلوا معنى السيد!
كما قال بعضهم أن المراد من الحصور أنه الذي لا يستطيع قرب النساء! ووجدنا بعضهم يسيء إلى النبي السيد بالحديث عن حجم "عضو" سيدنا يحيى! وقال بعضهم أن الحصور هو القادر على الوصول إلى النساء إلا أنه لا يرغب فيهن! ولست أدري لم حصروا معنى الحصر في إتيان النساء, ولم يجعلوه بالمعنى العام وأنه الذي يحبس نفسه عن الشهوات! والذي لا يعني كذلك أنه لا يتزوج؟!
لقد كانت صورة يحيى الراهب في أذهان المفسرين وهم يفسرون, بينما يقدم القرآن صورة أخرى! إن الحديث في هذه الآية كان في معرض البشارة لأبيه زكريا, فهل من المعقول أن يبشر إنسان بابن ويقال له أنه سينقطع نسله, لأنه لن يقرب النساء! فحتى لو كان هذا سيحدث فلا حاجة لذكره في البشارة! بينما يختلف الحال كثيراً لو كانت البشارة بإنسان يبلغ درجة عالية من حبس النفس عن الشهوات, وفارق بين الامتناع عن الشهوات ورفض الحلال! وأنا أكيدٌ أن يحيى عليه السلام ذلك السيد ما كان راهباً! فالسيادة تعني أن لصاحبها نصيب كبيرٌ من الدنيا, وهو ما لا يتفق مع الرهبنة!
والناظر في كتب أهل الكتاب يجدها تقول أن يحيى قُتل! وذلك بسبب البغي سالومي, التي رقصت للملك هيردوس, والذي وعدها أن ينفذ لها أي طلب تطلبه, فكان أن طلبت رأس النبي يحيى! وحُورت المسألة في الروايات الإسلامية والتي قالت أنه أفتى بأنه لا يجوز زواج الملك من سالومي, ومن ثم طالبت بقتله! والشاهد على كل حال أن كتب أهل الكتاب تقول أنه قُتل! والرب العليم سماه قبل أن يولد ب "يحيى" ولم يجعل له من قبل سمياً! ثم قال أنه سلام عليه يوم ولد ويوم يموت! ولم يقل: يوم يُقتل! ومن غير الممكن أن يكون هناك سلام على الإنسان وهو يُقتل! لذا وعلى الرغم من أن القرآن لم يصرح بنهاية يحيى عليه, إلا أن الإشارات الواردة فيه من تسميةٍ بالحياة وحديث عن السلام تجعلنا نجزم بأن هذه النهاية غير صحيحة, وأن يحيى عليه السلام مات في سلام, بعد أن دعا لله الرحيم!
وهذا ما نجده في كتب المندائيين أتباع يحيى عليه السلام, والذين يقولون أنه مات وهو يُعمد في الماء, ولم يمت مقطوع الرأس! ونحن لا نستدل بهذه الكتب فحسبنا كتاب ربنا, وإنما نود الإشارة إلى أن مسألة قطع رأس يحيى ليس من المجمع عليه, وأن أتباعه يقولون صراحة أنه مات في سلام ... ولم يُقتل.

رد مع اقتباس
  #34  
قديم 01-26-2012, 05:52 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة الثالثة والثلاثون
عيسى عليه السلام
ذُكر سيدنا عيسى في القرآن خمس وعشرين مرة, وكما كانت ولادة يحيى غير طبيعية, من شيخ بلغه الكبر وامرأة عاقر, فإن ولادة سيدنا عيسى كانت أكثر غرابة, فلقد ولد عيسى من أم بدون أب. واختلف عيسى عليه السلام عن باقي الأنبياء بأنه عُبد من دون الله, فألّهه بعض أتباعه, فجعلوه إلها أو ابن إله. ولقد فصّل القرآن في الحديث عن حياة عيسى عليه السلام رداً وإبطالاً للقول بإلوهيته, فنجد أنه قص ولادة عيسى عليه السلام, ولم يكتف بالحديث عن مشهد ولادته هو, وإنما قصّ كذلك ولادة أمه وعرّف بالنسل الطاهر الذي جاء منه: "إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)"
فأمه عليه السلام كانت منذورة وهي في بطن أمها لله السميع, وتقبلها وأنبتها نباتا حسنا, وهيّئها لتتحمل هذا الدور الصعب على أي امرأة مؤمنة, وهو أن تحمل بدون زواج! وكما عرّف القرآن بأم عيسى, قصّ مشهد البشارة بالولد والحمل والولادة في السورة المسماة باسمها, فقال:
"وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)"
فحملت السيدة مريم بعيسى, وليس ثمة ما يدل على أن الحمل كان قصيرا جداً كما قالت بعض الروايات أنها حملت وولدت في نفس اليوم في تسع ساعات بدلاً من تسعة أشهر! لأن الله القادر لم يشر إلى ذلك وإنما أشار إلى أن حدوث الحمل فقط كان استثنائيا, بينما لم يشر إلى اختلاف هيئة الحمل, ويدل على هذا أنها جاءها المخاض, ولو كان حملاً استثنائيا حدث واكتمل في يوم لما كان ثمة حاجة إلى المخاض ولما كان ثمة حاجة إلى هز النخلة, ولأنزل الله الرطب عليها بدون سبب!!
وكذلك قصّ مشهد مقابلة قوم مريم لمريم العائدة بطفل: "فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)"
وهناك من يقول أن عيسى عليه السلام تكلم في المهد وهو رضيع! ولا خلاف في أن عيسى تكلم في المهد, فلقد ذكر الله ذلك في كتابه في ثلاث مواطن, ولكن الخلاف ينحصر في: هل تكلم في المهد رضيعاً, أم تكلم في المهد صبياً؟! الروايات تقول أنه تكلم في المهد رضيعاً, والله يحكي استنكار قومه أن يكلموا صبياً, وفارق بين الرضيع والصبي. لذا فنحن نقول أن عيسى عليه السلام كلّم الناس (بالدين) صبياً –وكهلاً-, كما أوتي يحيى الكتاب صبياً, ويدل على هذا قوله تعالى: "إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ..", فالتأييد بروح القدس يعني أنه كان يلقي الحق على لسانه, لا أنه يختلق الكلام اختلاقا, ولو كان الحديث عن الكلام العادي –وليس الكلام بالدين- لما كان هناك أي عجب في أن يتكلم كهل!
وقولنا أن عيسى تكلم وهو في المهد صبياً يعني أن مريم اختفت به فترة ثم أتت به قومها, وما أن رأوها بالطفل حتى رموها بالزنا, فالمرأة التي تختفي ثم تعود بطفل فإنه بالتأكيد سبب اختفائها! بينما من غير المقبول ألا يُعرف أن امرأة حامل, ثم عندما تظهر حاملة طفل تُرمى بأنها زنت فيه! فمن أدرى القوم أن هذا المولود ابنها أصلاً؟!

وبعد أن عرّف الله بأصل عيسى وكيف جاء بدون أب, رد على القائلين بإلوهيته بقوله: "ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمِ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)"
ولقد بيّن الله تعالى الحكمة من خلق عيسى عليه السلام, والدور الذي قام به في رسالته, فهو قُدّم كمثل لبني إسرائيل, وكان دوره أن يبين بعض الذي يختلفون فيه, فلم يأت بتشريع خاتم متكامل, وإنما يبين لهم ما يختلفون فيه: "إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣)", فهو جاء مصدقاً لما في التوراة: "وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ [آل عمران : 50]", فيُحل لهم بعض الذي حُرم عليهم عقوبة من الله, أو لم يحرمه الله الحكيم وإنما حرّمه الرهبان, فيحله لهم!
وكذلك جاء مبشرا بالنبي الخاتم, ومظهراً زيف النبوءات التي جعلته في نسل إسحاق: "وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ [الصف : 6]"

آيات عيسى

رسالة عيسى عليه السلام هي الرسالة الأخيرة في بني إسرائيل, وكما بُدأت أول الرسالات إليهم بآيات حسية: "اليد والعصا" مع موسى, كذلك خُتمت بعيسى عليه السلام والذي جاء بالبينات! ونلاحظ هنا كذلك أن بني إسرائيل لم يكن لهم أي دخل في اختيار الآيات ولم يكن لهم أي علاقة بها, ونفّض يدك من القول الذي يقول أنهم كانوا بارعين في الطب, فلا مستند له, وحتى لو كانوا بارعين فيه, فما علاقة النفخ في الطين وإحياء الموتى والإنباء بما يأكلون ويدخرون بالطب؟!
فالله تعالى هو الذي أرسله بالآيات: "وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)"
والملاحظ أن آيات عيسى عليه السلام التي جاء بها هي مثالٌ صغير لأفعال الرب في الدنيا, التي ذكرها الخليل إبراهيم في قوله: "فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ [الشعراء :77- 81]"
فسيدنا عيسى خلق من الطين طيرا, وشفى مرضى وأحيى موتى, ونبأهم بما يأكلون ويدخرون , فلماذا كل هذه الآيات جملة واحدة؟!
أتوقف مع الآيات التي جاء بها عيسى متسائلاً: إن الله الحكيم الخبير قد أرسل يحيى قبله بسنوات قلائل, ولم يقل أنه أرسله بالآيات أو أمده بآية واحدة, وإنما آتاه الكتاب والحكمة!, بينما أُمد عيسى عليه السلام بوفرة من الآيات, على الرغم من أنه جاء بالحكمة, وعُلِّم الكتاب والتوراة والإنجيل, فلماذا هذا الاختلاف الكبير في منهجي الدعوة؟! هل لأن يحيى عليه السلام كان يُفترض فيه القيام بدور أقرب إلى الكهانة, فلذلك كان سيداً, بينما أتى عيسى مجدداً شاملاً, مبينا لكفر الكافر وضلال الضال؟! يُحتمل هذا, ولكن هذا لا يبين لماذا كانت هذه الآيات ضرورية لمخاطبة بني إسرائيل ولماذا لم يكتف الله بالكتاب المنزل والرسالة الموحى بها؟! على أي حال يجب علينا ألا نغفل عن قوله: "إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ", فلقد علّق سيدنا عيسى على كون هذه الأفعال آية لهم إن كانوا مؤمنين, بينما لو كانوا رافضين للإيمان أو غير مؤمنين فلن يروا فيها آية! وهذا يعني أن القول بالمعجزة قول باطل! وهذا يعني أن هذه الأفعال ليست مطلوبة لعينها وإلا لكانت آية لكل إنسان, وإنما فيها إشارات إلى أمور بعينها.

فإذا قلنا أن النفخ في الطين وجعله طيراً بإذن الله إشارة إلى أن الله قادر على أن يخلق بغير الوسائل الطبيعية, وفيه رد على من يطعنون في نسب عيسى عليه السلام, ولكن ما الرسالة المبطنة في إبراء الأكمه والأبرص تحديدا؟ فهل يمكننا القول أن في إبراء الأكمه إشارة إلى أن الله قادر على جعل عمي القلوب يبصرون الحق, كما جعل من يولد فاقد البصر يرى, وفي إبراء الأبرص إشارة إلى أن الله كما أبرء الأبرص المستقذر من الناس قادر على أن يخرج الكافرين المستقذرين, والذين كان بنو إسرائيل يعدونهم كالكلاب, من كفرهم ويدخلهم في الدين؟! فإذا قلنا بذلك فلماذا أرسل الله بإحياء الموتى؟ إن الناظر يجد أن هذا كان طلب جل الأمم من رسلهم, أن يُقدم لهم دليل على إحياء الموتى, وكان الطلب يُقابل بالرفض, بينما جاء عيسى به هنا بإذن الله, بدون أي طلب من بني إسرائيل!
لا أجد إجابات لهذه التساؤلات إلا ما قاله الله العظيم: ".. وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً [الإسراء : 59]"

المائدة والحواريون
لم يرسل الله عيسى بالمائدة ولم ينزلها استجابة لطلب المشركين وإنما لطلب أتباع عيسى, والعجيب أن الله تعالى لم يتوعد من يكفر بالآيات العظيمة السابقة بالعذاب الشديد, لأنها كما قلنا ليست محور الإيمان, وإنما دلائل وإشارات على مضمون الدعوة, بينما توعد من يكفر بعد المائدة بعذاب لا مثيل له: "إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)", وذلك لأن المائدة كانت شيئاً مطلوبا بعينه اختباراً لقدرة الله تعالى, كما أنها لم تكن ذات علاقة بالدعوة, فبغيرها الدعوة قائمة بالإنجيل وبالآيات التي أُرسل بها عيسى! كما أنها لم تكن مطلباً للكافرين حتى توصف بالمعجزة, وإنما طلب لوصفاء عيسى عليه السلام.
ولأن القرآن لم يفصل بشأن المائدة وجدنا اختلافا كبيراً بين المفسرين بشأنها, فقال بعضهم أن الله لم ينزلها! ولست أدري ماذا كان مستندهم في هذا القول! وقال آخرون أن الله أنزلها تتهادى بين سحابتين, وقال غيرهم أنها كانت تنزل يومياً لفترة, ثم رُفعت! وأخذوا يتفننون في ذكر الأصناف التي كانت في المائدة! وهناك من لم يقتنع بما ورد في الروايات واعتمد الأناجيل تفسيرا للآيات, على الرغم من أن حادثة المائدة هذه لم تُذكر في الأناجيل! ومن ثم اعتبروا حادثة تكثير السمك والخبز التي ذُكرت في الأناجيل هي المائدة المنزلة! فنجد مثلا الأستاذ عبد الوهاب النجار يقول: "وأنا أكرر القول أن مسألة المائدة هي مسألة الأرغفة الخمسة والسمكتين, والمراد بإنزالها إليهم أن يرزقهم الله الطعام الكثير من حيث لا يحتسبون " ا.هـ
ولست أدري كيف تكون المائدة المنزلة من السماء هي تكثير الطعام, ويتوعد الكافرون بعدها بهذا الوعيد الشديد! إن الواضح أن الحديث عن مائدة نازلة من السماء وليس أي طعام نازل, فلقد أٌنزل على بني إسرائيل مع موسى المن والسلوى, ولم يقل الله أنه أنزلهما من السماء, بينما هنا الحديث عن مائدة منزلة من السماء, تكفي كل الموجودين مع عيسى عليه السلام وتكون لهم عيداً!
وهكذا استمرت المعاملة المخصوصة لقوم عيسى –والتي لم تظهر لي حكمتها حتى الآن- فأنزل الله عليهم مائدة من السماء!
والناظر في القرآن يجد أن أتباع عيسى عليه السلام هم فقط الذين سُموا باسم مخصوص, وهو: الحواريون! بينما لم يذكر لأتباع الأنبياء اسماً مخصوصا بهم, إلا "الرِّبيون": "وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ.. [آل عمران: 146]" ولقد أسقط هذا الاسم على "تلاميذ/أتباع" عيسى الإثني عشر المذكورين في الأناجيل, على الرغم من أنه ليس ثمة دليل قوي على أن المراد من الحواريين هم أولئك النفر, فالأقوال المطروحة بشأنهم مختلفة, إلا أنها ترتبط بالدرجة الأولى "باللون" وليس بعلاقة! فنجد مثلا الإمام الفخر الرازي يقول بشأنهم:
"ذكروا في لفظ "الحواري" وجوهاً, الأول: أن الحواري اسم موضوع لخاصة الرجل وخالصته، ومنه يقال للدقيق حواري لأنه هو الخالص منه، وقال صلى الله عليه وسلم للزبير: «إنه ابن عمتي، وحواري من أمتي» والحواريات من النساء النقيات الألوان والجلود، فعلى هذا الحواريون هم صفوة الأنبياء الذي خلصوا وأخلصوا في التصديق بهم وفي نصرتهم. القول الثاني: الحواري أصله من الحور، وهو شدة البياض، ومنه قيل للدقيق حواري، ومنه الأحور، والحور نقاء بياض العين، وحورت الثياب: بيضتها، وعلى هذا القول اختلفوا في أن أولئك لم سموا بهذا الاسم؟ فقال سعيد بن جبير: لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصّارين، يبيضون الثياب، وقيل لأن قلوبهم كانت نقية طاهرة من كل نفاق وريبة فسموا بذلك مدحاً لهم، وإشارة إلى نقاء قلوبهم كالثوب الأبيض، وهذا كما يقال فلان نقي الجيب طاهر الذيل، إذا كان بعيداً عن الأفعال الذميمة، وفلان دنس الثياب: إذا كان مقدماً على ما لا ينبغي. القول الثالث: قال الضحاك: مرّ عيسى عليه السلام بقوم من الذين كانوا يغسلون الثياب، فدعاهم إلى الإيمان فآمنوا، والذي يغسل الثياب يسمى بلغة النبط هواري، وهو القصار فعربت هذه اللفظة فصارت حواري، وقال مقاتل بن سليمان: الحواريون: هم القصّارون، وإذا عرفت أصل هذا اللفظ فقد صار بعرف الاستعمال دليلاً على خواص الرجل وبطانته " ا.هـ
وكما رأينا فإن أصل الكلمة من شدة البياض وبعرف الاستعمال المتأثر بالأناجيل أصبحت تستعمل كإشارة إلى خواص الرجل وبطانته, ولست أدري لماذا جُعل التلاميذ هم الحواريون, إذا كانت الأناجيل لم تسمهم بهذا؟! لماذا لا يكونون الحواريون هؤلاء طائفة من بني إسرائيل؟!: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ [الصف : 14]", ومن غير المعقول أن تؤمن طائفة من بني إسرائيل وتكفر أخرى لمجرد إيمان اثني عشر شخصا, ناهيك عن أن الراجح أن هذه الطائفة التي آمنت هم الحواريون أنفسهم, وهم الذين أيدهم الله على عدوهم فأصبحوا ظاهرين.

إذا فالله تعالى قص عن عيسى أنه أُرسل بالآيات ودعا قومه إلى عبادة الله وبشّر بالنبي الخاتم من نسل إسماعيل, -وربما لهذا لم يؤمن به بنو إسرائيل على الرغم مما رأوا من الآيات. وهكذا أصبح المؤمنون بعيسى هم الظاهرين الغالبين لغيرهم من الكافرين, إلا أن هؤلاء لم يعجبهم الحال فأخذوا يمكرون بعيسى ليقتلوه: "وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)"
وحاولوا صلبه ليقولوا بأنه نبي كاذب ملعون لأنه عُلق على شجرة وقُتل, والنبي الذي يُقتل متقول على الله: "وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)"، فخيّب الله سعيهم ومكرهم, ورد كيدهم في نحورهم, فنجاه الله منهم وتوفاه ولم يدعهم يقتلوه, ثم رفعه الله إليه.
والمشهور بين المسلمين –تبعاً لعقائد المسيحيين- أن عيسى عليه السلام رٌفع إلى السماء حياً وهو في الثالثة والثلاثين وأنه سينزل في آخر الزمان, -على الرغم من أنه لم يرد أي حديث بشأن رفعه حياً ولا السن الذي رُفع فيها! ولهذا وجدنا ابن حزم وغيره من الأئمة يقولون بموت عيسى عليه السلام- بينما قال الله أنه متوفيه قبل الرفع! ومن ثم فإن كان عيسى رُفع بالجسد فكان هذا بعد الموت, وإن كان الحديث عن رفعة المكانة فإن القرآن ذكرها كذلك بعد الموت !
وختاما نقول: إذا كان القرآن قد قص ميلاد موسى عليه السلام, فإنه قد قص ميلاد عيسى وأمه, إلا إنه لم يقص وفاة أي نبي إلا عيسى عليه السلام, وذلك للتأكيد على بشريته وأنه مات مثل باقي البشر! -والعجيب أن المسلمين أبوا إلا أن يقولوا بحياته متابعين للمسيحيين!- ولا يسعنا بعد الحديث عن هذا النبي إلا الإقرار بأنه كان علامة فريدة في طريق الرسالات, وأنه كان آية في كل أموره, ميلاده وبعثته ووفاته, فسبحان الرب الحكيم الخبير!

رد مع اقتباس
  #35  
قديم 01-26-2012, 05:53 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة الرابعة والثلاثون

قصص عام

بعد أن عرضنا لقصص الرسل في القرآن, وأظهرنا البون الشاسع بين ما قصه القرآن وبين الخرافات والأساطير التي أضافها القصاصون من عند أنفسهم, وكيف أن طريق النبوات والرسالات ومنهج الرحمن في مخاطبة الرسل أقوامهم, مخالف تماماً للتصورات التي انتشرت بين المسلمين, ومن ثم يهدم الأبنية الفكرية التي بُنيت على الخرافات والتي أصبح المسلمون يفهمون عالمهم بها, وفعل الله فيه.
بعد هذا نعرض لقصص غير الرسل, الذي ذُكر في القرآن, فالقرآن لم يكتف بقص من أنباء الرسل, وإنما قصّ من أنباء أفراد وأقوام, ليستخرج منها كذلك العبرة والعظة, ولتُقدم كتصديق لما قال به القرآن.
وكما نال قصص الرسل من الخرافات والإضافات نال هذه كذلك, فأصابها من التغيير الكثير, الذي يجعل المرء يقرأ قصصاً مغايراً تماماً له, ومن ثم يخرج بتصورات غير صحيحة, ومن ثم يخفق في التوفيق بين المقصوص وبين الآيات السابقة له. وكما قلنا سابقاً عند تناولنا لقصص الرسل أنه من العسير إظهار الاتصال بين القصص وبين موضوعات السور, لأن هذا يستلزم عدداً كبيراً من الصفحات لا يتحمله الكتاب, نقول هنا بشأن القصص العام كذلك, كما نبين أننا لن نتناول كل قصص غير الأنبياء الذي ذكره القرآن, لأن هذا مما لن يستوعبه حجم الكتاب, ومن ثم فإننا سنكتفي بأشهر القصص, الذي ناله ما ناله, مبطلين التفسيرات التي فُسر بها القصص مخالفة للكتاب, ومقدمين القصص الحقيق الذي قصّه القرآن وليس ما ابتدعته قرائح القصاصين!

ابنــي آدم
أول ما نبدأ به هو الحديث عن نبأ ابني آدم الذي أُمر النبي أن يتلوه على أهل الكتاب, فقيل له: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ [المائدة : 27 -32]"
وكما رأينا فالنبأ المتلو بالحق لم يأخذ أكثر من سطور قلائل وقدّم "معلومات" معينة, فإذا نظرنا في أقوال المفسرين بشأن الآيات وجدناهم قد ذكروا فيها أقوالاً كثيرة وإضافات ما أنزل الله بها من سلطان, فنجد الإمام الفخر الرازي مثلاً يقول:
"وفي قوله (ابني آدَمَ) قولان: الأول: أنهما ابنا آدم من صلبه، وهما هابيل وقابيل . وفي سبب وقوع المنازعة بينهما قولان: أحدهما: أن هابيل كان صاحب غنم، وقابيل كان صاحب زرع، فقرب كل واحد منهما قرباناً، فطلب هابيل أحسن شاة كانت في غنمه وجعلها قرباناً، وطلب قابيل شر حنطة في زرعه فجعلها قرباناً، ثم تقرب كل واحد بقربانه إلى الله فنزلت نار من السماء فاحتملت قربان هابيل ولم تحمل قربان قابيل، فعلم قابيل أن الله تعالى قبل قربان أخيه ولم يقبل قربانه فحسده وقصد قتله، وثانيهما: ما روي أن آدم عليه السلام كان يولد له في كل بطن غلام وجارية وكان يزوج البنت من بطن الغلام من بطن آخر، فولد له قابيل وتوأمته، وبعدهما هابيل وتوأمته، وكانت توأمة قابيل أحسن الناس وجهاً، فأراد آدم أن يزوجها من هابيل، فأبى قابيل ذلك وقال أنه أحق بها، وهو أحق بأخته، وليس هذا من الله تعالى، وإنما هو رأيك، فقال آدم عليه السلام لهما: قربا قرباناً، فأيكما قبل قربانه زوجتها منه فقبل الله تعالى قربان هابيل بأن أنزل الله تعالى على قربانه ناراً، فقتله قابيل حسداً له.
والقول الثاني: وهو قول الحسن والضحاك: أن ابني آدم اللذين قربا قرباناً ما كان ابني آدم لصلبه، وإنما كانا رجلين من بني إسرائيل. قالا: والدليل عليه قوله تعالى في آخر القصة (مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بَنِى إسرائيل أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جميعاً), إذ من الظاهر أن صدور هذا الذنب من أحد ابني آدم لا يصلح أن يكون سبباً لإيجاب القصاص على بني إسرائيل، أما لما أقدم رجل من بني إسرائيل على مثل هذه المعصية أمكن جعل ذلك سبباً لإيجاب القصاص عليهم زجراً لهم عن المعاودة إلى مثل هذا الذنب. ومما يدل على ذلك أيضاً أن المقصود من هذه القصة بيان إصرار اليهود أبداً من قديم الدهر على التمرد والحسد حتى بلغ بهم شدة الحسد إلى أن أحدهما لما قبل الله قربانه حسده الآخر وأقدم على قتله، ولا شك أنها رتبة عظيمة في الحسد، فإنه لما شاهد أن قربان صاحبه مقبول عند الله تعالى فذلك مما يدعوه إلى حسن الاعتقاد فيه والمبالغة في تعظيمه، فلما أقدم على قتله وقتله مع هذه الحالة دل ذلك على أنه كان قد بلغ في الحسد إلى أقصى الغايات، وإذا كان المراد من ذكر هذه القصة بيان أن الحسد دأب قديم في بني إسرائيل وجب أن يقال: هذان الرجلان كانا من بني إسرائيل.
واعلم أن القول الأول هو الذي اختاره أكثر أصحاب الأخبار، وفي الآية أيضاً ما يدل عليه لأن الآية تدل على أن القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى تعلم ذلك من عمل الغراب، ولو كان من بني إسرائيل لما خفي عليه هذا الأمر، وهو الحق والله أعلم.
(...) تقدير الكلام وهو قوله (إِذْ قَرَّبَا قربانا) قرب كل واحد منهما قربانا إلا أنه جمعهما في الفعل وأفرد الاسم، لأنه يستدل بفعلهما على أن لكل واحد قربانا. وقيل: إن القربان اسم جنس فهو يصلح للواحد والعدد ، وأيضاً فالقربان مصدر كالرجحان والعدوان والكفران والمصدر لا يثنى ولا يجمع. (...) بعث الله غرابين فاقتتلا، فقتل أحدهما الآخر، فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة، فتعلم قابيل ذلك من الغراب. الثاني: قال الأصم: لما قتله وتركه بعث الله غراباً يحثو التراب على المقتول، فلما رأى القاتل أن الله كيف يكرمه بعد موته ندم. وقال: يا ويلتى. الثالث: قال أبو مسلم: عادة الغراب دفن الأشياء فجاء غراب فدفن شيئاً فتعلم ذلك منه. (...) قوله (مِنْ أَجْلِ ذلك) أي من أجل ما مرّ من قصة قابيل وهابيل كتبنا على بني إسرائيل القصاص، وذاك مشكل فإنه لا مناسبة بين واقعة قابيل وهابيل وبين وجوب القصاص على بني إسرائيل. الثاني: أن وجوب القصاص حكم ثابت في جميع الأمم فما فائدة تخصيصه ببني إسرائيل؟
والجواب عن الأول من وجهين: أحدهما: قال الحسن: هذا القتل إنما وقع في بني إسرائيل لا بين ولدي آدم من صلبه، (...) فقوله: (مِنْ أَجل ذلك كَتَبْنَا على بَنِى إسرائيل) أي من أجل ذلك الذي ذكرنا في أثناء القصة من أنواع المفاسد المتولدة من القتل العمد العدوان شرعنا القصاص من حق القاتل، وهذا جواب حسن والله أعلم. (...) ولما كان الغرض من ذكر هذه القصص تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام في الواقعة التي ذكرنا أنهم عزموا على الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأكابر أصحابه ، كان تخصيص بني إسرائيل في هذه القصة بهذه المبالغة العظيمة مناسباً للكلام ومؤكداً للمقصود. .. " ا.هـ

فإذا غض المرء الطرف عن هذه الأقوال التي لا مستند لها في كتاب الله ولم ترد عن الرسول, ونظرنا في آيات الذكر الحكيم وجدنا أن الله تعالى قد بيّن كل التفاصيل المتعلقة بذلك النبأ, فأول ما بيّنه الرب العلي هو أنهما قربا قربانا, ولم يقل أنهما قربا قربانين! وهذا يعني أنهما اشتركا في تقديم قربان لله العليم, وقال الله أنه تقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر, ولم يقل أنه أنزل ناراً فأخذت قربان أحدهما وتركت قربان الآخر, ولا أن هذا القربان هو الذي فُدي به الذبيح بن إبراهيم! وكذلك بيّن السبب الذي من أجله قدما القربان, فلم يكن بسبب الزواج ولا لمجرد التقديم, وإنما لأنهما كانا قد ارتكبا إثماً وقربا القربان ليُغفر لهما, وهذا ما يظهر من قول المقبول قربانه: "إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ [المائدة : 29]", ومن ثم فإنه كان ثمة إثم لهذا وإثم لذاك, وأراد المقبول قربانه أن يزيد نفسه تطهرا من هذا الإثم بأن يُقتل, فيحمل الآخر إثمهما معاً, وبهذا يكون الآخر قد تطهر من إثمه!
إذا فالقربان كان تطهرا من إثم ارتُكب, وحديثهما عن القتل وعن بسط اليد دليل على أن القتل أمر معروف وليس بالجديد وليس أن قابيل احتار في كيفية قتله! ولو احتار في الكيفية لم علم أن هناك شيء اسمه القتل أصلا!! ناهيك عن أن الحديث عن المتقين والظالمين وأصحاب النار, وعن كونه أصبح من الخاسرين والنادمين دليل على وجود بشر غيرهم كجماعات كان فيهم الخاسرون والنادمون, وهو بفعله أصبح منهم! فإذا غضضنا الطرف عن القتل وسببه وجدنا أن الرب العليم قال أنه بعث غرابا يبحث في الأرض ولم يقل أنه أرسل غرابين قتل أحدهما الآخر ودفنه, ومن ثم فإن ابن آدم لم ير إلا غرابا يبحث في الأرض, فتندم أنه لم ينقب الأرض مثل هذا الغراب ليواري سوءة أخيه!
والنقطة التي احتار المفسرون فيها وهي الربط بين هذا القتل وبين بني إسرائيل هي اشتراك الفعل, فهو قتل أخاه من غير نفس ومن غير فساد وإنما غيرة لقبول عمله, ففكّر التفكير العقيم أنه بقتله يخل له وجه "الرب" ومن ثم يُقبل عمله, كما فكر إخوة يوسف, أنهم بقتلهم يوسف أو طرحه أرضاً يخل لهم وجه أبيهم ويكونوا من بعده قوما صالحين. لذلك كُتب على بني إسرائيل الذين ادعوا أنهم أبناء الله وفعلوا مثل فعله –أو قد يفعلوا- هذا التغليظ في العقوبة وليست على كل البشرية, لأنها لم تحمل أمانة التبليغ عن الله! حتى لا تدفعهم الغيرة والتفاخر بأنهم حاملو الرسالة إلى قتل الناس. وفي هذه الآية رد على أحكام القتل الكثيرة الموجودة في التوراة والتلمود وإبطالها وإظهار أنها من اختلاق اليهود, وأن الله ما كتب عليهم القتل إلا نفسا بنفس أو بإفساد في الأرض, وما عدا ذلك فلم يكتبه عليهم!
وهكذا فشتان بين ما قصه القرآن وبين ما جاءت به التوراة, إلا أن الروايات قربتهما, إن لم تكن جعلتهما واحداً, لهذا وجدنا من يقول أن القصة المذكورة في التوراة لا تخالف ما جاء في القرآن تقريبا!



عدد أصحاب الكهف
يُعد نبأ أصحاب الكهف الذي قصّه القرآن بالحق من الأنباء التي أبهرتنا وتركت فينا أثراً كبيراً ونحن صغار, أولئك النفر الذين ناموا ما يزيد عن الثلاثمائة عام. ومرت الأيام والسنون ثم نظرت فيما قصّه القرآن بشأنهم فوجدته يخالف كثيراً ما نعرفه عنهم. ولن نتناول نبأ أصحاب الكهف بالتفصيل وإنما سنكتفي بالحديث عن عددهم, ذلك العدد الذي اختلف المفسرون في تحديده, وقالوا أن القرآن لم يذكره وإن كان ذكر الفترة التي ناموها, وإن كان أكثرهم يرجح أنهم كانوا سبعة! وقبل أن نعرض لهذه النقطة نُذكر بأن نبأهم لم يكن مما خفي على العرب أول أهل مكة, فلقد كان معروفا لهم وللرسول, والقرآن بقصه كان يُذكر النبي بها ويقصها عليه بالحق: "أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً [الكهف: 9]"

إذا نظرنا في أقوال المفسرين وجدنا أن كثيراً منهم قال أنهم كانوا سبعة, استناداً إلى أن الله تعالى لمّا ذكر الأقوال التي كانت مطروحة بشأنهم, قال أن هناك من سيقول –في المستقبل- أنهم ثلاثة رابعهم كلبهم, ولمّا قال أن هناك من يقول أنهم خمسة سادسهم كلبهم, قال: "رجما بالغيب", ولما ذكر القول بأنهم سبعة وثامنهم كلبهم لم ينف القول, وقال بعدها: "قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِراً وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَداً "
وكان القول بأن القرآن حدد عدد السنين التي لبثوها بينما لم يحدد عددهم, وإن كان أشار إليه, من المسلّمات عندي, فلما تدبرت الآيات وجدت أنها قالت بعكس ما قال به المفسرون, فلقد ذكرت عددهم ولم تذكر عدد السنين التي لبثوها! وسيعجب القارئ من هذا القول لأنه اعتاد أن يقرأ الآيات بعيون المفسرين, التي جعلت النص القرآني ذكر الفترة الزمنية بينما هو في الواقع يتحدث عن عددهم! لذا ننظر في الآية المحورية, لنبصر هل كان يتحدث عن عدد أفراد أم سنين, والتي يقول الرب فيها:
"وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا"
فإذا نظرنا فيما قاله المفسرون في تفسيراتهم!! للآية نجدهم قد فهموها وأفهموها غيرهم هكذا: "ولبثوا في كهفهم ثلاث مئةً سنة وازدادت تسعا", وشتان بين ما قاله الله وبين فهم المفسرين, فلقد قال الله: "ثلاثمائة" بالتنوين, وهم جعلوها بدون تنوين! وقال: "سنين" وهم جعلوها: سنة, وقال: ازدادوا, وهم جعلوها: ازدادت! وحتى نظهر الفارق في المعنى للقارئ غير المتخصص نتوقف لنحلل أجزاء الآية, فنقول:
لا خلاف أن واو جمع المذكر السالم في: "لبثوا" عائدة على أصحاب الكهف, إلا أن المفسرين لم يتحرجوا في أن يجعلوها في "وازدادوا" راجعة إلى السنين! وهذا من العجب, فمن المفترض أن جمع المذكر السالم لا يُستعمل إلا مع العاقل, ومن ثم فالمفترض أن يكون الذين لبثوا هم الذين ازدادوا, ولو كان الحديث عن السنين لقال الله: وازدادت تسعا! فإذا انتقلنا إلى "ثلاث مئة" وجدنا أن الله تعالى ذكرها منونة, ونسألك عزيزي القارئ: هل يأتي تمييز الأعداد منونا؟! فهل من الممكن أن أقول: سأعطيك ألفاً جنيهاً! ناهيك عن أن المميَز بالعدد يأتي مفرداً بعد العشرة, فنقول: إحدى عشر رجلا, مائة رجل, ألف سنة, خمسمائة طفل, ولا يقال: ألف سنين, ولا خمسمائة أطفال!! ويكون في العشرة وما قبلها جمعاً, كما يقال: سأظل عشر سنين, وأتى تسعة أطفال, ومعي خمس جنيهات!
فإذا فهمنا الآية كما هي وجدنا أن الله تعالى يقول أن أصحاب الكهف لبثوا ثلاثمائة, ظلوا ثلاثمائة شخص سنين, وازدادوا لاحقا تسعاً, فأصبحوا ثلاثمائة وتسعة! وحتى نظهر للقارئ أن هذا هو الفهم المنطقي للآية نذكر مثالاً مشابها: كان هناك كتيبة من الشجعان, ظلوا خمسمائة سنين ثم ازدادوا عشرين!
فهو سيفهم من المثال أن العشرين الذين زادوا هم أفراد وليس سنين! أي أنهم ظلوا خمسمائة لعدد من السنين, ونحن نستعمل التركيبة القرآنية حتى في العامية المصرية, فلو قلناه بها سيكون: "فضلنا خمسمية سنين وبعدين زدنا عشرين".
إذا فالله تعالى قال أنهم كانوا ثلاثمائة وانضم إليهم تسعة, والناظر في الآيات يجد أنها تؤيد أنهم كانوا فريقين, فإذا نظرنا في حوارهم عند استيقاظهم وجدنا الرب العليم يقول: "وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)", فنلاحظ أن أحدهم سأل سؤالا, فأجيب بردين استُعمل فيهما: "قالوا" مرتين, ولو كان القائل فريقاً واحداً لما كان هناك حاجة إلى تكرارها! ثم إن الردّ الأول يقول: لبثنا يوما, فالذين يردون يستعملون ضمير المتكلم "نا" أي أن السائل والمجيبون فريق واحد. والرد الآخر يستعمل ضمير الخطاب فيقول: "ربكم أعلم بما لبثتم", واستمر في استعماله إلى آخر الآيات, وهذا مشعر إلى أنهم ليس منهم, فالمتكلم يخشى على الآخرين من الرجم ولا يخشى على نفسه!
وليس هذا القول بالجديد فالإمام الزمخشري يرى أن الحزبين من أصحاب الكهف ومذكور كذلك في تفسير الجلالين. والناظر يجد أن الله العليم لم ينف أن يكون هناك من يعلم عددهم, إلا أنه نفى معرفة أحد بمدة لبثهم فقال: "سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢) (...) وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)", وكما بصرنا, فالله العليم قال أن هناك قليل يعلمون عددهم, بينما قال بعد: "ولبثوا في كهفهم .... قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض", فله وحده غيب السماوات والأرض, فكيف نقول أن مدة لبثهم قد ذُكرت؟! لقد قال الله تعالى: "فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً [الكهف : 11]", فالله يقول أنها سنين, ولم يحدد كم كانت, فهذا من الغيب!!
إذا فالله علام الغيوب ذكر عدد الفتية أصحاب الكهف وأنهم كانوا مجموعتين, لحقت الثانية الأولى بعد فترة, فقلب المفسرون الآية وجعلوا العدد في السنين!

رد مع اقتباس
  #36  
قديم 01-26-2012, 05:54 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة الخامسة والثلاثون
أصحاب السبت ... والسمك!
نترك أصحاب الكهف لننتقل إلى أصحاب السبت, تلك القرية التي قص القرآن الكريم من نبأها, وكيف أنهم تعرضوا لعقاب شديد, وتوعدٍ أشد باستمرار العذاب! والناظر في القرآن يجد أن هؤلاء المجرمين قد ذُكروا في أكثر من موضع في القرآن, وأول ذكرٍ لهم جاء في سورة البقرة, حيث قال الرب العليم: "وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ [البقرة : 65]"
وهذا يدل على أن العقاب الذي نزل بهؤلاء كان معلوما لليهود في زمن الرسول الكريم. والذكر الثاني لهم في سورة النساء: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً [النساء : 47]", والذكر الثالث والأخير المفصل في سورة الأعراف, وفيه يقول الرب العليم الشهيد:
"وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)"
ونقدّم للقارئ الكريم تصور المفسرين حول هذه الآيات من خلال ما خطه الإمام الفخر الرازي عند تناوله لهذه الآيات, حيث قال:
"الأكثرون على أن تلك القرية أيلة, وقيل مدين. وقيل طبرية، والعرب تسمى المدينة قرية، (....) وقوله: "إِذْ يَعْدُونَ فِى السبت" يعني يجاوزون حد الله فيه، وهو اصطيادهم يوم السبت وقد نهوا عنه، وقُرئ "يَعْدُونَ" بمعنى يعتدون أدغمت التاء في الدال ونقلت حركتها إلى العين و"يَعْدُونَ" من الأعداد وكانوا يعدون آلات الصيد يوم السبت وهم مأمورون بأن لا يشتغلوا فيه بغير العبادة و"السبت" مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها فقوله: "إِذْ يَعْدُونَ فِى السبت" معناه يعدون في تعظيم هذا اليوم، وكذلك قوله: "يَوْمَ سَبْتِهِمْ" معناه: يوم تعظيمهم أمر السبت، (...) وقوله: "يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا" أي ظاهرة على الماء (...) وعلى هذا فالحيتان كانت تدنو من القرية بحيث يمكنهم صيدها. (...) فإذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر. فإذا انقضى السبت ذهبت وما تعود إلا في السبت المقبل. وذلك بلاء ابتلاهم الله به، فذلك معنى قوله: "وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ" " ا.هـ
فكما رأينا فالمفسرون يقولون أن عدوان اليهود كان باصطيادهم السمك في يوم السبت! ولكن لماذا كان الله الحكيم يرسل إليهم السمك في يوم السبت ولا يرسله في باقي الأيام -على قولهم-؟ يجيب التصور التقليدي للقصة بأنه ابتلاء من الله! فمن منظورهم هم كانوا قوما كغيرهم, فأراد الله اختبارهم, فأمر الله السمك (الحيتان) بعدم الاقتراب من سواحلهم في أيام العمل الستة، بينما يكثر في يوم السبت. فما كان من هؤلاء القوم إلا أنهم شرعوا يحتالون الحيل، ورُوي أنهم كانوا يقيمون حواجز للسمك ليلة السبت ثم يخرجونه يوم الأحد.

فكما رأينا فأصحاب هذا التوجه يرون أن إتيان السمك كان ابتلاءً من الله العليم ابتداءً, ولما لم ينجحوا فيه عوقبوا هذا العقاب الشديد! أما نحن فنقول أن هذا القول مخالف لما جاء في الآية, فالآية تقول أنهم لم يصطادوا السمك أصلا وهم عوقبوا لشيء آخر!! وحتى لا يظل القارئ في حيرة نقدم له فهمنا للآية, فنقول:
بيّن الرب الحكيم أنه أُخذ على بني إسرائيل الميثاق الغليظ وأُكدّ أيما تأكيد على الطاعة وأن يدخلوا الباب سجدا وألا يعدوا في السبت, كما جاء في قوله: "وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً [النساء : 154]", وبيّنت آيات الأعراف أنهم عدوا في السبت, وهذا يعني أنهم خالفوا ما أمروا به!
فإذا نظرنا في آيات القصة نجد أن الله يقول: "كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون", أي أن إتيان الحيتان يوم سبتهم وعدم إتيانها يوم لا يسبتون, ليس مجرد ابتلاء من الله بدون سبب وإنما كان بسبب فسقهم, فما هو الفسق الذي ارتكبوه؟!
الناظر في الآيات يجد أن الله يقول: ".. إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف : 163]", فهؤلاء كانوا يعدون في السبت, فلا يراعون حرمته, فيفعلون ما حرمه الله عليهم, ولا يعني هذا أنهم كانوا ينتهكون السبت في كل مرة, وإنما كانوا يلتزمون به مرات, ويعدون فيه مرات.
فابتلاهم الله العزيز لفسقهم بأن كان يرسل إليهم السمك في اليوم الذي كانوا يسبتون فيه, أي يلتزمون بالسبت فينقطعون عن العمل, وعندما ينتهكون حرمة السبت (يوم لا يسبتون) لا تأتيهم الأسماك! والعجيب أن المفسرين جعلوا العدوان هو اصطياد السمك! وجعلوا "يوم لا يسبتون" هو باقي الأيام! فنجد مثلا أن الإمام الطبري يقول في تفسيره:: "ويوم لا يسبتون"، يقول: ويوم لا يعظمونه تعظيمهم السَّبت، وذلك سائر الأيام غير يوم السبت " ا.هـ
إن الله العليم قال أنهم كانوا يعدون في السبت, وهذا يعني أنهم يعتدون في هذا اليوم المسمى بالسبت, ولم يحدد شكل هذا العدوان, ثم قال أن حيتانهم كانت تأتيهم "يوم سبتهم" ولم يقل: إذ تأتيهم حيتانهم فيه, أو حتى: في السبت!
أي أن الحيتان كانت تأتي في اليوم الذي يسبتون هم فيه, أي في يوم السبت الذي يجعلونه سبتاً فعلا فلا يعتدون, ويوم لا يسبتون, أي وعندما ينتهكون حرمته فلا يتخذونه سبتا, لا تأتيهم الحيتان!
إذا فالمسألة أن اليهود أُخذ عليهم ميثاق غليظ على ألا يعدوا في السبت, فأصبح أهل هذه القرية يعدون في بعض السبوت, فكان الله العليم يرسل لهم الحيتان في الأيام التي لا يعدون فيها ابتلاءً لهم على فسقهم!

والمفسرون على أن أهل هذه القرية لم يكونوا مجمعين على الاعتداء في السبت, وإنما كانوا ثلاث فرق, فرقة كانت تعتدي, وفرقة كانت تعظهم وتنهاهم, وفرقة كانت رافضة ومستنكرة وإن كانت لم تفعل شيئا. فقالت الفرقة الصامتة للذين يعظون: لم تعظون ...؟ فقالت الأخرى: معذرة إلى ربكم ..., فلما نزل العذاب نجى الله الفرقة التي تنهى عن المنكر, واختلف المفسرون في الفرقة الصامتة, هل نجت أم لم تنجُ؟ أما نحن فنرفض هذا التقسيم والتفسير! فلقد انحرف المفسرون عن النص, فلقد قال الله تعالى "وإذ قالت أمة", ففهموها هم على أنها "فريق", والله تعالى استعمل "فريق" في كتابه في غير هذا الموضع أكثر من مرة, واستعمل هنا "أمة"! ومن ثم فالواجب علينا أن لا نفهمها كفريق! فإذا نظرنا في الآيات السابقات, وجدنا الرب العليم يقول: "وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ... [الأعراف: 160]"
فالله يقول أنه قطعهم أمما, ولما ضرب موسى الحجر انبجست منه اثتنا عشرة عينا, وكان لكل "أناس" مشرب, وهذا يعني أنهم كانوا منقسمين, وفي الآية يقول أن أمة –من هذه الأمم- قالت لباقي الأمم: لم تعظون قوماً الله مهلكهم؟ فهذا يعني أن العصاة كانوا أمة من الأمم الاثنتي عشر! وهذا القول يلغي الإشكال في قوله تعالى: " وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)" فلقد احتار المفسرون في الضمير في قوله تعالى "فجعلناها", لأنه من المفترض أن يقول الله: فجعلناهم نكالا لما بين أيديهم وما خلفهم!
إلا أن الله تعالى استعمل صيغة التأنيث, وليس هناك ذكر لقرية, وإنما الحديث عن الذين اعتدوا! فإذا قلنا أن هؤلاء المعتدين كانوا "أمة" عرفنا لماذا استعمل ضمير التأنيث, أي فجعلنا هذه الأمة نكالاً لما بين يديها وما خلفها! فلما نسى القوم ما ذكروا به أنجى الله الذين ينهون عن السوء وأخذ الذين ظلموا بعذاب بئيس فحلَّ بهم الفقر والضيق بسبب فسقهم! إلا أنهم لم ينقطعوا عن المخالفة, واستمروا على ما كانوا عليه من العدو في السبت وتركه أحيانا! فلما تجاوزوا الحد في الاعتداء واستكبروا عن الالتزام بعدم الاعتداء في السبت, فأصبح يوماً مستباحاً قلنا لهم كونوا قردة خاسئين! وهذا القول غير العذاب البئيس!
واختلف المفسرون في قوله "كونوا قردة خاسئين" فأكثر المفسرين على أنهم تحولوا إلى قردة فعلا, وورد عن مجاهد أنه قال: "مُسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة وخنازير، وإنما هو مثل ضربه الله لهم، كما ضرب المثل بقوله: "كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا", وتابعه الإمام محمد رشيد رضا في تفسير المنار, ورأى أنه مسخ معنوي. وقول مجاهد مردود من أكثر المفسرين ويرونه مخالفاً لظاهر الآية, إلا أن المدقق يرى أنه الأدق, فالناظر في الآية يجد أن الرب قال: "قردة خاسئين", وجمع المذكر السالم لا يُستعمل إلا مع العاقل, ولو كانوا تحولوا إلى قردة –دواب- لقال: قردة خاسئة! فإذا نظرنا فيما ذكره ابن منظور في لسان العرب عند حديثه عن "قرد" وجدناه يقول: "أَقْرَدَ الرجلُ إِذا سكت ذَلاًّ (...) وأَصله أَن يقع الغُرابُ على البعير فَيَلْتَقِطَ القِرْدانَ فَيَقِرَّ ويسكن لما يجده من الراحة. (...) وأَقْرَدَ الرجلُ وقَرِدَ: ذَلَّ وخَضَع، وقيل: سكت عن عِيٍّ. وأَقرَدَ أَي سَكَنَ وتمَاوَت؛ (...) " ا.هـ
وكما رأينا فالإقراد يدل على السكون والتماوت والذل, والسؤال هنا: هل المراد من قوله: كونوا قردة خاسئين هو السكون والذل, ويكون هذا تفسيراً لقوله: "ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ [آل عمران : 112]", أم أنهم صاروا قردة فعلاً؟!
إذا قلنا أنهم صاروا قروداً فعلا, فلا معنى لنعتهم بخاسئين, فالقرد لا محالة مطرود ومستبعد, لا يتركه الإنسان يدنو منه! وهل هناك ذمٌ أكبر من أن يصير الإنسان حيوانا؟! وباقي الآيات تؤيد قول مجاهد فإذا نظرنا في الآية التالية وجدنا الرب العليم يقول: " وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ..[الأعراف : 167]", فالله يقول أنه أعلم وأعلن أنه سيبعث عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم العذاب, وهذا يعني أنهم سيستمرون في الحياة! وأنهم سيتناسلون وينجبون ويحيون بين الناس! ولو كانوا تحولوا إلى قرود لما كان للآية معنى! ولقد حاول القائلون بأنهم تحولوا إلى قرود تجاوز الإشكالية التي سببها لهم هذا الضمير, فبرروه بأقوال عدة, تخرج النص عن سياقه, فقالوا أن الضمير عائد على الآخرين وليس على المعذَبين! ولست أدري ما ذنب الباقين, فهل يُمسخ العاصون ويتوعد الصالحون؟! بل وصل الأمر إلى القول بأن المراد منهم اليهود في زمن الرسول! أي أن الله يتوعد يهود المدينة بأن يبعث عليهم من يسومهم العذاب إلى يوم القيامة, ولست أدري ما علاقتهم بهذه القصة, وأين الدليل الذي يجعلنا نخرج الضمير من هؤلاء المعذبين إلى آخرين؟!
لذا نقول بما قالت الآيات, أن الله أعلن وأعلم أنه سيبعث على هذه الأمة من اليهود من يسومهم سوء العذاب, فهذا الوعيد كان لأمة منهم وليس لكل اليهود, وهذا يتفق مع عدل الله! ثم يقول الله أنه قطعهم في الأرض أمما, فلم يظلوا في تلك القرية وإنما شُتتوا في أنحاء الأرض, منهم الصالحون ومنهم دون ذلك! وابتلاهم الله لعلهم يرجعون عن المعاصي ويعودون إلى ما تعهدوا به!
إذا وكما رأينا, فأهل القرية لم يصطادوا السمك والله لم يبتلهم هكذا بدون سبب وإنما بما كانوا يفسقون, فجزاء لهم على اعتداءهم في السبت كان السمك يُرسل إليهم في يوم التزامهم به, واليوم الذي لا يلتزمون به لا يأتيهم, والله أعلى وأعلم.


أصحاب الرس!
نترك أصحاب السبت وننتقل إلى أصحاب الرس, والذين لا يعلم بوجودهم في القرآن كثير من المسلمين! ناهيك عن أن يعرفوا من هم وماذا فعلوا وماذا حدث لهم!! وذلك لأنهم لم يُذكروا في القرآن إلا في موضعين اثنين, لم يزدا عن ذكرهما وسط المكذبين, فجاءا في قوله: "وَعَاداً وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً [الفرقان : 38], كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ [ق : 12]"
فإذا نظر المرء في أقوال المفسرين بشأنهم لا يزداد إلا حيرة! فنجد الإمام الألوسي يذكر بشأنهم أقوالاً عديــــدة, منها: "عن ابن عباس هم قوم ثمود. ويبعده العطف لأنه يقتضي التغاير، وقال قتادة: هم أهل قرية من اليمامة يقال لها الرس والفلج قيل قتلوا نبيهم فهلكوا وهم بقية ثمود وقوم صالح. وقال كعب ومقاتل والسدي: أهل بئر يقال له الرس بأنطاكية الشام قتلوا فيها صاحب يس وهو حبيب النجار. وقيل: هم قوم قتلوا نبيهم ورسوه في بئر أي دسوه فيه. وقال وهب والكلبي: أصحاب الرس وأصحاب الأيكة قومان أرسل إليهما شعيب، وكان أصحاب الرس قوماً من عبدة الأصنام وأصحاب آباء ومواش فدعاهم إلى الإسلام فتمادوا في طغيانهم وفي إيذائه عليه السلام, فبينما هم حول الرس وهي البئر غير المطوية, كما روى عن أبي عبيدة, انهارت بهم وبدارهم. وقال علي كرم الله تعالى وجهه, فيما نقله الثعلبي: هم قوم عبدوا شجرة يقال لها: شاه درخت, رسوا نبيهم في بئر حفروه له. في حديث طويل. وقيل: هم أصحاب النبي حنظلة بن صفوان كانوا مبتلين بالعنقاء(!!) (...) وقيل: هم قوم أرسل إليهم نبي فأكلوه، وقيل: قوم نساؤهم سواحق, وقيل: قوم بعث إليهم أنبياء فقتلوهم ورسوا عظامهم في بئر، وقيل: هم أصحاب الأخدود والرس هو الأخدود. وفي رواية عن ابن عباس أنه بئر أذربيجان. وقيل: الرس ما بين نجران إلى اليمن إلى حضرموت. وقيل: هو ماء ونخل لبني أسد. وقيل: نهر من بلاد المشرق بعث الله تعالى إلى أصحابه نبياً من أولاد يهوذا بن يعقوب فكذبوه, فلبث فيهم زماناً فشكا إلى الله تعالى منهم, فحفروا له بئراً وأرسلوه فيه وقالوا: نرجو أن ترضى عنا آلهتنا, فكانوا عليه يومهم يسمعون أنين نبيهم فدعا بتعجيل قبض روحه فمات وأظلتهم سحابة سوداء أذابتهم كما يذوب الرصاص. وروى عكرمة ومحمد بن كعب القرظي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أصحاب الرس أخذوا نبيهم فرسوه في بئر وأطبقوا عليه صخرة, فكان عبد أسود قد آمن به يجيء بطعام إلى البئر فيعينه الله تعالى على تلك الصخرة فيرفعها فيعطيه ما يغذيه به ثم يرد الصخرة على فم البئر, إلى أن ضرب الله على أذن ذلك الأسود فنام أربع عشرة سنة. وأخرج أهل القرية نبيهم فآمنوا به في حديث طويل ذكر فيه أن ذلك الأسود أول من يدخل الجنة. وهذا إذا صح كان القول الذي لا يمكن خلافه لكن يشكل عليه إيرادهم هنا. وأجاب عنه الطبري بأنه يمكن أنهم كفروا بعد ذلك فأهلكوا فذكرهم الله تعالى مع من ذكر من المهلكين، وملخص الأقوال أنهم قوم أهلكهم الله تعالى بتكذيب من أرسل إليهم " ا.هـ
ولا يخرج المرء من هذه الأقوال إلا بحكم واحد جازم هو أن المتكلمين عنهم لم يكن لهم بهم علم وأنهم كانوا يخرصون! وأن قصة أصحاب الرس هي مما ضاع من التراث العربي الذي كان معروفاً في زمان النبي.
والمعلومة التي يمكننا استخراجها من القرآن أن هؤلاء القوم كانوا في مرحلة الأنبياء الأُول بعد ثمود, وذلك لأن الله تعالى قرنهم في الآيتين بثمود, وكان القوم الآخرون المذكورون في آية هم عاد وفي الأخرى هم قوم نوح, وفي هذا إشارة إلى القرب الزمني لأصحاب الرس من ثمود! ومن ثم فإن قول قتادة أنهم بقايا ثمود وقوم صالح يُعد قولاً مقبولاً أولى من غيره من الأقوال التي لا مستند لها!
وتميل النفس إلى أن أصحاب الرس هو القوم المذكورون في سورة المؤمنون بعد سيدنا نوح: "وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١)", إلا أنه لا دليل جازم على ذلك, ومن ثم نكتفي بالقول بأنهم كانوا قريبي عهد بثمود, وأنهم أصلاً كانوا مشهورين بأصحاب الرس قبل أن يأتيهم الرسول, وأنهم كذبوا رسولهم فأهلكهم الله كما أهلك سابقيهم.

رد مع اقتباس
  #37  
قديم 01-26-2012, 05:56 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة السادسة والثلاثون

أصحاب القرية!!
بعد أصحاب الرس ننتقل إلى أصحاب القرية, أولئك القوم الذين لم يُذكروا في القرآن إلا في موضع واحد في سورة يس, وذلك قوله: "وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)"
ومثل أصحاب القرية من خير الأمثلة على تغلغل الثقافة التوراتية وإزاحة الثقافة العربية, فالروايات الواردة بشأن هذه القرية, التي لم يحددها الرب العليم, والذي تحدث عن إرسال رسل إليها, جعلتها أنطاكية, وجعلت الرسل المذكورين هم رسل المسيح وليسوا رسل الرب العليم!
ونكتفي في الرد على هذه الروايات النقد الذي قدّمه الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره فأحسن, فقال: "وقد تقدم عن كثير من السلف أن هذه القرية هي أنطاكية، وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلا من عند المسيح، عليه السلام، كما نص عليه قتادة وغيره، وهو الذي لم يذكر عن واحد من متأخري المفسرين غيره، وفي ذلك نظر من وجوه: أحدها: أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله عز وجل، لا من جهة المسيح، كما قال تعالى: "إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ" إلى أن قالوا: "رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ". ولو كان هؤلاء من الحواريين لقالوا عبارة تناسب أنهم من عند المسيح، عليه السلام، والله أعلم. ثم لو كانوا رسل المسيح لما قالوا لهم: "مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا". الثاني: أن أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم، وكانوا أول مدينة آمنت بالمسيح؛ ولهذا كانت عند النصارى إحدى المدائن الأربعة اللاتي فيهن بتَاركة، وهن القدس لأنها بلد المسيح، وأنطاكية لأنها أول بلدة آمنت بالمسيح عن آخر أهلها، والإسكندرية لأن فيها اصطلحوا على اتخاذ البتاركة والمطارنة والأساقفة والقساوسة والشمامسة والرهابين. ثم رومية لأنها مدينة الملك قسطنطين الذي نصر دينهم وأطَّدَه. ولما ابتنى القسطنطينية نقلوا البترك من رومية إليها، كما ذكره غير واحد ممن ذكر تواريخهم كسعيد بن بطريق وغيره من أهل الكتاب والمسلمين، فإذا تقرر أن أنطاكية أول مدينة آمنت، فأهل هذه القرية قد ذكر الله تعالى أنهم كذبوا رسله، وأنه أهلكهم بصيحة واحدة أخمدتهم، فالله أعلم.
الثالث: أن قصة أنطاكية مع الحواريين أصحاب المسيح بعد نزول التوراة، وقد ذكر أبو سعيد الخدري وغير واحد من السلف: أن الله تعالى بعد إنزاله التوراة لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم، بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين، ذكروه عند قوله تعالى: "وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولَى". فعلى هذا يتعين أن هذه القرية المذكورة في القرآن العظيم قرية أخرى غير أنطاكية، كما أطلق ذلك غير واحد من السلف أيضا. أو تكون أنطاكية إن كان لفظها محفوظا في هذه القصة مدينة أخرى غير هذه المشهورة المعروفة، فإن هذه لم يعرف أنها أهلكت لا في الملة النصرانية ولا قبل ذلك، والله، سبحانه وتعالى، أعلم. " ا.هـ
والمتدبر يجد أن الله العظيم لم يذكر أي تفاصيل عن هذه القرية, ولولا أن الله تعالى قال في أول السورة: " لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ [يس : 6]" لقلنا أن القرية هي مكة والحديث عن أنبياء سابقين جاءوا لأهلها! ويبدو والله أعلم أن أهل مكة كانوا يسمون بلدة من البلدان المجاورة القرية, والله أعلم أيها, وكانوا يعلمون من نبأهم ما قصه القرآن, فضرب لهم القرآن المثل بالقرية إذ جاءها المرسلون وكيف نزل بهم ما نزل جراء تكذيبهم برسلهم! ولا حاجة لمعرفة تفاصيل أكثر عن هذه القرية فلقد جاءت في معرض ضرب الأمثال, ومن ثم فما ذُكر فيها كفاية, وهي من الوضوح والبيان بمكان!
والملاحظ هنا أن الله ابتدأ إرساله باثنين وليس برسول واحد, وهذا يستدعي التساؤل: لماذا اثنين وليس واحداً؟ هل كانت القرية من الكبر بمكان حتى أنها تحتاج إلى اثنين؟ أم أنه كان من باب التعزيز ابتداءً حتى لا يمسه سوء مثلاً؟! أم أنه كان بناءً على طلب الرسول الأول؟! الله أعلم!
ونلاحظ كذلك أنه لمّا كذبهما قومهما لم يؤتهما الله "معجزة" وإنما عزز بثالث! ومن المحتمل أن القوم أصحاب القرية هم المذكورون في سورة إبراهيم: "قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢) ..", إلا أنه لا دليل إلا استعمال صيغة الجمع مع الرسل وهذا غير محتم.
وهناك من قال أن الرسولان هما إلياس واليسع, والرسول الثالث المعزز به هو إشعياء, والرجل الذي جاء من أقصى المدينة هو عوبديا (الذي يرى بعضهم أنه ذو الكفل!) والله أعلم بحال هذا القول. والشاهد أن أهل هذه القرية أهلكوا بالصيحة لأنهم كذبوا رسلهم واستمروا على فسادهم!




هاروت وماروت
من الآيات التي أحيطت بسياج من الخرافات آية نفي كفر سليمان, والتي تحدثت عن هاروت وماروت وتعليم السحر, والتي مثلت إشكالية كبيرة للمفسرين بسبب بناءها, ومن ثم فهموها كلهم على غير ما ذكرها الله العليم! والآية هي قول العليم: "وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [البقرة : 102]"
إذا نظرنا في أقوال المفسرين بشأنها وجدنا إجماعاً على أن هاروت وماروت ملائكة, إلا أنهم اختلفوا في العلة التي أُنزلوا من أجلها! والعجب أن المفسرين قدّموا مجموعة من الروايات المنقولة بالحرف من التلمود , مع بعض الزيادات, التي أضافها الرواة من عند أنفسهم من أجل التشويق والإثارة, ولتأخذ الصبغة الإسلامية! وملخص هذه الروايات أنه لمّا كثر الفساد من بني آدم, وذلك في زمن إدريس عليه السلام, والذي ليس قبل نوح! قالت الملائكة لله أنهم قالوا مسبقاً عند بدء الخليقة أننا مفسدون. فقال لهم الله عز وجل: أما أنكم لو كنتم مكانهم وركبت فيكم ما ركبت فيهم لعملتم مثل أعمالهم. فقالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا ذلك. فقال الله: فاختاروا ملكين من خياركم! فاختاروا هاروت وماروت فأنزلهما إلى الأرض وركب فيهما الشهوة. فما مر عليهما شهر –وفي روايات أقل– حتى فُتنا بامرأة اسمها بالنبطية "بيدخت" وبالعربية "الزهرة", كانت قد اختصمت إليهما, فراوداها عن نفسها, فأبت إلا أن يدخلا في دينها ويشربا الخمر ويقتلا النفس التي حرم الله, فرفضا أولاً ثم أجاباها وشربا الخمر ووقعا بها, فرآهما رجل فقتلاه. وسألتهما عن الاسم الذي يصعدان به إلى السماء, فأعلماها إياه, فتكلمت به فعرجت في السماء فمسخت كوكبا!! فهل قالت الآيات بتلك الخرافات؟!
حقيقةً لست أدري ما العلاقة بين الآية والروايات, فالآية -تبعاً لزعمهم- تقول أن الملكين أُنزلا ليعلما السحر, وهذه الرواية وأمثالها تقول أنهما أُنزلا ليثبتا أن الملائكة أفضل من البشر –وهو أمرٌ لا يحتاج إلى إثبات-!!, فأين تعليم الناس السحر, وأين تعليل ذلك النزول؟! ولقد انتبه بعض القاصّين لهذه الإشكالية فأضاف في آخرها أنهما علقا في بابل, فأصبحا يعلمان الناس السحر!! وسواءٌ ذكرت الرواية تعليم السحر أم لم تذكر فإنه لا ارتباط بين الرواية والآية.
ولن نتوقف طويلا مع هذه الرواية, لأنها لم تعُد التفسير! المقبول عند أكثر المسلمين, وذلك لأنها ضعيفة سنداً! فلقد أصبح طرحٌ آخر هو التفسير المعتمد, وهو أن اليهود أو الشياطين, لما قالت أن سليمان لم يكن نبياً وإنما كان ساحراً, وبسحره وبتسخيره الشياطين استطاع التحصل على هذا الملك العظيم, أنزل الله الملكين هاروت وماروت ليعلما الناس السحر, حتى يظهر لهم الفرق بين السحر وبين ما كان مع سليمان, وكانا يعلمان الناس السحر ويقولان لهما: لا تكفروا!
وهكذا أصبح حالهم مثل الذي يُدخل رجلاً على امرأة ويقول: لا تزن! إلا أنه يعكر على هذا القول أنه لا حرج في تعليم الناس ما أُنزل على الملكين –تبعاً لزعمهم- بل إن هذا أمر مطلوب, فلقد أُنزلا ليعلما الناس الفرق بين السحر وآيات الأنبياء, فمن الأفضل أن يعرف الناس هذا. أمّا أن نقول أنهم كانوا يعلمون الناس السحر, فليس السحر هو ما أُنزل الملكين به ومن أجله, وإنما التفرقة بين السحر والآيات, فكيف نجعل هذا ذاك؟! ثم ما وجه الاختلاف, الذي من أجله عطف الله السحر عليه, فقال: "يعلمون الناس السحر وما أنزل", ولو كان هذا سحراً لكان عطفا للشيء على نفسه!!
والسؤال المحوري هو: هل قالت الآية أنه أُنزل على الملكين ببابل السحر؟! الناظر في الآية يجدها لم تقل بهذا, وإنما قالت أن الشياطين يعلمون الناس السحر وما أُنزل على الملكين, وأنهما ما كانا يعلمان من أحدٍ حتى يقولا كذا, فما المانع أن يكون هذا الشيء المُتعلَم هو الخداع والحيل؟! وأنهما كان يعلمان اليهود هذا ليستخدموه ضد أعدائهم, الذين يعذبونهم ويضطهدونه –لاحظ أن هذا كان في مرحلة الأسر البابلي- وكانوا ينهونهم عن الكفر باستخدامه في غير موضعه؟! لذلك لم تقل الآية مثلاً: "فيتعلمون منهما ما يطيرون به أو يُمرضون به", وإنما قالت: "فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ..[البقرة : 102]" وهذا لا يحتاج إلى أكثر من الخداع بدهاء! وعلى الرغم من أن هذا القول أكثر منطقية من الآراء التي ذكروها, وأكثر توافقاً مع الآية من الأقوال التي ذكروها, إلا أننا لا نأخذ به, وذلك لأنه لا علاقة له بالآية ولا بسياقها, فالآية تقول شيئاً آخر.

الآية في سياقها
الناظر في هذه الآية يجد أنها وردت في سياق الحديث عن عدم إيمان اليهود بالرسول على الرغم من أنه مذكور في كتبهم, وعن عدم التزامهم بالعهود واختلاق المبررات لعدم الإيمان, وإتباعهم ما لم ينزله الله العليم بدلاً من أن يتبعوا كتبه, ونذكر السياق العام الذي وردت فيه الآية, الذي يبيّن وجهتها, والذي فيه إلغاء لجميع الإشكاليات, التي أوجدها المفسرون بعدم التزامهم بمنطوق الآية!
"مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩) أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ (...) وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" فكما رأينا فالله العليم يقول للرسول أن من كان عدواً لجبريل وميكال –من بني إسرائيل- فإن الله عدوٌ له, وأن الله أنزل آيات بيّنات, وأن هناك في اليهود فريق ينبذ العهود دوما, وأن هذا ما حدث لمّا جاءهم الرسول, فلقد نبذوا كتاب الله, الذي يبشر بمحمد ويعرف به, نبذوه وراء ظهورهم, واتبعوا ما تقوّلته أحبارهم –كما فعلوا سابقاً بإتباعهم أقوال شياطينهم على ملك سليمان- والذين نسبوا الكفر إليه, ولم يكفر سليمان, وإنما هم الذين كفروا وأخذوا يعلمون الناس السحر.
ولم يُنزل على الملكين جبريل وميكال, -الذين يعاديهم اليهود- في بابل "الكتب" المسماة هاروت وماروت, وما كانا يعلمان أحداً حتى يقولا كذا وكذا, ومن ثم فلم يتعلموا منهم أي شيء, وإنما هي افتراءات على الملكين جبريل وميكال, بنسبة هذه الكتب إليهما, وهم لا يضرون أحداً بهذه الكتب إلا بإذن الله, ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم, -لأن الكتب المختلقة المفتراة على الله لا نفع فيها بل هي ضرٌ خالص- ولقد علموا أن من قبل وأخذ بغير ما أنزل الله ما له في الآخرة من خلاق, فلبئس ما باعوا به أنفسهم, ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير.

وليس هذا القول افتراضية عقلية في فهم الآيات لا أثر لها في التاريخ, فلقد جاء في تفسير الطبري: "فـيكون معنـيّا بـالـملكين: جبريـل وميكائيـل لأن سحرة الـيهود فـيـما ذُكر كانت تزعم أن الله أنزل السحر علـى لسان جبريـل وميكائيـل إلـى سلـيـمان بن داود. فأكذبها الله بذلك وأخبر نبـيه مـحمدا صلى الله عليه وسلم أن جبريـل وميكائيـل لـم ينزلا بسحر قط, وبرأ سلـيـمان مـما نـحلوه من السحر, فأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين, وأنها تعلـم الناس ببـابل, وأن الذين يعلـمونهم ذلك رجلان اسم أحدهما هاروت واسم الآخر ماروت فـيكون هاروت وماروت علـى هذا التأويـل ترجمة علـى الناس ورداً علـيهم " ا.هـ
وكما رأينا فلقد ذكر الإمام الطبري أن سحرة اليهود كانت تزعم أن السحر أنزل بواسطة جبريل وميكائيل! وهو دليل تاريخي يؤكد ما نقول به. وقد يستغرب القارئ هذا القول لتعوده على فهم الآيات تبعاً لما قاله المفسرون, لذا نتناول الجملة المحورية في الآية, وهي قول العليم الخبير: "وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ" لنبين له أين انحرف المفسرون عنها, فقالوا بأقوال ما أنزل الله بها من سلطان:
تبدأ الجملة ب "ما" ولها الدور الحاسم في فهم هذه الآية, ويكاد يجمع المفسرون على أن "ما" هنا موصولة بمعنى "الذي", ويكون المراد من الآية على قولهم: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان والذي أنزل على الملكين هاروت وماروت ببابل. وتكون جملة (وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا) جملة اعتراضية.
ونحن نقول أن الجملة الاعتراضية هي التي إذا حُذفت لا تؤثر في المعنى, فهل يمكن حذف "وما كفر سليمان" هنا؟! إذا قلنا أنه يمكن, فهذا يعني أن الآية لم تذكر الغرض الأساسي وهو نفي السحر والكفر عن سليمان, وهذا ما لا يقول به أحد, فتكون "ما" نافية, ويكون المعنى كما روي عن ابن عباس, أنه لم ينزل الله السحر وكما روي عن الربيع ابن أنس: ما أنزل الله عليهما السحر. ولأنه مشكل أن تُنزل الملائكة من أجل السحر, قال بعض المفسرين أن المراد من "ملكين" بشريين, استناداً إلى قراءة قرأت بكسر اللام, فجعلتهما ملِكين!
والمشكلة أن كل المفسرين والمتناولين للآية فهموا الجملة هكذا: "وما أنزل على الملكين هاروت وماروت في بابل", على الرغم من أن الله العليم قال: "وما أُنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت", فقالوا أن الملكين هما هاروت وماروت, و"ببابل" اعتراضية! أما نحن فنهم الآية كما هي, ونقول أن الله يقول: ما أنزل على الملكين ب-شأن- بابل هاروت وماروت. فإذا نظرنا في السورة بحثا عن ملكين وجدنا أنهما الملاكان سابقا الذكر –جبريل وميكال-, والله تعالى ينفي فريتهم على جبريل وميكال -كما نفى فرية بني إسرائيل على سليمان-, ويقول أنه لم يُنزل عليهم بشأن أو بسبب بابل ذلك الشيء المسمى بهاروت وماروت.
ونلاحظ أن كلمة "هاروت" أو"ماروت" مشابهة تماماً لكلمة تاروت, والتي هي أوراق اللعب الشهيرة, والتي يستخدمها السحرة والكهان, كما أن كلمة هاروت هي معكوس كلمة توراه! فيكون هذا مؤكداً أن هاروت وماروت كتب أو طرق لتعليم السحر, نُسبت إلى جبريل وميكال. وقد يستغرب القارئ الفهم الطبيعي للآية, لأنه اعتاد أن يفهمها على غير ما قالها الله, لذا نسأله: هل هناك دليلٌ على أن هاروت وماروت أسماء ملائكة وليست أسماء كتب؟! ثم نسأله مجددا: أي التفسيرين للمثال القادم هو الأقرب للسياق: "ما أعطيت الزميلين في الفصل س و ص". فإذا كان "س و ص" شيء غير معروف, فهل ستميل إلى أن س وص هما الشيء المعطَى أم أنهما هما الزميلين؟! فإذا كان سيميل لا محالة إلى أنهما هما الشيء المعطَى, فلماذا يتمسك بالعكس مع الآية ؟!
إذا وكما رأينا فلا وجه للاستدلال بالآية في إثبات حقيقة للسحر, ولا دليل على وجود ملكين اسمهما هاروت وماروت, وإنما الآية في نفي كفر سليمان ونفي أن يكون السحر مأخوذ من الملائكة, ولبيان أنه مما اختلقه اليهود وأضلوا به الناس, وأنهم كما تركوا كتاب الله واتبعوا أقوال أحبارهم, فكذلك أعرضوا عن الرسول بتركهم كتاب الله وإتباعهم أقوال البشر.

رد مع اقتباس
  #38  
قديم 01-26-2012, 05:57 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة السابعة والثلاثون

قوم تبع!
من الأقوام الذين ذُكروا في القرآن, ولا يكاد يوجد أي تصور في ذهن القارئ المعاصر بشأنهم, قوم تبع, والذين ذُكروا في موضعين اثنين في القرآن, هما قوله تعالى: "أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [الدخان : 37], وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ [ق: 14]"
والمشتهر بين المثقفين أن تُبع أو التبابعة لقب لعامة ملوك اليمن, إلا أن الناظر في القرآن يجد أن حديثه عن تبع واحد معروف بين العرب, وليس عن عامة ملوك اليمن, لأن هذه التقسيمات التاريخية أو التعميمات, مثل إطلاق الفرعون على كل من حكم مصر لم يكن لها أي وجود في ذلك الزمان, ومن ثم فإن الحديث عن واحدٍ بعينه. ولقد ذكر المفسرون من هو تبع هذا, فنجد الطاهر بن عاشور يقول:
"وتُبّع المراد هُنا المسمّى أسعد والمُكَنَّى أبا كَرِب، كان قد عظم سلطانه وغزا بلاد العرب ودخل مكة ويثرب وبلغ العراق. ويقال: إنه الذي بنى مدينة الحِيرة في العراق، وكانت دولة تُبّع في سنة ألف قبل البعثة المحمدية، وقيل كان في حدود السبعمائة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم. " ا.هـ
وبغض النظر عن كون أسعد هذا تبع من عدمه, فإن النقطة الرئيس هي صلاح هذه الشخصية من طلاحها! فهل كان نبياً أم كان حاكما جباراً؟! الناظر في أقوال المفسرين يجدها تميل إلى أنه كان حاكماً وأنه أسلم, فنجد ابن عاشور مثلاً يقول:
"وتعليق الإهلاك بقوم تُبّع دونه يقتضي أن تبّعاً نجا من هذا الإهلاك وأن الإهلاك سلط على قومه، قالت عائشة: ألا ترى أن الله ذمّ قومه ولم يَذمه. والمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسند أحمد وغيره أنه قال: «لا تسبوا تُبعاً فإنه كان قد أسلم. وفي رواية: كان مؤمناً» وفسره بعض العلماء بأنه كان على دين إبراهيم عليه السلام وأنه اهتدى إلى ذلك بصحبة حبْرَين من أحبار اليهود لقيهما بيثرب حين غزاها وذلك يقتضي نجاته من الإهلاك. ولعل الله أهلك قومه بعد موته أو في مغيبه. " ا.هـ
والناظر في الروايات عن النبي يجد بعضها ينسب إلى النبي عدم معرفته به, فنجد أبا داود يروي في سننه: "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَدْرِي أَتُبَّعٌ لَعِينٌ هُوَ أَمْ لَا وَمَا أَدْرِي أَعُزَيْرٌ نَبِيٌّ هُوَ أَمْ لَا ".

ولقد وفّق العلماء بين هذه الروايات التي تظهر عدم معرفة النبي بحال تبع والأخرى التي تنهى عن سبابه بالقول بأن هذه كانت قبل أن يوحى إلى النبي بشأنه! إلا أن المرء يجد نفسه مضطرا لرفض هذه الروايات, لأنه من غير المعقول أو المقبول أن يكون الله العظيم الذي سأل المعاندين للرسول إذا كانوا خيرا أم قوم تبع, يسأل أقواما لا يعرفون قصة قوم تبع وأحوالهم جيدا! إن الرب سأل قوماً يعرفون تبعاً وحاله ونهايته جيداً ولذلك سألهم إذا كانوا خيراً منهم! ومن ثم فمن غير المقبول أن يكون المعاندون عارفين بتبع, ويكون الرسول الذي نشأ بينهم وعنده نفسه معارفهم وثقافتهم وزيادة, لا يعرف حال تُبع, سواء كان قبل الوحي أم بعده! ومن ثم فإن حال قوم تبع من التراث العربي الذي ضاع ولم يبق له إلا أثر بارز, وُوري هو الآخر! وهذا الأثر هو أن تبع هذا كان جباراً وكانت العرب تكرهه حتى أن المسلمين كانوا يسبونه, فنُسبت بعض الروايات إلى النبي تقول أنه أسلم! ولست أدري كيف خفي حال إسلامه على العرب وعلى قومه!
إن الناظر في موطني الذكر في القرآن يجد أن أحدهما يتحدث عن إهلاكهم, وأنهم أهلكوا على الرغم مما وصلوا إليه من القوة, لأنهم كانوا قوماً مجرمين, والآخر يتحدث عن تكذيبهم الرسل, وهذا يعني أنهم أرسل إليهم على الأقل رسول! ومن ثم فإن الحديث عن إيمان تُبع على يد أحبار يهود لا وزن له! فهل من المعقول أن يُكذب هو والقوم بالرسول ثم يؤمن على يد حبرين لم يُطالب بالإيمان بهما ولم يرسلا إليه! وهذا كله على افتراض أن تبع كان حياً عند إرسال الرسل أو الرسول إليهم, فربما كانت نسبتهم إليه مثل قولنا: قوم ثمود! ويكون حاكم قوم تبع شخص آخر أُرسل إليه رسول فكذب هو وقومه به فأُهلكوا جزاء إجرامهم!



الباب الثالث

نقض التبعية

اختلاف الشخصيات


تمهيد

بعد أن عرضنا نماذج لقصص عام في القرآن وقبل ذلك لقصص الرسل, بيّنا فيها وبها اختلاف ما قاله القرآن عما قاله المفسرون وعما جاءت به الروايات, والتي لها غالباً أصل توراتي, نعرض هنا بعض النماذج التي تبين الاختلاف التام للتصورات القرآنية عن التصورات التوراتية, وكيف أنه بسبب منهج التبعية الذي اعتمده المفسرون, بأن جعلوا القرآن محتاجاً للتوراة, طُمست ملامح التفرد القرآني, مما أدى إلى القول بأخذ القرآن من التوراة والإنجيل!
لذا نقوم اعتماداً على هيمنة القرآن على الكتب السابقة بتقديم نماذج منتقاة لبعض التصورات التوراتية التي أبطلها القرآن وجاء بخلافها, والتي إما جُعلت مصدقةً لها أو على الأقل ليس فيها مخالفة لها! على الرغم من مخالفته لها في الخطوط العامة العريضة لقصصه وكذلك في التفاصيل الصغيرة. وبهذا نضيف إلى الاختلافات السابقة اختلافات جديدة تؤكد تفرد القرآن عن التوراة –المحرفة- وتظهر أن القول بأخذ القرآن من التوراة مجرد دعوى لا مستند لها إلا الروايات الإسرائيلية وعدم النظر في النص القرآني.
ولا يعني إبطالنا تعلق القصص القرآني بالتوراتي أننا سنحوله إلى نص "نظري" لا علاقة له بالواقع أو التاريخ, لأنه من المفترض أن المقصوص كان في يوم من الأيام, وإنما سنقوم بتقديم بديل تابع غير مخالف للقرآن وهو التراث العربي, ذلك التراث الذي تم إهماله وتنحيته وتهميشه في مواجهة الانتشار السرطاني للتراث التوراتي, والذي اعتُمد كتفسير للقرآن, باعتباره مرجع تاريخي فاصل صادق!
ولا يعني تقديمنا التراث العربي كبديل أننا نقدمه كتفسير للقرآن! وإنما كتدليل تاريخي على التصورات المقدَمة في القرآن والمستخرجة منه, والتي قد يضعف من قوتها وتأثيرها عدم وجود مقابل لها على أرض الواقع ولا أثر لها في التاريخ ولا التراث. ونعود فنقول أننا لا نلتمس بهذا تصديقاً للقرآن, فالقرآن هو الذي يصدق التراث التاريخي, وإنما نرد على السؤال المنطقي الذي يقول: كيف تدعي اختلاف المضمون القرآني عن التراث التوراتي ونحن لا نجد لهذا الاختلاف أثراً عند أصحاب الشأن أنفسهم "العرب"؟!
فنرد على هذا السؤال بتقديم نماذج من التراث العربي أُغفلت وأُهملت, ولم يعد يسمع بها إلا أبناء المناطق التي عايشتها, والذين يتوارثونها كابراً عن كابر. ولا يعني هذا إقرارنا بكل ما جاء فيها, فقد اعتراها من النواقص البشرية ما اعتراها من تبديل ونقصان وزيادة, إلا أنها تستمد قوتها من تبعيتها للتصور القرآني وسيرها في نفس الاتجاه وليس في الاتجاه المعاكس!





نوح القرآني

فارق شاسع بين نوح القرآني ونوح التوراتي, فنوح القرآني رسول أُرسل إلى قوم يدعوهم إلى عبادة الله ويحذرهم الطوفان فلم يسمعوا له, فصنع الفلك ونجى به ومن معه من المؤمنين وأخذ معه بعض الدواب, وهلك الكافرون.
أما نوح التوراتي وطوفانه فأمر آخر تماماً, فربُّه حزن على صنع الإنسان لما ارتكب من الشرور وأراد أن يهلك الجنس البشري وما معه من الحيوانات والطيور, "6: 8 وأما نوح فوجد نعمة في عيني الرب", لسبب من الأسباب, الله أعلم به, فأراد أن ينجيه ويبدأ به وبنسله الجنس البشري مجددا, وحدد الرب لنوح مواصفات السفينة التي سيصنعها, كما أمره أن يجمع فيها من كل أصناف الدواب زوجين, وكان الطوفان ونوح ابن ستمائة عام, ولم يجعل للرب علامة يعرف بها حدوث الطوفان وإنما أعلمه أنه بعد سبعة أيام يبدأ المطر, وأعلمه المدة التي سيظلها الطوفان وأنها ستكون أربعين يوما وليلة, ثم مات كل من على الأرض من البشر وكذلك من الحيوانات!
ثم يعطي الرب نوحاً ميثاقه أنه لن يكرر مثل هذه الفعلة ثانية, وعلامة هذا الميثاق قوسه الذي يضعه في السحاب! ربما حتى لا ينسى!! ولم تذكر التوراة أي فعل لنوح قبل الطوفان, وذكرت أنه بنى محرقة للرب بعد الطوفان, ثم تذكر موقفاً وحيداً تؤسس عليه لمنزلة أصحابها الإسرائيليين ومكانتهم, وهو سكر نوح –بعد أن تُعرف بأبنائه وتقول أنهم أصل كل سكان الأرض- فتقول في سفر التكوين:
"9: 18 وكان بنو نوح الذين خرجوا من الفلك ساما وحاما ويافث. وحام هو أبو كنعان. 9: 19 هؤلاء الثلاثة هم بنو نوح ومن هؤلاء تشعبت كل الأرض. 9: 20 وابتدأ نوح يكون فلاحا وغرس كرما. 9: 21 وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه. 9: 22 فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه واخبر أخويه خارجا. 9: 23 فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء وسترا عورة أبيهما ووجههما إلى الوراء فلم يبصرا عورة أبيهما. 9: 24 فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير. 9: 25 فقال: ملعون كنعان عبد العبيد يكون لأخوته. 9: 26 و قال مبارك الرب إله سام و ليكن كنعان عبداً لهم. 9: 27 ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام و ليكن كنعان عبدا لهم"
وهكذا أصبح هناك جنس ملعون محكوم عليه أن يكون عبيداً لغيره! واعتمد أتباع التوراة على هذه السطور القليلة الغير منطقية, -التي لم تكتف بلعن إنسان على جرم لا يستحق اللعن أصلاً, وإنما أدخلت فيه أبنائه كذلك- اعتمدوا عليها في تأسيس خرافة السامية, والمطالبة بحقوقٍ وتَميز وعلو على باقي الأجناس.

فإذا نظرنا في القرآن وجدنا أنه اكتفى بالحديث عن نوح, فلم يعرض لأبنائه ولم يحكم بتميز أي جنس على الآخر, فمعيار التفاضل القرآني معلوم وهو الأعمال الصالحة. والموقف الذي قصّه عن ابنه كان بشأن الابن الكافر, الذي لم يشفع له كونه ابن رسول ليكون من الناجين, وشتان بين هذا المشهد وبين المشهد التوراتي الذي حكم بلعن جنس أبد الدهر لأن أباه رأى عورة! ويقارن المرء بين المحتويين فلا يجد عاملاً مشتركاً إلا وجود شخص اسمه نوح ووجود طوفان وسفينة, وما عداً ذلك فليس ثمة أي تقاطع أو توافق! ومن ثم فإن الحديث عن نقل محمد من التوراة, أو اعتمادها كتفسير للقرآن يُعد ضرباً من الخبل.


نوح اليمني

على الرغم من انعدام الاتفاق بين نوح القرآني ونوح التوراتي إلا في ثلاث كلمات "نوح, طوفان, سفينة", وعلى الرغم من وجود قصص مشابهة في مختلف الحضارات الإنسانية من اليونانية وحتى الصينية! إلا أن المسلمين اعتمدوا قول التوراة وقبلوا بكون نوح عليه السلام في العراق, ليس لوجود قصة مشابهة في الأساطير السومرية وهي قصة زيوسودرا والإله إنليل الذي أراد أن ينقذ البشر, أو في الأساطير البابلية مثل ملحمة جلجامش والتي قُص فيها من نبأ طوفان. إلا أن قول التوراة: "واستقر الفلك في الشهر السابع في اليوم السابع عشر من الشهر على جبال أراراط" كان له الدور الفصل في الحكم بأن نوحاً كان في العراق, وذلك على الرغم من وجود اختلاف بين التوراة العبرانية والسامرية في تحديد مكان الرسو, يجعل من الممكن القول أن نوحاً كان في سيلان! وفي هذا يقول الدكتور أحمد حجازي السقا: "(واستقر الفلك في الشهر السابع في اليوم السابع عشر من الشهر على جبال أراراط) وفي السامرية "على جبال سرنديب" وأراراط في إرمنية, وسرنديب في سيلان. " ا.هـ
فإذا نظرنا في القرآن وجدنا أنه لم يذكر أين كان نوح تحديداً, إلا أنه ذكر المكان الذي استوت عليه السفينة وهو "الجودي" , ومن ثم فمن المفترض أن يكون نوح في مكان قريب من الجودي, والذي هو ليس أراراط ولا سرنديب. وليست هذه هي الإحداثية الوحيدة التي ذكرها الله بشأن قوم نوح وإنما ثمة إحداثيات أخرى غاية في الأهمية وهي أن أرضهم لم تكن ذات أنهار ولا جنات وكان اعتمادهم على الأمطار: "فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً [نوح : 10-12]", يضاف إلى ذلك إلى أنها لم تكن أرض منبسطة وإنما كانت أرض جبلية, ذات جبال عالية, ظن معها ابن نوح أنها من الممكن أن تكون نجاته بالاعتصام بأحدها: "قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء .. [هود : 43]", وهذا يعني أنه ثمة جبال عالية كثيرة محيطة بواديهم, كان لها العامل الرئيس في سرعة ارتفاع مياه الطوفان. ومن ثم يجب استبعاد العراق تماماً كموطن لنوح, لأنها أرض منبسطة ذات جنات, تعتمد على مياه الأنهار, والبحث عن منطقة أخرى تتوفر فيها هذه المواصفات.
فإذا نظرنا في جزيرة العرب وجدنا أن اليمن –بالمعنى التراثي القديم وليس بالحدود الدولية الحديثة- هي المنطقة التي تنطبق عليها هذه المواصفات, ففيها الأحقاف التي كان فيها قوم عاد, والذين كانوا خلفاء من بعد قوم نوح, وفيها قبر هود عليه السلام, وهو مزار معروف مشهور, وفي هذا يقول الأستاذ عبد الوهاب النجار: "ويقول أهل حضرموت: إن هودا عليه الصلاة والسلام سكن بلاد حضرموت بعد هلاك عاد إلى أن مات ودفن في شرقي بلادهم على نحو مرحلتين من مدينة تريم قرب وادي برهوت! وقد أُثر عن علي كرم الله وجهه أنه مدفون في كثيب أحمر وعند رأسه سمرة في حضرموت. وأهل فلسطين يدعون أنه دفن عندهم وقد بنوا له قبر ويعملون له في كل سنة مولدا. وقول أهل حضرموت أقرب إلى المعقول لأنها متاخمة لبلاد عاد وهي الأحقاف دون فلسطين !" ا.هـ
ومن ثم فالمنطقي أن يكون نوحاً في هذه الأنحاء, التي نجد فيها مناطق تحمل أسماءً ذات علاقة ببداية البشرية, مثل آدم والجنة ونوح ... وعدن! والنقطة المحورية الفاصلة في هذه المسألة هي وجود "الجودي", فهل ثمة "الجودي" في اليمن؟ تأتي الإجابة بنعم, ثمة جبل اسمه الجودي في وادٍ يحمل نفس الاسم "وادي الجودي", في منطقة ثومه مديرية نهم محافظة صنعاء شمال شرق العاصمة صنعاء بنحو ثلاثين كيلو متر .
إذا فنوح القرآني يمني وليس عراقي, عاش في اليمن, والله أعلم هل مات بها أم مات في بلد آخر, فهذا لم يعرض له القرآن, إلا أن تراثنا العربي يقول أنه مات ودُفن بمكة, وفي هذا يقول ابن كثير: "وأما قبره عليه السلام: فروى ابن جرير والأزرقي عن عبد الرحمن ابن سابط أو غيره من التابعين مرسلا، أن قبر نوح عليه السلام بالمسجد الحرام. وهذا أقوى وأثبت من الذي يذكره كثير من المتأخرين، من أنه ببلدة بالبقاع تعرف اليوم بكرك نوح، وهناك جامع قد بنى بسبب ذلك فيما ذكر. والله أعلم. " ا.هـ


إبراهيم القرآني

لا يقتصر الأمر على نوح عليه السلام وإنما يتعداه إلى الخليل إبراهيم, فالناظر في التوراة يشعر أن إبراهيم التوراتي ليس هو إبراهيم القرآني, فمواطن الاختلاف بينهما تكاد تلغي نقاط الالتقاء والتي تكاد تنحصر في الأبناء والذبح, ولولاها لقلنا أن هذا غير ذاك لا محالة! فإبراهيم القرآني منذ كان فتى ينظر في الكون ويجادل قومه ويكسر الأصنام ويدعوهم إلى عبادة الله ويُلقى في الجحيم, أما إبراهيم التوراتي فأول مخاطبة للرب له كانت وهو في الخامسة والسبعين, ولم تبين التوراة لماذا خاطبه الله أصلا! ناهيك عن اسمه لم يكن إبراهيم أصلاً وإنما كان اسمه أبرام, ثم غيّر الرب اسمه إلى إبراهيم وهو في التاسعة والتسعين من عمره! بينما يصرح القرآن أن اسمه كان إبراهيم طيلة عمره, فلم يتغير: "قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ [الأنبياء : 60]" .
وإبراهيم التوراتي شخص يتنقل بماله وأنعامه من مكان لآخر ولا نجد له أي أثر دعوة, بل إنه يدفع امرأته العجوز ذات الخمس وستين ربيعاً للكذب, خوفاً من أن يُفتن أهل مصر بها فيقتلونه!!
وبعد اعتزال لوط إبراهيم, يعطي الرب إبراهيم عهدا بمباركة نسله وأن يعطيه ملك كذا وكذا! وهكذا تستمر التوراة في نسبة تمليك الرب البلاد والعباد لأحد من خلقه بدون أي مزية مذكورة! ثم تتحدث عن ميلاد إسماعيل, ثم عن ظهور الرب لإبراهيم وهو ابن تسع وتسعين فيعطيه عهداً وتكون المحافظة عليه بأن يختتن إبراهيم ونسله!! ويبشره بإسحاق الذي سيكون العهد معه! ثم يظهر الرب مجدداً مع ملكين لإبراهيم في مجيئهم لإهلاك قوم لوط, فيعرفهم إبراهيم ويقدم لهم طعاماً فيأكلوا!! بينما قال القرآن أن من جاء كانوا من الملائكة وأنه لم يعرفهم, وأنهم لم يأكلوا! ثم يجادل إبراهيم الرب في إهلاك قرى قوم لوط. ثم يكرر إبراهيم نفس الفعلة المتعلقة بزوجته مع ملك آخر! ولست أدري أي امرأة هذه التي يشتهيها الناس وهي في الخامسة والستين ... ثم في التسعين ؟! ثم تكلمت عن ميلاد إسحاق وطرد إسماعيل وأمه, وعن امتحان إبراهيم بذبح ابنه, وعن موت سارة ودفن إبراهيم إياها, وعن تزويج إسحاق ثم موت إبراهيم ودفن إسماعيل وإسحاق له.

وينظر المرء في معظم حياة إبراهيم فيجدها حياة راعٍ متنقل, يهبه الرب هبات, غير معللة في التوراة, بينما هو في القرآن الباحث الأكبر عن الحقيقة, والذي هداه الله إليه, والداعي إلى الله على كل حال. ويقلب المرء التوراة يمينا أو شِمالاً علّه يجد أي ذكر لمكة أو لبيت الله الحرام أو للحج! تلك الفريضة التي ارتبطت بالخليل إبراهيم, والتي تحدث القرآن عن تأسيس إبراهيم لها ونداءه الناس للحج: "وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)",
فلا يجد إلا حديثاً عن بيت إيل, والذي أميل إلى أنه بيت الله "الكعبة", إلا أن التوراة لا تعطي تفاصيل حول بيت إيل هذا, ولا تنسب لإبراهيم أي دور بشأنه, وإنما تذكر أنه أقام هناك وبنى مذبحاً للرب! وصمْت التوراة عن حدث بهذا الحجم في حياة الخليل استمر سنوات, في الأذان بالحج والقيام عليه بل وإقامة ذريته بعده عليه, وحديثها عن تنقل ببعض أنعام وصراعات على آبار مياه يجعل المرء يجزم بوجود عملية تدليس كبرى في سيرة الخليل إبراهيم عليه السلام.
وجاءت الروايات الإخبارية العربية تحكي عن وجود الخليل إبراهيم في مكة خاصة وفي الحجاز بشكل عام, إلا أن المستشرقين قابلوا هذه الروايات بالرفض بدون بينة, بحجة أنها مما اختُلق بعد الإسلام! ويعلق على هذا الدكتور محمد بيومي مهران فيقول: "انفردت المصادر الإسلامية بأخبار إبراهيم في الحجاز, وعلق بعض المؤرخين الغربيين على هذه الأخبار بشيء كثير من الدهشة والاستنكار, وكأن المصادر الإسلامية قد نسبت إلى إبراهيم خارقة من خوارق الفلك وأسندت إليه واقعة بيّنة البطلان بذاتها, وغير قابلة الوقوع! وواضح من أسلوب نقدهم أنهم يكتبون لإثبات دين وإنكار دين, ولا يفتحون عقولهم للحجة حيث تكون, فضلاً عن الاجتهاد في طلب الحقيقة. " ا.هـ

ومن ثم فإن الاعتماد على التوراة في فهم حركة الخليل إبراهيم في القرآن يُعد منطقاً عجيباً! فلا ملامح لتحرك الخليل إبراهيم في التوراة سوى التركيز على ارتحاله إلى الجنوب! ولا تعليل لهذه التحركات! وإنما هناك حديث عن تحركات وانتقالات! بينما القرآن يتحدث عن ذهاب إلى الله: "وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ [الصافات : 99], وهجرة إلى الله: "فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [العنكبوت : 26]", وإنجاء إلى الأرض المباركة للعالمين: "وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء : 71]", واختلف المفسرون في الأرض المباركة بين مكة والشام, والسؤال البديهي: ما هي الأرض المباركة, التي بذهاب الإنسان إليها يكون مهاجراً إلى الله؟ الأرض التي كان سيُذبح فيها إسماعيل الذي بلغ فيها السعي مع أبيه؟ لن يختلف اثنان في كونها مكة! إلا أن المفسرين جعلوا الأرض المباركة هي أرض الشام! ولست أدري أين تحدث الرب في كتابه عن أرض الشؤم هذه؟!
إن حديث القرآن كان عن أول بيت وضع للناس مباركا, وعن البيت الحرام الذي هو قيام للناس, إلا أن الثقافة التوراتية كانت من الانتشار بمكان أنها قادرة على بسط سلطانها في فهم الكتاب ومحو الفهم الإسلامي الأصيل, وفي هذا يقول باحثو جمعية التجديد: "قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلا جَعَلْنَا صَالِحِينَ" تؤكد هذه الآيات النورانية أن الخليل انتقل فعلاً من ديار آبائه بعد أن وضع في النار نتيجة مقارعته أئمة الضلال في عصره. فانتقل إلى موقع جغرافي آخر إلى أرض نعتها الله تعالى بالمباركة عالميا. فما هي الأرض التي عرف أنها مباركة وتميزت بمعرفة العالم لها منذ أقدم العصور؟ بالبحث في التراث نجد أن مكة كانت مقصد إبراهيم (ع) بعد خروجه من موطن الآباء، بيد أن هذه الحقيقة خولطت بشبهات وعوالق أثرت حتى على تفسير المفسرين وأحاديث المتكلمين. ولو استعرضنا فهم المفسرين للآية (الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) لوجدنا تبايناً عجيباً وترجيحات أعجب:
"قال بن زيد في قوله: "ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين" قال: إلى الشام. وقال آخرون: بل يعني مكة وهي الأرض التي قال الله تعالى: التي باركنا فيها للعالمين. ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد قال ثني أبي قال ثني عمي قال ثني أبي عن أبيه عن بن عباس قوله: "ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين" يعني مكة ونزول إسماعيل البيت, ألا ترى أنه يقول إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين. قال أبو جعفر: وإنما اخترنا ما اخترنا من القول في ذلك لأنه لا خلاف بين جميع أهل العلم أن هجرة إبراهيم من العراق كانت إلى الشام, وبها كان مقامه أيام حياته وإن كان قد كان قدم مكة وبنى بها البيت وأسكنها إسماعيل ابنه مع أمه هاجر غير أنه لم يقم بها ولم يتخذها وطنًا لنفسه ولا لوط. والله إنما أخبر عن إبراهيم ولوط أنهما أنجاهما إلى الأرض التي بارك فيها للعالمين".
هنا يتبين لنا أن ذاكرة العرب تحوي حقيقة أن مكة هي الأرض التي نجاه الله إليها إبراهيم، ولكن هناك شياع ثقافي مبهم مهيمن بينهم يهمّش هذه الحقيقة ويؤثر عليها غيرها من أقوال. " ا.هـ

إذا وكما رأينا فالإمام أبو جعفر الطبري قد رجح أن الأرض المباركة هي الشام استناداً إلى أقوال أهل العلم, المأخوذ من التوراة! بينما الوارد في القرآن وعن ابن عباس وفي الأخبار العربية يقول بخلاف ذلك! ومن ثم نقول أن الأرض المباركة هي مكة, وأن مقام الخليل كان في جوار مكة لقيامه بأمور الحج وتعريف الناس بمناسكه, وظل على ذلك سنوات طوال. إلا أنه زياراته لم تكن تنقطع عنها, فالحج ثم الحج ثم الحج كان المهمة الأكبر في حياة الخليل العظيم ... الذي استجاب له العرب ودخلوا في دين الله أفواجا وأصبحوا يحجون بيته, الذي قام عليه إبراهيم, وفي كبره أسند الأمر إلى ذريته! فهناك كان الخليل ... وهناك عاش الخليل وعلينا أن نبحث عن آثاره في هذه المنطقة المباركة ... وليس في أرض الشام.

رد مع اقتباس
  #39  
قديم 01-26-2012, 05:59 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة الثامنة والثلاثون
قرية قوم لوط !
قالت التوراة أن قرى قوم لوط كانوا خمسة, أشهرها وأكبرها سدوم وعمورية! إلا أن الناظر في القرآن يجد أنه سماها في كل مرات ذكرها "قرية", فلم يثن مرة أو يجمع! "وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ .. [الأنبياء : 74], " وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ...[الفرقان : 40], وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ ..[العنكبوت : 31]". ومن ثم نقول أن سيدنا لوط أُرسل إلى قرية وليس إلى قرى. والنقطة المحورية: هل قال القرآن أين تقع هذه القرية أم سكت عن ذلك وهل وافق التوراة في ذلك؟! فنقول: لم يقل القرآن مباشرة أن قرية سيدنا لوط تقع في المكان الفلاني, وإنما ذكر إشارة إلى ذلك. بينما ذكرت التوراة مكان سدوم وعمورية, واختُلف في تحديد مكانهما, فقيل أنهما جنوب البحر الميت أو شرقه (غرب الأردن), وقيل بالقرب من الناصرة الفلسطينية, إلا أنه ليس ثمة دليل أكيد على وجودهما في هذه المناطق, على الرغم من الأبحاث والحفريات الكثيرة التي أُجريت هناك, وفي هذا يقول العميد جمال الدين شرقاوي:
"علماء الآثار لم ولن يتوصلوا إلى الكثير من المواقع الجغرافية التوراتية التي يعود زمنها إلى عصر نبىّ الله إبراهيم .ومن أشهر هذه المواقع موقع قوم لوط, والمُعبَّر عنه توراتيا تحت مُسمى مُدن الدائرة في التوراة العبرية (تك 13 : 12) ومُسمى مُدن أبرح فى التوراة السامرية (تك 13 : 12) ومن أهم هذه المدن مدينتا سدوم وعمورة.
وقد ظهرت عدة نظريات افتراضية توضح اختفاء مكان كل من سدوم وعمورة, وهذه النظريات ظهرت أساسا بعد القول بأنَّ جميع مدن قوم لوط تقع فى الجزء الجنوبي للبحر الميت. ورغم الأبحاث المضنية التي قام بها المستكشفون تحت مياه البحر الميت لم يجدوا شيئا .وقد اعترف مؤلفو الموسوعات العلمية الكتابية الحديثة بعدم معرفة موقع كل من سدوم وعمورة يقينا. وإنما كل الأمر وما فيه عبارة عن تخمين وافتراض غير مُدعَّم بأدلة مقنعة لهم. ومن أراد التأكد من صحة كلامي فعليه بمراجعة كل من موسوعة (BAKAR) الكتابية الحديثة) الجزء الثاني صفحة 1975) وأيضا موسوعة ( The Zordervan Pictorial Encyclopedia of the Bible) الأمريكية الحديثة (الجزء الثاني صفحة 775 ) . كما أنَّ هنالك على شبكة المعلومات الدولية ـ الانترنت ـ الكثير من المواقع التي حَوَت أبحاثا جَمَّة عن موقعي سدوم وعمورة دون طائل " ا.هـ
إذا فالقول أن القرى تقع في جنوب البحر الميت ليس من المسلمات العلمية, فإذا نظرنا في كتاب الله عز وجل لنسترشد به في تحديد مكان هذه القرى نجد أنه يخبرنا أن هذه القرى تقع في مكان جد حار قريب من أهل مكة! وهذا ما لا ينطبق بأي حال على جنوب البحر الميت .
والآيات الدالة على هذا هي قول الله تعالى في سورة الصافات :"وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الصافات : 137-138]". فلم يقل الله العليم "وإنكم لتمرون عليهم صباحا أو ليلا أو في الليل", والخطاب في الآية خطاب لأهل مكة وليس لكل العالمين, لأنه لا معنى لأن يكون الناس كل الناس يمرون على مكان ما, فمن الممكن أن يمر الإنسان على أي مكان في أي وقت. ففي الآيات إشارة إلى كونهم في مكان حار لا يستطيع الإنسان أن يذهب إليه إلا في هذا الوقت, أي أنكم تمرون عليها حال دخولكم أنتم في الصباح, وليس المقصود حال دخول الصبح عليهم, كما أنكم تستغلون الليل في السفر لذلك قال "وبالليل" ولم يقل "في الليل" فهم يمرون عليهم مستغلين الليل "وبالليل" أو داخلين في الصباح. وبذلك تكون الإشارة الواضحة إلى أن قرى لوط في مكان قريب من مكة, وهذا ما قال به العميد جمال الدين شرقاوي: "فحين يقول القرآن عن مكان مدن قوم لوط" وما هي من الظالمين ببعيد "نفهم بداهة أنها على مسافة ليست ببعيدة عن مكان مشركي مكة. وتلك معلومة قرآنية أولى عن الموقع. وإذا قال القرآن عنها ] وإنها لبسبيل مقيم [ نفهم بداهة أيضا أنها تقع على طريق مأهول يرتاده العابرون. وتلك معلومة قرآنية ثانية عن الموقع. وإذا قال القرآن عنه] وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون[ نفهم أنَّ أهل مكة كانوا يمرون على موقع قوم لوط صباحا ومساءً أثناء رحلتهم التجارية الصيفية إلى الشام .وبجمع العلامات القرآنية الثلاث السابقة، نجد أنَّ مكان مدن قوم لوط ليس بعيدا عن مكة، وأنه يقع على الطريق التجاري المعروف لدى أهل مكة والذي يسيرون فيه أثناء رحلة الصيف التجارية. " ا.هـ
وانطلاقا من مبدأ هيمنة القرآن على الكتب السابقة, ووجوب قراءتها تبعاً للقرآن وليس العكس, قرأ العميد شرقاوي التوراة انطلاقا من هذا التحديد القرآني, ومن ثم أسقط إحداثيتها المذكورة على مناطق مختلفة كلية, فقال:
"وخير ما نفعله هنا بهذا الشأن هو مُراجعة خط سير القافلة الإبراهيمية أثناء خروجها من سيناء مصر مُتجهة جنوبا في سيرها. حيث تم الاستقرار الأول أو محطة الوصول الأولى لكل من إبراهيم ولوط عليهما السلام وأتباعهما فسكن لوط ومَن معه شرقا عند مدن الدائرة أو مدن أبرح حسب نسختي التوراة العبرية والسامرية . وسكن إبراهيم ومن معه غربا عند منطقة بلوط ممرا. وما علينا إلا أن نضع هاتين المنطقتين المتقابلتين على خريطة خط السير من سيناء مصر صوب الجنوب، ثم نبدأ دراستنا بدون افتراضات مزعومة مسبقة .
من الخريطة السابقة نجد أنَّ مكاني إقامة إبراهيم ولوط عليهما السلام في المنطقة الشمالية الغربية لشبه الجزيرة العربية قريبا من الشريط الساحلي المتاخم للبحر الأحمر . فأقام إبراهيم ومن معه في المنطقة الغربية القريبة من البحر الأحمر وأقام لوط ومن معه في المنطقة الواقعة شرقي مكان إقامة إبراهيم تبعا لنصّ التوراة (تك 13 : 10 ـ 11). " ا.هـ
ومن ثم فإنه على الباحثين التاريخيين أن ينقلوا نطاق بحثهم عن هذه القرى من جنوب البحر الميت إلى غرب البحر الأحمر قريبا من مكة وبلوط مرا, فهناك سيجدون القرية التي حدث بها ما حدث "وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [العنكبوت : 35]".


إسرائيل ليس يعقوب
دعوى عريضة تلك التي عمل بنو إسرائيل على نشرها وترويجها, بأن ادعوا أنهم من نسل يعقوب عليه السلام, وأن يعقوب هو إسرائيل, وأن الله تعالى –أو ملاكه- هو من سمّاه بهذا الاسم بعد أن تصارع معه, ومن ثم أصبح يعقوب يحمل اسم "إسرائيل", وأصبحوا هم أبناءه بالتبعية, ومن ثم أصبحوا ينتسبون إلى خليل الرحمن إبراهيم. ويا له من نسب ونسل, أن يصبحوا من نسل "أبو الأنبياء", فلم يقنعوا بأن يكونوا من نسل رجل صالح, لأنه في نهاية المطاف كغيره لم يتشرف بالوحي الإلهي. ولما كانوا مشهورين ببني إسرائيل ولا يمكنهم أن ينكروا ذلك أو يغيروه, كان من الممكن أن يغيروا إسرائيل نفسه, فجعلوه يعقوب عليه السلام, وبهذا اكتسبوا شرفاً لا يزاحمهم فيه مزاحم. وكذب بنو إسرائيل الكذبة وعمومها ونشروها وتقبلها من حولهم, إلا أن الله تعالى كشف زيفهم وبيّن كذبهم وكيف أنهم ليسوا من نسل الخليل وأن يعقوب ليس إسرائيل عليه السلام.
وقد يرفض القارئ قولنا هذا بدون أن يقرأ الأدلة التي استندنا إليها لذا نسأله هو: ما هي الأدلة القرآنية التي استند إليها في القول بأن يعقوب هو إسرائيل؟! سينظر القارئ فيما لديه فلا يجد دليلاً صريحا على أن هذا هو ذاك, لذا ندعوه إلى التدبر في المواطن التي فرّق الله فيها بينهما: أبرز المواطن التي كشف الله العليم فيها ذلك الزيف هو في السورة المسماة باسمهم "بنو إسرائيل", فقال: "وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً [الإسراء :2- 3]", فبيّن بجلاء لا لُبس فيه أن بني إسرائيل لا ينتمون إلى نوح وإنما إلى "من حملنا مع نوح", ومن ثم فهم لا ينتمون إلى أي من أبنائه, ومن ثم فإن كل الحديث عن الجنس السامي والانتساب إلى سام بن نوح يصبح خرافة لا محل لها من الإعراب, فهم ليسوا من نسل نوح أصلا وإنما يرجعون إلى واحدٍ من الذين حُملوا معه في الفلك!
وبخلاف القضاء على خرافة السامية فإن عدم الانتساب إلى نوح يعني عدم الانتساب إلى إبراهيم الخليل, فلقد قال الله في حقهما: "إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [آل عمران : 33-34]", فالمذكورين في الآية ذرية بعضها من بعض, ومن ثم فإن آل إبراهيم من ذرية نوح, وبنو إسرائيل ذرية من حُمل مع نوح, ومن ثم فمن غير الممكن أن يكون نسل إبراهيم ينتسب إلى نوح وإلى من حمل مع نوح في عين الوقت! بينما من المنطقي المقبول أن يكون هؤلاء نسل وأولئك آخر.
والآية التي يستند إليها القائلون بهذا القول هي دليل عليهم وليس لهم, فنجدهم يستندون إلى قول العليم: "أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ ...[مريم : 58]"
فيقولون أن إسرائيل هو يعقوب بدليل ذكره بعد الخليل, وهو قول مردود يرجح النص غيره, فذكره بعد الخليل مرجح لأنه ليس من ذريته وإنما هو شخص في زمانه أو سابق له, ولو كان من نسله لما كان ثمة حاجة لذكره منفصلاً بعده, لأن ذريته لا محالة هي جزء من ذرية إبراهيم! وانطلاقا من أن القرآن منزه عن اللغو والتكرار والحشو نقول أن هذه الذرية غير تلك.
والملاحظ أن إسرائيل لم يُذكر في القرآن إلا في سورتين اثنتين فقط , هما: آل عمران ومريم, وذكر في كليهما يعقوب قبله, فنجد الرب يقول في آل عمران: " قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [آل عمران : 84]", وذُكر يعقوب في مريم مرتين: "يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً [مريم : 6]","فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً [مريم : 49]", ولم يذكر في أي من السورتين ما يشير إلى أن يعقوب هو إسرائيل.
والفارق الرئيس هو أن الله تعالى ذكر يعقوب في مواطن ذكر الأنبياء وجعله وأباه كالخليل أئمة: "وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ [الأنبياء : 72-73]", ولم يذكر الله إسرائيل في ضمن مجموعات الأنبياء, فلم يقل مثلا: وإبراهيم وإسحاق وإسرائيل!
والأهم أنه لم يقل مرة أنه هو يعقوب, ولم يذكره في موطن يشير إلى أنه يعقوب, مثل مشهد حضور الموت فلم يقل مثلا: "أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ إسرائيل الْمَوْتُ .." وإنما قال: "أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة : 133]", ونلاحظ أن الله تعالى استعمل ال "آل" مع الخليل وأبنائه فقال: آل إبراهيم وآل يعقوب, ولم يقل مرة: بني إبراهيم أو بني يعقوب, واستعمل ال "بنو" مع إسرائيل, فقال: "بني إسرائيل", فلماذا لم يقل لهم مرة: يا بني يعقوب؟!
ناهيك عن أن الله فصَل بني إسرائيل عن آل إبراهيم فقال: "أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً [النساء : 54]", فهنا استنكر الله حسدهم الناس وبيّن أنه آتى آل إبراهيم الكتاب والحكمة, ولو كان بنو إسرائيل من نسل يعقوب لما كان من المعقول أن يحسدوا نفسهم, ناهيك عن أنه من المفترض أن يحسدهم الناس لا العكس.
قد يرى بعض القارئين أن هذه اجتهادات في فهم النص القرآني, ولكنها لا تقابل السنة التي صرحت في بعض الروايات أن يعقوب هو إسرائيل, مثل ما جاء في مسند أحمد عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: "حَضَرَتْ عِصَابَةٌ مِنْ الْيَهُودِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ حَدِّثْنَا عَنْ خِلَالٍ نَسْأَلُكَ عَنْهُنَّ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ فَكَانَ فِيمَا سَأَلُوهُ أَيُّ الطَّعَامِ حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ؟ قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ إِسْرَائِيلَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَام مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا فَطَالَ سَقَمُهُ فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْرًا لَئِنْ شَفَاهُ اللَّهُ مِنْ سَقَمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ أَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ وَأَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ فَكَانَ أَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ لُحْمَانُ الْإِبِلِ وَأَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ أَلْبَانُهَا؟ فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ " ا.هـ
فنقول: إن هذه الرواية وأمثالها مُضعفة من علماء مصطلح الحديث سنداً, ناهيك عن الإشكاليات النحوية البلاغية في وضع إسرائيل قبل يعقوب, لأن هذه الجملة لا تعني بحال أنه إسرائيل هو يعقوب وإنما أن إسرائيل تابع ليعقوب!
بينما أتت الروايات الصحيحة في السنة لتفرق بينهما وتقول أن هذا غير ذاك, وفي هذا يقول سويد الأحمد معلقاً على رواية في البخاري:
"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةٌ فِيهَا سَمٌّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اجْمَعُوا لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ الْيَهُودِ, فَجُمِعُوا لَهُ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْهُ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَبُوكُمْ؟ قَالُوا: أَبُونَا فُلَانٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَذَبْتُمْ بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ. فَقَالُوا: صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ. (...) وفي هذا الحديث قام الرسول (ص) بتكذيب ادعاء اليهود في أبيهم, فإن اليهود يدعون أن أبيهم هو يعقوب عليه السلام, أو أنهم يقولون إن أبيهم إسحاق أو إبراهيم عليه السلام, لكن, أيا كانت إجابتهم, فإنه (ص) قد كذّبهم. وعدم ذكر أبي هريرة أو أحد الرواة من بعده لاسم أبي اليهود هو ما ليس لنا به من حيلة. (....)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُنَاسٍ مِنْ الْيَهُودِ قَدْ صَامُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ, فَقَالَ: مَا هَذَا مِنْ الصَّوْمِ؟ قَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي نَجَّى اللَّهُ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ الْغَرَقِ وَغَرَّقَ فِيهِ فِرْعَوْنَ وَهَذَا يَوْمُ اسْتَوَتْ فِيهِ السَّفِينَةُ عَلَى الْجُودِيِّ فَصَامَهُ نُوحٌ وَمُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى وَأَحَقُّ بِصَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالصَّوْمِ.
وفي هذا الحديث يبين اليهود سبب صومهم يوم عاشوراء, وهو نجاة بني إسرائيل مع موسى عليه السلام, وأيضا فيه نجاة نوح ومن معه من المؤمنين, حيث استوت السفينة على الجودي, والسؤال هنا: لماذا لا يصوم اليهود اليوم الذي نجّى الله فيه إبراهيم من الغرق؟! ونحن نعرف علاقة اليهود ببني إسرائيل, لكن ما علاقتهم بنجاة نوح ومن معه؟! أليس لأن بني إسرائيل هم من ذرية من نجى مع نوح, حيث استوت على الجودي؟! وهذا ما قاله تعالى: "وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً [الإسراء : 2-3] " ا.هـ
وكما رأينا فقد كذّب النبيُ اليهودَ في أبيهم, ورأينا أنهم يحتفلون بنجاة نوح واستواء السفينة على الجودي, وهذا يؤكد ما قاله القرآن من أنهم ذرية من كان مع نوح, وليسوا من نسل إبراهيم ولا يعقوب!
والعجب كل العجب أن المسلمين يرفضون المقطع المذكور في العهد القديم في سفر التكوين, والذي يتحدث عن مصارعة يعقوب الرب والذي يُفترض أنه بسببه سُمي يعقوب إسرائيل, والذي جاء فيه: "فبقى يعقوب وحده, وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر . ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حُق فخذه -أي فخذ يعقوب- فأنخلع حُق فخذ يعقوب في مصارعته معه. وقال الرب: أطلقني, لأنه قد طلع الفجر, فقال يعقوب: لا أطلقك إن لم تباركني, فقال له: ما اسمك؟ فقال: يعقوب. قال: لا يُدعى اسمك فيما بعد يعقوب بل إسرائيل لأنك جاهدت مع الله والناس فقدرت .."
فيرفضون بل ويستهجنون أن يصارع يعقوب الرب أو حتى ملاك الرب –تبعاً لبعض التأويلات اليهودية/المسيحية التي استبعدت أن يصارع إنسان الرب! وعلى الرغم من ذلك فإنهم قبلوا التسمية, وقبلوا أن يكون يعقوب سُمي إسرائيل! على الرغم من أنه من المفترض أن ترُفض الحادثة كاملة وكل ما يُتعلق بها, لا أن تُرفض هي ويُقبل الغرض الذي من أجله اختُلقت وافتُريت!
ولقد بيّن القرآن أن يعقوب سُمي بهذا الاسم من قبل أن يولد: "وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود : 71]", وحسبنا ما قاله ربنا, أما التسميات المختلقة في قصص خرافية فلا قبول لها عندنا, خاصة إذا كان من اختلقوها لم يستعملوها! فالناظر في سفر التكوين يجد أنه ظل يستعمل اسم يعقوب بعد ذلك ولم يستعمل "إسرائيل", الذي اختُلقت من أجله هذه الرواية.
ولا يقتصر الأمر على هذا وإنما يتعداه إلى تفريق التوراة السامرية, والمرفوضة من اليهود العبرانيين, بين يعقوب وإسرائيل في الفقرة الأولى من سفر الخروج, فنجدها تقول:
"1- وهذه أسماء بني إسرائيل الداخلين مصر مع يعقوب الرجل وآله دخلوا. 2- رأوبين وشمعون ولاوي ويهوذا. 3- ويششكر وزبوان وبنيمم. 4- ودن ونفتالي وجد وأشر. 5- وكانت كل النفوس الخارجة من ظهر يعقوب سبعين نفساً ويوسف كان بمصر. 6- ومات يوسف وكل إخوته وكل ذلك الجيل. 7- وبنو إسرائيل ثمروا وتبعوا وكثروا وعظموا جداً جداً وامتلأت الأرض بهم" ا.هـ
وكما رأينا فلقد فرقت الفقرة بين بني إسرائيل وبين يعقوب وآله, وقالت أن يوسف وإخوته ماتوا, بينما كثر بنو إسرائيل وثمروا, ومن ثم فهؤلاء ليسوا أولئك. وهو أيضا ما قاله القرآن مفرقا بين يعقوب النبي وإسرائيل ... العبد الصالح الشكور!

الذبيح .... إسماعيل
تعد مسألة ابن إبراهيم الذبيح الذي أُمر بذبحه من النقاط المحورية التي قامت عليها اليهودية, حيث بنت مزاعمها بالحقوق في الأراضي العربية استناداً على الوعود الربانية التي وعدها الرب إبراهيم جراء إقدامه على ذبح ابنه! والذي ذكرت التوراة صراحة في سفر التكوين أنه إسحاق عليه السلام, فقالت:
"وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ اللهَ امْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: يَا إِبْرَاهِيمُ!. فَقَالَ: هاأنذا. فَقَالَ: خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ. فَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحًا وَشَدَّ عَلَى حِمَارِهِ، وَأَخَذَ اثْنَيْنِ مِنْ غِلْمَانِهِ مَعَهُ، وَإِسْحَاقَ ابْنَهُ، وَشَقَّقَ حَطَبًا لِمُحْرَقَةٍ، وَقَامَ وَذَهَبَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ. وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ رَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنَيْهِ وَأَبْصَرَ الْمَوْضِعَ مِنْ بَعِيدٍ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِغُلاَمَيْهِ: اجْلِسَا أَنْتُمَا ههُنَا مَعَ الْحِمَارِ، وَأَمَّا أَنَا وَالْغُلاَمُ فَنَذْهَبُ إِلَى هُنَاكَ وَنَسْجُدُ، ثُمَّ نَرْجعُ إِلَيْكُمَ. فَأَخَذَ إِبْرَاهِيمُ حَطَبَ الْمُحْرَقَةِ وَوَضَعَهُ عَلَى إِسْحَاقَ ابْنِهِ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ النَّارَ وَالسِّكِّينَ. فَذَهَبَا كِلاَهُمَا مَعًا. وَكَلَّمَ إِسْحَاقُ إِبْرَاهِيمَ أَبِاهُ وَقَالَ: يَا أَبِي . فَقَالَ: هاأنذا يَا ابْنِي. فَقَالَ: هُو َذَا النَّارُ وَالْحَطَبُ، وَلكِنْ أَيْنَ الْخَرُوفُ لِلْمُحْرَقَةِ؟ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: اللهُ يَرَى لَهُ الْخَرُوفَ لِلْمُحْرَقَةِ يَا ابْنِي. فَذَهَبَا كِلاَهُمَا مَعًا.
فَلَمَّا أَتَيَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ، بَنَى هُنَاكَ إِبْرَاهِيمُ الْمَذْبَحَ وَرَتَّبَ الْحَطَبَ وَرَبَطَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ فَوْقَ الْحَطَبِ. ثُمَّ مَدَّ إِبْرَاهِيمُ يَدَهُ وَأَخَذَ السِّكِّينَ لِيَذْبَحَ ابْنَهُ. فَنَادَاهُ مَلاَكُ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ: إِبْرَاهِيمُ! إِبْرَاهِيمُ!. فَقَالَ: هاأنذا. قَالَ: لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا، لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللهَ، فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي. َرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا كَبْشٌ وَرَاءَهُ مُمْسَكًا فِي الْغَابَةِ بِقَرْنَيْهِ، فَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ وَأَخَذَ الْكَبْشَ وَأَصْعَدَهُ مُحْرَقَةً عِوَضًا عَنِ ابْنِهِ. فَدَعَا إِبْرَاهِيمُ اسْمَ ذلِكَ الْمَوْضِع: هْوَهْ يِرْاَهْ. حَتَّى إِنَّهُ يُقَالُ الْيَوْمَ: فِي جَبَلِ الرَّبِّ يُرَى. نَادَى مَلاَكُ الرَّبِّ إِبْرَاهِيمَ ثَانِيَةً مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ: بِذَاتِي أَقْسَمْتُ يَقُولُ الرَّبُّ، أَنِّي مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ فَعَلْتَ هذَا الأَمْرَ، وَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، أُبَارِكُكَ مُبَارَكَةً، وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ تَكْثِيرًا كَنُجُومِ السَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، وَيَرِثُ نَسْلُكَ بَابَ أَعْدَائِهِ، وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي"
ولقد قص القرآن هذه الواقعة في سورة الصافات, إلا أنه قصّها بشكل مختلف ولم يذكر صراحة اسم الذبيح, وإنما قصّها بالشكل التالي:
"فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)"
وأول ما يلحظه المقارن بين النصين هو اختلاف العرض بين الروايتين, فالرواية التوراتية جعلت الذبح أمراً مباشراً من الله على سبيل الامتحان ثم كُشف لإبراهيم لاحقاً أنه لم يكن على سبيل الجد! أما الرواية القرآنية فقالت أن الخليل كان يرى في المنام أنه يذبح ابنه, ولم يكن في المنام أي أمر بالذبح لذلك شاور ابنه ماذا يفعل, وفهم الابن أن في الرؤيا رسالة لذلك قال له: افعل ما تؤمر وأنه سيصبر عليه, وخرج الاثنان والابن يعلم أنه ذاهب للذبح وليس ظاناً أن هناك ذبيحة غيره, كما ادعت التوراة!
والناظر في الأدبيات الإسلامية يجد أنه ثمة خلاف حول تحديد الذبيح, إلا أن الرأي الذي عليه أكثر العلماء أنه إسماعيل, استناداً إلى النص القرآني وإلى ما جاء في التوراة نفسها, والدليل الأبرز الذي يستدلون به من التوراة هو نعتها للابن ب "وحيدك" ثلاث مرات, وطبقاً للتوراة فإن إسماعيل ظل الابن الوحيد لإبراهيم أربعة عشر عاماً, ثم رُزق الخليل بعد ذلك بإسحاق, ومن ثم فمن غير الممكن أن يكون إسحاق هو الابن الوحيد لإبراهيم, وعدم وجود ابن للشخص في المكان ليس مبرراً بحال لنعت الآخر بأنه الوحيد له!
والناظر في النص القرآني المذكور يجد أنه من البعيد جداً أن يكون الذبيح المقصود هو إسحاق, فالناظر يجد حديثاً عن بشارتين, بشارة بغلام حليم, حدث معه كذا وكذا, وبشارة بإسحاق نبياً من الصالحين! والبشارة بالغلام الحليم كانت بعد ترك إبراهيم لقومه بعد محاولة حرقه, بينما كانت البشارة بإسحاق ويعقوب عند نزول الملائكة بالعذاب على قرية قوم لوط: "فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ [هود : 70-72]", ومن ثم فإنه ثمة فاصل زمني كبير بين البشارتين, ومن غير المنطقي أن نجعلهما واحدة, وإنما كانت الأولى في الغلام الحليم, والذي لم يسمه الله وإنما سماه أبوه, أما إسحاق –ويعقوب- فقد سمّاهما الله من قبل أن يولدا!
وهذه البشارة من الأدلة على أن الذبيح لم يكن إسحاق, فهل سيختبر الله إبراهيم بذبح ابنه الذي قال له أنه سينجب يعقوب؟! إن هذه البشارة تعني أنه سيحيى حتى ينجب يعقوب! ومن ثم فإن هذا الاختبار معلوم النتائج مسبقاً بأنه لن يتم حتى تتحقق البشارة, بينما يكون ذا جدوى إذا كان مع ابن لم يُبشر بشأنه.
يضاف إلى هذا أنه من غير المنطقي أن أتكلم عن فردٍ غير مسمى "غلام حليم" ثم بعد ذلك عن معرف "إسحاق", ثم يكون المعرَّف هو غير المسمى! إن المنطقي أن يكون هذا غير ذاك, بأن يأتي الترتيب بالعكس, فيذكر المعرَّف أولا ثم يعاد عليه بالضمير بعد ذلك, فيفهم أن هذا ذاك, أما أن يُعاد بالاسم الظاهر على غير المسمى فغير معهود ولا مفهوم!
يضاف إلى هذا المغايرة في النعت, ويعلق على هذا فتحي الزغبي فيقول: "الحجة الرابعة: وصف الذبيح بأنه غلام حليم ووصف إسحاق بأنه غلام عليم: استدل القائلون بأن الذبيح إسماعيل بما ورد في سورة الصافات, حيث وصف الله سبحانه الذبيح بأنه غلام حليم, وحينما ذكر البشارة بإسحاق وصف المبشر به بأنه غلام عليم في غير هذا الموضع .. وكذلك فإن إسماعيل قد وصف بالصبر في قوله تعالى "وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ [الأنبياء : 85]" وهذا أيضا وجه ثالث, فإنه قال في الذبيح: ".. يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات : 102] " ا.هـ
والنقطة الأهم في هذا النعت هو أنه رد على كاتب التوراة الذي جعل إسماعيل إنساناً –أو "حماراً"- وحشياً!: "وَإِنَّهُ يَكُونُ إِنْسَاناً وَحْشِيّاً يَدُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَيَدُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ وَأَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ يَسْكُنُ", فبيّن الله أنه حليم وليس وحشياً.
يضاف إلى هذا إلى أن إسماعيل هو من كان يساعد أباه في رفع القواعد, فهو الذي ارتبط بمكة, وهنا الحديث عن بلوغ السعي, فيكون هذا مرجحاً لأنه هو الذي سيُذبح! والعجب أن بعض المفسرين جعلوا قوله "إني ذاهب إلى ربي سيهدين" دليلاً على أن الذبيح إسحاق, لأنهم جعلوه ذاهباً إلى الشام, مع أنه من الأولى أن يُفهم أنه ذاهب إلى مكة, تلك البلدة التي فيها "بيت" الله, وارتبطت بالله ودينه! وخاصة إذا وجد في النص التوراتي نفسه ما يشير إلى هذا, فإذا كان إبراهيم سيذبح ابنه في أرض المريا, والتي هي بالتأكيد "المروة", فلماذا لا تكون البلدة هي ... مكة؟! والإشارات إلى أن الذبيح هو إسماعيل كثيرة نكتفي منها بالآية التي ذكرها الله بعد قوله "وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)", وهي: "وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ [الصافات : 114]", ففي هذا إشارة إلى أنه اكتمال منة الله على موسى وأخيه كما امتن على إسماعيل وأخيه.
وكما لم يسم القرآن الذبيح لم يسم الذِبح واكتفى بنعته بالعظيم, وقالت التوراة أنه كبش, واتخذه المسيحيون رمزا لإلههم! وتبعهم المسلمون في هذا فقالوا أن الذِبح كان كبشاً! بل وجعله بعضهم هو الكبش الذي قدمه هابيل! ولا مانع أن يكون الذِبح كبشاً ولكن هذا ليس حتماً, فمن المحتمل أن يكون ناقة أو حتى ... طيرا!
وبالقول أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام ينهار ركن جديد من أركان الخرافة التوراتية المختلقة, فلا بنو إسرائيل من نسل يعقوب, ولا الذبيح هو إسحاق, ومن ثم فلا حقوق ولا وعود ربانية لهؤلاء المتبعين لهم.


رد مع اقتباس
  #40  
قديم 01-26-2012, 06:01 AM

عمرو الشاعر

مدير عام

______________

عمرو الشاعر غير متواجد حالياً

 
الملف الشخصي


افتراضي


الحلقة التاسعة والثلاثون
قصة إسماعيل في التراث الإسلامي

من أكبر أسباب رفض المسلمين كون الذبيح إسحاق هو ما جاء في الروايات وما جاء عن الإخباريين, والذين قالوا أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام! وأبرز هذه الروايات وأكثرها تفصيلاً رواية البخاري عن ابن عباس, والتي تعد المرجع الرئيس في تصور قصة إبراهيم مع إسماعيل وأمه هاجر من المنظور العربي .. الإسلامي! وقبل أن نعرض الرواية للقارئ ننبهه إلى أن الرواية من قول ابن عباس وليس فيها مرفوعٌ إلى النبي إلا بعض الجمل اليسيرة! وبسبب هذا التداخل تعومل مع الرواية بأكملها كأنها من قول النبي, مع أنها من قول ابن عباس والذي أخذها لا محالة من غيره من الصحابة أو من الإخباريين! والرواية تقول:
"قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لَتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ, ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ, عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ, فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا, فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا, فَقَالَتْ لَهُ: أَاللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا. ثُمَّ رَجَعَتْ, فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: رَبِّ "إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ....حَتَّى بَلَغَ: يَشْكُرُونَ" وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا, وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى أَوْ قَالَ يَتَلَبَّطُ فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ, فَوَجَدَتْ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ يَلِيهَا فَقَامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا, فَهَبَطَتْ مِنْ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الْإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتْ الْوَادِيَ ثُمَّ أَتَتْ الْمَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا, فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا. فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا, فَقَالَتْ: صَهٍ! تُرِيدُ نَفْسَهَا ثُمَّ تَسَمَّعَتْ فَسَمِعَتْ أَيْضًا فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غِوَاثٌ. فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنْ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ أَوْ قَالَ لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنْ الْمَاءِ لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا.
قَالَ: فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا. فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ: لَا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتَ اللَّهِ يَبْنِي هَذَا الْغُلَامُ وَأَبُوهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَهْلَهُ. وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنْ الْأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ تَأْتِيهِ السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ. فَكَانَتْ كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمَ أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمَ مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ, فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ لَعَهْدُنَا بِهَذَا الْوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ. فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ فَأَقْبَلُوا –قَالَ: وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ الْمَاءِ- فَقَالُوا: أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ وَلَكِنْ لَا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ. قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُحِبُّ الْإِنْسَ. فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ وَشَبَّ الْغُلَامُ وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ. ...." ا.هـ
والناظر في الأدبيات الإسلامية يجد أنها تجعل سارة هي السبب في إخراج إسماعيل وأمه, بسبب غيرتها من هاجر لمّا ولدت إسماعيل, بينما لم تلد هي! إلا أنه من غير المنطقي أن تطلب المرأة إلى زوجها أن يطرد ابنه الوحيد الرضيع, الذي أنجبه هكذا على الكبر بدون سبب, بينما كانت التوراة أكثر منطقية في هذه النقطة, فجعلت الإخراج بعد أن كبر إسماعيل وصار أكبر من أربعة عشر عاماً وليس طفلاً رضيعاً! فجاء في سفر التكوين: "21: 8 فكبر الولد وفطم وصنع إبراهيم وليمة عظيمة يوم فطام إسحق. 21: 9 ورأت سارة ابن هاجر المصرية الذي ولدته لإبراهيم يمزح. 21: 10 فقالت لإبراهيم: اطرد هذه الجارية وابنها لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني إسحق. 21: 11 فقبح الكلام جدا في عيني إبراهيم لسبب ابنه. 21: 12 فقال الله لإبراهيم: لا يقبح في عينيك من أجل الغلام ومن أجل جاريتك, في كل ما تقول لك سارة اسمع لقولها لأنه بإسحق يدعى لك نسل. 21: 13 وابن الجارية أيضا سأجعله أمة لأنه نسلك" ا.هـ
والملاحظ أن الرواية وافقت التوراة في القول بأن الله أمر إبراهيم بإخراج هاجر وولدها, وفي هذا يقول خضر شايب: "والحقيقة أننا إذا نظرنا في باقي النص تبين لنا واضحاً السبب الحقيق الذي يكمن وراء (الاستجابة) لرغبة سارة, إذ نجده يقرر أنه: أمر من الله عز وجل. وهو العنصر الذي لم ينتبه اليهود إلى الحكمة فيه, فحاولوا إبعاد إسماعيل من النبوة كلها, كما أبعده والده عنه كما تنقل كتاباتهم. فهناك إذن (طلب) من سارة –وهو أمر نتقبله إقراراً منا لدرجة تأثير العواطف الإنسانية على تصور البشر للأمور, ولكننا مع هذا لا نقرره- وهناك (رفض) من إبراهيم عليه السلام, بدا في (غضبه) الذي عبرت عنه التوراة بقولها "فقبح الكلام جدا في عين إبراهيم" وهناك أيضا (الأمر الإلهي) وهو السبب القاهر الذي خضع له أبو الأنبياء –كما خضع من قبل لأمر الذبح- رغم حبه الشديد لولده إسماعيل, طاعةً منه –كما هي عادته- لله عز وجل, وتحقيقا لمشيئته.
2- ويتبين من النص السابق أن (سن) إبعاد إسماعيل تنفيذاً من إبراهيم عليه السلام للأمر الرباني كان أربعة عشر عاما على أقل تقدير, وهو سنه عند ميلاد إسحاق, يدل على ذلك بيان سارة سبب طلبها, والذي يتمثل في رفضها أن (يرث) ابن الجارية مع ابنها, وهذا يعني أن إسحاق كان موجودا عند الطلب. ولما كان الفارق بين ميلاد الأخوين أربعة عشر عاماً, فإننا جعلنا ذلك هو سن إسماعيل عند تنفيذ إبراهيم للإبعاد. وهذا يعني أن سنه من الممكن جداً أن يكون أكبر بسنوات, بل هو فعلاً كذلك, كما هو مستفاد من ذكر التوراة أن ما حرك نفس سارة لأن تطلب إبعاد إسماعيل هو أنها قد وجدته (يسخر) من ابنها. " ا.هـ
وكما رأينا فالقول بأن إخراج هاجر وإسماعيل شاب أكثر منطقية من القول بأنه ذُهب به هناك وهو طفل رضيع! ناهيك عن أن هذا أو ذاك لا يمكن أن يكون بحال هو المقصود بما قصه الرب على لسان الخليل: "رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم : 37]"
فالخليل قال أنه "أسكن", وترْكُ امرأة ورضيع في مكان قفر ليس بإسكان بحال! ناهيك عن أن الخليل قال: "من ذريتي" ولم يقل: "من أهلي!" وهذا يعني أن الخليل يتحدث عن إسكان بعض ذريته في البلد الحرام! ولو كانت هاجر زوجه موجودة لقال: "من أهلي"! ثم إنه تركهم عن البيت الحرام وليس عند مكان البيت, وهذا يعني أن البيت موجود فعلاً, وهذا يعني أنه بعد بناء البيت, والذي شارك فيه إسماعيل! يضاف إلى هذا أن الخليل يدعو الله أن يقيموا الصلاة ومن ثم يجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم! أي أن إتيان الناس لهم مترتب على إقامتهم الصلاة –إقامتهم الشعائر والحفاظ على الدين- ويدعوا لهم بالرزق من الثمرات! فهل هذا حال من يترك ابنه الرضيع وحيدا؟! يدعوا أن يقيموا الصلاة! وأن تهوي إليهم الأفئدة! لو كان الدعاء عن هذا الموقف لكان من الأولى أن يقال: ربنا إني أسكنت من بني رضيعا بواد غير ذي بشر ولا ماء! فاجعل لهم ماء ومن يسكن معهم! وتأمل السياق الذي جاءت فيه الآية: "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)", فالخليل يدعو للبلد, أي أنها موجودة وهو يدعوا لها بالأمن, ولا بلد بدون أهل!! وهو يخشى الانتكاسة إلى عبادة الأصنام, لذا يدعو الله أن يجنبه وبنيه أن يعبدوا الأصنام.
إذا فالراجح أن إسماعيل أُسكن مكة وهو كبير, وعاش فيها هو وبنوه قائمين على الكعبة, محافظين على الدين وإقامة شعائره, أما قصة الرضيع فبعيدة كل البعد ولا دليل عليها في القرآن.




هل كان يونس في نينوى؟

كما ارتبط سيدنا يونس بالحوت, اشتهر كذلك بين المسلمين بأنه بُعث إلى نينوى, وذلك لوجود رواية ضعيفة سنداً في سيرة ابن هشام قالت أن النبي لما كان في الطائف وبعد أن آذاه أهلها, سأل عدّاس, الذي قال له أنه من نينوى, إذا كان من بلد أخيه يونس بن متى. وما جاء في هذه الرواية التي ضعّفها الشيخ الألباني هو نفس ما جاء في التوراة, والتي قالت أن الله بعث يونس إلى أهل نينوى!
ولم يقل القرآن من أين كان يونس وإلى أي قوم أُرسل, إلا أنه قال أنه أُرسل إلى قومه: "فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ .. [يونس : 98]", وقالت التوراة بخلاف ذلك, فقالت أنه كان من قرية جت حافر بالجليل بفلسطين! وأمره الله بالذهاب إلى أهل نينوى بالعراق (بالقرب من الموصل), فما كان من يونس إلا أن فكر في الهرب إلى أسبانيا!!!
فنجد سفر يونان يقول: "1-وصار قول الرب إلى يونان بن أمتّاي قائلا 2- قم اذهب إلى نينوى المدينة العظيمة وناد عليها لأنه قد صعد شرّهم أمامي 3- فقام يونان ليهرب إلى ترشيش من وجه الرب .."

ونتساءل: لماذا يبعث الله رسولا إلى قومٍ ليسوا قومه, بعيدين عنه هذا البعد, ناهيك عن أنهم يتكلمون بلسان غير لسانه؟! والله لا يرسل رسولاً إلا بلسان قومه؟! فلماذا لم يرسل إليهم رسولاً منهم أو من جوارهم, و"انتدب" يونس من هذه البلاد البعيدة ليرسله إليهم؟! ولماذا هرب يونس بمجرد التكليف بالرسالة؟!
إن القرآن قال أن سيدنا يونس أبق بعد مباشرة الرسالة وليس بمجرد التكليف, وهو ذهب مغاضبا أي أنه غضب من قومه وقومه غضبوا منه, ومن ثم أبق إلى الفلك المشحون. وليست هذه الاعتراضات مانعاً لأن يكون يونس أُرسل إلى قرية اسمها نينوى, فربما يكون أرسل إلى نينوى فعلاً, ولكن السؤال: هل نينوى الذي أُرسل إليها يونس عليه السلام هي نفسها نينوى العراق, أم من المحتمل أن تكون نينوى أخرى؟!
إن النقطة التي يجب علينا الانتباه إليها هي أن مدينة قوم يونس كانت مدينة ساحلية تقع على بحر أو محيط, ولذلك عندما فكّر يونس في الإباق, أبق إلى الفلك المشحون! وهذا الفلك كان في بحر به حيتان يمكنها أن تأكل إنسان! ومن ثم فإن هذا يعني أن مدينة يونس كانت إمّا على البحر الأحمر أو المحيط الهندي أو البحر المتوسط! ومواطن الأنبياء في القرآن كانت إما بالقرب من البحر الأحمر أو المحيط الهندي, ومن ثم فإن هذا مرجح لأحدهما. يضاف إلى هذا أن مضيق باب المندب كان وإلى فترة قريبة مشهور بمصائد الحيتان.
وربما كان يونس وقومه في جزيرة من الجزر, ولذلك أبق إلى الفلك المشحون ولم يلجأ لأي وسيلة أخرى, لأن هذه هي الوسيلة الوحيدة المتاحة للخروج منها. وهذه النقاط كفيلة برفض التصور التوراتي, الذي يسعى لإيجاد أقدام له في العراق لبسط سلطانه على منطقة الشام والعراق.
فإذا نظرنا في تراثنا العربي وجدنا أن هناك من قال أنه كان باليمن, فنجد ابن كثير يقول في تفسيره لقوله: "فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ [الصافات: 145]" "ولهذا قال تعالى: (فَنَبَذْنَاهُ) أي: ألقيناه (بِالْعَرَاءِ) قال ابن عباس وغيره: وهي الأرض التي ليس بها نبت ولا بناء. قيل: على جانب دجلة. وقيل: بأرض اليمن. فالله أعلم. " ا.هـ
والقول بأنه كان على جانب دجلة مأخوذ من التصور التوراتي, إلا أنه مرفوض لا محالة, لأنه من غير المعقول أن يدخل حوت قادر على حمل إنسان في فمه في أي نهر من الأنهار! ناهيك عن أن جانب دجلة لا يعد عراءً! أما القول بأنه كان في أرض اليمن فهو مأخوذ من التراث العربي المتواري, الذي كان المفسرون يذكرونه على استحياء مسبوقا بكلمة "قيل"! ولا مانع من قبوله, فكما قلنا, فالمنطقة منطقة حيتان, ناهيك عن أن البحر محيط يمكن أن يتواجد فيه الحيتان, ويونس نُبذ في منطقة عراء من شاطئه.
ونعود فنقول: نحن لا نجزم بهذا القول, إلا أنه مما يتفق مع القرآن ومن ثم يمكن قبوله, أما التصور التوراتي فهو مرفوض لا محالة لمخالفته القرآن! فلم يكن يونس يوماً في شمال العراق وإنما كان في بلدة ساحلية ... والله أعلم!



ذو القرنين ... وسدّه!
ذو القرنين شخصية قرآنية لفها الغموض, احتار المفسرون في تحديدها وقلّبوا صفحات التاريخ علّهم يجدون من يمكن أن يكون ذو القرنين, فقدّموا اقتراحات واحتمالات لملوك, يمكن أن يكونوا ذو القرنين, وأشهر الأقوال التي طُرحت بشأنه أنه الإسكندر المقدوني, وذلك لكون هذه الرأي من أقدم الأقوال التي دُونت بشأنه, فلقد ذكره ابن هشام في سيرته, التي اختصر فيها سيرة ابن إسحاق. إلا أن هذا القول –وإن كان قد انتصر له بعض العلماء!- رفضه أكثر العلماء لأن سيرة الإسكندر المقدوني الوثني لا تتفق بحال مع سيرة ذلك الملك الصالح, الذي تلا الله على العرب منه ذكرا, ومن ثم رضي أكثر الباحثين بعدم تحديد شخصية ذي القرنين, والاكتفاء بأنه ملك صالح تلا الله علينا منه ذكراً, وعلينا استخراج العبرة والعظة من هذا الذكر.
ولم يُذكر ذو القرنين في القرآن إلا في موضع واحد في سورة الكهف, هو قوله تعالى: "وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)"
ولن نعرض للتفسيرات الخرافية لمطلع الشمس ومغربها, لأن هناك الكثير قد نقدوها وفنّدوها, وكذلك لن نعرض للتفسيرات السطحية التي جعلت: "قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا" بمعنى أنهم قومٌ لا يعرفون غير لغتهم , وإنما سنعرض للتفسير الحديث, والذي لاقى رواجاً كبيرا وقبولاً بين المسلمين, والذي أسقط شخصية ذي القرنين على الملك الفارسي: قورش, ذلك الفاتح العظيم الذي شرّق وغرّب, وبنى سداً عظيما!
أول من قال بهذا الرأي في عصرنا الحديث هو عالم الهند محيي الدين أحمد بن خير الدين, والمشهور بأبي الكلام آزاد, وتبعه في القول بهذا القول غيره, لذا ننظر في الأدلة المقدمة لهذا الرأي, هل تتفق مع القرآن, مما يعني إمكانية قبوله, أم أن علينا البحث عن غيره.
أول ما يستدل به القائلون بهذا الرأي هو أن اليهود سألوا النبي عن ذي القرنين لتعجيزه, لأنهم يعلمون أن رسول الله لا يعلم من هو ذي القرنين, ومن ثم فهو معروف لليهود. ولقد بيّنا سابقاً أن الرواية المتعلقة بأصحاب الكهف وذي القرنين مخالفة للقرآن الذي قال أن نبأ أصحاب الكهف كان من المعلوم للعرب! وكذلك فإن طريقة رد القرآن على سؤال العرب عن ذي القرنين تبين أنه مما لديهم به علم, وأن القرآن ما جاء إلا ليتلوا عليهم ذكرا, فهو يُذكِّر, لا يُعرف, فهو يتلو عليهم من نبأه ما يخدم أغراض السورة ويؤيد موضوعها. ومن ثم فلا علاقة لليهود بذي القرنين وإنما العرب هم من سألوا الرسول عنه!
ولا يعني أن العرب هم من سألوا عن ذي القرنين أنه يجب استبعاد الشخصية التوراتية, التي وردت في سفر دانيال, والتي أُسقط عليها رؤيا النبي دانيال: "فرفعت عيني ورأيت وإذا بكبش واقف عند النهر وله قرنان والقرنان عاليان والواحد أعلى من الأخر. والأعلى طالع أخيرا. رأيت الكبش ينطح غربا وشمالا وجنوبا فلم يقف حيوان قدامه ولا منقذ من يده (...) أما الكبش الذي رأيته ذا القرنين فهو ملوك مادي وفارس" ا.هـ
فإنه يبقى احتمالية قائمة, ومن ثم فعلينا النظر في النص القرآني لنبصر هل يمكن قبوله أم لا؟!
الناظر في أقوال أصحاب القول بأنه قورش, نجدهم يقولون أن القرآن لم يقص على اليهود ما يعرفونه عنه, فهم يعرفونه لأنهم التقوا به عندما كانوا أسرى في بابل, وحررهم وأعادهم إلى القدس وساعدهم في بناء معبدهم, إلا أنهم لا يعرفون هذا الجزء المتعلق برحلاته إلى الشرق!
وهذا القول يعني أنه لا فائدة في رد القرآن على اليهود –إذا كان يخاطبهم أصلا!- ناهيك عن هذا القول بعيد لأن الله قال أنه سيتلو منه ذكرا, وهذا يعني أنه تذكير وليس تعريف!
الناظر في النص القرآني يجد أن الله تعالى أشار إلى أنه أوحي إليه: "وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا", فهل قورش كان مسلماً؟! المستقرأ للتاريخ الفارسي يقول أنه من الممكن أن يكون زرادشت نبياً مسلماً, بينما لا يمكن أن يكون قورش كذلك! ومن ثم فإن أفضل ردِ على أصحاب هذا الرأي هو سؤالهم: ما هي نقاط التقاطع بين ذي القرنين القرآني وبين قورش؟! وتأتي الإجابة بأنه بغض النظر عن التوراة, لا نقاط التقاء إلا وجود سد حديدي, بناه قورش على ممر في سلسلة جبال القوقاز بين بحر الخرز "قزوين" وبين البحر الأسود, وهو الذي قال أبو الكلام آزاد ومن تبعه بأنه سد ذي القرنين, وما عدا ذلك فليس ثمة تقاطعات بين الشخصيتين.
قد يرى القارئ أن هذه النقطة كافية, فليس ثمة سد حديدي غيره, ومن ثم يمكننا القبول بأنه هو. فنرد بأن هذا ليس دليلاً كافياً بحال لإسقاط الشخصية القرآنية على قورش, وخير ردِ نقدمه له هو ما قاله الشيخ رشيد رضا في رده على سؤال بهذا الشأن, حيث قال:
"سئلَنا هذا السؤال غيرُ واحد من مصر وروسيا وغيرهما من الأقطار؛ ونقول قبل كل شيء: إن دعوى معرفة جميع بقاع الأرض باطلةٌ؛ فإن بقعة كل من القُطْبَيْنِ لا سِيَّمَا القطب الجنوبي لا تزال مجهولةً. وقد استدل بعض العلماء على أن السدّ بني في جهة أحد القطبين بذكر بلوغ ذي القرنين إلى موضعه بعد بلوغ مغرب الشمس ومطلعها, وليس ذلك إلا جهة الشمال أو جهة الجنوب. (...) ثم إن ما بُني على هذه الدعوى باطلٌ, وإنْ فرضنا أنها هي مسلَّمة , وذلك أنه يوجد في الأرض موضعان معروفان يحتمل أن السدَّ كان فيهما: أحدهما: الموضع الذي يُسمّى الآن (دربند) بروسيا, ومعناه: السد, وفيه موضع يسمى (دمرقبو) أي: باب الحديد, وهو أثر سد قديم بين جَبَلَيْنِ يُقال إنه من صنع بعض ملوك الفرس , ويحتمل أن يكون موضع السد. (....) وبيان أن وراءه قبيلتين اسم إحداهما: (آقوق) واسم
الثانية: (ماقوق) وتعريب هذين اللفظين بيأجوج ومأجوج ظاهِرٌ جَلِيٌّ.
وأمّا الموضع الثاني, فإننا نترجم ما جاء فيه عن بعض التواريخ الفارسية على غرابته وهو: في الشمال الشرقي من مدينة صنعاء التي هي عاصمة اليمن بعشرين مرحلة (مائة وبضعة فراسخَ) مدينة قديمة تُسَمّى الطُّوَيْلة, وفي شرقي هذه المدينة وادٍ عميق جدًّا , يحيط به من ثلاث جهات جبال شامخة منتصبة , ليس فيها مسالك معبَّدة , فالمتوغل فيها على خطر السقوط والهويّ, وفي الجهة الرابعة منه سهوب فيحاء, يستطرق منها إلى الوادي ومنه إليها, وفجوة الوادي من هذه الجهة تبلغ خمسة آلاف ذراع فارسي ( الذراع الفارسي متر وأربعة سنتيمترات) وفي هذه الفجوة سدّ صناعي يمتد من أحد صدفي الجبلين إلى الآخر, وهو من زُبر الحديد المتساوية المقدار, فطول هذا السد خمسة آلاف ذراع, فأما سمكه فخمسة عشَر شِبْرًا, وأما ارتفاعه فيختلف باختلاف انخفاض أساسه وارتفاعه؛ لأن أرضه غير مستوية. وفي القرن العاشر للهجرة لَمّا فتح سنان باشا القائد العثماني اليمن وصل إلى قلعة تسمى تسام, واقعة بجوار هذا السدّ, فأمر بعدَّ زبر الحديد المبني بها السد, فقصارى ما تيسر لهم عده منها تسعة آلاف, وفي طرفي هذا السد قلعتان عظيمتان محكمتا البناء قديمتان، تسمى إحداهما قلعة العرصة والثانية قلعة الباحثة " ا.هـ
وكما رأينا فلقد ذكر الشيخ رشيد رضا رداً رائعاً وهو أنه من الممكن وجوده في بقعة لمّا تكتشف بعد, أو تغيرت ملامحها الجغرافية, وهو احتمال قوي. والأهم من ذلك أنه ذكر وجود سد آخر في اليمن له مواصفات السد المذكور في القرآن, ومن ثم فلا مرجح لجعل سد قورش أولى في القبول من السد الموجود في اليمن, والذي لا تزال آثاره باقية حتى الآن, والذي رجح الشيخ محمد راغب الطناح في كتابه -الذي لم يتسن لنا الإطلاع عليه-: "ذو القرنين وسد الصين .. من هو وأين هو" أن يكون هو سد ذي القرنين. وبهذا يصبح أمام الباحث سدين: سد لقورش الفارسي, وسد في اليمن, فهل من مرجح لأحدهما؟!
نجد أن الاسم القرآني "ذو القرنين" مرجح قوي لكونه اليمني, فملوك اليمن هم الذين اشتهروا في التاريخ القديم بتلقيبهم ب "ذو" كذا, واشتهرت اليمن بالأذواء مثل ذو نواس وذو المنار وذو يزن وذو الإذعار وغيرهم. والنقطة الأهم أنه ثمة وجود ل "ذو القرنين" في التراث العربي القديم, وليس مجرد وجود "ذو" في ألقاب حكام اليمن! فنجد أنه ملكان يمنيان لُقبا بهذا اللقب, هما: الهميسع بن عمرو بن عريب بن زيد, والصعب بن ذي مرائد بن الحارث الرائش بن حمير بن سبأ. وفي هذا يقول الإمام الهمداني:
"فأولد عريب عمراً، فأولد عمرو زيداً والهَمَيْسع وهو ذو القرنين السّيار، ويكنى بالصعب بقول أهل السجل وبني عريب بن زيد بن كهلان. (...) وأولد الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان ربيعة بن الخيار والحارث الأعلى، فأولد الحارث الأعلى مالكاً، فأولد مالك الصعب ذا القرنين السيّار, بقول همدان. والأزد وأنمار بن أراشة وآل عريب ومن نحا نحوهم يقولون: هو الهيمسع بن عمرو بن عريب بن زيد بن كهلان. " ا.هـ
ولا يكتفي الهمداني بهذا وإنما يورد بعض أبيات شعر لحسا بن ثابت الأنصاري تؤكد هذا التوجه, تقول:
"فنحن بنو قحطان والملك والعلا ومنا نبي الله هُود الأخاير
وإدريس ما إن كان فى الناس مثله ولا مثل ذي القرنين ابنا عابر
وصالح والمرحوم يونس بعدما ألات به حوتٌ بأخلب زاخر
شعيب و إلياس وذو الكفل كلهم يمانيون قد فازوا بطيب السرائر " ا.هـ
ناهيك عن وجود قبر لذي القرنين في اليمن لا يزال موجودا حتى الآن (وإن كانت المنطقة أصبحت تبعاً للمملكة العربية السعودية), وفي هذا يقول الهمداني: "وعسير يمانية تنزّرت، ودخلت في عنز فأوطان عسير إلى رأس تيّة وهي عقبة من أشراف تهامة، وهي أبها وبها قبر ذي القرنين فيما يقال عثر عليه على رأس ثلاثمئة من تاريخ الهجرة. " ا.هـ
إذا فليس ثمة مانع من أن نفهم الآيات كما هي, من أن ذي القرنين كان حاكماً من حكام اليمن القدامى الملقبين ب "ذو", وهذا مما يعرفه العرب لا محالة, وهو مرجح إضافي لعروبته.
ونحن لا نجزم إذا كان نبياً, فربما كان عبداً صالحاً مثل العبد الذي قابله موسى, وربما كان نبياً, فليست مخاطبته ".. قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً [الكهف : 86]" دليلاً جازما على النبوة, وخاصة أن الله تحدث عن التمكين في الأرض ولم يذكر له رسالة, والله أعلم. إلا أننا نستبعد ما قاله بعضهم أن ذا القرنين هو سيدنا سليمان عليه السلام, لاختلاف سماتهما.
إذاً فذو القرنين ملك عربي يمني صالح -وليس فارسيا-, تجول في الأرض, وذكر الله من نبأه أنه بلغ مغرب الشمس وبلغ مطلع الشمس فوجدها تطلع على قوم لم يجعل الله لهم من دونها ستراً, فكانوا في صحراء مستوية حيث لا جبال تقيهم الشمس ولا أشجار تظللهم, ثم وصل إلى قوم ذوي بلادة طلبوا منه بناء السد فبنى لهم سداً ردما, ليحميهم من هجمات يأجوج ومأجوج, فكان خير مثال للملك المؤمن الذي يسخر ما مكّنه الله فيه للدعوة إلى الله ولصالح عباد الله, وليس ليستولي على خيراتهم ويستعبدهم, فيدعو إلى الله بالعمل قبل القول.

وقد يرفض القارئ هذا القول لا لشيء إلا لأنه يهدم التصورات الخرافية الموجودة لديه عن يأجوج ومأجوج, لأنه يقول أن يأجوج ومأجوج قبائل بشرية مفسدة, ليس أكثر, وهو ينظر إليهم باعتبارهم جنس عجيب, ويرى أنهم سيستمرون على هذه الحالة من الهمجية حتى آخر الزمان, ثم ينهار السد ويخرجون فيفسدون في الأرض ويدمرون دماراً عريضا! ويَعُد خروجهم ونزول المسيح من أشراط الساعة! إلا أن هذه التصورات لا مستند لها في القرآن, كما أنها تخالفه وتخالف أصول الدين مخالفة كبيرة, وقد بيّنا هذا في غير هذا الكتاب بتفصيل كبير مسهب , أما ما قاله القرآن فلم يزد عن كونهم قبائل مفسدة, ويظهر أنهم من غير سكان المنطقة وإنما كانوا يغيرون عليها فيفسدون, ثم يعودون أدراجهم مرة أخرى إلى أوطانهم! ولو كانوا جيران هؤلاء القوم البُلداء لما تركوا ذا القرنين يبني السد, كما أن السدود لا تصلح كعائق بين جيران, لأنهم يمكنهم عبر الزمان أن يوفروا ما يمكنهم به تجاوز السد وارتقاءه, بينما يصلح لسد هجمات أقوام مغيرة ليسوا من أبناء البلاد, وأنا أميل –استناداً إلى اسمهم- أنهم ربما يكونون قبائل إفريقية بدائية! وربما يكونون غير ذلك, والله الخبير العليم وحده أعلم.


رد مع اقتباس
رد


أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

 
:: تصميم : ثقاتـ لخدماتـ التصميم والتطوير ::